الأربعاء، 24 يونيو 2026

تسليم النفس لله والأعمال الصالحة

ما دام أن المؤمن سلم نفسه لله، فلا ينس أن الله قال: (اتقوا الله ما استطعتم)، وقال: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها). ومعنى أنه سلم نفسه لله، يعني ان يعمل الصالحات ويترك السيئات، والصالحات كثيرة، وليس شرطا ان تكون عبادات محددة كصيام الست من شوال أو غيرها. علينا أن نعمل الصالحات على قدر الامكان والسعة، قال تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو)، أي الزائد عن الحاجة. 


وقد يقع المؤمن الذي سلم حياته لله في العنت، وطريق العنت خطير، وهو الذي يؤدي لكثير من الانحراف والشكوك، وذلك عن طريق التشكيك بنوايا العمل أو عدم إنجازه بشكل مطلوب، وقد مررت بمثل هذه الحالة من العنت الذي يضغط على النية ويشكك بها، والله قال: (ما جعل عليكم في الدين من حرج). إن الله أعطانا طريق السعة، لا طريق العنت. 


وليست كل الاعمال الصالحة اعمالا ايجابية، إيجابية بمعنى أنها تقتضي أن تُفعل أو أن تُؤَدّى، بل اكثرها سلبية، سلبية بمعنى الاجتناب عن الفعل وعدم القيام به، أي أنها مريحة، مثل كف الاذى، يعتبر عملا صالحا سلبيا، وكذلك عدم الغيبة أو النميمة أو الكذب أو التكبر أو الغرور، هذه كلها اعمال صالحة سلبية، وهي أعمال عظيمة، بل إنها هي الأساس، أساس الايمان، مثل ألا نعبد إلا الله، ومثل الكف عن الربا والكف عن الفواحش، وعن الحسد، وعن الغيرة، هذه من أسهل ما طلبه الله، لأنها لا تكلّف مجهودا، بل إن صعوبتها على من يفعلها أكبر، وقد كرّه الله إلى المؤمنين والمؤمنات الكفر والفسوق والعصيان، وهذا التكريه رحمة بالمؤمنين. ونتيجة ذلك: مكاسب هائلة بدون القيام بعمل. تترك شيئا تكرهه وتكون قد عملت عملا صالحا، مع انك تركت ما تكره.


المؤمن لو عرض عليه ذاك المنكر الذي يكرهه، لو عرض عليه كل مرة سيرفضه، ولو كتب له الخلود سيرفضه، وهذا يفسر لنا الخلود في الجنة دون موت، مثلما يفسر لنا الخلود في النار دون موت. إن أجر المؤمن ليس أجورا مقطّعة، لأن حياته كلها لله، إذ قد سلم نفسه لله، فالعبد في عبادة وحياته كلها عبودية لله، إن أكل وإن شرب وإن نام. وهو تحت ولاية الله، وهؤلاء هم أولياء الله، الذين سلموا أنفسهم وحياتهم ومماتهم وصلاتهم ونسكهم لله. ولاية الله ليست مرتبة خاصة لا يمكن أن يصل إليها المؤمن العادي، بل يصل إليها كل من سلّم نفسه لله صادقا. 


أما بخصوص الأعمال الصالحة الإيجابية، كذكر الله والصلاة والصيام في رمضان، فهي داخلة في شكر الله، هذه أعمال شكر، قال تعالى: (إما شاكرا وإما كفورا)، وقال: (اعملوا آل داوود شكرا). وهذا يعني أن الأعمال الصالحة تنقسم الى: أعمال شكر، وأعمال تقوى. وأعمال التقوى أكثر من اعمال الشكر.


لقد حاول بعضهم تفسير قوله تعالى: (اتقوا الله ما استطعتم)، بأن المطلوب هو أداء العبادة الايجابية حتى استنفاد الطاقة، ولآخر رمق، أي أن عليك أن تبذل قصارى جهدك في العبادات والسنن الايجابية اذا اضطر الامر، وهذا تفسير فيه عنت. لأن الوصول الى الحالة القصوى هو قمة العنت، هذا فيما يتعلق بالعبادة الايجابية، لكن في العبادة السلبية ينطبق هذا، أن تصل في التقوى الى اخر حد. لذلك ذكر تعالى الاستطاعة مع التقوى، والتقوى عبادة سلبية، قال (اتقوا الله ما استطعتم)، و(ما) هنا تعني غاية الاستطاعة. بينما قال عن العبادة الإيجابية التكليفية: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها)، أي أن التكليف مع السعة، والسعة تقتضي عدم الشطط. لذلك قال تعالى عن الحج (من استطاع إليه سبيلا) وقال تعالى عن الصوم (وعلى الذين يطيقونه فدية)، وهذه طبيعة الحياة، فأي تقوى تحتاج الاستطاعة، حتى اتقاء المخاطر والعدو والمرض، يكون بقدر الاستطاعة. لذلك قال تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).


إن هذا المعنى الوارد في التفسير أعلاه، ترده الآيات الأخرى مثل قوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وقوله: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم). وقوله: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها). وقوله: (لينفق ذو سعة من سعته)، والله واسع عليم. وهكذا يربينا القرآن في بذل قصارى الجهد في التقوى، والسعة بلا تكلف في العمل الصالح الإيجابي. وهذا المبدأ لا يؤدي الى العنت، لأن العنت يفتح أبوابا للشيطان. وبذل قصارى الجهد في الإتقاء، هذا أمر فطري يفعله الإنسان في كل مناحي حياته. وأهم ما في حياة المؤمن وأخطرها هو الله، الله يقول (ويحذركم الله نفسه)، يجب بذل قصارى الجهد في اتقاء محرماته. أما التكليف فيكون بموجب السعة. يقول تعالى (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو). اي الزائد، وهكذا الإسلام متساير مع الفطرة، لأن مخالفة الفطرة تؤدي إلى العنت، ومخالفة الفطرة تعني مخالفة الطبيعة، فالإنسان يبذل قصارى الجهد في موضوع الأمن مثلا، لكن يبذل ما استطاع في موضوع التزيين مثلا، ومن يعكس التعامل في الأمرين فقد خالف الفطرة، وسبحان الله كيف هذا القرآن متوافق مع فطرة الإنسان.  


مثلا الله حرم أكل الميتة، لكن المضطر الذي وصل الحد من المجاعة، هنا يجوز له أكلها مضطرا. هنا وصل في التقوى إلى آخر رمق.


إذن الأعمال الصالحة الايجابية في حق الله، مُنطَلَقُها من شُكر الله. والأعمال الصالحة السلبية هي أعمال التقوى، أي الخوف، وهي الأسهل. فالخوف ينتج تقوى، والشكر ينتج إيجابية. لو نظرنا إلى حقوق الوالدين والأقربين والجيران وكل الناس، نجد أن أول وأهم ما فيها هو كف الأذى، وهو عمل سلبي لا يتطلب مجهودا بدنيا ولا إنفاقا.

والحق الثاني لهم هو: تحمل أذاهم، وهو داخل في العفو عن الناس والصبر، والله مع الصابرين. والحق الثالث هو: الإحسان، والإحسان داخل في الاعمال الايجابية. 


إن أوامر النهي في القرآن هي الأسهل على المؤمن، وهي أصعب على غير المؤمن. 


إن الأعمال الصالحة في الإسلام نجدها تنحصر في ثلاثة مجالات:


الأول: الكف والانتهاء، وأساسه التقوى والخوف من الله. 


والثاني: تحمّل الأذى من الناس، وتحمّل القدر من الله، وأساسه الصبر.


والثالث: الإحسان. وأساسه الشكر بالنسبة لله، والرحمة بالنسبة للمؤمنين. قال تعالى: (أشداء على الكفار رحماء بينهم). وهذا لأن أساس التعامل الطيب مع الناس هو الرحمة. 


