الاثنين، 24 نوفمبر 2014

الثقة والعجب، و ود الخير للنفس والناس




اقتباس:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيكم على هذا الردّ الشافي ، الصراحة أحسست أنّكم دخلتم إلى أعماق نفسي ، صِدقا أتمنى أن أكون كما قلتم ،،،


مررت بتجربة وسواس قهري في العقيدة ، تركت لدي آثار في قلبي أتعبتني ، الآن أحسّ أنني شُفيت بعض الشيء منه ، لكن مثلما قلتم هنا " معتقدا أن هذه هي "انا" في عقلي الباطن كما قالوا لي في كتب علم النفس التي ألّفها ملاحدة ماديون. اكتشفت فيما بعد أنها ليست مني، ففرحت، وعرفت أنها تقتحمني رُغما عني، ولو كانت منّي لما احتاجت لاقتحام. "
هذا هو ما يحصل لي ، فحتى الآن مع خِفة الأفكار ، أقول في نفسي الإشكال الأكبر ماذا لو كانت من تعتقد ذلك هي أنا ؟ وليست وسواسا من الشيطان والعياذ بالله ؟؟
الحمد لله كلامكم أراحني في كثير من الجوانب ،

لكن وددت أن أسأل ، عن الفرق بين الثِقة بالنّفس والعُجب المذموم ، لأني ربما ليست لدي فكرة واضحة عن ذلك ؟
يعني كيف للإنسان أن يكون واثقا بنفسه = الذي أحب أن أسميه ثقة بالله أصلا = من غير أن يكون معجبا ؟؟

وكيف يمكن أن يجمع الإنسان بين حبّه أن يكون الأفضل وبين قوله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ يعني كيف أحب أن أكون الأفضل وفي نفس الوقت أن يكون إخواني وأخواتي الأفضل أيضا في كلّ مناحي الحياة الدينية والدنيوية ؟

أرجو المعذرة على الإطالة
وبارك الله فيكم"

الرد :

سؤالك من شقين :

الأول عن الثقة بالنفس والفرق بينها وبين العُجب ، والثاني عن كيفية الجمع بين تمني الأفضل للنفس وتمني الأفضل للآخرين ..

بالنسبة لجواب الشق الأول : العُجب مبني على أساس مادي أصلا، لا يمكن أن يُعجب بنفسه من يمارس الأخلاق لأجل الفضيلة، وكل مغرور هو في حالة مادية، لأن المادة تقدّم التمايز واضحاً بين الناس. وقد يعجب بنفسه من يملك ثروة او سلطة او جمال خلقِّيا او ذكاء ماديا أو شهادات او خبرة معينة إلى غير ذلك ، لكنها كلها على منحى مادي، مثل ما أعجب قارون بنفسه، وليس بنفسه حقيقة بل بماله، ومثل ما أُعجب صاحب الجنتين بجنتيه وكثرة أتباعه وأولاده.

الحكيم مهما بلغ لا يصيبه العجب، وإلا لما كان حكيما، فالحكمة تتنافى مع الغرور ولا يعيشان في بيت واحد. والحكيم يعلم ان القوة المادية ساقها الله و وفق إليها. قارون يعرف أنه ليس أعلم ولا أنشط ولا أذكى من غيره، لكن الشيطان زيّن له أن هذا عن علمٍ عنده وليس عند غيره. وهكذا كل معجب ومغرور يظن أن ما حصّل عليه بسببه هو فقط، و كأنه قارون ! لكن الحكيم الحصيف يعلم ان هذا توفيقٌ من الله وأن هذه الثروة أو السلطة او المكانة جاءته بنفسها أكثر مما جاءها هو، فأغلبها عن طريق الوراثة أو السوق وتقلباته أو الصدفة، الخ من الأسباب التي يسوقها الله ليختبر عباده. فالله يبتلي بالخير مثلما يبتلي بالشر، وابتلاء الخير اشد من ابتلاء الشر؛ لأن ابتلاء الشر على قسوته يُلجِئ الإنسان غالبا إلى الله ، قال تعالى (وإذا مسه الضر فذو دعاء عريض) ، لكن إذا مسته النعماء قال هذا من عندي وبحنكتي وقدراتي ، إلا من رحم الله كآل داوود حين عملوا شُكرا.

