الأربعاء، 24 يونيو 2026

تسليم النفس لله والأعمال الصالحة

ما دام أن المؤمن سلم نفسه لله، فلا ينس أن الله قال: (اتقوا الله ما استطعتم)، وقال: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها). ومعنى أنه سلم نفسه لله، يعني ان يعمل الصالحات ويترك السيئات، والصالحات كثيرة، وليس شرطا ان تكون عبادات محددة كصيام الست من شوال أو غيرها. علينا أن نعمل الصالحات على قدر الامكان والسعة، قال تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو)، أي الزائد عن الحاجة. 


وقد يقع المؤمن الذي سلم حياته لله في العنت، وطريق العنت خطير، وهو الذي يؤدي لكثير من الانحراف والشكوك، وذلك عن طريق التشكيك بنوايا العمل أو عدم إنجازه بشكل مطلوب، وقد مررت بمثل هذه الحالة من العنت الذي يضغط على النية ويشكك بها، والله قال: (ما جعل عليكم في الدين من حرج). إن الله أعطانا طريق السعة، لا طريق العنت. 


وليست كل الاعمال الصالحة اعمالا ايجابية، إيجابية بمعنى أنها تقتضي أن تُفعل أو أن تُؤَدّى، بل اكثرها سلبية، سلبية بمعنى الاجتناب عن الفعل وعدم القيام به، أي أنها مريحة، مثل كف الاذى، يعتبر عملا صالحا سلبيا، وكذلك عدم الغيبة أو النميمة أو الكذب أو التكبر أو الغرور، هذه كلها اعمال صالحة سلبية، وهي أعمال عظيمة، بل إنها هي الأساس، أساس الايمان، مثل ألا نعبد إلا الله، ومثل الكف عن الربا والكف عن الفواحش، وعن الحسد، وعن الغيرة، هذه من أسهل ما طلبه الله، لأنها لا تكلّف مجهودا، بل إن صعوبتها على من يفعلها أكبر، وقد كرّه الله إلى المؤمنين والمؤمنات الكفر والفسوق والعصيان، وهذا التكريه رحمة بالمؤمنين. ونتيجة ذلك: مكاسب هائلة بدون القيام بعمل. تترك شيئا تكرهه وتكون قد عملت عملا صالحا، مع انك تركت ما تكره.


المؤمن لو عرض عليه ذاك المنكر الذي يكرهه، لو عرض عليه كل مرة سيرفضه، ولو كتب له الخلود سيرفضه، وهذا يفسر لنا الخلود في الجنة دون موت، مثلما يفسر لنا الخلود في النار دون موت. إن أجر المؤمن ليس أجورا مقطّعة، لأن حياته كلها لله، إذ قد سلم نفسه لله، فالعبد في عبادة وحياته كلها عبودية لله، إن أكل وإن شرب وإن نام. وهو تحت ولاية الله، وهؤلاء هم أولياء الله، الذين سلموا أنفسهم وحياتهم ومماتهم وصلاتهم ونسكهم لله. ولاية الله ليست مرتبة خاصة لا يمكن أن يصل إليها المؤمن العادي، بل يصل إليها كل من سلّم نفسه لله صادقا. 


أما بخصوص الأعمال الصالحة الإيجابية، كذكر الله والصلاة والصيام في رمضان، فهي داخلة في شكر الله، هذه أعمال شكر، قال تعالى: (إما شاكرا وإما كفورا)، وقال: (اعملوا آل داوود شكرا). وهذا يعني أن الأعمال الصالحة تنقسم الى: أعمال شكر، وأعمال تقوى. وأعمال التقوى أكثر من اعمال الشكر.


