الأربعاء، 13 مايو 2026

رد على مقال حول إشكالية العدل الالهي: الحتمية والتفاوت التوزيعي، في بريد المدونة ..

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أشكركم مسبقًا على تخصيص وقتكم لقراءة هذا الملف. أرسلت هذا المقال لأن لدي إشكالًا فكريًا كبيرًا يشغلني منذ مدة، وأتمنى أن أجد عندكم جوابًا أو توضيحًا يساعدني على الفهم.

الإشكال الأساسي عندي يتعلق بمسألة تفاوت الأرزاق والظروف بين الناس. لماذا قدّر الله على الناس أقدارًا مختلفة جدًا؟ لماذا يولد بعض الناس في ظروف جيدة: في أسرة مسلمة، ومع صحة وجمال ومال وتعليم، بينما يولد آخرون في فقر شديد، أو في بيئة صعبة، أو بلا فرص حقيقية؟

يراوِدني كثيرًا سؤال مرتبط بحديث النبي ﷺ:
"
يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي".

إذا كان الله تعالى قد حرّم الظلم على نفسه، فكيف نفهم هذا التفاوت الكبير بين الناس؟ لماذا يوجد أشخاص لديهم المال والعلم والجمال والفرص، بينما يوجد آخرون لا يملكون تقريبًا أي شيء؟

لماذا لم يُعطِ الله كل إنسان ظروفًا متقاربة أو فرصًا متساوية؟ وما ذنب الإنسان الذي يولد في ظروف صعبة لم يخترها؟

هذه الأسئلة ليست بدافع الجدل، بل لأنني أبحث عن فهم حقيقي. بصراحة، أصبحت هذه المسألة تثير عندي حيرة كبيرة، وأخشى أن تتحول إلى شكوك في الدين، لذلك أبحث عن جواب صادق ومفصل يشرح هذه القضية بوضوح.

أرجو منكم قراءة المقال المرفق، فهو محاولة مني لصياغة هذا الإشكال بشكل فلسفي، وأتمنى أن أسمع رأيكم أو جوابكم عليه.

وشكرًا جزيلًا لكم.

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

أهلا وسهلا بك عزيزي ..

 

أنت قمت بتبسيط الأمور بشكل كبير، وإن كان الأسلوب يوحي بالتعقيد. أنت تنظر الى شخص يولد في بيئة غنية مع وسامة شكل، وأن هذا سيجعله سعيدا طول الحياة حتى وان شاخ او فسد جماله او مرض! وتجعل من ينشأ في بيئة فقيرة أنه سيتحول الى مجرم وقاطع طريق او تاجر مخدرات! وكأنك حكمت على مستقبل كل الفقراء بالجريمة!

 

هذه النظرة تشبه نظرة الرأسماليين المتطرفين، أن الشر في الفقر وأن الخير في الغنى، وهذا ما يراه صاحبك نيتشه، الذي يفضل اخلاق الأقوياء والسادة على اخلاق الفقراء الذين يسميهم عبيدا، والذين يكرههم ويحتقرهم. وهذه نظرة مع احترامي لك وله نظرة سطحية.

 

إن القرآن يقدم العكس، فالشر يسميه "فسق" أي من زيادة القوة والنعمة، أي اخلاق نتشوية، قال تعالى (وإذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها)، لم يقل أمرنا فقراءها وشحاذيها أن يتحولوا الى مجرمين! وانظر الان ماذا يجري في العالم من مصائب كبيرة، هل كان وراءها فقراء ام أقوياء قادرين؟ وهذا مما يثبت للناظر ان كلام القرآن كلام الهي وليس بشري، لأن أي بشر سينظر مثل نظرتك، فالشر والاجرام في تلك النظرة البشرية لا تُؤطَّر صورته في الذهن مع المراكب الفاخرة والملابس الزاهية والارصدة المكتنزة والمباني الشاهقة والحياة الباذخة والأسلوب المتأنق في الكلام! بل هي مظنة "جمال الذوق" و"الرقي"! أما الفقر فهو أساس كل شر، ومظنة الجرائم والمخدرات والسرقة، هنا ينطبق إطار الاجرام على الفقراء، ويعجز أن ينطبق هذا الاطار على الذين تعجبك اجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم، هذه هي النظرة البشرية البسيطة السطحية..

 

طبعا لا أقول ان كل الأغنياء اشرار، لكن الشر ينبع من البيئة القوية، لأن لديها حرية اكثر في اتباع ما تهوى، قال القرآن عن الانسان (والمقصود بالإنسان هو غير المؤمن الغير مرتبط بدين الله والايمان به وباليوم الاخر) قال : (كلا إن الإنسان ليطغى ، أن رآه استغنى) أي رأى نفسه غنيا، ولم يقل أن رأى نفسه فقيرا في كوبا او البرازيل او المكسيك!

 

القرآن أيضا يعارض فكرة الثبات على الغنى او الفقر، أو السعادة او الشقاء. أنت حكمت على الفقير ان حياته كلها سوء وشقاء ولا يمكن أن يخرج منها، ولن تتغير احواله أبدا، وهذا هو القنوط الذي حذر الله منه، وأنت بهذا العرض تستبطن جبرية سلبية، أنه لن يتحسن حاله ابدا، وهذا غير الواقع، فكم من الأغنياء الذين خرجوا من قعر الفقر، وصاروا من اثرياء العالم، ويعرضون سيرهم وكفاحهم : نابليون الامبراطور العظيم كان ابن صياد سمك في جزيرة كورسيكا! ولو عرضنا صورة صياد فقير مع ابنه الذي يرمي معه شباك الصيد في حر الشمس، ستقول : أي مستقبل ينتظر هذا الطفل من البؤس والفقر والجريمة؟ إن الله يعز من يشاء ويذل من يشاء.

 

النماذج أكثر من ان تعد، وكم من الأغنياء الذين تحولوا الى الفقر، بل منهم من سُجِن حتى آخر حياته، ألم تسمع عن تقلبات الزمان؟ عن أباطرة انتهكت قصورهم وشرّدت نساؤهم وقتلت ابناؤهم امامهم؟ ماذا تقول عن مثل هؤلاء؟ هل هم سعداء في حياتهم كلها؟ أم أنهم بؤساء؟ مع أنهم عاشوا البذخ وعاشوا البؤس أيضا! أين ذهب تصنيفك لهؤلاء؟

 

والأمثلة كثيرة في الواقع، وهذا مصداق لقوله تعالى (إن مع العسر يسرا)، فكل انسان تعرض له في حياته أوقات سعادة وأوقات بؤس، من يسكن في المقابر ومن يسكن في القصور، لذلك اعطانا الله مبدأ هو : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، اذن كل انسان تتراوح حياته بين الخير والشر اللذان يأتيانه، فلا احد يعيش بؤسا دائما ولا نعيما دائما، كما قال إيليا أبو ماضي مخاطبا الغني :

 

أنت في البردة الموشاة مثلي .. في كسائي الرديم تشقى وتسعد ..

فلكٌ واحدٌ يُظِلُّ كلينا .. حارَ طرفي به، وطرفك أرمد ..

قمرٌ واحد يطل علينا .. وعلى الكوخ والبناء الموطد ..

 

وأيضا المبدأ القرآني الذي يقول (إن مع العسر يسرا)، فلا عسر دائم ولا يسر دائم، والغنى والفقر نسبيان في الأصل، فحد الغني يختلف من بيئة لأخرى، ففي بعض البيئات يعتبر من يمتلك عشرة رؤوس من البقر غنيا، وبيئة أخرى تعتبره فقيرا، فالغني فيها من يملك عشر عقارات، وهكذا. وكل شيء تتبعه أتعابه ولوازمه، فالعشر بقرات يشقى صاحبها بها كما يشقى صاحب العشر عقارات، وهكذا كلما تكبر الثروة تكبر الهموم والمخاوف، وكذلك الغنى في زمن يختلف عنه في زمن آخر،

 

والغني يأكل مثل الفقير، لا يأكل ذهبا ولا فضة، وكلاهما ينام على فراش واحد، ويأكلان نفس النوع من الطعام، إما نباتي او حيواني، ويتنفسان نفس الهواء، وكلاهما يمرض، وكلاهما يشيخ ويموت ويدفن ..

 

لكن ما حل مشكلة كثرة الانتحار في بيئات غنية؟ وقلته او انعدامه في بيئات فقيرة؟ فسّر هذه الظاهرة لماذا؟ بموجب تفكيرك يجب ان يكون الانتحار في البيئات الفقيرة اكثر، وأن تكون البيئات الغنية ابعد ما تكون عن الانتحار او الامراض النفسية، مع ان الأكثر فيها. لمْ ينتحر المنتحر من امرٍ هين وبسيط، اذ ضاقت عليه الأرض بما رحبت.