كذلك العمل الأخلاقي بدافع الرياء قد يسبب العجب. لكن من يعرف الأخلاق ويعرف الله ويعرف نقصه لا يمكن أن يصاب بالعجب مهما بلغ. السنابل الفارغة تشمخ برؤوسها عالية، والسنابل الممتلئة تنحني إلى أسفل. قال تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هَونا) وقال (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور) وقال (واقصد في مشيك) أي بدون تكلف ، (واغضض من صوتك) . والعربة الفارغة تُصدر ضجيجا يدلّ عليها.

الثقة بالنفس قد تنقسم الى ثلاثة انواع : ثقة بالله ، ثم بالشعور ، ثم بالعقل .. الثقة بالله تكون إذا عمل الإنسان ما عليه بحدود استطاعته وليس العنت، وتوكل على الله ووثق به، وتدخل فيها كل أنواع الثقة، كما في الحديث (اعقلها وتوكل) .

النوع الثاني هو الثقة بالإحساس، وهو الذي ينتج الإيمان بالله والإيمان بالفضائل والعبقرية والإبداع والشجاعة الخ ..

بقيت الثقة بالعقل، وهي لا بد أن يتفق فيها الشعور والمنطق ، أما الثقة بالعقل بدون شعور ولا منطق فهي تنتج الأخطاء والحماقات. كثيرٌ من المعلومات في عقولنا لكنها غير منطقية، وأي شيء غير منطقي لا يرتاح له الإحساس، حتى لو أكثرَ عليه الناس. هنا تأتي الثقة بالنفس التي تجعلنا نخالف أحيانا السائد ..

بالنسبة للشق الثاني حول تمني الأفضل للآخرين وطلب الافضل للذات : ففي الدين والأخلاق نجد المجال واسع ويشمل الجميع ويستطيع أن يحصل عليه الجميع دون أن ينفد، لهذا قال تعالى (و في ذلك فليتنافس المتنافسون)، أي بلا حسد. وهو التنافس الشريف لأنه ليس فيه ضحية، والفرص متساوية للجميع، ليس مثل الجائزة أو المباراة أو المنافسات الرياضية التي يتعب لها الجميع ثم يأخذها واحد و يحتاج البقية لعزاء !! فالله واسع الفضل ، ومن هنا نفهم كيف أن الله واسع الفضل. وجوائزه ليست مثل جوائز الناس الضيقة.

وموضوع (ود لأخيك ما تود لنفسك) منقسم الى شقين : مادي ومعنوي، بالنسبة للمعنوي فلا مُشاحَّة فيه، فكل انسان فيه خير يتمنى أن يدخل الناس كلهم الجنة، ويتمنى أن كل الناس أخلاقهم فاضلة.

بقينا في الشق المادي : كوُدِّ و أمنيةٍ أيضا أتمنى إذا كان عندي بيت أن يكون للجميع بيت، وإذا عندي عافية أن يكون للجميع عافية، وأتألم إذا وجدت من لا يملك ما يقتات به أو كان مريضا أو فقيرا إلخ ، مسلما أو غير مسلم ، لأن الله أرسل نبيه رحمة للعالمين .. فالحديث قال (ودّ لأخيك ما تود لنفسك)، ولم يقل (أعط ما تملك لغيرك) . لكن أعطي الفضل والزائد عن حاجتي لمن يحتاج، و كوني أودُّ لأحدٍ الصحة لا يعني أني أعطيه صحتي ! لأننا نطلب ونتمنى من عليّ قدير يستطيع أن يعطي الجميع ولا ينفد ما عنده، فجاري الفقير مثلا أودّ له الغنى والرفاه ، لكن لا أخرج من بيتي وأُدخله إياه بدلا عني ! لكن أعطيه ما زاد عندي وأخصّه به ..