لقد حاول بعضهم تفسير قوله تعالى: (اتقوا الله ما استطعتم)، بأن المطلوب هو أداء العبادة الايجابية حتى استنفاد الطاقة، ولآخر رمق، أي أن عليك أن تبذل قصارى جهدك في العبادات والسنن الايجابية اذا اضطر الامر، وهذا تفسير فيه عنت. لأن الوصول الى الحالة القصوى هو قمة العنت، هذا فيما يتعلق بالعبادة الايجابية، لكن في العبادة السلبية ينطبق هذا، أن تصل في التقوى الى اخر حد. لذلك ذكر تعالى الاستطاعة مع التقوى، والتقوى عبادة سلبية، قال (اتقوا الله ما استطعتم)، و(ما) هنا تعني غاية الاستطاعة. بينما قال عن العبادة الإيجابية التكليفية: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها)، أي أن التكليف مع السعة، والسعة تقتضي عدم الشطط. لذلك قال تعالى عن الحج (من استطاع إليه سبيلا) وقال تعالى عن الصوم (وعلى الذين يطيقونه فدية)، وهذه طبيعة الحياة، فأي تقوى تحتاج الاستطاعة، حتى اتقاء المخاطر والعدو والمرض، يكون بقدر الاستطاعة. لذلك قال تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).


إن هذا المعنى الوارد في التفسير أعلاه، ترده الآيات الأخرى مثل قوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وقوله: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم). وقوله: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها). وقوله: (لينفق ذو سعة من سعته)، والله واسع عليم. وهكذا يربينا القرآن في بذل قصارى الجهد في التقوى، والسعة بلا تكلف في العمل الصالح الإيجابي. وهذا المبدأ لا يؤدي الى العنت، لأن العنت يفتح أبوابا للشيطان. وبذل قصارى الجهد في الإتقاء، هذا أمر فطري يفعله الإنسان في كل مناحي حياته. وأهم ما في حياة المؤمن وأخطرها هو الله، الله يقول (ويحذركم الله نفسه)، يجب بذل قصارى الجهد في اتقاء محرماته. أما التكليف فيكون بموجب السعة. يقول تعالى (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو). اي الزائد، وهكذا الإسلام متساير مع الفطرة، لأن مخالفة الفطرة تؤدي إلى العنت، ومخالفة الفطرة تعني مخالفة الطبيعة، فالإنسان يبذل قصارى الجهد في موضوع الأمن مثلا، لكن يبذل ما استطاع في موضوع التزيين مثلا، ومن يعكس التعامل في الأمرين فقد خالف الفطرة، وسبحان الله كيف هذا القرآن متوافق مع فطرة الإنسان.  


مثلا الله حرم أكل الميتة، لكن المضطر الذي وصل الحد من المجاعة، هنا يجوز له أكلها مضطرا. هنا وصل في التقوى إلى آخر رمق.


إذن الأعمال الصالحة الايجابية في حق الله، مُنطَلَقُها من شُكر الله. والأعمال الصالحة السلبية هي أعمال التقوى، أي الخوف، وهي الأسهل. فالخوف ينتج تقوى، والشكر ينتج إيجابية. لو نظرنا إلى حقوق الوالدين والأقربين والجيران وكل الناس، نجد أن أول وأهم ما فيها هو كف الأذى، وهو عمل سلبي لا يتطلب مجهودا بدنيا ولا إنفاقا.

والحق الثاني لهم هو: تحمل أذاهم، وهو داخل في العفو عن الناس والصبر، والله مع الصابرين. والحق الثالث هو: الإحسان، والإحسان داخل في الاعمال الايجابية. 


إن أوامر النهي في القرآن هي الأسهل على المؤمن، وهي أصعب على غير المؤمن. 


إن الأعمال الصالحة في الإسلام نجدها تنحصر في ثلاثة مجالات:


الأول: الكف والانتهاء، وأساسه التقوى والخوف من الله. 


والثاني: تحمّل الأذى من الناس، وتحمّل القدر من الله، وأساسه الصبر.


والثالث: الإحسان. وأساسه الشكر بالنسبة لله، والرحمة بالنسبة للمؤمنين. قال تعالى: (أشداء على الكفار رحماء بينهم). وهذا لأن أساس التعامل الطيب مع الناس هو الرحمة. 


وعلى هذا فإن الإحسان في حق الله يكون بأداء المفروضات كالصلاة وصيام رمضان وحج البيت وذكر الله كثيرا والتفكر في خلقه والدعاء والتسبيح وغيرها. وأما الإحسان في حق الناس فهو صنع المعروف لهم بحسب الاستطاعة واليسر. 