 

إن الغني لا يعلم انه غني، لانه اعتاد على ذلك، والكل ينظر الى ما ينقصه، مثلما أن الصحيح لا يعلم انه صحيح، إلا المريض، لذلك قالوا (الصحة تاج على رؤوس الاصحاء لا يراه إلا المرضى).

 

طرحك مبني على مغالطة افتراض ثبات الظروف : ثبات الغني على غناه، وثبات الفقير على فقره، وثبات السعيد على سعادته، والشقي على شقاوته، والقوي على قوته، والشباب على شبابه، والجميل على جماله، وهذا غير صحيح واقعيا. فلا شيء يستمر أصلا، فكم من سعيد تحول الى الحزن، وكم من غني تحول الى الفقر، وكم من فقير تحول الى الغنى، قال تعالى (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، وهذه الآية يتفق معناها مع قوله (ولنبلونكم بالشر والخير فتنة). إذن الخير ليس دائما، والشر ليس دائما، ولا بد لكل انسان أن يذوقهما بالتناوب، قال تعالى (ان مع العسر يسرا). هذه هي النظرة التي يقدمها القرآن، وليس كما وصفت أو وصف بعض المدافعين عن الدين، كالذين قالوا ان الفقر أفضل لفلان من الغنى، او العكس. وأن أول من يدخل الجنة هم الفقراء.

 

لنغيّر الفكرة الى أن ما يجري على الواقع هو التناوب بين الخير والشر بأنواعه، وليس فقط المال كغنى وفقر، فحتى الصحة تناوب بين صحة ومرض، وكذلك تناوب بين لذة وألم، بأنواع اللذائذ وأنواع الآلام، بل هذا يجري على نطاق الوقت القليل والسويعات، فتجد الشخص في اول اللقاء مبتسما، وفي آخره متجهما، او العكس. هذا التناوب بين الخير والشر هو سنّة الحياة، وهو لأجل الابتلاء، فلا تجد انسانا هادئ الاعصاب دوما، ولا متوتر الاعصاب دوما.

 

اما فكرة المساواة في الرزق، فلا بد أنك كشفت بعقلك مدى سذاجتها، لأنه في الأخير سيتشابه الناس حتى شكلا، ولا يستطيع احد ان يميز بين أخيه وجاره، فكيف يميز نفسه عن الناس؟ اذا كانوا كلهم وسيمين وجميلين واغنياء؟ كيف تعرف الجمال وانت لم ترى القبح؟ وكيف تعرف نعمة المال وانت لم تر الفقراء؟ بضدها تتميز الأشياء! هذه أمور بديهية من المفترض ان تكون معروفة بالضرورة ولا حاجة لنقاشها الطويل. والقرآن قال ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ) والمثل الشعبي يقول (إذا كنت أنا أميرا وأنت أمير، فمن يسوق الحمير؟) أين التسخير هنا؟ ومن سيخدم هذه الطبقة البشرية من الأغنياء؟ كلهم لديهم مال، لكن لمن يدفعونه؟ أرأيت أن الفكرة – المساواة في الرزق – مضحكة؟ ان التفاوت نفسه فيه نقص وتعويض، فتجد التفاوت قليلا بين فلان وفلان في الثروة مثلا، لكن تجده في الذكاء متباينا جدا، أو في شيء آخر، اذن الاختلاف موجود بكل درجاته، سواء القليل او الكثير، وهذا شامل لكل الناس.

 

اما قول من قال إن الأجر على قدر المشقة، فهو غير صحيح أيضا، بل إن الأجر على قدر النية والإخلاص. لأن الاعمال تختلف والظروف تختلف، وهناك من اتباع الأنبياء من عُذبوا وقتلوا أكثر من الأنبياء، فهل أجرهم يكون أكثر من الأنبياء؟ هذا عدا أن جزاء الله واحدٌ للكل، وهذا يثبت أن المردّ للنية والصدق فيها، فجزاؤه سبحانه واحد ودار كرامته واحدة، هي للأنبياء والفقراء والاغنياء والشهداء والمقتولين ومن لم يقتلوا، والأولين والآخرين، من المؤمنين طبعا الذين يعملون الصالحات، وبإذن الله، وليس فيها درجات أو طبقات، فكرم الله واحد، وعطاؤه واحد، ولا يمنع عنه أحد، فلا طبقية في الجنة، وكلهم لهم فيها ما يدّعون، وهي الجنة التي وُعد بها المتقون، سواء انبياء او اتباع. قال تعالى (ولهم فيها ما يدعون) وقال (عطاء غير مجذوذ) وقال (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) أي أجر سواسية، وجنة عرضها السموات والارض.

 

والله ينظر للنيات والقلب السليم، فكون الجزاءِ واحد والاعمال مختلفة، هذا ملمحٌ الى ان القرآن كلام الله وليس بكلام بشر، لأن الله ينظر إلى القلوب وصلاحها. فالقلوب إما صالحة او فاسدة، اذن هم متساوون. لو كان الله يحاسب بحسب الأفعال، لذهب أهل الدثور بالأجور، وبقي الفقراء في حسرة، فالفقير الذي يتصدق بدانق، ما قيمته أمام من يتصدق بملايين؟ لكن الله تعالى يضاعف لمن يشاء.

 

إن الفرق الوحيد هو في السّبْق، قال تعالى (والسابقون السابقون أولئك المقربون) أي انهم في الجنة ومقرّبون الى الله أكثر، بسبب أسبقيتهم. وقد قال تعالى (يسارعون في الخيرات) وقال (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه). والأسبقية تشيرُ دائما الى الحنفية، والحنفية هي اتباع الحق ولو عاكس السائد.

 

واما كون الطفل الناشئ في المسجد وفي بيئة صالحة فهو على الأرجح سيدخل الجنة، وكون الطفل الناشئ في اسرة مفككة وبيئة فقيرة وإجرامية سيدخل على الأرجح الى النار، فهذه فكرة ليست واقعية، فها أنت تستخدم كلمة (على الأرجح) لعدم تأكدك، اذن كيف تبني وتجادل على شيء أنت متشكك به أصلا؟ وكم أُفسِدَت الأديان من داخلها، من أهلها، وكفار اهل الكتاب الذين ذكرهم القرآن هم من اخفوا كتاب الله وبدّلوه بكلام غيره، وقالوا أن يد الله مغلولة، وقالوا أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، كل هؤلاء كانوا متدينين وأحبار ورهبان، وأبناء احبار ورهبان، ونشئوا في بيئات دينية. طبعا لا نعمم، فأين هو "الأرجح" الذي تذكره؟ قال تعالى (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله)، هل هؤلاء الذين تكلمت عنهم الآية من العوام؟ لا طبعا، بل من علماء الدين، وكم تقوّل بعض رجال الدين على الله ما لم ينزل به من سلطان في كل الاديان، إن العوام لم يتقوّلوا على الله، لأنهم لا يعرفون تفاصيل الدين والكتب.

 

وكم من الصلحاء الذين خرجوا من بيئات تعتبر فاسدة، ولله عباد مجهولون في كل مكان. إن ولدَي آدم أبوهما نبي، أحدهما صالح والآخر قاتل وحقود وحسود، كلاهما نشآ في بيئة واحدة، وربّاهُما نبي. وابناء يعقوب أبناء أنبياء نشأوا في بيئة واحدة، تحت رعاية والدهم يعقوب، وظلموا أخاهم وتآمروا على قتله بدافع الحسد. ولو كانت البيئة هي المرجع، فلماذا الله يرسل رسلا لبيئة فاسدة كقوم لوط او غيرهم؟ ومن هؤلاء الاقوام الفاسدين من تبعوا نبيهم وآمنوا معه وبإخلاص، مع أنهم نشأوا في بيئة فاسدة، فلا تُحمّل مسألة البيئة والنشأة أكثر مما تحتمل، لأن الإنسان لديه حرية الاختيار. الله قال (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) وهم من بيئة واحدة، رسول الله عليه الصلاة والسلام آمن به ابن عمه علي بن ابي طالب، مثلما آمن به سلمان الفارسي الذي رفض البيئة، مع أنه كان كما يروى ابنَ ملوك، وراح يتلمس الهدى والحق، وآمن كذلك بلال العبد الحبشي، وآمن أبو بكر وعمر وهم من سادات قومهم. فلو لم يتبع الرسول إلا الفقراء من قومه، لكانت فكرة نيتشه صحيحة، وكذلك فكرة ماركس، أن الدين افيون الشعوب، وأنه مخترع من السادة لإذلال العبيد، بينما نجد من السادة من يؤمن ومن الفقراء من يؤمن.