أنا شخصيا لا أحب التنافس على جوائز او طموحات، احب التنافس على جوائز الله التي تشمل الجميع، لا أحب أن أنافس على جائزة واحدة، فهي تسبب لي الحرج والعنت والأسى حتى لو فزتُ بها، فآسى على غيري، وإن لم أفز بها آسيتُ على نفسي، ولا يعجبني هذا الأسلوب في التربية؛ لأنها فكرة مادية، روحها البقاء للأقوى. فما بالك بجوائز ألعاب الحظ أو الميسر التي سببت المآسي والجرائم .. لنتنافس على ما عند الله كما أمرنا ، فهو خير وأبقى .

هكذا الإسلام يقدّم لنا أجمل الأخلاق .. نحن نعطي المحتاجين من دعائنا ومن أمنياتنا، ولا نحسد من ينجح، بل نفرح له ، وان وجدنا في انفسنا شيء فلا نصنفه كحسد تلقائيا، إلا إذا بدرَ منّا شر، وإلا فهو لومٌ للنفس على الإهمال .. وهذا شيء طبيعي ..

وزيادة على هذا نعطي المحتاجين من الصدقة الواجبة كالزكاة، ومن الصدقة اللاحقة كالتبرع والتطوّع والمساعدة والمعاونة، كل إنسان يكفيه أن يُعامل بهذا الشكل. ما أعظم أخلاق الإسلام لو أنها تأخذ الصدارة في الاهتمام.

وجزاك الله خيرا ..

الإنسـان مخـلـوق مـثـالـي



الإنسان إما أن يكون عنده صورة مثالية عامة يريد أن يصل إليها أو أنه يبحث عنها ولا يرتاح حتى يجدها, فكل البشر في كل المجتمعات لديهم صور مثالية يسعون إليها ويتحمسون بسببها أو يبحثون عنها, ومعنى الصورة المثالية هي الأفضل والأصح بشكل كامل وشامل. فتجد مثلا من عنده صورة مثالية عن رجال دين طاهرين أو صورة مثالية عن قبيلته أو مدينته أو عائلته أو عرقه..إلخ, وكلما زاد تنصيع المثالية في الصورة وإزالة المشوشات عنها كلما صفي الحماس و الاندفاع, ولهذا يحتاجون لأجل التصفية إلى منع المؤثرات الخارجية المضادة أحيانا. و ضيق الصورة المثالية وكثرة الثغرات فيها يسبب التعصب والهياج.

الصورة المثالية هي هاجس الإنسان وهي حاجة شعورية فطرية وتتبعها حاجة البحث عن القدوة, فالبحث عن القدوة هو لأجل أن يقدم لك الصورة المثالية التي تبحث عنها, هذه هي مصدر الحماس والطاقة للإنسان. والخرم الواحد في الصورة المثالية كافٍ لإعطاب هذه الصورة تدريجيا إذا لم يُسَد, لهذا المحاماة في التعصب هي الأهم من أجل سد الثغرات. و إذا انخرمت الصورة المثالية عند الإنسان تجده يبحث عن صورة مثالية أخرى, و إن لم يجد قد يركب صورة مثالية من عدة صور مثالية وحينها يضعف, لأن التناقض يُضعِف.

هذه الصورة المثالية أو الكمال المطلق تغطي كل جوانب الحياة حتى الماديات ويشملها التعصب والمغالاة في التنصيع وافتراض التميز, حتى لو كانت أشِياء مشتركة مع الغير, فعربي مثلا مستقطَب للغرب ويراهم بصورة مثالية تجده ينظر حتى أن التربة في الغرب أفضل من تربتنا وهواؤهم أفضل من هوائنا ونفاياتهم أرتب من نفاياتنا ولغتهم أفضل من لغتنا وأرقامهم-مع أنها عربية الأصل- وبشرتهم وأسماؤهم وأدوات زراعتهم وأسقف منازلهم وأدبهم وفنهم وحيواناتهم وكل شيء فيهم وحولهم وفوقهم وتحتهم أفضل! هذه حالة استقطاب كامل -وتوجد حالة استقطاب جزئي-. لا يتم التعصب أو الاستقطاب حتى يتم تمثُّل الصورة المثالية في الذهن والخيال. الصورة المثالية تنتج الاستقطاب, فالاستقطاب الفردي إلى مجتمع غير مجتمعه سواء في الماضي أو في الحاضر هي صورة واضحة من تأثير الصورة المثالية التي يحتاجها كل إنسان, و يبحث عنها بدافع من الشعور الباحث عن ربه أًصلا وطريقه المستقيم الأمثل: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه}.. كل إنسان..