وعلى هذا فإن الإحسان في حق الله يكون بأداء المفروضات كالصلاة وصيام رمضان وحج البيت وذكر الله كثيرا والتفكر في خلقه والدعاء والتسبيح وغيرها. وأما الإحسان في حق الناس فهو صنع المعروف لهم بحسب الاستطاعة واليسر. 


نجد في المحصلة أن ثلثي الدين عمل صالح سلبي (تقوى)، ما دمنا قسمنا الأعمال الصالحة في الاسلام الى الاقسام الثلاثة المذكورة سابقا، فالكف والصبر سلبيان، وثلثه الباقي إيجابي يحتاج إلى عمل، وهو الإحسان. قال تعالى: (فسنيسره لليسرى)، وقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). والدين يُسْرٌ على المؤمن الذي يكره أصلا الموبقات، إذ يكرهها في الله ومن الله. إذن ثلثي إيمان المؤمن هو ألا يفعل أكثر من أن يفعل. وهذا هو طريق الجنة وطريق الله، طريق سهلُ على من سهّله الله له بقذف الإيمان في قلبه والعلم في عقله، وعسير على من عسّره الله عليه. والله سمى هذا الطريق باليسرى ولم يسمه العسرى. 


ويُخطئ الكثير بأن يعتبر اليُسر إرجاءً وتساهلاً وأمناً من مكر الله، على أن الله يمثل الرحمة والمحبة والسلام، متناسين أن لله حقّاً وأنه شديد العقاب. فالإرجاء شيء وتيسير الطريق الى الله شيء آخر. وهذا التيسير خاص بالمؤمن، وليس كل من تبنى الملة حصل له هذا التيسير. فالاسلام إسلام ملة (إسلام عقل)، أو إيمان (إسلام قلب)، أو إسلام نفس (إسلام عقل وقلب).


وليسأل المؤمن عند محاسبة نفسه: ما الذي لم أكف عنه وانتهي عنه؟ أكثر من سؤال نفسه: ما الذي لم أفعله؟ هكذا يتربى الإنسان إيمانياً. وترى الانسان بتلقائية إذا أصابته مصيبة، يقول: ماذا فعلت من الموبقات لأنال ما نلته؟ أي ماذا اجترحت من التقوى؟ أي يرجع إلى الثلثين لا الى الثلث. كما قال تعالى (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم). أي من اجتراحكم من المنهيات.


وهذه المنهيات كرّهها الله الى المؤمنين والمؤمنات، وزيّن في قلوبهم الإيمان ومقتضياته، وهذا من تسهيل الله وتيسيره على المؤمنين المسلّمين أنفسهم لله، قال تعالى: (فسنيسره لليسرى). فالمؤمن تلقائيا لا يحب أن يجترح السيئات وليس فيها إثارة له، فهو لا يحب أكل مال اليتيم ولا يحب أن يسرق ولا أن يقتل ولا أن يغش ولا أن يأكل أموال الناس بالباطل، ولا أن يأكل لحم أخيه ميتا بالغيبة ولا يحب الإفساد بين الناس، ولا يحب الفخر والتكبر، ولا يحب أن يُمدح بما لم يفعل، ولا يحب أن يُنسب له فضلٌ لم يفعله، الخ المنهيات. ومن أحب شيئا نهى الله عنه، ففي إيمانه نقص، ومن كره شيئا فرضه الله، ففي إيمانه نقص، لأن العبد تابع لربه، ماذا أمره فيمتثل وماذا نهاه عنه فينتهي، فهو قد سلّم نفسه لله.


هناك انطباع خاطئ عند كثير من الناس، وهو أن العبادة ورضا الله مرتبطان بالعمل الصالح الايجابي، وليس كل عمل صالح ايجابي ايضا، بل ركزوا على بعضها وأهملوا الباقي، وارتبطت التقوى عندهم بالعمل، مع أن أساس التقوى هو الكف، والله يحب المتقين. أنت تقول لفلان: اتق الحريق، أو الطريق، أو اتق هذا الخطر، أي كُفَّ عنه. إن الله سبحانه قال أنه يحب المتقين. لذلك قال تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى).


إن أساس الدين هو الخوف من الله. وأكثر شعور يشعر به الإنسان هو شعور الخوف في الحياة العادية، حتى في احلامه، سواء مؤمن أو غير مؤمن، وهنا التقاء القرآن مع الفطرة مرة اخرى، وهذا مما يثبت أنه من الخالق الذي فطر كل شيء. والخوف هو أساس الأمراض النفسية، والشيطان يستغل التخويف ليؤسس للأمراض النفسية في الإنسان. لذلك الشيطان يعتمد عليه أكثر من الترغيب، على عكس السائد، فهو قد أغوى آدم وحواء بالتخويف، إذ خوَّفهم من الموت والفناء، عندما سمى الشجرة التي نهاهم الله عنها بشجرة الخلد وملك لا يبلى، أي خوفهم من الموت والبلى.


 إن هذا الربط الخاطئ بين العبادة والعمل الصالح، بمعنى أن العبادة هي عمل الصالحات الإيجابية فقط، هذا الربط يجلب العنت، والعنت هو الحرج، وكلاهما - العنت والحرج - يأتيان من الضيق، يقولون: مكان حرج أي ضيق. وربما منها اشتقت كلمة الحراج التي تعني المزاد، وذلك لأن الناس يتجمعون في بقعة واحدة يتزاحمون عندها. ومنها كلمة الأحراج، أي الغابات الملتفة الضيقة. والله تعالى أمر في كتابه بالتقوى والخوف من الله أكثر من أمره بتقديم القُرُبات الايجابية.


إن الدين يسرٌ وسهولة على من أراد طريق الله، إذ يتحول هوى المؤمن  - كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام - إلى ما جاء به. وقال تعالى عن جزاء من أسلم نفسه لله: (وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان). وهذا تفسير قوله : (فسنيسره لليسرى).


إن الإيمان يوجب الاطمئنان، إلا إن وُجِدَ فهمٌ غير دقيق للقرآن، حينها سيؤدي هذا الفهم إلى العنت. المؤمن يحتاج أن يفهم الدين من القرآن كما أنزله الله، وما سوى القرآن يُعرض على القرآن، إن وافقه أخذ به، وإن خالفه تركه. 


ولا ينبغي أن يقيس المؤمن تديُّنَه بما يفعله الناس وما هو سائد ومنتشر عندهم من عبادات وطقوس، ويدخل فيما يشبه المنافسة والتسابق في فعلها، فمن سيحاسبه هو الله وليس الناس. قال تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)، وقال (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم). 


بدل أن يسمح المؤمن للشيطان أن يشككه بإيمانه، ويُدخل عليه الوساوس بخصوص ما فعل وما لم يفعل من الأعمال الصالحة، تلك الوساوس التي كانت سببا في تحول البعض من المتدينين الى إهمال الدين وأحيانا إلى الإلحاد بسبب الشعور بالعنت والحرج، بدل هذا : ليتأمل المؤمن في مخلوقات الله، وآيات القرآن، وآيات الطبيعة، أو ليذكر الله. فهذه عبادة. 