 

إن قبول الدين ورفض الدين حرية اختيار، لا علاقة بالظروف بها ابدا. لذلك القرآن العظيم يخترق الظروف، ويقول (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا)، ولم يشترط ان يدخلوا في دين الإسلام الذي جاء به محمد. وهذا دليل على عالمية الدين. إذن الله يعرف عباده من أيّ دين وأيّ أس، ويعرف من فيه خير ومن فيه شر. ولهذا فالحساب والحكم بالكفر والهداية، هذا من علم الله وحده.

 

ولدي آدم، كيف قتل أحدهما أخاه، والآخر يقول (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لأقتلك) أنظر الى مدى الخيرية ورفض رد العنف بمثله، مع ان لديه حق الدفاع عن نفسه، مخافة ان يقتل أخيه، هنا تجدُ شرا كاملا وخيرا كاملا، في بيئة واحدة وأبناء نبي منزل من الجنة! أين تأثير الظروف والبيئة؟ إن التأثير هنا وهناك يساوي صفرا! فلا يجب تحميل البيئة ما لا تحتمل.

 

ومن قال ان الله سيدخل الناشئ في بيئة صالحة إلى الجنة؟ قال تعالى (أحسب الناس أن يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)، هذا الكلام موجه للمؤمنين، أنت تقول انهم أوتوماتيكيا سيدخلون الجنة، والله قال لا، بل سوف يُفتَنُون! أي يُختَبَرون رُغم ايمانهم، وبعد ذلك يتحدد مصيرهم. إن المسجد لا يحدد مصيرك، لا بد من الفتنة ومن الابتلاء. اذن مُسلَّمَةُ ان الانسان ابن بيئته وأنه سيحاسب حسب بيئته خاطئة، وفكرة الجبرية التي تبناها الغرب أو بالأحرى الناجحون منهم خاطئة، فهي على مبدأ المثل الذي يقول (لا يمتدح السوق إلا من ربح فيه)، إذ يريدون ان تستقر الأوضاع ما دامت لصالحهم، على أن المسألة جبرية وأن إرادة الله شاءت ذلك. ولكن الله يقول (وتلك الأيام نداولها بين الناس) أي أيام السعادة والشقاء، وأيام العز والذل، وأيام المتعة والالم، وايام النصر والهزيمة.

 

وفي الختام أشكرك إن أعدت النظر في المسلمات التي انطلقت منها، فدائما يظن الإنسان الخطأ في تفكيره، وإذا بالخطأ كامن في بعض مسلماته، بينما التفكير سليم، مع الشكر لك ومزيد من الاحترام ..

 

وأرجو إن سمحت لي أن أنشر رسالتك هذه وهذا الرد في مدونتي، ليستفيد الآخرون وربما يشاركنا أحد في طرح الآراء.

 

رد على سؤال حول الوراثة والأمراض النفسية في بريد المدونة ..

 

الأستاذ احمد الناصر : 


طابت ايامك بالخير ورضوان من الله استاذنا الوراق الكريم

 

من فضلك لدي سؤال

 إذا تكرمت نريد فهم ماهية المرض والتعب النفسي

وهل للوراثة والبيئة دور في الأمراض النفسية مثل الاكتئاب والفصام واضطراب ثنائي القطب؟

هل انه كما يقال المرض النفسي غالبا نتيجة تفاعل بين الجينات والبيئة؟

 

دمت بخير وفلاح

 

الجواب :

 

في القرآن الكريم، لا يوجد شيء عن التفاعل بين الجينات والبيئة. يقول تعالى (ذلكم الشيطان يخوف اولياءه)، وقال في قصة أيوب (لقد مسني الشيطان بنصب وعذاب)، وقال (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، وهذه من أساليب العلاج النفسي في علم النفس المسلم: الاستعاذة من الشيطان وتكرارها في كل مرة تمرّ خواطر شيطانية بذهنك، لأن الشيطان يوسوس بالسوء، وليس السوء فقط بالاعتداء على الاخرين، بل حتى بجلد الذات والتقليل من شأنها، والإحباط والقنوط من رحمة الله، لذلك يقول تعالى (إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، فلا يصابون بمرض نفسي دائم أو حزن دائم، ومن محددات المرض النفسي: الاستمرار والإزمان، وإلا فكل حالات المرض النفسي تمر بجميع الناس ولكن على فترات بسيطة متقطعة، فيمر بك شعور قلق أو خوف أو احباط أو فرح زائد أو حزن زائد، أو كآبة متقطعة، حتى الوسواس القهري قد يمر، كل انسان قد مر بكل الامراض النفسية، لكن هناك من يتجاوزها بسهولة، وهناك من يقف عندها.

 

وقال تعالى عن المرابي أنه (كالذي يتخبطه الشيطان من المس) أي من شدة الطمع والاحساس بالفقر، وقال تعالى عن المؤمنين (فلنحيينه حياة طيبة) والحياة الطيبة لا مرض نفسي فيها. ومن وجهة نظري أن الأمراض النفسية أساسها واحد، هو الخوف. إن الخوف تستطيع ان تفسر به كل الامراض النفسية، فالاضطهادية خوف، والكآبة خوف، والقلق خوف، والفوبيا خوف، وحتى الحساسيات النفسية والهشاشة النفسية، والوسواس القهري، والاكتناز القهري، كلها عبارة عن خوف، ويدخل فيها حتى الحساسيات الجسدية، لأن أساسها نفسي، مما يشير الى أن اكثر بل كل دوافع الانسان هي خوف، الانسان مخلوق خائف أصلا، فهو يستقبل الدنيا بالبكاء، وليس لأجل تمرين رئتيه، هو طفل. وحتى بعض الصفات مثل البخل او الطمع، هي أساسا خوف، وكذلك حب التملك، هذا هو المدخل لمحاولة الفهم، وهكذا نفهم لماذا الله تعالى يرجع الخوف والحزن الى الشيطان، قال تعالى (ليحزن الذين آمنوا)، والحزن مرض نفسي، حتى الأتعاب التي اصابت أيوب اعادها الى الشيطان، ليس لأنه حلّ في جسده أصابه ما أصابه، وينبغي ان يُخرج الشيطان منه بصنع نزيف او جرح! لا، هو أصابه في أفكاره، وخوّفه الشيطان بوسوسته التي أساسها الخوف أيضا، فتأتي ردود أفعال بدافع الخوف، قد تصل الى الجسد وتظهر فيه.

 

إن الوسوسة ليست بالإغراء فقط، بل هي بدافع الخوف، لأن الانسان كائن خائف أصلا، فالشيطان عندما وسوس لآدم وحواء، كان يحرك لديهم دافع الخوف أكثر من الرغبة، قال (ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة الا أن تكونا ملكين او تكونا من الخالدين) أي يخوفهما من الموت اذا لم يأكلا منها. بل حتى اذا سيقت الرغبة يكون من وراءها الخوف، مثل "ان تكونا ملكين"، ولكن جاء بعدها "ان تكونا من الخالدين" أي الموت، وحتى الرغبة يسوقها علينا بدافع الخوف، لأنه يقدمها لنا على شكل فرصة، واذا ضيعت الفرصة فستندم، فالسارق يقدم الشيطان له فرصة لا تعوض، ويحثه على استغلالها، كذلك الزاني أيضا، اذا ضيعت الفرصة فستبقى في كبتك محسورا، ويعدهم ويمنيهم أن الله غفور رحيم، مثلما قال لأخوة يوسف (وتكونوا من بعده قوما صالحين)، هذه وصية شيطان قالها لأحد أخوة يوسف، أو كأن تأخذ مالا كبيرا وجدته مرميا في الطريق، متى ستجد مالا مرميا في الطريق؟

 

وهذا طرح مختلف عن السائد في تفسير أسباب المرض النفسي، ففرويد مثلا يُرجعها كلها الى الرغبة، وبالذات الرغبة الجنسية، وأنا على العكس تماما، أرجعها كلها إلى الخوف، والنظريات الحديثة اعادتها الى الجينات، استكمالا لفكرة الجبرية التي تخلي ساحة الفاعل من المسؤولية. نستطيع ان نقول ان المرض النفسي هو ردود أفعال خاطئة نتيجة خوف، قد يسيء صاحبه التوجيه وتؤدي الى مضاعفات أسوأ وردود أفعال أسوأ. لذلك الله يقول (لا تتبعوا خطوات الشيطان)، لأنه يريد أن تضلوا ضلالا بعيدا.