نجد في المحصلة أن ثلثي الدين عمل صالح سلبي (تقوى)، ما دمنا قسمنا الأعمال الصالحة في الاسلام الى الاقسام الثلاثة المذكورة سابقا، فالكف والصبر سلبيان، وثلثه الباقي إيجابي يحتاج إلى عمل، وهو الإحسان. قال تعالى: (فسنيسره لليسرى)، وقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). والدين يُسْرٌ على المؤمن الذي يكره أصلا الموبقات، إذ يكرهها في الله ومن الله. إذن ثلثي إيمان المؤمن هو ألا يفعل أكثر من أن يفعل. وهذا هو طريق الجنة وطريق الله، طريق سهلُ على من سهّله الله له بقذف الإيمان في قلبه والعلم في عقله، وعسير على من عسّره الله عليه. والله سمى هذا الطريق باليسرى ولم يسمه العسرى. 


ويُخطئ الكثير بأن يعتبر اليُسر إرجاءً وتساهلاً وأمناً من مكر الله، على أن الله يمثل الرحمة والمحبة والسلام، متناسين أن لله حقّاً وأنه شديد العقاب. فالإرجاء شيء وتيسير الطريق الى الله شيء آخر. وهذا التيسير خاص بالمؤمن، وليس كل من تبنى الملة حصل له هذا التيسير. فالاسلام إسلام ملة (إسلام عقل)، أو إيمان (إسلام قلب)، أو إسلام نفس (إسلام عقل وقلب).


وليسأل المؤمن عند محاسبة نفسه: ما الذي لم أكف عنه وانتهي عنه؟ أكثر من سؤال نفسه: ما الذي لم أفعله؟ هكذا يتربى الإنسان إيمانياً. وترى الانسان بتلقائية إذا أصابته مصيبة، يقول: ماذا فعلت من الموبقات لأنال ما نلته؟ أي ماذا اجترحت من التقوى؟ أي يرجع إلى الثلثين لا الى الثلث. كما قال تعالى (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم). أي من اجتراحكم من المنهيات.


وهذه المنهيات كرّهها الله الى المؤمنين والمؤمنات، وزيّن في قلوبهم الإيمان ومقتضياته، وهذا من تسهيل الله وتيسيره على المؤمنين المسلّمين أنفسهم لله، قال تعالى: (فسنيسره لليسرى). فالمؤمن تلقائيا لا يحب أن يجترح السيئات وليس فيها إثارة له، فهو لا يحب أكل مال اليتيم ولا يحب أن يسرق ولا أن يقتل ولا أن يغش ولا أن يأكل أموال الناس بالباطل، ولا أن يأكل لحم أخيه ميتا بالغيبة ولا يحب الإفساد بين الناس، ولا يحب الفخر والتكبر، ولا يحب أن يُمدح بما لم يفعل، ولا يحب أن يُنسب له فضلٌ لم يفعله، الخ المنهيات. ومن أحب شيئا نهى الله عنه، ففي إيمانه نقص، ومن كره شيئا فرضه الله، ففي إيمانه نقص، لأن العبد تابع لربه، ماذا أمره فيمتثل وماذا نهاه عنه فينتهي، فهو قد سلّم نفسه لله.


هناك انطباع خاطئ عند كثير من الناس، وهو أن العبادة ورضا الله مرتبطان بالعمل الصالح الايجابي، وليس كل عمل صالح ايجابي ايضا، بل ركزوا على بعضها وأهملوا الباقي، وارتبطت التقوى عندهم بالعمل، مع أن أساس التقوى هو الكف، والله يحب المتقين. أنت تقول لفلان: اتق الحريق، أو الطريق، أو اتق هذا الخطر، أي كُفَّ عنه. إن الله سبحانه قال أنه يحب المتقين. لذلك قال تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى).


إن أساس الدين هو الخوف من الله. وأكثر شعور يشعر به الإنسان هو شعور الخوف في الحياة العادية، حتى في احلامه، سواء مؤمن أو غير مؤمن، وهنا التقاء القرآن مع الفطرة مرة اخرى، وهذا مما يثبت أنه من الخالق الذي فطر كل شيء. والخوف هو أساس الأمراض النفسية، والشيطان يستغل التخويف ليؤسس للأمراض النفسية في الإنسان. لذلك الشيطان يعتمد عليه أكثر من الترغيب، على عكس السائد، فهو قد أغوى آدم وحواء بالتخويف، إذ خوَّفهم من الموت والفناء، عندما سمى الشجرة التي نهاهم الله عنها بشجرة الخلد وملك لا يبلى، أي خوفهم من الموت والبلى.