لهذا أفلاطون لم يكن خياليا بالكامل كما يقولون حين تكلم عن عالم المثل و المدينة الفاضلة بل هو منطلق من حاجة إنسانية. الإنسان لا يستطيع أن يعمل إلا بوجود الصورة المثالية أو للبحث عنها. و إذا صار عند الإنسان أكثر من صورة مثالية متناقضة يكون ضعيفا ومهزوزا, لكن من عنده صورة مثالية واحدة تجده قويا ونشيطا وواثقا من نفسه. كلما وجدت حماسا وتعصبا اعرف أن وراءه صورة مثالية قد تكون حقيقية أو غير حقيقية وقد تكون واقعا أو يراد لها أن تكون واقعا, لكنه يراها مثالية, فالمثالية هي التي تمد بالطاقة والعزيمة, وبالتالي يمكن تسمية الإنسان بـ"المخلوق المثالي" على الأقل كدافع. وسبب زيادة الحماس والنشاط : التركيز على صورة مثالية واحدة, حتى المتعصب لمذهبه أو فرقته لا يرى أي نقص فيها ولا يرى أي مثالية في غيرها وإلا لم يتعصب. أما المتذبذب بين عدة صور مثالية متناقضة فهو ضعيف, وأضعف الضعفاء هو من ليس لديه صورة مثالية ولا يستطيع أن يصنع صورة مثالية, وقد يؤدي به هذا إلى العبثية أو الانتحار.

تعدد الصور المثالية داخل الإنسان هو ما يسبب الانقلاب المفاجئ عند بعض الناس, فتجد شخص مثلا يعيش حياة قريبة من الحياة الغربية المادية وفجأة ينقلب إلى التزام قوي بالدين, والسبب أن الصورة المثالية الدينية كانت تضغط عليه. أو العكس فقد يكون متدينا لكن عنده صورة مثالية أخرى عن المجتمع الغربي مثلا, فينقلب فجأة من التدين إلى الحياة العلمانية أو ربما الإلحاد بسبب ضغط الصورة المثالية الغربية عليه.

أصحاب الصور المثالية الناقصة يلجؤون للعزلة, فالاحتكاك بأصحاب صور مثالية أخرى يكشف عيوب الصورة المثالية الجزئية عندهم, والصورة المثالية حساسة من أي نقد, لهذا يلجؤون إما للانعزال عن الاحتكاك أو لإسكات الرأي المضاد بالقوة, فالصورة المثالية لا تقبل العيب أبدا. و انتقاد الصورة المثالية لأحد مقتنع بها شيء مؤلم جدا, فحين تشكك أحدا بصورته المثالية أنت تقضي على نشاطه وحماسه وأمنياته و دافعه للحياة, وكأنك تقول له: ارجع من الصفر. لكن الحق أحق أن يتبع, بل إن اتباع الحق من المثالية ولو على حساب صورة تعودت عليها.

كل الصور المثالية القائمة على العزل سوف تتأثر بسبب أن العالم صار قرية صغيرة, وتبقى الصورة المثالية الحقيقية التي تحتوي الشعور الإنساني بكل ما فيه وهي صراط الله المستقيم. الصورة المثالية الأٌقوى هي المفتوحة للنقد أكثر والراغبة للأسئلة أكثر, والقادرة على إقناع العقل والشعور معا وليس أحدهما دون الآخر وهذا ما تعاني منه الأيديولوجيات البشرية.