 

مثلا شخص كثير التخوف والحذر ولا يحب تجريب أي جديد، سيكون مصابا بالملل وبالكآبة، وهذه ردود أفعال نتيجة الخوف. وردود الأفعال على نوعين: اما سلبية أو إيجابية. مثلا في المقالب المخيفة، تجد بعضهم يصاب بهبوط وانسحابية، وبعضهم يرد ردة فعلٍ عنيفة. وهذه الحالة تنعكس على الجسم، لأن الجسم تابع للنفس، وكل امراض الجسم هي إما عبارة عن انسحاب او اندفاع، تبعا لحركتي الشعور، وهما الحب (الاندفاع) والخوف (الانسحاب). مثلا امراض كالسرطان وارتفاع الضغط، هذه اندفاعية، وهناك انسحاب مثل الضمور وتعطل بعض الوظائف، وهذا يظهر على المرض النفسي أيضا، فثنائي القطب هو عبارة عن فترات اندفاع وفترات انسحاب.

 

إذن نحن كيانات معنوية وليست مادية، لكنها أُلبست لباس مادي، فتلاحظ الجسم تزداد نبضات القلب وغيرها من العلامات الحيوية، لأنه هو وسيلة النفس للتعبير، فالنفس تعبّر من خلال الجسم، ففي حالة الخوف تتحول الى رعشة وجفاف حلق او هبوط او اندفاع وهكذا. لا أجد فرقا كبيرا بين النفس والجسد، فهي الشيء وأداته. والجسم السليم في العقل السليم، على عكس السائد. وهذا كله طبعا من وجهة نظري، ولست طبيبا نفسيا. لا يوجد مرض نفسي مدخله الرغبة مثلا، إذا كان حتى الطمع عبارة عن خوف، فماذا سيكون المرض الذي مدخله الرغبة؟

 

كما يبدو لي أيضا أن الامراض العقلية أساسها امراض نفسية تطورت وأثرت على العقل.

 

وانا لست أرى ان للجينات او البيئة دور، لأننا نجد في نفس البيئة والظروف أصحاء نفسياً، واما القول بالوراثة فهو من نوع الإحالة على المجهول، لأنه يصلح للشيء وضده، فالصحيح نفسيا ستقول ان صحته نتيجة وراثة، والمريض نفسيا كذلك ستقول انه نتيجة وراثة! مع كامل الاحترام للأطباء النفسيين.

 

نحن نحاول ان نفهم من القرآن ما يمكن فهمه عن نفسية الانسان وامراضه. إن الله يختبر كل انسان، فلا يجعل الله سببا مؤثرا على نفسية الانسان وقراراته خارجا عن إرادة ذلك الإنسان، فبالنسبة للنظرة من خلال القرآن، يقلّ تأثير الظروف ويكبر اختيار الانسان، (بل الانسان على نفسه بصيرة ولو القى معاذيره)، وكما قال القرآن (وننزل من القرآن ما هو شفاء للصدور)، لكن ليس بشرب ماء أوراق المصحف أو رقية راقٍ يقرأ القرآن، بل باتباع القرآن، لأن الله انزل كتابه لكي يُتّبع. اذن الشفاء يكون باتباع القرآن، قال تعالى (كتاب انزلناه ليدبروا آياته) أي يسيروا دبره، وقال (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم)، وقال تعالى (ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى)، وقال أيضا (يا ايتها النفس المطمئنة، ارجعي الى ربك راضية مرضية) أي كانت مطمئنة في الدنيا، لأنها متوكلة. هذه هي الخطوط العريضة لشفاء النفس، نأخذها من القرآن. القرآن يخبرنا عن المرض النفسي وعن الصحة النفسية، من خلال اتباعه او الاعراض عنه.

 

وإذا كان المرض النفسي نتيجة تفاعل بين البيئة والجينات، فهذا يعني أنك ضحية، وهنا تتنحى الإرادة الحرة التي يحاسب الله عليها، وهي مدار الاختبار، فهذه البيئة والجينات ليس للإنسان دورٌ فيها، وبالتالي سيكون ما يفعله مبررا بالجبرية، وحتى تسميته بـ"مريض" لا تعجبني. لأن كلمة مريض تعني أمرا خارجا عن إرادة الانسان، وهذا لا ينطبق تماما، بدليل انهم يستخدمون معهم أسلوب محاولة الاقناع وتغيير السلوك.

 

من أراد الطمأنينة في الدنيا والاخرة، فليتبع هذا القرآن الذي قال انه شفاء لما في الصدور. انا كنت اعاني من كآبة المساء، وعالجتها بالقرآن، وذهبت الى غير رجعة والحمد لله، بينما نرى كثيرا من الناس يعانون من الكآبة وقليلٌ من يشفى منهم.

 

لا يتعارض العلاج بالقرآن إتباعا وتدبرا مع العلاج النفسي، فبعضهم يكمل الآخر، ومن العلاج يجب ان يكون هناك تذكير للمريض بأنك قد تظلم الناس بسبب الاضطهادية مثلا فتأثم، وأنك قد تظلمهم بسبب الحسد والغيرة، وانك تكتسب الذنوب بسبب هذا الحرص الشديد على مصلحتك، وهكذا. وأنك تخالف القرآن الذي طالبنا بالتوكل على الله وليس بالاعتماد على أنفسنا وقدراتنا، اقصد أن يبيَّن له كيف ابتعد عن الاخلاق القويمة بسبب محاولة التكيف الخاطئة، إذ ان كل الامراض النفسية هي محاولة تكيف خاطئة مع الواقع، تجد مريضا نفسيا يمارس الحيل النفسية، كأن يبين انه سليم بينما هو يعاني، ويبين انه غني بينما هو فقير، ويقع في الكذب، ألا تلاحظ ان كل الامراض النفسية فيها شيءٌ من الخروج عن الاخلاق او قد تؤدي الى ذلك؟ مريض الكآبة مثلا لم يشكر نعمة الله عليه، والمصاب بالاضطهادية قد يظلم بأوهام من الشيطان، بل حدثت جرائم. ومثلها من يصاب بعقد النقص. هذا ما يريده الشيطان، أن يضل الانسان ضلالا بعيدا.

 

كل مريض نفسي لو يغير أفكاره واساساته التي بنى عليها، لربما تتغير شخصيته، قال تعالى (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وهذه قاعدة قرآنية، وهكذا القرآن يعطينا كل الاساسات لإصلاح النفس، وإذا صَلُحَت فقد صحّت.

 

إن علم النفس المسلم يحتاج الى القرآن.

الأربعاء، 4 مارس 2026

رد على سؤال حول ادراك الوقت في بريد المدونة

في بعض الأحيان نعيش الزمن وكأنه نهر واحد يجري بالوتيرة نفسها لا يتعجل لأحد ولا يتباطأ لأجل أحد ومع ذلك نشعر أحيانًا بأن لحظات الفرح تنساب من بين أيدينا كأنها ومضة خاطفة بينما تمتد لحظات الألم ثقيلة كأنها لا تريد أن تنقضي!!! في السعادة نكاد ننسى عقارب الساعة وفي الحزن نصغي إلى كل ثانية كأنها صوت مرتفع في فراغ طويل فهل يتغير الزمن فعلًا أم أن الذي يتبدل هو شعورنا به ووعينا له؟

لماذا تمضي الأوقات الجميلة سريعًا بينما تبدو اللحظات الكريهة أبطأ وأثقل وما السر الكامن بين الزمن وشعور الإنسان؟

لماذا الأيام التي نريدها تطير بسرعه والأيام التي لا نلقي لها بال بطيئة كالسلحفاة ؟

‏هل الفرح ‏يجعلنا ‏نغيب عن الإحساس بالوقت؟

لماذا نذوب في اللحظات الجميلة حتى نفقد الإحساس بمرورها؟

 

ولك منا أستاذنا الفاضل جزيل التحايا العطره والصادقة

 

الرد :

 

المقصود بالزمن هو الحركة، ولقد نشرت في مدونتي موضوعا بعنوان (الزمن هو الحركة) في ثلاث منشورات، بإمكانك الاطلاع عليها.

 

إن لكل انسان زمن، وبعضهم يعيش الحياة طويلة وبعضهم يعيشها قصيرة، والله أخبرنا أن المجرمين يُقسمون ما لبثوا غير ساعة، ولكن لم يخبرنا ان المؤمنين يقولون نفس الكلام. والقرآن عبّر عن الكفار أنهم (طال عليهم الأمد)، وهو إحساس بسبب انصرافهم للدنيا وتأكيد الشيطان لهم بطول الحياة، لأنهم لا يرون غيرها.