إن الأعمال الصالحة كثيرة جدا، لا تكاد تحصى، ولا يصح تحديدها، فالعنت إنما يأتي من تحديد الأعمال الصالحة، والله واسع والطريق إليه واسع، والمؤمن قد سلّم حياته كلها لله، وليس للحظاتٍ يقوم بعبادته فيها، فهنا يصبح الأمر علمانيةً وفصلاً بين الدنيا والدين، بينما العبودية صفة مستمرة، وهذه من الأخطاء الشائعة أن يتم تحديد الأعمال الصالحة، كعمرة في رمضان، أو صيام الست من شوال، أو بناء مسجد، أو غير ذلك، أو بتفضيل بعض الأعمال على بعض. والقرآن لم يفضل عملا صالحا على آخر أبدا. ليست هذه الاعمال الصالحة فقط. ولا أن تُحصر العبادة بالمناسك، كالصلاة والحج والصيام وقراءة القرآن. إن حياة المؤمن كلها عبادة، لأن العبودية صفة لازمة ومستمرة، وهي مُقَاسة على العبد الرقيق، سواء كان العبد نائما او قائما أو يشكرُ سيده او كان منشغلا فهو عبد، ولا تنفصل عنه صفة العبودية. وهذه العبودية اختيارية، وهي أن يسلّم المؤمن نفسه لله عبدا. 


بل إن كل لحظة فيها اختبارٌ له، أيختار أن يعمل عملا صالحا او سيئا، سواء في حق الله أو حق الناس، وكلها أعمال صالحة، وحتى بناء حياته ورزقه وكل شيء يفعله يخدم هذا الأمر، فهو يتبعه، تماما مثل من يريد السفر لبلد معين، فكل شيء سيفعله قبل السفر - حتى ولو لم يكن من نوع السفر - هو داخل في السفر، فهو ينام مبكرا ليستعد للسفر، وينجز أعماله وارتباطاته استعدادا للسفر، ويجهز ملابسه وحقيبته من أجل السفر، هذه أعمالٌ ليست تُعتبر سفرا، لكنها تخدم السفر، إذن هي داخلة في السفر. والعبد مسافرٌ الى الله، والمسافر الذي يعمل أعماله الخادمة للسفر، اصبح مسافراً ولو لم يسافر بعد، كذلك المؤمن الذي يرجو الدار الاخرة وأسلم نفسه عبدا لله، كل شيء يعمله منصبٌ في هذا السفر الى الله، ما لم ينحرف عن نيته، ولذلك يقول الرسول: (حتى اللقمة يضعها في فِيّ زوجته له أجر). إذن كل حياة المؤمن إذا سلم نفسه لله، حتى أكله وشربه ونومه، له فيه أجر. 


إن الأعمال الصالحة كثيرة بسعة الدنيا والحياة. لذلك الله لم يفضل أعمالا صالحة على غيرها. لذلك الأمر في سعة، ولا حرج ولا زحام على الصالحات، فإن فات المؤمن شيء عوضه بشيء آخر. لأن كل لحظة تقدم لك اختبارا للخير أو الشر، وهذا هو تيار الحياة. مثل صياد السمك، إن فاتته سمكة لا يتأذى كثيرا لأن في تيار النهر أسماك أخرى قادمة. من هنا يكون المؤمن مطمئنا. قال تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله). وقال: (فاستبقوا الخيرات). وقال تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن)، أي عمل ما أمكنه وما تيسر له منها، فلا أحد يستطيع أن يعمل كل الصالحات كل الوقت، بل لا يمكنه ذلك، إذ أن بعضها يتعارض مع بعض. 


وكل لحظة تقدم خيارين : إما أن تعمل صالحا، أو أن تعمل باطلا. لكن إذا تقلصت الأعمال الصالحة وتقلصت الأعمال السيئة، فما بينهما من وقت يكون وكأنه عبث لا فائدة فيه، بينما الله يختبر عباده كل لحظة، ولا توجد فراغات في اختبار الله، إلا في حالة النوم، لذلك سمى الله النوم موتا أصغر. ومنذ اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسان، تبدأ الاختبارات حتى يعود للنوم مرة أخرى. قال تعالى (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) وقال (في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها). أي اختبارات صغيرة وأخرى كبيرة.


لا شُحَّ في الاعمال الصالحة ولا زحام عليها، وهذا من تيسير الله، وكما قال الرسول: (ولو ان تلقى اخاك بوجه طلق). لاحظ من تيسير الله أن ثلثي الدين كف، ويسمي ذلك "أعمالا"، بينما المؤمن لم يعمل شيئا، وهذا من رحمته تعالى.


المهم هو تسليم النفس كلها لله، وبعدها تكون كل الحياة أعمالاً صالحة. فالإنسان إما أن يكون صالحا أو فاسدا. ولا يكون صالحا وفاسدا في نفس الوقت. لذلك قال تعالى في دعاء المؤمنين: (ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا). لم يقولوا: إن قصدنا السوء. لذلك قال تعالى (وقد خاب من حمل ظلما) أي بنية الظلم وهو يعلم.


إن الشيطان قد يستغل أيضا النفس اللوامة في المؤمن، بحيث يقلبها على صاحبها ويتهمه بالنفاق وبأن أصله فاسد، حتى إذا صدّقه يكون قد خطى خطوة من خطواته الآثمة وشَطَنَه عن الصواب بسبب قلة العلم، لذلك يقول تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء). إن الله لم يضيق علينا الدين، والصالحات كلها متاحة. قال تعالى: (فاستبقوا الخيرات). 


لو قارنّا بين إنسان صائم ونائم، وإنسان آخر إما أن يتدارس في فهم القرآن، أو آخر يناقش قضية تهمّ الآخرين، أو أخر يسعى على مساكين، أو غيرهم يقوم بأعماله في المنزل ويساعد زوجته وأهله، الحقيقة أنهم كلهم في أعمال صالحة إذا توطّدت نية التسليم لله، فلا أحدَ منهم ينتقد الآخر أو يقلل من شأن عمله الصالح، لأن الأعمال الصالحة مرتبطة بالظروف والمتاح والقدرة والوقت والنية الأم. 


إن الله سبحانه فرض الصيام والحج، لكن لمن استطاع، وحتى قول: لا إله إلا الله، مرتبطة بالقدرة والإمكان، قال تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان). فلماذا يُحدَّد الخير في أعمال محددة كصيام التطوع مثلا؟


إن الإنسان في اختبار دائم، والعنت يأتي من الضيق لا من السعة. كما قيل: (لا تُحرجوهم فتُخرجوهم)، أي تخرجوهم من الدين. والعنت يأتي من التضييق، من تضييق الدائرة، إلا ما فرضه الله وبحسب الإمكان أيضا.


إن المؤمن في يسر، لأن الله قال (فسنيسره لليسرى)، ولذلك ثلثي أعماله كف، تقريبا ٦٠ % من الأعمال الصالحة هو ألا يعمل شيئا. وثاني اليسر أن المؤمن لا يبذل مجهودا في ترك المنهيات التي تعادل الثلثين، لأن الله كرّهَها إليه، فهو يكره أن يسرق ويكره أن يقتل ويكره أن يغش، أليس هذا هو اليسر؟ لذلك قال تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة)، لأنها هي النفس المطمئنة الوحيدة على الأرض المتبعة لما في كتاب الله. ولا تطمئن النفس إلا في اليسر، وأما العسر فلا اطمئنان فيه.


وأما القاعدة التي تقول أن الأجر على قدر المشقة، فهي لا تتسق مع القرآن ولا مع الواقع. فذكر الله والتفكر في خلق السموات والأرض مثلا عمل يسير وعليه أجر عظيم، ولو قارنا بين شخص مقيم بقرب الحرم المكي، وآخر قادم من أقاصي الأرض بتكلفة وسفر ومشقة وخطر، وكلاهما يصليان في الحرم، فلهما بموجب الرواية التي تذكر أن الصلاة في البيت الحرام تعدل مئة ألف صلاة فيما سواه، نجد أنهما كلاهما تساويا في الأجر رغم اختلافهما في المشقة. هنا تعارُض بين الرواية والقاعدة. 