 إن هذا الربط الخاطئ بين العبادة والعمل الصالح، بمعنى أن العبادة هي عمل الصالحات الإيجابية فقط، هذا الربط يجلب العنت، والعنت هو الحرج، وكلاهما - العنت والحرج - يأتيان من الضيق، يقولون: مكان حرج أي ضيق. وربما منها اشتقت كلمة الحراج التي تعني المزاد، وذلك لأن الناس يتجمعون في بقعة واحدة يتزاحمون عندها. ومنها كلمة الأحراج، أي الغابات الملتفة الضيقة. والله تعالى أمر في كتابه بالتقوى والخوف من الله أكثر من أمره بتقديم القُرُبات الايجابية.


إن الدين يسرٌ وسهولة على من أراد طريق الله، إذ يتحول هوى المؤمن  - كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام - إلى ما جاء به. وقال تعالى عن جزاء من أسلم نفسه لله: (وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان). وهذا تفسير قوله : (فسنيسره لليسرى).


إن الإيمان يوجب الاطمئنان، إلا إن وُجِدَ فهمٌ غير دقيق للقرآن، حينها سيؤدي هذا الفهم إلى العنت. المؤمن يحتاج أن يفهم الدين من القرآن كما أنزله الله، وما سوى القرآن يُعرض على القرآن، إن وافقه أخذ به، وإن خالفه تركه. 


ولا ينبغي أن يقيس المؤمن تديُّنَه بما يفعله الناس وما هو سائد ومنتشر عندهم من عبادات وطقوس، ويدخل فيما يشبه المنافسة والتسابق في فعلها، فمن سيحاسبه هو الله وليس الناس. قال تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)، وقال (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم). 


بدل أن يسمح المؤمن للشيطان أن يشككه بإيمانه، ويُدخل عليه الوساوس بخصوص ما فعل وما لم يفعل من الأعمال الصالحة، تلك الوساوس التي كانت سببا في تحول البعض من المتدينين الى إهمال الدين وأحيانا إلى الإلحاد بسبب الشعور بالعنت والحرج، بدل هذا : ليتأمل المؤمن في مخلوقات الله، وآيات القرآن، وآيات الطبيعة، أو ليذكر الله. فهذه عبادة. 


إن الأعمال الصالحة كثيرة جدا، لا تكاد تحصى، ولا يصح تحديدها، فالعنت إنما يأتي من تحديد الأعمال الصالحة، والله واسع والطريق إليه واسع، والمؤمن قد سلّم حياته كلها لله، وليس للحظاتٍ يقوم بعبادته فيها، فهنا يصبح الأمر علمانيةً وفصلاً بين الدنيا والدين، بينما العبودية صفة مستمرة، وهذه من الأخطاء الشائعة أن يتم تحديد الأعمال الصالحة، كعمرة في رمضان، أو صيام الست من شوال، أو بناء مسجد، أو غير ذلك، أو بتفضيل بعض الأعمال على بعض. والقرآن لم يفضل عملا صالحا على آخر أبدا. ليست هذه الاعمال الصالحة فقط. ولا أن تُحصر العبادة بالمناسك، كالصلاة والحج والصيام وقراءة القرآن. إن حياة المؤمن كلها عبادة، لأن العبودية صفة لازمة ومستمرة، وهي مُقَاسة على العبد الرقيق، سواء كان العبد نائما او قائما أو يشكرُ سيده او كان منشغلا فهو عبد، ولا تنفصل عنه صفة العبودية. وهذه العبودية اختيارية، وهي أن يسلّم المؤمن نفسه لله عبدا. 