 

إن المؤمن إذا عرف سعة الآخرة وأنها هي دار البقاء، أدرك ان الدنيا دار فناء، إذ ليس لديه هذا الإحساس بطول الحياة، لأن الموت على باله دائما. وهكذا تعاش الدنيا على أصولها. إن الإحساس بقصرها طريقٌ لصلاحها، والإحساس بطولها طريق لفسادها، لذلك قال تعالى (طال عليهم الأمد فقست قلوبهم) مع أن أعمارهم لم تطل.  أنه

 

إذا سار الانسان وفق مؤشرات شعوره، هكذا يطول زمنه، وهذا دليل على ان لكل انسان زمنه الشعوري، وهو غير الزمن الحركي المنطبق على الجميع، إذ يطول الزمن الشعوري بالإحساس بقصر الزمن الحركي المادي، بعلاقة عكسية، وهنا تكون حياة الانسان مباركة.

 

وانظر الى حياة الأنبياء كم هي مباركة، ورسول الله محمد كما في السيرة أنه مات في الستينات من عمره، لكن لاحظ ماذا انجز وماذا غيّر في البشرية، حتى ما بعد زمانه، بل إنه اعتُبر الشخصية المؤثرة الأولى في التاريخ. وانظر حياة المسيح تجدها قليلة، لكنها مليئة بالحركة الشعورية. وهو الذي قد دعى (وجعلني مباركا أينما كنت). انظر حتى الى بعض الشخصيات في التاريخ، تجد أن لها تأثيرا كبيرا مع أن حياتها قليلة، وربما مات في الخمسين او الستين، وبعضهم مات في الاربعين. وهذا النوع يكون فقده شديدا على النفس، لأنه ملأ حياته، فهناك من يملئ حياته، وهناك من يفرّغ حياته.

 

إن الذاكرة ترصد الحركة الشعورية للإنسان، لأن الذاكرة نوعان: ذاكرة سطحية، أو نسميها يومية، وذاكرة عميقة، ترصد سجلك الشعوري. هذه الذاكرة قد تحضّر لك مواقف ومشاهد من الطفولة المبكرة، وكأنها حدثت قبل أشهر او سنوات قليلة، وتغيّب فتراتٍ تصل الى السنين بسبب الرتابة، وتجد كثيرا من الناس يتذكر مرحلة الدراسة الابتدائية وقد ينسى المرحلة الثانوية الا قليلا، وذلك لأن في الابتدائية حدثا جديدا وهو الانفصال عن المنزل والارتباط بالمدرسة.

 

ربما كل انسان يتذكر أول يوم له في المدرسة، ولكن هذه الذاكرة الشعورية لا تحدد الزمن، بل بالمقارنات والحساب يستطيع العقل ان يقارب زمنها، ولكن الذاكرة الشعورية لا ترصد الزمن، لأن لها زمنها الخاص. وفي الذاكرة الشعورية كل شيء مرتبط بالخوف او بالحب فإنها ترصده، لأنهما هما حركتا الشعور: الاندفاع بالحب او السحب بالخوف. والكراهية صورة من صور الخوف، مثلها مثل العداوة والقلق والكآبة والتوتر والفزع، وكلها درجاتٌ من الخوف.

 

تجد أن حياة بعضهم مليئة وأعماله كثيرة، ولكنها ليست وفق الشعور، لذلك لا يرصدها الشعور، لأنها مبنية على افكار صناعية وأنانية ومصالح، وبالتالي ليس لها قيمة عند الشعور إلا بعض المواقف، والشعور لا يرصد إلا الاعمال الطبيعية. قال تعالى (والباقيات الصالحات).

 

إن الشعور لا يرصد إلا الطبيعي، وبالتالي لا يتحرك إلا للطبيعي، والزمن يقاس بحركة الشعور. لاحظ أن الأطفال تمر طفولتهم بسرعة، مع ان الطفل الإنساني يعيش أطول فترة طفولةٍ من بين المخلوقات، لأنها فترة محكومة بالأنانية والدوران حول الذات، والطفل يرصد الاثارة والمتعة، ولا يرصد الجمال أو الأخلاق، ولا يهتم بها كثيرا، إلا قلة من الأطفال، وبنسبة ضئيلة. اما بالنسبة لذاكرة الطفل فهي ترصد ما حوله أكثر مما ترصد ما في نفسه، لكن عندما يسلّم الانسان نفسه لله، تكون نياته هي أساس ذاكرته، فيتذكر اول ما يتذكر ما نواه، فتكون الذاكرة مرتبطة بالنية، وهذا ما يثير أحيانا ما اسميه البكاء الجميل، لأنك ترى النية الصادقة وترى المشاكل التي وقفت بطريقها، فتبكي على ذلك الشخص، الذي هو انت.

 

إن اكثر ما يثير البكاء هو موضوع الربط بين النية الطيبة اذا عارضها الواقع ولم تتحقق، كأنه بكاء على تلك النية الجميلة، هذه الحالة تثير الشفقة، والشفقة تهيج الدموع. إن النية هنا لم تتحقق، فتثير دموعا باردة من الاطمئنان على النية، وبكاءً على انها لم تُوَفّق. إن البكاء يكون على النية التي توقفت، وليس على صاحبها المفقود، وذلك لأن النية هي الباقية، قال تعالى (والباقيات الصالحات)، وذلك لأن الشعور ايجابي. مثلا لو أن شخصا توفي قبل ان ينجز مشروعا خيريّا، هنا يُثار البكاء، خصوصا اذا عرفت انه لن يكمله احد بعده، وهذا يثبت لنا أن أهم ما عند الذاكرة الشعورية هي النية الخيّرة.

 

ولذلك تجد المسلم نفسه لله لا يريد ان يعود الزمن، ولا يقول ليت الشباب يعود يوما، لأنه اجتهد في تلك الفترة السابقة، أي انها قد جرت تعبئة تلك الأوقات، فذهبت وهي حفلى، وهذه من الأدلة الدالة على وجود الله. أما من تمرّ حياته فارغة من عمل الصالحات، تجده يتمنى ان يعود الزمن، قال تعالى (قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت). إن العبد الصالح لا يتمنى ان يعود الزمن.

 

إن الانسان الطبيعي يشعر دائما أنه شباب، ولا يشعر بالكبر، لأنه مع الشعور، والشعور خالدٌ لا يكبر ولا يشيخ، والشعور لا شيخوخة معه ولا له. لذلك من ليست لديه أفكار طبيعية، تظهر عليه مظاهر الشيخوخة والكبر مبكرا، بخلاف الانسان الطبيعي.

 

ان عمر الانسان هو لحظات ارتباطه بأي عمل صالح لله.

 

إن من قوانين الشعور: الإيجابية، فلا يَذكر الا الأشياء الطيبة في حياتك وحياة غيرك، لذلك يذكر الشعور من الموتى أشخاصا، وآخرين يجري عليهم النسيان، ولهذا الناس درجوا على تأبين الموتى بذكر أحسن ما فيهم، كمحاولة لتخليدهم في الشعورات، أما فترات الضياع واللاهدف فتمر عليها الذاكرة سريعا.

 

بعد تسليم النفس لله وجعل الحياة لله، هنا تبدأ الذاكرة تسجل بشكل ناصع وواضح، وكأنه من هنا بدأ العمر. طبعا الفترة السابقة لا تُمحى تماما ولكنها تبهت عند الشعور، وهذه نسميها الذكريات الميتة أو المحنطة، ويذكّرك الشعور بأحداث يعتبرها قديمة، بينما توجد أحداث أقدم منها ولكنه يتناساها. هذا يعني أن الشعور يقرّب ويبعّد في الزمن، مثلما أنه يطيل الزمن في وقت الشدة، ويخففه في وقت الفرح والسعادة، أي ان الشعور يتحكم بالذاكرة وبالزمن، مثلما أنه يتحكم بالواقع، فالجائع يرى في الطعام لذة لا يشعر بها في وقت الشبع، فقد يكون منظره منفرا في وقت المرض، بينما الطعام هو هو لم يتغير.

 

إذا عرف الانسان ربه وسلّم نفسه لله، تذهب عنه مقولة ان الأيام تجري بسرعة. ويؤكد هذا ان الذاكرة قد تنصّع وتوضّح بعض الذكريات القديمة، مع انها قديمة جدا، وأمور أخرى جاءت بعدها زمنيا لا تكاد تُمسِك بها الذاكرة. لهذا يقال ان الإنسان إذا احس بالموت او توقع قرب الموت لديه، تثور لديه الذكريات كشريط. قال تعالى (بل الانسان على نفسه بصيرة ولو القى معاذيره).