وهذه القاعدة تؤسس للعنت وتكليف النفس مالا تطيق، كون الأجر على قدر المشقة. والله يقول (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) ولم يقل مشقتها، وقد عرفنا أن الأجر إنما يكون على تقوى النفس وصلاح النية، وهذا ليس رجما بالغيب، بل هو كلام الله. مثل هذه القاعدة ينبغي إعادة النظر فيها، فقد تؤدي عند البعض إلى إتلاف النفس. مثلها مثل فكرة من لا يرقون ولا يتداوون وأنهم يدخلون الجنة بغير حساب، مثل هذه الفكرة قد تؤدي إلى إتلاف النفس، وقد يكون أحدهم لديه امراض مزمنة أو خطيرة تحتاج لعلاج، لئلا تتضاعف الى امراض اخرى، فيترك العلاج من أجل تلك الفكرة، فيكون في هذا إتلاف للنفس، إن لم نقل قتلها. وهذا داخل في فكرة أن الأجر على قدر المشقة، فكرة أنهم يرفضون التداوي، ويعانون من المشقة والآلام. ويؤدي معناها أيضا أن من يتداوى ليس متوكلا على الله، وتتعارض مع رواية أخرى تقول: اعقلها وتوكل، أي خذ العلاج وتوكل على الله، ولا يمكن الجمع بينهما. 


الله اشترط لقبول العمل : التقوى. ولو رجعنا لقصة ولدي آدم، لرأينا أن الله تقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، والسبب هو النية، وكذلك أم مريم نذرت ما في بطنها محررا للمسجد، فتقبل الله منها نذرها وباركه وجعل تحت مريم سَرِيَّا. أي أن الله أعظم أجرها، جبرا من الله الرؤوف الرحيم لخاطر الأم التي تمنت أن يكون ذكرا، حتى يستطيع أن يخدم في المسجد. وذلك لصدق نيتها، والله شكور حميد. وقد قال تعالى (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء)، مع أنه تعالى لم يشترط المشقة ولم يشترط أن ينفقوا كل ما يملكون، بل قال (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو)، لاحظ أن الاية تتكلم عن مضاعفة الحبة الى سبعمائة ضعف، وقد يضاعف تعالى لمن يشاء هذه السبعمائة الى اضعاف، فكرم الله غير محدود، وغير مربوط بالمشقة، بل مربوط بالنية وصلاح القلب. وقال تعالى عن المؤمن (فسنيسره لليسرى) أي قلة المشقة، فالله زين في قلبه الصالحات وكره له الموبقات، ونفسه مطمئنة لذلك ولا تشعر بمشقة ترك الحرام ولا في تبني العمل الصالح، بل يجد راحة وخفة في استباقها، ويسبق غيره إليها. كما قال تعالى (والسابقون السابقون أولئك المقربون). 


وقد قال تعالى (عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) أي واجهت مشقة ومع ذلك تصلى نارا حامية. إنما يتقبل الله من المتقين الذين يخافون الله ويقدرونه حق قدره ولا يشركون به شيئا، ويسلمون أنفسهم له عبيدا.


بصلاح النية يصلح العمل عند الله، لأن النية هي التي عليها المعوّل في الحساب، قال تعالى (إلا من أتى الله بقلب سليم). وقال (وقد خاب من حمل ظلما) أي في نيته، لأن حمل الظلم او الكبر لا يجعل القلب سليما. 


عند من يعلم الغيب سبحانه: يكون العمل صالحا لعلمه بصلاح نية العامل، حتى لو أخطأ في عمله، مثلما أخطأ موسى مع الخضر بأن وعده ألا يسأله فسأله، لكن بحسن نية. فالقاعدة هنا (عند الله عالم الغيب: صلاح العمل من صلاح النية). أما عند البشر فلا يكون ذلك، لأنهم لا يعلمون الغيب، والقانون لا يحمي المغفلين. قال تعالى (ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا). ولم يقولوا : إن تغيرت نياتنا. وحتى المشقة يعلم حقيقتها الله تعالى. وليس عليها المعول.


أما مرجعية العمل الصالح التي اختلفوا فيها، فبعضهم قال أن العمل صالح لأن الله أمر به، وقال البعض الآخر أن العمل صالح لأنه صالح في ذاته، فإن المرجعية للعمل الصالح تكون في موافقته للفطرة (الشعور)، والعقل المبني على المنطق والشعور. وبهما عرفنا أصلا الله تعالى، وليس وراثة. ثم لما عرفنا الله آمنا به حتى لو لم يتضح لنا الحكمة في حينها. لأننا آمنا بأن الله كامل العلم وكامل الرحمة وكامل الخيرية، وعلمنا ناقص وعلمه تعالى كامل، وسلمنا أنفسنا له، واتبعناه بالكامل، من هذا المنطلق صار ما يأمر به الله هو حق وفضيلة، وما ينهى عنه سوء وفحشاء، بالإيمان، حتى لو لم تتأكد عقولنا. فالشعور من روح الله ولا يتعارض إطلاقا مع القرآن، لأن مصدرهما واحد هو الله. فما تكلم عنه القرآن هو مرجع في الحق والباطل والفضيلة والرذيلة، لكن هناك أمور لم يتكلم عنها القرآن ومستجدات، يكون مرجعها الشعور والعقل المبني على القرآن أصلا.


فبالشعور والعقل وآيات القرآن وآيات الكون عرفنا الله تعالى مصدر الخير والفضيلة والجمال والكمال. وأما من قال بالجمع بين كون العمل مأمور به من الله، وكونه صالحا في ذاته، فماذا يقول عن أمر الله بذبح إبراهيم لابنه إسماعيل؟ كيف يمكن جمع الاثنين؟ كونه أمرا من الله وكونه صالحا في ذاته؟ ليس دائما يتفق الأمرين في كل أمر. مرجعية الفطرة والعقل دلتنا على الله، عالم الغيب والشهادة، وأن الله حق، وأنه لا يأمر بباطل، فنطيعه في الأمور التي لم تتضح لنا. 


وأما تصحيح البعض للقاعدة، بأن تكون "الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته"، فهنا سيذهب أهل الدثور بالأجور! لأنهم يملكون القدرة على نفع أكبر وأجود. 


الأربعاء، 13 مايو 2026

رد على مقال حول إشكالية العدل الالهي: الحتمية والتفاوت التوزيعي، في بريد المدونة ..

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أشكركم مسبقًا على تخصيص وقتكم لقراءة هذا الملف. أرسلت هذا المقال لأن لدي إشكالًا فكريًا كبيرًا يشغلني منذ مدة، وأتمنى أن أجد عندكم جوابًا أو توضيحًا يساعدني على الفهم.

الإشكال الأساسي عندي يتعلق بمسألة تفاوت الأرزاق والظروف بين الناس. لماذا قدّر الله على الناس أقدارًا مختلفة جدًا؟ لماذا يولد بعض الناس في ظروف جيدة: في أسرة مسلمة، ومع صحة وجمال ومال وتعليم، بينما يولد آخرون في فقر شديد، أو في بيئة صعبة، أو بلا فرص حقيقية؟

يراوِدني كثيرًا سؤال مرتبط بحديث النبي ﷺ:
"
يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي".

إذا كان الله تعالى قد حرّم الظلم على نفسه، فكيف نفهم هذا التفاوت الكبير بين الناس؟ لماذا يوجد أشخاص لديهم المال والعلم والجمال والفرص، بينما يوجد آخرون لا يملكون تقريبًا أي شيء؟

لماذا لم يُعطِ الله كل إنسان ظروفًا متقاربة أو فرصًا متساوية؟ وما ذنب الإنسان الذي يولد في ظروف صعبة لم يخترها؟

هذه الأسئلة ليست بدافع الجدل، بل لأنني أبحث عن فهم حقيقي. بصراحة، أصبحت هذه المسألة تثير عندي حيرة كبيرة، وأخشى أن تتحول إلى شكوك في الدين، لذلك أبحث عن جواب صادق ومفصل يشرح هذه القضية بوضوح.