بل إن كل لحظة فيها اختبارٌ له، أيختار أن يعمل عملا صالحا او سيئا، سواء في حق الله أو حق الناس، وكلها أعمال صالحة، وحتى بناء حياته ورزقه وكل شيء يفعله يخدم هذا الأمر، فهو يتبعه، تماما مثل من يريد السفر لبلد معين، فكل شيء سيفعله قبل السفر - حتى ولو لم يكن من نوع السفر - هو داخل في السفر، فهو ينام مبكرا ليستعد للسفر، وينجز أعماله وارتباطاته استعدادا للسفر، ويجهز ملابسه وحقيبته من أجل السفر، هذه أعمالٌ ليست تُعتبر سفرا، لكنها تخدم السفر، إذن هي داخلة في السفر. والعبد مسافرٌ الى الله، والمسافر الذي يعمل أعماله الخادمة للسفر، اصبح مسافراً ولو لم يسافر بعد، كذلك المؤمن الذي يرجو الدار الاخرة وأسلم نفسه عبدا لله، كل شيء يعمله منصبٌ في هذا السفر الى الله، ما لم ينحرف عن نيته، ولذلك يقول الرسول: (حتى اللقمة يضعها في فِيّ زوجته له أجر). إذن كل حياة المؤمن إذا سلم نفسه لله، حتى أكله وشربه ونومه، له فيه أجر. 


إن الأعمال الصالحة كثيرة بسعة الدنيا والحياة. لذلك الله لم يفضل أعمالا صالحة على غيرها. لذلك الأمر في سعة، ولا حرج ولا زحام على الصالحات، فإن فات المؤمن شيء عوضه بشيء آخر. لأن كل لحظة تقدم لك اختبارا للخير أو الشر، وهذا هو تيار الحياة. مثل صياد السمك، إن فاتته سمكة لا يتأذى كثيرا لأن في تيار النهر أسماك أخرى قادمة. من هنا يكون المؤمن مطمئنا. قال تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله). وقال: (فاستبقوا الخيرات). وقال تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن)، أي عمل ما أمكنه وما تيسر له منها، فلا أحد يستطيع أن يعمل كل الصالحات كل الوقت، بل لا يمكنه ذلك، إذ أن بعضها يتعارض مع بعض. 


وكل لحظة تقدم خيارين : إما أن تعمل صالحا، أو أن تعمل باطلا. لكن إذا تقلصت الأعمال الصالحة وتقلصت الأعمال السيئة، فما بينهما من وقت يكون وكأنه عبث لا فائدة فيه، بينما الله يختبر عباده كل لحظة، ولا توجد فراغات في اختبار الله، إلا في حالة النوم، لذلك سمى الله النوم موتا أصغر. ومنذ اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسان، تبدأ الاختبارات حتى يعود للنوم مرة أخرى. قال تعالى (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) وقال (في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها). أي اختبارات صغيرة وأخرى كبيرة.


لا شُحَّ في الاعمال الصالحة ولا زحام عليها، وهذا من تيسير الله، وكما قال الرسول: (ولو ان تلقى اخاك بوجه طلق). لاحظ من تيسير الله أن ثلثي الدين كف، ويسمي ذلك "أعمالا"، بينما المؤمن لم يعمل شيئا، وهذا من رحمته تعالى.


المهم هو تسليم النفس كلها لله، وبعدها تكون كل الحياة أعمالاً صالحة. فالإنسان إما أن يكون صالحا أو فاسدا. ولا يكون صالحا وفاسدا في نفس الوقت. لذلك قال تعالى في دعاء المؤمنين: (ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا). لم يقولوا: إن قصدنا السوء. لذلك قال تعالى (وقد خاب من حمل ظلما) أي بنية الظلم وهو يعلم.


إن الشيطان قد يستغل أيضا النفس اللوامة في المؤمن، بحيث يقلبها على صاحبها ويتهمه بالنفاق وبأن أصله فاسد، حتى إذا صدّقه يكون قد خطى خطوة من خطواته الآثمة وشَطَنَه عن الصواب بسبب قلة العلم، لذلك يقول تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء). إن الله لم يضيق علينا الدين، والصالحات كلها متاحة. قال تعالى: (فاستبقوا الخيرات). 


لو قارنّا بين إنسان صائم ونائم، وإنسان آخر إما أن يتدارس في فهم القرآن، أو آخر يناقش قضية تهمّ الآخرين، أو أخر يسعى على مساكين، أو غيرهم يقوم بأعماله في المنزل ويساعد زوجته وأهله، الحقيقة أنهم كلهم في أعمال صالحة إذا توطّدت نية التسليم لله، فلا أحدَ منهم ينتقد الآخر أو يقلل من شأن عمله الصالح، لأن الأعمال الصالحة مرتبطة بالظروف والمتاح والقدرة والوقت والنية الأم. 