 

اما بخصوص السؤال عن: لماذا اللحظات السعيدة تمر سريعة، واللحظات الحزينة تمر بطيئة؛ فهذا لأن الإنسان خلق هلوعا، اذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا، وهذا لأن اللحظات السعيدة أساسا لم تكن سعيدة حقا، وهذا لأنها تفتقر للشكر، فالشكر يؤدي الى التمعن بالنعمة ومقارنتها بالنعم الأخرى ومقارنتها كذلك بضدها، إذ بضدها تتميز الأشياء. ونتيجة هذا التمعن أن تكون هذه اللحظات طويلة وليست قصيرة. قس هذا على الثروة، فإنسان ولد في أسرة ثرية، هل تقارن فرحته بفرحة انسان حصل فجأة على مبلغ ضخم؟ لا تُقارَن، مع أن الأول أغنى منه، بل هو ناشئ في الغنى، ولا تجده سعيدا بسبب المال، لأنه اعتاده، وحتى الثاني أيضا تذبُل سعادته بعد التكرار. تجد مليونيرا يتمتع بصحة وثروة، ومع ذلك تجده يشعر بفراغ ونقص، وربما يشعر بعضهم بالكآبة، وكأنه مثله مثل من ليس لديه شيء، ولكون الانسان هلوعا، يخوفه الشيطان ويعده الفقر ويشعر بالقنوط والمبالغة بالظنون السيئة والتشاؤم، فيزيد هذا من المصيبة ويزيد من التوتر، كما قال تعالى (الشيطان يعدكم الفقر).

 

إن المؤمن حقا والذي هو على حق، لا تمر اللحظات السعيدة عليه سريعة، ولا يفرح كثيرا بها، وأيضا المصائب تهون إلى النصف ربما عليه، لذلك الله لم يعد المؤمنين بالسعادة، بل وعدهم بالطمأنينة. والطمأنينة حالة بين الفرح الشديد والحزن الشديد، اذ تقول العرب (ارض مطمئنة) أي ارض متوازنة وغير مرتفعة.

 

إن الحالة الإيمانية تعمل على التوازن، ففرح الأنسان بالأشياء السعيدة مبالغٌ فيه، وكذلك حزنه مبالغٌ فيه، وفي المحصلة نجد طاقاتٍ مبذولة على غير نفع، إن اللحظات السعيدة تمر سريعة، لأن الانسان يبحث فيها متوقعا وجود السعادة فيها، مثل من يفتش عن الجمال في الزهرة، تجده يبددها، وتجده يتحسس وجود السعادة ولكنه في الحقيقة لا يجدها، مثل السراب، يظنها هنا، ثم يقول انها هناك، ثم يقول انها هناك، وهكذا.. فهو كمكلّف الايام ضد طباعها. أما اللحظات الحزينة فهي تمرّ ثقيلة لأنها مثقلة بالظنون السيئة والقنوط والشكوك والخوف وقلة الثقة بالله.

 

وكم مرّ بنا من أمور نكرهها ونحسب أننا لن نخرج منها، وإذا بها تعود الحياة إلى تيارها. لذلك القرآن يحث المؤمنين على عدم الفرح وعدم الجزع، ويأمرنا بالصبر. قال تعالى (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)، وحتى العوام يقولون (لا تحب ولا تكره)، أي لا تبالغ في المحبة ولا في الكراهية، لأن الله سبحانه سنّ الحياة بأن يكون مع العسر يسرا، وكرّرها مرتان في السورة للتأكيد.

 

من يكون هذا حاله، والأكثر كذلك، كأنه رجع إلى كونه إنسانا اكثر من رجوعه لكونه مؤمنا، لأن الانسان هلوع جزوع منوع كما وصفه القرآن. لكن حالة الايمان تغيّر من الحالة الإنسانية للأفضل، انظر قوله تعالى :( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22))، هذا موقف جزع، أين الجزع؟ ونجد القرآن يتكلم عن انسان، ويتكلم عن مؤمن، كاستثناء من الحالة الانسانية.

 

والموضوع ذو شجون، وآسف على الاطالة، جعلنا الله وإياك من المقبولين في هذا الشهر الكريم. وأهلا وسهلا بك دائما وأبدا أيها الصديق العزيز.

الخميس، 15 يناير 2026

رد على سؤال حول العقل الباطن في بريد المدونة

السؤال : 


هل العقل الباطن مفهوم علمي مثبت في علم النفس والأعصاب أم أنه مجرد إطار نظري لتفسير السلوك الإنساني؟ وأين يقف الحد بين العلم والتأويل؟ وإذا اعتبر مفهوما غير دقيق أو مبالغا فيه فما هو البديل العلمي الذي يفسر العمليات العقلية في رأي أستاذنا الكريم؟

دمت بخير وسلام

 

الرد :

 

العقل الباطن عند فرويد ليس مفهوما علميا، بل هو اطار نظري كمحاولة لتفسير بعض ظواهر السلوك الإنساني، على أساس ان هناك اعراض غير مفسرة عضويا كالشلل المؤقت وفقدان النطق ونوبات الهستيريا، وعلى أساس انه لا يمكن لشيء ان يصدر منه فعلان متناقضان، وعلى أساس اخر هو محاولة تفسير الاحلام وما فيها من رموز، وعلى أساس ان الانسان يكبت رغباته ولا تزول تلك الرغبات رغم الكبت، وعلى أساس ان الانسان قد يكرر أخطاء ويضر نفسه ويعمل ضد مصلحته، وعلى أساس نتائج التنويم المغناطيسي الذي مارسه على بعض مرضاه، وأكد انهم تذكروا ذكريات كانت منسية عندهم. مما يؤكد انها كانت مكنونة في شيء في داخل الانسان، وان التنويم المغناطيسي نحى الوعي فتكلم اللاوعي

 

وهذا الاستنتاج كله أخطاء، فالتنويم المغناطيسي لم ينجح سريريا، ولذلك نحاه علم النفس الحديث، بسبب عدم الجدوى، وكون الانسان قد يكرر الأخطاء او يضر نفسه، فهذا كله يأتي من الوعي، فالمتهور بوعيه يمارس اعمالا متهورة قد تضره، لكن بموجب حساباته التي لم يكن فيها انه يضر نفسه طبعا، لكن حساباته كانت خاطئة، وما أكثر ان يخطئ كثير من الناس، كما أخطأت حسابات فرويد نفسه.

 

اما كون الانسان يكبت رغباته، فهذا طبيعي، ولو لم يكن ذلك لتدمر الانسان نفسه، فرغبة الانسان ان يمشي بسيارته في الطريق، لكنه توقف عند إشارة المرور، أي كبت رغبته بالانطلاق، هل هذا كبت مرضي ام صحي؟ الحياة أساسا لا تسير الا بكبت، والا لوقع السائق ضحية حادث يدمره هو وغيره، الانسان العاقل هو الذي يكبت، والمجنون الذي لا يكبت يضر نفسه. وما سمي العقل عقلا الا لأنه قيد يقيد صاحبه وينظم رغباته ويوازنها مع الواقع، ولهذا سمي العاقل عاقلا، أي ان العاقل هو الذي يكبت رغباته حتى يحين وقتها المناسب

 

واعتماده على الاحلام انها رموز للعقل الباطن يعبر بها عن مكنوناته، فهذا تشخيص خاطئ، لان الاحلام أساسها الوعي، الانسان القلق تأتيه أحلام مقلقة بل حتى كوابيس، وأكثر الاحلام أساسها الخوف. والخوف نتيجة وعي وليس نتيجة عدم وعي، وهناك مخاوف قريبة والتي يعبر عنها بالقلق، وهناك مخاوف عميقة تتعلق بوجود الانسان وغايته من الوجود، نسميها مخاوف وجودية، يعبّر عن ردة الفعل نحوها بالكآبة

 

والاحلام مختلف فيها، فمنهم من يفسرها تفسيرات مادية، ومنهم من يفسرها تفسيرات معنوية وروحانية، وكلا التيارين خطأ. لأن الاحلام تعبر عن قلق الشعور وخوفه، فليس رؤيتك لبئر أنك ستتزوج، او انخلاع الضرس يعني موت عزيز، ولا رؤيتك لجبل أنها رمز جنسي كما قال فرويد، ومن الطرافة بمكان جمع تفسيرات هؤلاء وهؤلاء للرمز الواحد

 

ان الشعور يسبغ على الأشياء المعروفة مشاعره الخاصة، فأحيانا الحالم يخاف في الحلم من شيء لا يخيفه في الواقع، ويستغرب إذا استيقظ كيف أفزعني منظر مألوف! والعكس أيضا، فقد يرغب رغبة شديدة بشيء غير مرغوب به في واقعه، اذن الاحلام يقوم بها الشعور معتمدا على ذاكرة اليوم السابق، كمادة له لإيصال رسالته، فاذا أراد الشعور ان يخيفك وليس في الذاكرة القريبة أشياء مخيفة، يصنع منها أشياء مخيفة. ثم تستغرب عند استيقاظك لماذا خفت من أشياء هي لا تخيف في الواقع. ويظل اهم ما في الحلم هو شعور الحالم اثناء رؤيته الحلم.