أرجو منكم قراءة المقال المرفق، فهو محاولة مني لصياغة هذا الإشكال بشكل فلسفي، وأتمنى أن أسمع رأيكم أو جوابكم عليه.

وشكرًا جزيلًا لكم.

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

أهلا وسهلا بك عزيزي ..

 

أنت قمت بتبسيط الأمور بشكل كبير، وإن كان الأسلوب يوحي بالتعقيد. أنت تنظر الى شخص يولد في بيئة غنية مع وسامة شكل، وأن هذا سيجعله سعيدا طول الحياة حتى وان شاخ او فسد جماله او مرض! وتجعل من ينشأ في بيئة فقيرة أنه سيتحول الى مجرم وقاطع طريق او تاجر مخدرات! وكأنك حكمت على مستقبل كل الفقراء بالجريمة!

 

هذه النظرة تشبه نظرة الرأسماليين المتطرفين، أن الشر في الفقر وأن الخير في الغنى، وهذا ما يراه صاحبك نيتشه، الذي يفضل اخلاق الأقوياء والسادة على اخلاق الفقراء الذين يسميهم عبيدا، والذين يكرههم ويحتقرهم. وهذه نظرة مع احترامي لك وله نظرة سطحية.

 

إن القرآن يقدم العكس، فالشر يسميه "فسق" أي من زيادة القوة والنعمة، أي اخلاق نتشوية، قال تعالى (وإذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها)، لم يقل أمرنا فقراءها وشحاذيها أن يتحولوا الى مجرمين! وانظر الان ماذا يجري في العالم من مصائب كبيرة، هل كان وراءها فقراء ام أقوياء قادرين؟ وهذا مما يثبت للناظر ان كلام القرآن كلام الهي وليس بشري، لأن أي بشر سينظر مثل نظرتك، فالشر والاجرام في تلك النظرة البشرية لا تُؤطَّر صورته في الذهن مع المراكب الفاخرة والملابس الزاهية والارصدة المكتنزة والمباني الشاهقة والحياة الباذخة والأسلوب المتأنق في الكلام! بل هي مظنة "جمال الذوق" و"الرقي"! أما الفقر فهو أساس كل شر، ومظنة الجرائم والمخدرات والسرقة، هنا ينطبق إطار الاجرام على الفقراء، ويعجز أن ينطبق هذا الاطار على الذين تعجبك اجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم، هذه هي النظرة البشرية البسيطة السطحية..

 

طبعا لا أقول ان كل الأغنياء اشرار، لكن الشر ينبع من البيئة القوية، لأن لديها حرية اكثر في اتباع ما تهوى، قال القرآن عن الانسان (والمقصود بالإنسان هو غير المؤمن الغير مرتبط بدين الله والايمان به وباليوم الاخر) قال : (كلا إن الإنسان ليطغى ، أن رآه استغنى) أي رأى نفسه غنيا، ولم يقل أن رأى نفسه فقيرا في كوبا او البرازيل او المكسيك!

 

القرآن أيضا يعارض فكرة الثبات على الغنى او الفقر، أو السعادة او الشقاء. أنت حكمت على الفقير ان حياته كلها سوء وشقاء ولا يمكن أن يخرج منها، ولن تتغير احواله أبدا، وهذا هو القنوط الذي حذر الله منه، وأنت بهذا العرض تستبطن جبرية سلبية، أنه لن يتحسن حاله ابدا، وهذا غير الواقع، فكم من الأغنياء الذين خرجوا من قعر الفقر، وصاروا من اثرياء العالم، ويعرضون سيرهم وكفاحهم : نابليون الامبراطور العظيم كان ابن صياد سمك في جزيرة كورسيكا! ولو عرضنا صورة صياد فقير مع ابنه الذي يرمي معه شباك الصيد في حر الشمس، ستقول : أي مستقبل ينتظر هذا الطفل من البؤس والفقر والجريمة؟ إن الله يعز من يشاء ويذل من يشاء.

 

النماذج أكثر من ان تعد، وكم من الأغنياء الذين تحولوا الى الفقر، بل منهم من سُجِن حتى آخر حياته، ألم تسمع عن تقلبات الزمان؟ عن أباطرة انتهكت قصورهم وشرّدت نساؤهم وقتلت ابناؤهم امامهم؟ ماذا تقول عن مثل هؤلاء؟ هل هم سعداء في حياتهم كلها؟ أم أنهم بؤساء؟ مع أنهم عاشوا البذخ وعاشوا البؤس أيضا! أين ذهب تصنيفك لهؤلاء؟

 

والأمثلة كثيرة في الواقع، وهذا مصداق لقوله تعالى (إن مع العسر يسرا)، فكل انسان تعرض له في حياته أوقات سعادة وأوقات بؤس، من يسكن في المقابر ومن يسكن في القصور، لذلك اعطانا الله مبدأ هو : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، اذن كل انسان تتراوح حياته بين الخير والشر اللذان يأتيانه، فلا احد يعيش بؤسا دائما ولا نعيما دائما، كما قال إيليا أبو ماضي مخاطبا الغني :

 

أنت في البردة الموشاة مثلي .. في كسائي الرديم تشقى وتسعد ..

فلكٌ واحدٌ يُظِلُّ كلينا .. حارَ طرفي به، وطرفك أرمد ..

قمرٌ واحد يطل علينا .. وعلى الكوخ والبناء الموطد ..

 

وأيضا المبدأ القرآني الذي يقول (إن مع العسر يسرا)، فلا عسر دائم ولا يسر دائم، والغنى والفقر نسبيان في الأصل، فحد الغني يختلف من بيئة لأخرى، ففي بعض البيئات يعتبر من يمتلك عشرة رؤوس من البقر غنيا، وبيئة أخرى تعتبره فقيرا، فالغني فيها من يملك عشر عقارات، وهكذا. وكل شيء تتبعه أتعابه ولوازمه، فالعشر بقرات يشقى صاحبها بها كما يشقى صاحب العشر عقارات، وهكذا كلما تكبر الثروة تكبر الهموم والمخاوف، وكذلك الغنى في زمن يختلف عنه في زمن آخر،

 

والغني يأكل مثل الفقير، لا يأكل ذهبا ولا فضة، وكلاهما ينام على فراش واحد، ويأكلان نفس النوع من الطعام، إما نباتي او حيواني، ويتنفسان نفس الهواء، وكلاهما يمرض، وكلاهما يشيخ ويموت ويدفن ..

 

لكن ما حل مشكلة كثرة الانتحار في بيئات غنية؟ وقلته او انعدامه في بيئات فقيرة؟ فسّر هذه الظاهرة لماذا؟ بموجب تفكيرك يجب ان يكون الانتحار في البيئات الفقيرة اكثر، وأن تكون البيئات الغنية ابعد ما تكون عن الانتحار او الامراض النفسية، مع ان الأكثر فيها. لمْ ينتحر المنتحر من امرٍ هين وبسيط، اذ ضاقت عليه الأرض بما رحبت.

 

إن الغني لا يعلم انه غني، لانه اعتاد على ذلك، والكل ينظر الى ما ينقصه، مثلما أن الصحيح لا يعلم انه صحيح، إلا المريض، لذلك قالوا (الصحة تاج على رؤوس الاصحاء لا يراه إلا المرضى).