إن الله سبحانه فرض الصيام والحج، لكن لمن استطاع، وحتى قول: لا إله إلا الله، مرتبطة بالقدرة والإمكان، قال تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان). فلماذا يُحدَّد الخير في أعمال محددة كصيام التطوع مثلا؟


إن الإنسان في اختبار دائم، والعنت يأتي من الضيق لا من السعة. كما قيل: (لا تُحرجوهم فتُخرجوهم)، أي تخرجوهم من الدين. والعنت يأتي من التضييق، من تضييق الدائرة، إلا ما فرضه الله وبحسب الإمكان أيضا.


إن المؤمن في يسر، لأن الله قال (فسنيسره لليسرى)، ولذلك ثلثي أعماله كف، تقريبا ٦٠ % من الأعمال الصالحة هو ألا يعمل شيئا. وثاني اليسر أن المؤمن لا يبذل مجهودا في ترك المنهيات التي تعادل الثلثين، لأن الله كرّهَها إليه، فهو يكره أن يسرق ويكره أن يقتل ويكره أن يغش، أليس هذا هو اليسر؟ لذلك قال تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة)، لأنها هي النفس المطمئنة الوحيدة على الأرض المتبعة لما في كتاب الله. ولا تطمئن النفس إلا في اليسر، وأما العسر فلا اطمئنان فيه.


وأما القاعدة التي تقول أن الأجر على قدر المشقة، فهي لا تتسق مع القرآن ولا مع الواقع. فذكر الله والتفكر في خلق السموات والأرض مثلا عمل يسير وعليه أجر عظيم، ولو قارنا بين شخص مقيم بقرب الحرم المكي، وآخر قادم من أقاصي الأرض بتكلفة وسفر ومشقة وخطر، وكلاهما يصليان في الحرم، فلهما بموجب الرواية التي تذكر أن الصلاة في البيت الحرام تعدل مئة ألف صلاة فيما سواه، نجد أنهما كلاهما تساويا في الأجر رغم اختلافهما في المشقة. هنا تعارُض بين الرواية والقاعدة. 


وهذه القاعدة تؤسس للعنت وتكليف النفس مالا تطيق، كون الأجر على قدر المشقة. والله يقول (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) ولم يقل مشقتها، وقد عرفنا أن الأجر إنما يكون على تقوى النفس وصلاح النية، وهذا ليس رجما بالغيب، بل هو كلام الله. مثل هذه القاعدة ينبغي إعادة النظر فيها، فقد تؤدي عند البعض إلى إتلاف النفس. مثلها مثل فكرة من لا يرقون ولا يتداوون وأنهم يدخلون الجنة بغير حساب، مثل هذه الفكرة قد تؤدي إلى إتلاف النفس، وقد يكون أحدهم لديه امراض مزمنة أو خطيرة تحتاج لعلاج، لئلا تتضاعف الى امراض اخرى، فيترك العلاج من أجل تلك الفكرة، فيكون في هذا إتلاف للنفس، إن لم نقل قتلها. وهذا داخل في فكرة أن الأجر على قدر المشقة، فكرة أنهم يرفضون التداوي، ويعانون من المشقة والآلام. ويؤدي معناها أيضا أن من يتداوى ليس متوكلا على الله، وتتعارض مع رواية أخرى تقول: اعقلها وتوكل، أي خذ العلاج وتوكل على الله، ولا يمكن الجمع بينهما. 