 

والتفسيرات الخاطئة للأحلام سببت مشاكل كثيرة عند بعض الناس، بسبب شدة تصديقهم لها، فقد أدى بعضها الى وقوع الطلاق او على الأقل الجفوة بين الزوجين، مع ان تفسير الحلم أسهل من هذا، وخير من يفسر الحلم هو صاحبه، لان الحلم عبارة عن رسالة خاصة من شعور الانسان له، لا يفهمها الا المرسل إليه، والرؤيا لا تكون الا لأنبياء فقط، وزمن النبوة انتهى، لان الرؤيا معجزة، والمعجزات تأتي للأنبياء ولهدف، فما هدف ان يتصل الغيب بشخص ولا يتصل باخر؟ المعجزة والكرامة عبارة عن اصطفاء من الله لأنبيائه وبكتاب مبين، اما غير ذلك فهو ادعاء على الله بلا علم وقول عليه بلا علم، والله توعد من يقولون على الله بغير علم، لان هذا غيب ولا ينبغي التجرؤ عليه من المؤمنين. وحتى لو جاءت ما يسمونه بالرؤيا وصدقت على الواقع، فهذا الهام من الشعور الذي هو من روح الله، ويأمر بالخير والصلاح، ان الله لم يتركنا ملعبا للشياطين فقط، ان هذا الشعور هو الذي ينبهنا على الخطر ويدعونا الى الخير. قال تعالى (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها). من يسمع كلام الشعور من دوائره العليا يفلح، لأنه فطرة الله التي اودعها في الناس. والتي بموجبها تعارف الناس على المعروف وانكروا المنكر، الا من دساها منهم

 

فاعل الخير لا يعدم جوازيه، لكن ان ندعي ان الرؤيا وحي من الله، فهذا ادعاء بلا علم ولا كتاب ولا سلطان مبين. قال تعالى: { وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِیَ إِلَیَّ وَلَمۡ یُوحَ إِلَیۡهِ شَیۡءࣱ} [سُورَةُ الأَنۡعَامِ: ٩٣] وليس من مصلحة المؤمن ان يدخل نفسه في منطقة (ومن اظلم)

 

وعلى أساس فكرة فرويد انه لا يمكن ان يصدر فعلان متناقضان من مصدر واحد، الرد على هذا اننا نجد الصائم يحجم عن الطعام والشراب وهو يرغب بها في نفس الوقت، فهو يرغب ان يحجم ويرغب ان يأكل في نفس الوقت، وهذا يفسره نظريتي في الشعور، ان الشعور دوائر عليا راقية ودوائر دنيا حيوانية يشترك فيها مع الحيوان، فرغبته في الاكل والشرب تأتي من الحيوانية، ورغبته بالامتناع تأتي من العليا. فلا لبس في الامر، فالعاقل كما قلنا هو من يكبت رغباته ويطلقها في الوقت المناسب. نظرية الشعور تغني عن نظرية العقل الباطن، وتفسر أفضل منها بل وتفسر مالا تفسره نظرية فرويد. لكن نظرية فرويد مشهورة ونظريتي غير مشهورة. وكل ما يقول عنها فرويد انها مكبوتات هي معروفة الدوافع ومفسرة. بل ان فرويد فسرها تفسيرا شاطحا جدا، بأنها دوافع جنسية مكبوتة، كما رأت تلك الفتاة في المنام انها تبكي على والدها الميت، وقال ان هذه عقدة ألكترا، وهكذا. مع ان الجنس كله يقبع تحت الدوائر الدنيا الحيوانية في الانسان، وهذه لا يمكن ان تسبب رغبة بالانتحار او الكآبة، لان دافعها هو غريزة التكاثر الطبيعية

 

وبخصوص الاعراض النفسية الغير مبررة عضويا، كالشلل المؤقت وفقدان النطق، فهذه اما ان يكون تأخر الطب في زمنه سببا في تفسيره هذا، مثل اعراض الجلطة والشلل النصفي الذي يزول بزوال الجلطة الدماغية ان امكن اسعافه في وقت قريب، هذا فسره العلم الحديث، واذا شفي منه أصبحت حالة شلل مؤقت زال وتم تفسيره اكلينيكيا، لم يكن مثل هذا معروفا في زمنه، اذ لم تكن الاشعة المتطورة في زمنه، او ان يكون هذا العرض رسالة من الشعور الخائف الساخط على صاحبه، من باب التنبيه، وهكذا نرى ان نظريتي في الشعور تبتلع نظرية فرويد كما ابتلعت عصا موسى سحر السحرة. بل من خلالها نفسر كثيرا من الامراض كارتفاع الضغط والسكري، وغيرها من الامراض التي ليس لها مبرر او سبب خارجي واضح. ومن خلال هذه النظرية أيضا يمكن ان نفسر الامراض النفسية وكثيرا من الامراض الجسدية، لان الامراض النفسية كلها أساسها الخوف، ولا علاج للخوف الا بذكر الله. وصدق الله العظيم (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين). وقال أيوب عليه السلام (قد مسني الشيطان بنصب وعذاب). وكأنه يجب ان تعالج افكارك قبل ان تعالج جسمك، والله تعالى قال (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)

 

وهنا أيضا يخطئون بمعالجة المريض بقراءة القرآن عليه، مع ان القرآن لا ينفع الا باتباعه، واتباعه يعني تصحيح الأفكار والعقائد، وهنا تتحقق اية (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وبعضهم يقوم بضرب المريض وتعذيبه على أساس انه ممسوس بالجن، وان الجن له وجود مادي يخرج مع خروج الدم، هذا التفكير ابعدهم عن الاستفادة من القرآن، فهو لا يفيد الا باتباعه كاملا، وهيمنته على الدين كله. قال تعالى (اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم) وقالها للنبي (اتبع ما انزل اليك من ربك). وقال تعالى (وننزل من القرءان ما هو شفاء لما في الصدور)

 

وبخصوص الكبت الجنسي وأنه أحد أسباب الامراض النفسية، نلاحظ بعض الحيوانات تمنع من التزاوج في الحظائر طيلة حياتها ولم تصب بأمراض جسدية ولا نفسية، بل حتى بعض مربو الخيول للسباق يمنعونها من التزاوج حفاظا على قوتها. لو كانت غريزة الجنس ضرورية بهذه الدرجة التي يعرضها فرويد بحيث ان كل الاحلام يفسرها جنسيا، لمرضت وتأثرت الحيوانات التي تمنع من التزاوج.

 

وبخصوص السؤال الاخر: اين يقف الحد بين العلم والتأويل؟

 

فلا اعلم هل تقصد بالعلم العلم الديني ام العلم الدنيوي؟ بالنسبة للعلم الديني هو ما لم يتعارض مع القرآن ومنطلق منه ولا يتعارض مع المنطق ولا الاخلاق ولا العلم الدنيوي، وما انسجم فيه العقل المنطقي مع الشعور كمُلخَّص، والعلم الدنيوي ان يلتقي فيه العقل والتجربة، فلو نجحت تجربة ما ولكنها لم تُعقل فهذا لا يسمى علما، فالعلم أساسا هو ابن العقل. مثلا سؤال: كيف ننتج الكهرباء وكيف ننقله وكيف نستفيد منه؟ هذا علم، ولكن سؤال: من اين جاءت الكهرباء؟ فهذا فلسفة. أي نظريات، وكل النظريات تدخل في الفلسفة، لأنها لم تثبت علميا، إنما تقترب من الحقيقة وتبتعد عنها بالمنطقية والقرائن، وهكذا كما قال تعالى (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا)، وبالتالي كل العلم المادي ناقص لأنه متعلق بالظواهر، مثل ظاهرة الجاذبية: نستفيد منها ولا ندرك حقيقتها، وكل ما يسمى علوما نعرف ظواهرها ولكن لا نعرف ماهيتها، أي نعرف الظواهر التي نستفيد منها فقط، تماما كما أخبر القرآن العظيم. فالرياضيات مثلا نعرف منطقيتها ونتائجها لا تتغير، ولكن لماذا واحد زائد واحد يساوي اثنان؟ لا نعلم. كل سؤال (لماذا) يعتبر أضعف الأسئلة في العلم وأقلها إجابات.