الجمعة، 21 نوفمبر 2014

درء التضارب في النظرة للنفس



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حقا ، بارك الله فيكم ، أحسست أنها صفعاتُ موجّهة لي وفيها الخير الكثير ، وقد وقعت على هذا الموضوع بقدر الله مع الضيق الذي أحسّه في داخلي والذي منشأه مرض الكبر الذي فيّ
الحمد لله لا أجرؤ أن أقول ما قالت الأخت هداها الله ، لكن في داخلي تناقضات كثيرة ، وكم أجلس مع نفسي وأقول أنت لا شيء ولكنّها وكأنّها لا تستجيب
لا أدري لماذا هذا الشعور الداخلي أنّي الوحيدة الذكية والألمعية ، وكأنّي أحب أن أكون الوحيدة الأفضل في هذه الدنيا ، الوحيدة المميّزة المتدينة الخلوقة الخ ،
ما أكتبه هنا أبوح به لأول مرة وأُخرجه لأني تعبت من نفسي هذه ، أشعر بضيق إن وجدت إحداهنّ أكثرتفوّق مني ، وخصوصا في أمور الدين ، وكأني أريد أن أكون وحدي المؤمنة المحبة لله ولرسوله صلى الله عليه ولسلم ، قل لي بالله عليكم ، هل هذه مشاعر إنسانة تريد الدعوة إلى الله، أي دعوة وهذا هو قلبي ؟
أحس مرات أن فيا جنون العظمة ، وشخصيتي نرجسية جدّا ، رغم أنّ هذا لا يظهر عليّ والنّاس يظنوني الطيّبة!!!
أرجو أن يتسع الصدر لما كتبت ،،، وأن أجد لديك توجيها ، كيف أكون محبة للنّاس أحب لهم من الخير ما أحب لنفسي أحرص أن يكونو مهتدين مخلصين محبين لله ولرسوله كما أريد لنفسي ، كيف أعبد الله بيقين ومحبة ، كيف أترك العجب بنفسي وسوء الظن بالغير ، كيف كيف !!
وبارك الله فيك

الرد :

لا بد من التفريق بين ما هو حقيقي وطبيعي فينا، وبين ما هو من الشيطان ، سواء من الإنس أو الجان. الإحساس بالفهم وأن رأينا صحيح وأننا الافضل من نوع ما، هذا إحساس فطري، لولاه لما وُجدت الثقة بالنفس، ولما استطاع الانسان ان يواصل حياته. وشعوره بأنه الأفضل يفتح له الطريق أن يكون افضل .. ومن هنا جاء المجددون والمخترعون والمبدعون، ولم يكتفوا بعبارة : ليس في الامكان افضل مما كان، أي شعروا انهم افضل من غيرهم فعملوا ..

و اقول لك : هو ليس إحساس بأن افكارنا صح وتحليلاتنا صح، أو اصح من كل العالم، لكنه إحساس بأن عندنا شيءٌ هو الأصح، تدرين ما هو ؟ هو الشعور الفطري .. أنتي تشعرين أنك اكثر الناس تدينا، أنا مثلك أشعر بهذا ! لكن نعرف ان هناك من هو أفضل منا في جوانب كثيرة. أي نملك الشعورين مع بعضهما . كأن الشعور الأول يقول : أن عندك ما يمكن أن يكون هو الأفضل، وهو صحيح، لأن المستجيب للشعور الفطري مع العقل التابع له سيكون هو الأفضل. لكن العقل يقول : لست أنت الأفضل ، ومن هنا لا بد من التفريق. و كلاهما حقيقي. فانتي الأفضل ولستي الأفضل .. ولا يُعتبر هذا من الكبر، لأن الكبر كما وضحه رسول الله هو : بطر الحق و غمط الناس. ومن كان هكذا فهو متكبر ، فالتكبر أول ما يكون على الحق قبل أن يكون على الناس .

كل إنسان يتقبّل الحق أول ما يتضح له اعرفي، انه غير متكبر، لأن تعامله مع الناس سيكون داخلا في الحق. والمستكبرون في القرآن نجد التركيز على استكبارهم على الحق أكثر من استكبارهم على الناس، بل هو تابعٌ له, هناك من يُبدي التلطّف مع الناس وهو مستكبر على الحق. وهذا لا يجعله متواضعا، مثل حال بعض الملاحدة.

"أنتي لا شيء" هذا كلام ينطبق فعلا علينا، أننا لا شيء وأننا كل شيء .. خذي مثال آخر : أنتي تعرفين أننا كلنا سوف نموت حتما، وأن بقائنا في الحياة قصير بالنسبة لعمر الحياة، لكن في داخلنا إحساس لا يقتنع بهذا، ونحتاج لحكم وآيات لنقنعه بأننا سنموت، وأن الموت حق، وهذا لأنه يشعر بالخلود، و كلاهما صحيح. لأن أصل الروح الخلود، والجسم فاني، والروح مرتبطة بالجسم في الحياة. وهكذا توجد كثير من المشاعر التي تبدو متناقضة في داخلنا وهي غير متناقضة، لأن بعضها من العقل وبعضها من الشعور، وبعضها تابع للجسم وبعضها تابع للشعور.