الله اشترط لقبول العمل : التقوى. ولو رجعنا لقصة ولدي آدم، لرأينا أن الله تقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، والسبب هو النية، وكذلك أم مريم نذرت ما في بطنها محررا للمسجد، فتقبل الله منها نذرها وباركه وجعل تحت مريم سَرِيَّا. أي أن الله أعظم أجرها، جبرا من الله الرؤوف الرحيم لخاطر الأم التي تمنت أن يكون ذكرا، حتى يستطيع أن يخدم في المسجد. وذلك لصدق نيتها، والله شكور حميد. وقد قال تعالى (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء)، مع أنه تعالى لم يشترط المشقة ولم يشترط أن ينفقوا كل ما يملكون، بل قال (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو)، لاحظ أن الاية تتكلم عن مضاعفة الحبة الى سبعمائة ضعف، وقد يضاعف تعالى لمن يشاء هذه السبعمائة الى اضعاف، فكرم الله غير محدود، وغير مربوط بالمشقة، بل مربوط بالنية وصلاح القلب. وقال تعالى عن المؤمن (فسنيسره لليسرى) أي قلة المشقة، فالله زين في قلبه الصالحات وكره له الموبقات، ونفسه مطمئنة لذلك ولا تشعر بمشقة ترك الحرام ولا في تبني العمل الصالح، بل يجد راحة وخفة في استباقها، ويسبق غيره إليها. كما قال تعالى (والسابقون السابقون أولئك المقربون). 


وقد قال تعالى (عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) أي واجهت مشقة ومع ذلك تصلى نارا حامية. إنما يتقبل الله من المتقين الذين يخافون الله ويقدرونه حق قدره ولا يشركون به شيئا، ويسلمون أنفسهم له عبيدا.


بصلاح النية يصلح العمل عند الله، لأن النية هي التي عليها المعوّل في الحساب، قال تعالى (إلا من أتى الله بقلب سليم). وقال (وقد خاب من حمل ظلما) أي في نيته، لأن حمل الظلم او الكبر لا يجعل القلب سليما. 


عند من يعلم الغيب سبحانه: يكون العمل صالحا لعلمه بصلاح نية العامل، حتى لو أخطأ في عمله، مثلما أخطأ موسى مع الخضر بأن وعده ألا يسأله فسأله، لكن بحسن نية. فالقاعدة هنا (عند الله عالم الغيب: صلاح العمل من صلاح النية). أما عند البشر فلا يكون ذلك، لأنهم لا يعلمون الغيب، والقانون لا يحمي المغفلين. قال تعالى (ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا). ولم يقولوا : إن تغيرت نياتنا. وحتى المشقة يعلم حقيقتها الله تعالى. وليس عليها المعول.


أما مرجعية العمل الصالح التي اختلفوا فيها، فبعضهم قال أن العمل صالح لأن الله أمر به، وقال البعض الآخر أن العمل صالح لأنه صالح في ذاته، فإن المرجعية للعمل الصالح تكون في موافقته للفطرة (الشعور)، والعقل المبني على المنطق والشعور. وبهما عرفنا أصلا الله تعالى، وليس وراثة. ثم لما عرفنا الله آمنا به حتى لو لم يتضح لنا الحكمة في حينها. لأننا آمنا بأن الله كامل العلم وكامل الرحمة وكامل الخيرية، وعلمنا ناقص وعلمه تعالى كامل، وسلمنا أنفسنا له، واتبعناه بالكامل، من هذا المنطلق صار ما يأمر به الله هو حق وفضيلة، وما ينهى عنه سوء وفحشاء، بالإيمان، حتى لو لم تتأكد عقولنا. فالشعور من روح الله ولا يتعارض إطلاقا مع القرآن، لأن مصدرهما واحد هو الله. فما تكلم عنه القرآن هو مرجع في الحق والباطل والفضيلة والرذيلة، لكن هناك أمور لم يتكلم عنها القرآن ومستجدات، يكون مرجعها الشعور والعقل المبني على القرآن أصلا.


فبالشعور والعقل وآيات القرآن وآيات الكون عرفنا الله تعالى مصدر الخير والفضيلة والجمال والكمال. وأما من قال بالجمع بين كون العمل مأمور به من الله، وكونه صالحا في ذاته، فماذا يقول عن أمر الله بذبح إبراهيم لابنه إسماعيل؟ كيف يمكن جمع الاثنين؟ كونه أمرا من الله وكونه صالحا في ذاته؟ ليس دائما يتفق الأمرين في كل أمر. مرجعية الفطرة والعقل دلتنا على الله، عالم الغيب والشهادة، وأن الله حق، وأنه لا يأمر بباطل، فنطيعه في الأمور التي لم تتضح لنا. 


وأما تصحيح البعض للقاعدة، بأن تكون "الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته"، فهنا سيذهب أهل الدثور بالأجور! لأنهم يملكون القدرة على نفع أكبر وأجود.