 

طرحك مبني على مغالطة افتراض ثبات الظروف : ثبات الغني على غناه، وثبات الفقير على فقره، وثبات السعيد على سعادته، والشقي على شقاوته، والقوي على قوته، والشباب على شبابه، والجميل على جماله، وهذا غير صحيح واقعيا. فلا شيء يستمر أصلا، فكم من سعيد تحول الى الحزن، وكم من غني تحول الى الفقر، وكم من فقير تحول الى الغنى، قال تعالى (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، وهذه الآية يتفق معناها مع قوله (ولنبلونكم بالشر والخير فتنة). إذن الخير ليس دائما، والشر ليس دائما، ولا بد لكل انسان أن يذوقهما بالتناوب، قال تعالى (ان مع العسر يسرا). هذه هي النظرة التي يقدمها القرآن، وليس كما وصفت أو وصف بعض المدافعين عن الدين، كالذين قالوا ان الفقر أفضل لفلان من الغنى، او العكس. وأن أول من يدخل الجنة هم الفقراء.

 

لنغيّر الفكرة الى أن ما يجري على الواقع هو التناوب بين الخير والشر بأنواعه، وليس فقط المال كغنى وفقر، فحتى الصحة تناوب بين صحة ومرض، وكذلك تناوب بين لذة وألم، بأنواع اللذائذ وأنواع الآلام، بل هذا يجري على نطاق الوقت القليل والسويعات، فتجد الشخص في اول اللقاء مبتسما، وفي آخره متجهما، او العكس. هذا التناوب بين الخير والشر هو سنّة الحياة، وهو لأجل الابتلاء، فلا تجد انسانا هادئ الاعصاب دوما، ولا متوتر الاعصاب دوما.

 

اما فكرة المساواة في الرزق، فلا بد أنك كشفت بعقلك مدى سذاجتها، لأنه في الأخير سيتشابه الناس حتى شكلا، ولا يستطيع احد ان يميز بين أخيه وجاره، فكيف يميز نفسه عن الناس؟ اذا كانوا كلهم وسيمين وجميلين واغنياء؟ كيف تعرف الجمال وانت لم ترى القبح؟ وكيف تعرف نعمة المال وانت لم تر الفقراء؟ بضدها تتميز الأشياء! هذه أمور بديهية من المفترض ان تكون معروفة بالضرورة ولا حاجة لنقاشها الطويل. والقرآن قال ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ) والمثل الشعبي يقول (إذا كنت أنا أميرا وأنت أمير، فمن يسوق الحمير؟) أين التسخير هنا؟ ومن سيخدم هذه الطبقة البشرية من الأغنياء؟ كلهم لديهم مال، لكن لمن يدفعونه؟ أرأيت أن الفكرة – المساواة في الرزق – مضحكة؟ ان التفاوت نفسه فيه نقص وتعويض، فتجد التفاوت قليلا بين فلان وفلان في الثروة مثلا، لكن تجده في الذكاء متباينا جدا، أو في شيء آخر، اذن الاختلاف موجود بكل درجاته، سواء القليل او الكثير، وهذا شامل لكل الناس.

 

اما قول من قال إن الأجر على قدر المشقة، فهو غير صحيح أيضا، بل إن الأجر على قدر النية والإخلاص. لأن الاعمال تختلف والظروف تختلف، وهناك من اتباع الأنبياء من عُذبوا وقتلوا أكثر من الأنبياء، فهل أجرهم يكون أكثر من الأنبياء؟ هذا عدا أن جزاء الله واحدٌ للكل، وهذا يثبت أن المردّ للنية والصدق فيها، فجزاؤه سبحانه واحد ودار كرامته واحدة، هي للأنبياء والفقراء والاغنياء والشهداء والمقتولين ومن لم يقتلوا، والأولين والآخرين، من المؤمنين طبعا الذين يعملون الصالحات، وبإذن الله، وليس فيها درجات أو طبقات، فكرم الله واحد، وعطاؤه واحد، ولا يمنع عنه أحد، فلا طبقية في الجنة، وكلهم لهم فيها ما يدّعون، وهي الجنة التي وُعد بها المتقون، سواء انبياء او اتباع. قال تعالى (ولهم فيها ما يدعون) وقال (عطاء غير مجذوذ) وقال (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) أي أجر سواسية، وجنة عرضها السموات والارض.

 

والله ينظر للنيات والقلب السليم، فكون الجزاءِ واحد والاعمال مختلفة، هذا ملمحٌ الى ان القرآن كلام الله وليس بكلام بشر، لأن الله ينظر إلى القلوب وصلاحها. فالقلوب إما صالحة او فاسدة، اذن هم متساوون. لو كان الله يحاسب بحسب الأفعال، لذهب أهل الدثور بالأجور، وبقي الفقراء في حسرة، فالفقير الذي يتصدق بدانق، ما قيمته أمام من يتصدق بملايين؟ لكن الله تعالى يضاعف لمن يشاء.

 

إن الفرق الوحيد هو في السّبْق، قال تعالى (والسابقون السابقون أولئك المقربون) أي انهم في الجنة ومقرّبون الى الله أكثر، بسبب أسبقيتهم. وقد قال تعالى (يسارعون في الخيرات) وقال (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه). والأسبقية تشيرُ دائما الى الحنفية، والحنفية هي اتباع الحق ولو عاكس السائد.

 

واما كون الطفل الناشئ في المسجد وفي بيئة صالحة فهو على الأرجح سيدخل الجنة، وكون الطفل الناشئ في اسرة مفككة وبيئة فقيرة وإجرامية سيدخل على الأرجح الى النار، فهذه فكرة ليست واقعية، فها أنت تستخدم كلمة (على الأرجح) لعدم تأكدك، اذن كيف تبني وتجادل على شيء أنت متشكك به أصلا؟ وكم أُفسِدَت الأديان من داخلها، من أهلها، وكفار اهل الكتاب الذين ذكرهم القرآن هم من اخفوا كتاب الله وبدّلوه بكلام غيره، وقالوا أن يد الله مغلولة، وقالوا أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، كل هؤلاء كانوا متدينين وأحبار ورهبان، وأبناء احبار ورهبان، ونشئوا في بيئات دينية. طبعا لا نعمم، فأين هو "الأرجح" الذي تذكره؟ قال تعالى (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله)، هل هؤلاء الذين تكلمت عنهم الآية من العوام؟ لا طبعا، بل من علماء الدين، وكم تقوّل بعض رجال الدين على الله ما لم ينزل به من سلطان في كل الاديان، إن العوام لم يتقوّلوا على الله، لأنهم لا يعرفون تفاصيل الدين والكتب.

 

وكم من الصلحاء الذين خرجوا من بيئات تعتبر فاسدة، ولله عباد مجهولون في كل مكان. إن ولدَي آدم أبوهما نبي، أحدهما صالح والآخر قاتل وحقود وحسود، كلاهما نشآ في بيئة واحدة، وربّاهُما نبي. وابناء يعقوب أبناء أنبياء نشأوا في بيئة واحدة، تحت رعاية والدهم يعقوب، وظلموا أخاهم وتآمروا على قتله بدافع الحسد. ولو كانت البيئة هي المرجع، فلماذا الله يرسل رسلا لبيئة فاسدة كقوم لوط او غيرهم؟ ومن هؤلاء الاقوام الفاسدين من تبعوا نبيهم وآمنوا معه وبإخلاص، مع أنهم نشأوا في بيئة فاسدة، فلا تُحمّل مسألة البيئة والنشأة أكثر مما تحتمل، لأن الإنسان لديه حرية الاختيار. الله قال (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) وهم من بيئة واحدة، رسول الله عليه الصلاة والسلام آمن به ابن عمه علي بن ابي طالب، مثلما آمن به سلمان الفارسي الذي رفض البيئة، مع أنه كان كما يروى ابنَ ملوك، وراح يتلمس الهدى والحق، وآمن كذلك بلال العبد الحبشي، وآمن أبو بكر وعمر وهم من سادات قومهم. فلو لم يتبع الرسول إلا الفقراء من قومه، لكانت فكرة نيتشه صحيحة، وكذلك فكرة ماركس، أن الدين افيون الشعوب، وأنه مخترع من السادة لإذلال العبيد، بينما نجد من السادة من يؤمن ومن الفقراء من يؤمن.