أنتي تشعرين أنك أفضل من غيرك في التدين والفهم ، ومع ذلك أنتي تسألين غيرك الآن ! نفس الشيء : أنا أحس أنني افهم و أنني أفضل من كل البشر، لكن في نفس الوقت أحس أنني محتاج للكثير، حتى افهم. لهذا قالوا في الأمثال : الكل بعقله راضي، وبرزقه غير راضي .. لولا هذا الشعور بالرضا لما استمرت الحياة. المشكلة فيمن يتكبر على خالقه و يرفض الحق مع وضوحه ويتكبر على الناس ويحتقرهم، ولا أظنك هكذا، بل أتوقع أن فيك خيرا كثيرا، وأن روحك مصغية للحق وتبحث عنه، (راجعي موضوع نظرية الاختيار في المدونة) .. وإذا كان ظني صحيحا فأتفائل لك خيرا كثيرا ومستقبلا باهرا ومشرقا في الدنيا والاخرة ان شاء الله ..

فقط اجعلي الحق أولا ونفسك ثانيا، لتصلي الى عالم النور بإذن الله، والله نور السموات والارض. وما عداه ظلام، وهو سبحانه الاول والاخر ..

أنتي الإنسانة المناسبة للدعوة، لأن هذا هو قلبك ، يبحث عن الافضل ويتضايق من صفة الكبر والنرجسية. هناك من يفرح إذا وُصف بالغرور. اذا كنتي تكرهين من هو أفضل منك وتحسدين وتُسيئين وتحتقرين فهذا لا شك أنه من إتّباع الشيطان، و إن كنتي تريدين ان تكونين افضل فهذا هو التنافس الشريف، خصوصا في اهم مجال وهو الإيمان. قال تعالى (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)، بدون غل ولا كراهية.

لا يظهر عليك جنون العظمة كما قلتي، والناس يظنونك طيبة وأنا منهم، وهذه هي حقيقتك. الشيطان يلعب على تناقضات المشاعر. التكبر هو ذنب الشيطان الأول، ويريد أن يُلصقه بالطيبين الذين يكرهون التكبر حقيقة لا تمظهرا ، فيقول : أنت متكبرة ومغرورة ولا تصلحين للدعوة، هذه حقيقتك ! اقبليها وعيشيها ! هذا حتى تكوني مثله عندما تكبّر هو على ربه ، فلا تصدقي هذه الوساوس، وافهمي حقيقة كل شعور في داخلك.

أنا اتكلم من تجربة سابقة في هذا الموضوع، فكنت اكره نفسي وأسمّي نفسي بالمنافق ، وجلست مدة طويلة مع نفسي أحلل مشاعري لأفهمها. هذه تجربة سنين أقدمها لك. وعرفت أن الشيء الخطأ الوحيد في داخلنا هو أفكار الشيطان فقط، وهي التي يجب أن نعرفها ونعزلها عن بقية ما يدور في داخلنا. لاحظي أن جنون العظمة والغرور والحسد أشياء تضايقك، لو كانت منك لما ضايقتك .. اذن هي من وساوس الشيطان ليحزُن الذين آمنوا. كنت أكره نفسي وأتقرف منها بسبب أفكار وخواطر سيئة تمر ببالي، معتقدا أن هذه هي "انا" في عقلي الباطن كما قالوا لي في كتب علم النفس التي ألّفها ملاحدة ماديون. اكتشفت فيما بعد أنها ليست مني، ففرحت، وعرفت أنها تقتحمني رُغما عني، ولو كانت منّي لما احتاجت لاقتحام. و وجدت أنها تمر بخواطر أصدقائي بنفس الشيء تقريبا. وعرفت انها وساوس الشيطان لعدم صمودها للنقاش وعودتها مرة اخرى. عرفتُ أنها من وسواس خناس، أي يخنس ويهرب ثم يعود. هذه اهم نقطة في السعادة الداخلية للإنسان الطيب (فالناس على نوعين) : اذا اكتشف الانسان الطيب ان الافكار السيئة ليست منه، حينها لا يكون مسؤولا عنها، مثلها مثل الأشياء السيئة التي يراها ويسمعها وهي ليست منه وليس مسؤولا عنها. والسعادة كما نفهمها من القرآن هي الإطمئنان، وخروج هذه الأفكار السيئة عن نطاق مسؤوليتنا يجعلنا نطمئن وتهدأ نفوسنا.