 

وبخصوص السؤال الآخر:

وإذا اعتبر مفهوما غير دقيق أو مبالغا فيه فما هو البديل العلمي الذي يفسر العمليات العقلية؟

 

الجواب : لا يوجد تفسير علمي بالمعنى المادي، لكن هناك نظريات، والنظرية تأخذ ثقلها من موافقة العقل عليها ووجود دلائل لها ومشابهات في الواقع، وعدم معارضتها للحقائق، وعندنا كمسلمين عليها الا تتعارض مع القرآن، وأنا قد قدمت نظرية متكاملة عن الشعور الإنساني والعقل (أ) والعقل الوسيط، على ضوء القرآن، في موضوع خريطة الانسان الداخلية في المدونة، وكذلك موضوع الشعور ومواضيع أخرى مبثوثة في المدونة، وبالتالي نظرية الشعور والعقل تفسر كل ما فسرته نظرية العقل الباطن وأكثر، تفسيرا أكثر منطقية وواقعية، وبالتالي لم يعد الانسان "ذلك المجهول" إلى حد كبير بعدها، لكنها غير مشهورة، وتفسر الحوار الداخلي عند الشخص الواحد، وهو ما لا تستطيع تفسيره نظرية العقل الباطن، فالحوار الداخلي غالبا يدور بين الشعور والعقل الظاهر (أ) الذي يتلقى اكثر معلوماته من الخارج، وكأنه حوار بين الداخل (الشعور الفطري) والخارج (العقل)، اما نظرية العقل الباطن فلا تستطيع تفسيره، لأنه خارج الوعي، وكيف يدور حوار بين طرفين احدهما خارج الوعي أي غائب؟ بينما الحوار واعي ويمكن كتابته حتى؟

 

والشعور الإنساني يبحث عن الأفضل، بخلاف تصور فرويد انه يبحث عن الفوضى والشرور والانانية والشهوات، فالشعور يستطيع ان يفسر انسجام الانسان مع الموسيقى، لكن العقل الباطن الفرويدي لا يستطيع تفسير ذلك، لأنه عبارة عن وحش مقموع كما يتصوره، والموسيقى ليست لغة ولا كلاما ولا تؤكل ولا تشرب ولا تُفهَم، فلماذا يرتاح الانسان لها؟ ماذا يستفيد الوحش منها؟ اما العقل الظاهر فلا يعرفها ولا يعرف الفائدة منها، انها مجرد أصوات متكررة بأنماط معينة، هذا عند العقل، فمن الذي يطرب لها؟ ان الذي يرتاح لها هو الشعور الذي يحب النظام والجمال والصفاء والترتيب والانسجام بين النغمات وليس الوحش، فطرة الله التي فطر الناس عليها.

 

إن نظرية الشعور تفسر لماذا المعروف موجود بين الناس والمنكر كذلك، حتى لو لم يكونوا يتصفوا به، أما نظرية فرويد فلا تستطيع ان تفسر ما تعارف الناس عليه وما أنكروه، وهي التي يذكرها الله كثيرا، بل هو من سمى الفضائل بالمعروف والرذائل بالمنكر، ولم تكن العرب تسميها هكذا، وهذا من اعجاز القرآن، لأننا نرى ان الشعور من روح الله، لذلك يحب الانسان الفضيلة ويحترمها حتى لو لم يفعلها، ومن يفعل المنكر يحاول ان يزينه ويغيّر اسمائه وبعضهم يخفيه. وهكذا ترى ان نظريتي تنسجم مع الواقع افرادا وجماعات، اما نظرية فرويد فهي تقدم انسانا متخيلا وليس واقعيا. بدليل ان نظريتي أكثر واقعية في تفسير الاحلام، بينما نظرية فرويد تقدم تفسيرات شاطحة للأحلام لا تدخل العقل. وأشهر تلاميذ فرويد لم يوافقوا على تفسيرات فرويد للأحلام التي بناها على نظرية العقل الباطن، مثل يونغ وأدلر، لكنهم لم يعارضوا الأصل الذي بنيت عليه التفسيرات وهو العقل الباطن او اللاشعور، وكأنهم لم يقبلوا المنتج وقبلوا المصنع الذي انتجه! ثم ما الفائدة من وجود عقل باطن للإنسان لا يعرفه ولا يعيه؟ ماذا يستفيد منه وهو يدمّر؟ بل ان فيه غريزة الفناء كما يقول فرويد التي فسر بها قيام الحرب العالمية الأولى! وكأن الذين ذهبوا الى الحرب هدفهم ان يفنوا! بينما هدفهم كان الحياة والانتصار والغنائم والثروات!

 

وأيضا لا يستطيع العقل الباطن الفرويدي تفسير وجود الابداع والابتكار الذي يخدم البشرية، فهو عبارة عن وحش مقموع، والابتكار يحتاج الى الدقة والصبر، لا إلى الوحشية. فالابتكار مثلا لم يكن موجودا، أي انه ليس مأخوذا من العقل الظاهر (أ)، ولا يعرفه الآخرون ولم يتعلمه المبتكر من أحد. فمن اين سيكون اتى إذا كان العقل الباطن وحش جنسي هائج طوعته الحضارة؟ بل من أين جاءت الحضارة نفسها إذا كان البشرية تملك في دواخلها وحوشا؟ لكن نظرية الشعور تفسر ذلك بكل سهولة وانسجام. لكن مشكلة الشعور انه أعجمي لا يملك لغة، لهذا يحتاج ان يركز عليه صاحبه بعقله، بحيث يكون العقل خادما للشعور وليس العكس، ويعرض عليه. من هنا خرجت الابداعات أو أُخرِجَت، بالمتح من الشعور والعرض عليه.

 

إن نظرية العقل الباطن تجعل الانسان وكأنه غير مسؤول عن تصرفاته او بعض تصرفاته، بمعنى أنه لا يعيها، بينما القرآن يقول (بل الانسان على نفسه بصيرة، ولو القى معاذيره)، وهنا تحترق نظرية العقل الباطن عند المؤمن المتبع للقرآن، ليس بهذا الدليل فقط، بل بأدلة كثيرة. إن الإنسان ليس له ذاكرتين، بل ذاكرة واحدة. وهكذا القرآن هو أساس العلم، وعلى ضوئه قامت الحضارة العربية الإسلامية.

 

وهل أحد منا أحس بوجود العقل الباطن في داخله؟ وهل جاءته ذكريات منسية لم يكن يتذكرها ابدا؟ ان مشكلة الانسان تكمن في المحافظة على ذاكرته! لا ان تأتيه ذاكرة لا يعرفها. في حالة المصاب بالخرف او الزهايمر او الجنون، اين هي ذاكرة العقل الباطن لتحل محل المفقود؟ بل حتى سيطرة العقل تضعف مع بعض الامراض مثل الزهايمر والسُّكْر، أين هي ذاكرة العقل الباطن؟ بعض السكارى يتحول الى الرقة والبكاء، وبعضهم يتحول الى الوحشية، وكأن غياب سيطرة العقل أخرجت ما في داخله، تجد هذا الداخل متفاوتا بين الافراد، وهذا ينسجم مع ما قاله القرآن، إما شاكرا وإما كفورا، فالناس ليسوا على نوع واحد كما تخيل فرويد. فمن يحترم الشعور والدوائر العليا منه، يكون هو الأقرب للفضيلة وجمال الداخل (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)،

 

وأين هو العقل الباطن عند الأطفال؟ اذ ليس لديهم سيطرة قوية من العقل تجاه السلوك. وهكذا.. ان نظرية الشعور تثبت لنا ان الشعور بمستوى واحد عند كل الناس، حتى بين الصغير والكبير، فالصغير يتألم من الإهانة مثلما الكبير، والصغير يشعر بالخجل مثلما الكبير، وهكذا، الشعور هو الرابط الجامع بين الناس باختلاف أعمارهم وفئاتهم واجناسهم، لكن الاختلاف يكمن في احترامه والبعد والقرب منه. لماذا نجد اختلافا بين الأطفال؟ فبعضهم عدواني وبعضهم خجول؟ أليس العقل الباطن واحد؟ وسيطرة العقل عليه عندهم ضعيفة؟ هذا كله نفهمه من نظرية الشعور المستقاة من القرآن. والذي أخبرنا ان الناس ليسوا نمطا واحدا، وأخبرنا بنفس الوقت انهم على فطرة واحدة، وانهم يختلفون في من دساها ومن زكاها، تماما كما هو الواقع. وهذا من اعجاز القرآن النفسي.

 

المؤمن يصلّح عقله بالقرآن، وأي نظرية تتعارض مع القرآن يعرف انها عوراء، أما العلم الثابت فلا يتعارض مع القرآن. القرآن هو النور الذي يمشي به المؤمن، يبعده عن الضلالات والاوهام، والعقل السليم والعلم السليم من النور.

 

وأنا أعرف ان هذا الموضوع متشعب وعميق، فأي سؤال إذا كان يهمك هذا الأمر، فأنا استفيد وأنت تستفيد، مع أن الشعور في وجهة نظري هو اهم جانب في معرفة الانسان، وشكرا.