 

إن قبول الدين ورفض الدين حرية اختيار، لا علاقة بالظروف بها ابدا. لذلك القرآن العظيم يخترق الظروف، ويقول (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا)، ولم يشترط ان يدخلوا في دين الإسلام الذي جاء به محمد. وهذا دليل على عالمية الدين. إذن الله يعرف عباده من أيّ دين وأيّ أس، ويعرف من فيه خير ومن فيه شر. ولهذا فالحساب والحكم بالكفر والهداية، هذا من علم الله وحده.

 

ولدي آدم، كيف قتل أحدهما أخاه، والآخر يقول (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لأقتلك) أنظر الى مدى الخيرية ورفض رد العنف بمثله، مع ان لديه حق الدفاع عن نفسه، مخافة ان يقتل أخيه، هنا تجدُ شرا كاملا وخيرا كاملا، في بيئة واحدة وأبناء نبي منزل من الجنة! أين تأثير الظروف والبيئة؟ إن التأثير هنا وهناك يساوي صفرا! فلا يجب تحميل البيئة ما لا تحتمل.

 

ومن قال ان الله سيدخل الناشئ في بيئة صالحة إلى الجنة؟ قال تعالى (أحسب الناس أن يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)، هذا الكلام موجه للمؤمنين، أنت تقول انهم أوتوماتيكيا سيدخلون الجنة، والله قال لا، بل سوف يُفتَنُون! أي يُختَبَرون رُغم ايمانهم، وبعد ذلك يتحدد مصيرهم. إن المسجد لا يحدد مصيرك، لا بد من الفتنة ومن الابتلاء. اذن مُسلَّمَةُ ان الانسان ابن بيئته وأنه سيحاسب حسب بيئته خاطئة، وفكرة الجبرية التي تبناها الغرب أو بالأحرى الناجحون منهم خاطئة، فهي على مبدأ المثل الذي يقول (لا يمتدح السوق إلا من ربح فيه)، إذ يريدون ان تستقر الأوضاع ما دامت لصالحهم، على أن المسألة جبرية وأن إرادة الله شاءت ذلك. ولكن الله يقول (وتلك الأيام نداولها بين الناس) أي أيام السعادة والشقاء، وأيام العز والذل، وأيام المتعة والالم، وايام النصر والهزيمة.

 

وفي الختام أشكرك إن أعدت النظر في المسلمات التي انطلقت منها، فدائما يظن الإنسان الخطأ في تفكيره، وإذا بالخطأ كامن في بعض مسلماته، بينما التفكير سليم، مع الشكر لك ومزيد من الاحترام ..

 

وأرجو إن سمحت لي أن أنشر رسالتك هذه وهذا الرد في مدونتي، ليستفيد الآخرون وربما يشاركنا أحد في طرح الآراء.

 

رد على سؤال حول الوراثة والأمراض النفسية في بريد المدونة ..

 

الأستاذ احمد الناصر : 


طابت ايامك بالخير ورضوان من الله استاذنا الوراق الكريم

 

من فضلك لدي سؤال

 إذا تكرمت نريد فهم ماهية المرض والتعب النفسي

وهل للوراثة والبيئة دور في الأمراض النفسية مثل الاكتئاب والفصام واضطراب ثنائي القطب؟

هل انه كما يقال المرض النفسي غالبا نتيجة تفاعل بين الجينات والبيئة؟

 

دمت بخير وفلاح

 

الجواب :

 

في القرآن الكريم، لا يوجد شيء عن التفاعل بين الجينات والبيئة. يقول تعالى (ذلكم الشيطان يخوف اولياءه)، وقال في قصة أيوب (لقد مسني الشيطان بنصب وعذاب)، وقال (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، وهذه من أساليب العلاج النفسي في علم النفس المسلم: الاستعاذة من الشيطان وتكرارها في كل مرة تمرّ خواطر شيطانية بذهنك، لأن الشيطان يوسوس بالسوء، وليس السوء فقط بالاعتداء على الاخرين، بل حتى بجلد الذات والتقليل من شأنها، والإحباط والقنوط من رحمة الله، لذلك يقول تعالى (إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، فلا يصابون بمرض نفسي دائم أو حزن دائم، ومن محددات المرض النفسي: الاستمرار والإزمان، وإلا فكل حالات المرض النفسي تمر بجميع الناس ولكن على فترات بسيطة متقطعة، فيمر بك شعور قلق أو خوف أو احباط أو فرح زائد أو حزن زائد، أو كآبة متقطعة، حتى الوسواس القهري قد يمر، كل انسان قد مر بكل الامراض النفسية، لكن هناك من يتجاوزها بسهولة، وهناك من يقف عندها.

 

وقال تعالى عن المرابي أنه (كالذي يتخبطه الشيطان من المس) أي من شدة الطمع والاحساس بالفقر، وقال تعالى عن المؤمنين (فلنحيينه حياة طيبة) والحياة الطيبة لا مرض نفسي فيها. ومن وجهة نظري أن الأمراض النفسية أساسها واحد، هو الخوف. إن الخوف تستطيع ان تفسر به كل الامراض النفسية، فالاضطهادية خوف، والكآبة خوف، والقلق خوف، والفوبيا خوف، وحتى الحساسيات النفسية والهشاشة النفسية، والوسواس القهري، والاكتناز القهري، كلها عبارة عن خوف، ويدخل فيها حتى الحساسيات الجسدية، لأن أساسها نفسي، مما يشير الى أن اكثر بل كل دوافع الانسان هي خوف، الانسان مخلوق خائف أصلا، فهو يستقبل الدنيا بالبكاء، وليس لأجل تمرين رئتيه، هو طفل. وحتى بعض الصفات مثل البخل او الطمع، هي أساسا خوف، وكذلك حب التملك، هذا هو المدخل لمحاولة الفهم، وهكذا نفهم لماذا الله تعالى يرجع الخوف والحزن الى الشيطان، قال تعالى (ليحزن الذين آمنوا)، والحزن مرض نفسي، حتى الأتعاب التي اصابت أيوب اعادها الى الشيطان، ليس لأنه حلّ في جسده أصابه ما أصابه، وينبغي ان يُخرج الشيطان منه بصنع نزيف او جرح! لا، هو أصابه في أفكاره، وخوّفه الشيطان بوسوسته التي أساسها الخوف أيضا، فتأتي ردود أفعال بدافع الخوف، قد تصل الى الجسد وتظهر فيه.