اقول لك : ما تحبينه هو أنتي، وهي صفاتك .. أنتي تحبين ان تكوني متواضعة ؟ اذن انتي متواضعة .. تحبين الخير للناس ولو عارض مصالحك ؟ اذن انتي تحبين الخير للناس حتى لو عارض مصالحك غير الضرورية، و لستي شريرة. تحبين أن تحبي الله ؟ اذن انتي تحبين الله ، لان أهل الباطل يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم. ويسمعون للكذب ولا يسمعون للحق.

وشكرا لك ..

الفارق بين العقل البشري والحاسب الآلي



ما الفارق الجوهري بين العقل البشري والحاسب الآلي ؟

الرد : 

الإنسان احتاج الآلة بدلا من يديه أو رجليه في العمل او السفر، كما احتاج الآلة أو الاداة لتساعده في العمل العقلي، لهذا وُجدت الكتابة ثم الطباعة ثم الحاسب.

العقل البشري يشترك في عمليات التفكير مع الشعور الانساني، وبالتالي الشعور يصحح للعقل أخطاؤه ، بينما لا يوجد مصحح للحاسب الآلي إلا المبرمج الذي يعمل عليه ، معتمدا على عقله ، وعقله معتمدٌ على شعوره. الحاسب الآلي من إنتاج العقل ، والعقل من إنتاج الشعور. فالإنسان يستخدم عقله ويستخدم العقل الاصطناعي (الحاسب) ، والذي يستخدمهما واحد وهو الشعور .. كلاهما آلة ، لكن الفرق هائل في القدرات، فالحاسب يساعد على بعض مشكلات العقل، مثل العمليات الحسابية المعقدة، والاستقراء السريع والبحث عن التشابهات والاختلافات، والحاسب الآلي يقوم بجزء من مهمات العقل . وإن كان الحاسب أوسع استيعابا وسرعة من العقل البشري في تلك المجالات، تماما كالفرق بين الذاكرة الطبيعية والكتاب .. فهو أسرع و اوسع من الذاكرة الطبيعية ، ويسترجع بسرعة أكبر من الذاكرة الطبيعية. 

الحاسب من صنع البشر، والعقل من صنع الله. العقل يستطيع أن يفكر ويبتكر مناهج تفكير، والحاسب لا يستطيع أن يفكر الا بموجب ما فُكِّر له من خلال برمجيات. ذاكرة العقل الطبيعي غير مقتصرة على الارقام والكلمات، بل تتعداها الى الالوان والذكريات والمشمومات والملموسات وغيرها كثير .. 

الحاسب لا يملك بحد ذاته أي قدرة ولا يحمي نفسه. الحاسب لا يلاحظ من نفسه ولا يستنتج ولا يحلل ولا يربط إلا بموجب ما بُرمج به، لذلك فعقل أي انسان حتى لو كان طفلا هو اكبر من اكبر حاسب. حتى ان بعضهم قال : لو أمكن صنع عقل الكتروني مثل عقل الانسان لكان بحجم مدينة كاملة ، لأن العقل البشري كائن حي يستمد حياته من حياة الشعور المُميِّز والروح الدافعة. أما الكمبيوتر فهو جماد لا يحس وليس له أي أهداف ولا رغبة ولا خوف ولا شيء . لو اعطيته أوامر لأن يحرق نفسه لأحرق نفسه.

الفارق الجوهري هو ارتباط العقل البشري بالشعور الحيّ ، ومنه استمد الحياة، بل من ملاحظات الشعور تكوَّن العقل وانتقل بين الناس بشكل تراكمات.