 

إن الوسوسة ليست بالإغراء فقط، بل هي بدافع الخوف، لأن الانسان كائن خائف أصلا، فالشيطان عندما وسوس لآدم وحواء، كان يحرك لديهم دافع الخوف أكثر من الرغبة، قال (ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة الا أن تكونا ملكين او تكونا من الخالدين) أي يخوفهما من الموت اذا لم يأكلا منها. بل حتى اذا سيقت الرغبة يكون من وراءها الخوف، مثل "ان تكونا ملكين"، ولكن جاء بعدها "ان تكونا من الخالدين" أي الموت، وحتى الرغبة يسوقها علينا بدافع الخوف، لأنه يقدمها لنا على شكل فرصة، واذا ضيعت الفرصة فستندم، فالسارق يقدم الشيطان له فرصة لا تعوض، ويحثه على استغلالها، كذلك الزاني أيضا، اذا ضيعت الفرصة فستبقى في كبتك محسورا، ويعدهم ويمنيهم أن الله غفور رحيم، مثلما قال لأخوة يوسف (وتكونوا من بعده قوما صالحين)، هذه وصية شيطان قالها لأحد أخوة يوسف، أو كأن تأخذ مالا كبيرا وجدته مرميا في الطريق، متى ستجد مالا مرميا في الطريق؟

 

وهذا طرح مختلف عن السائد في تفسير أسباب المرض النفسي، ففرويد مثلا يُرجعها كلها الى الرغبة، وبالذات الرغبة الجنسية، وأنا على العكس تماما، أرجعها كلها إلى الخوف، والنظريات الحديثة اعادتها الى الجينات، استكمالا لفكرة الجبرية التي تخلي ساحة الفاعل من المسؤولية. نستطيع ان نقول ان المرض النفسي هو ردود أفعال خاطئة نتيجة خوف، قد يسيء صاحبه التوجيه وتؤدي الى مضاعفات أسوأ وردود أفعال أسوأ. لذلك الله يقول (لا تتبعوا خطوات الشيطان)، لأنه يريد أن تضلوا ضلالا بعيدا.

 

مثلا شخص كثير التخوف والحذر ولا يحب تجريب أي جديد، سيكون مصابا بالملل وبالكآبة، وهذه ردود أفعال نتيجة الخوف. وردود الأفعال على نوعين: اما سلبية أو إيجابية. مثلا في المقالب المخيفة، تجد بعضهم يصاب بهبوط وانسحابية، وبعضهم يرد ردة فعلٍ عنيفة. وهذه الحالة تنعكس على الجسم، لأن الجسم تابع للنفس، وكل امراض الجسم هي إما عبارة عن انسحاب او اندفاع، تبعا لحركتي الشعور، وهما الحب (الاندفاع) والخوف (الانسحاب). مثلا امراض كالسرطان وارتفاع الضغط، هذه اندفاعية، وهناك انسحاب مثل الضمور وتعطل بعض الوظائف، وهذا يظهر على المرض النفسي أيضا، فثنائي القطب هو عبارة عن فترات اندفاع وفترات انسحاب.

 

إذن نحن كيانات معنوية وليست مادية، لكنها أُلبست لباس مادي، فتلاحظ الجسم تزداد نبضات القلب وغيرها من العلامات الحيوية، لأنه هو وسيلة النفس للتعبير، فالنفس تعبّر من خلال الجسم، ففي حالة الخوف تتحول الى رعشة وجفاف حلق او هبوط او اندفاع وهكذا. لا أجد فرقا كبيرا بين النفس والجسد، فهي الشيء وأداته. والجسم السليم في العقل السليم، على عكس السائد. وهذا كله طبعا من وجهة نظري، ولست طبيبا نفسيا. لا يوجد مرض نفسي مدخله الرغبة مثلا، إذا كان حتى الطمع عبارة عن خوف، فماذا سيكون المرض الذي مدخله الرغبة؟

 

كما يبدو لي أيضا أن الامراض العقلية أساسها امراض نفسية تطورت وأثرت على العقل.

 

وانا لست أرى ان للجينات او البيئة دور، لأننا نجد في نفس البيئة والظروف أصحاء نفسياً، واما القول بالوراثة فهو من نوع الإحالة على المجهول، لأنه يصلح للشيء وضده، فالصحيح نفسيا ستقول ان صحته نتيجة وراثة، والمريض نفسيا كذلك ستقول انه نتيجة وراثة! مع كامل الاحترام للأطباء النفسيين.

 

نحن نحاول ان نفهم من القرآن ما يمكن فهمه عن نفسية الانسان وامراضه. إن الله يختبر كل انسان، فلا يجعل الله سببا مؤثرا على نفسية الانسان وقراراته خارجا عن إرادة ذلك الإنسان، فبالنسبة للنظرة من خلال القرآن، يقلّ تأثير الظروف ويكبر اختيار الانسان، (بل الانسان على نفسه بصيرة ولو القى معاذيره)، وكما قال القرآن (وننزل من القرآن ما هو شفاء للصدور)، لكن ليس بشرب ماء أوراق المصحف أو رقية راقٍ يقرأ القرآن، بل باتباع القرآن، لأن الله انزل كتابه لكي يُتّبع. اذن الشفاء يكون باتباع القرآن، قال تعالى (كتاب انزلناه ليدبروا آياته) أي يسيروا دبره، وقال (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم)، وقال تعالى (ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى)، وقال أيضا (يا ايتها النفس المطمئنة، ارجعي الى ربك راضية مرضية) أي كانت مطمئنة في الدنيا، لأنها متوكلة. هذه هي الخطوط العريضة لشفاء النفس، نأخذها من القرآن. القرآن يخبرنا عن المرض النفسي وعن الصحة النفسية، من خلال اتباعه او الاعراض عنه.

 

وإذا كان المرض النفسي نتيجة تفاعل بين البيئة والجينات، فهذا يعني أنك ضحية، وهنا تتنحى الإرادة الحرة التي يحاسب الله عليها، وهي مدار الاختبار، فهذه البيئة والجينات ليس للإنسان دورٌ فيها، وبالتالي سيكون ما يفعله مبررا بالجبرية، وحتى تسميته بـ"مريض" لا تعجبني. لأن كلمة مريض تعني أمرا خارجا عن إرادة الانسان، وهذا لا ينطبق تماما، بدليل انهم يستخدمون معهم أسلوب محاولة الاقناع وتغيير السلوك.

 

من أراد الطمأنينة في الدنيا والاخرة، فليتبع هذا القرآن الذي قال انه شفاء لما في الصدور. انا كنت اعاني من كآبة المساء، وعالجتها بالقرآن، وذهبت الى غير رجعة والحمد لله، بينما نرى كثيرا من الناس يعانون من الكآبة وقليلٌ من يشفى منهم.

 

لا يتعارض العلاج بالقرآن إتباعا وتدبرا مع العلاج النفسي، فبعضهم يكمل الآخر، ومن العلاج يجب ان يكون هناك تذكير للمريض بأنك قد تظلم الناس بسبب الاضطهادية مثلا فتأثم، وأنك قد تظلمهم بسبب الحسد والغيرة، وانك تكتسب الذنوب بسبب هذا الحرص الشديد على مصلحتك، وهكذا. وأنك تخالف القرآن الذي طالبنا بالتوكل على الله وليس بالاعتماد على أنفسنا وقدراتنا، اقصد أن يبيَّن له كيف ابتعد عن الاخلاق القويمة بسبب محاولة التكيف الخاطئة، إذ ان كل الامراض النفسية هي محاولة تكيف خاطئة مع الواقع، تجد مريضا نفسيا يمارس الحيل النفسية، كأن يبين انه سليم بينما هو يعاني، ويبين انه غني بينما هو فقير، ويقع في الكذب، ألا تلاحظ ان كل الامراض النفسية فيها شيءٌ من الخروج عن الاخلاق او قد تؤدي الى ذلك؟ مريض الكآبة مثلا لم يشكر نعمة الله عليه، والمصاب بالاضطهادية قد يظلم بأوهام من الشيطان، بل حدثت جرائم. ومثلها من يصاب بعقد النقص. هذا ما يريده الشيطان، أن يضل الانسان ضلالا بعيدا.

 

كل مريض نفسي لو يغير أفكاره واساساته التي بنى عليها، لربما تتغير شخصيته، قال تعالى (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وهذه قاعدة قرآنية، وهكذا القرآن يعطينا كل الاساسات لإصلاح النفس، وإذا صَلُحَت فقد صحّت.

 

إن علم النفس المسلم يحتاج الى القرآن.