في بعض الأحيان نعيش الزمن وكأنه نهر واحد يجري بالوتيرة نفسها لا يتعجل لأحد ولا يتباطأ لأجل أحد ومع ذلك نشعر أحيانًا بأن لحظات الفرح تنساب من بين أيدينا كأنها ومضة خاطفة بينما تمتد لحظات الألم ثقيلة كأنها لا تريد أن تنقضي!!! في السعادة نكاد ننسى عقارب الساعة وفي الحزن نصغي إلى كل ثانية كأنها صوت مرتفع في فراغ طويل فهل يتغير الزمن فعلًا أم أن الذي يتبدل هو شعورنا به ووعينا له؟
لماذا تمضي الأوقات الجميلة سريعًا بينما تبدو اللحظات الكريهة
أبطأ وأثقل وما السر الكامن بين الزمن وشعور الإنسان؟
لماذا الأيام التي نريدها تطير بسرعه والأيام التي لا نلقي لها بال
بطيئة كالسلحفاة ؟
هل
الفرح يجعلنا نغيب عن الإحساس بالوقت؟
لماذا نذوب في اللحظات
الجميلة حتى نفقد الإحساس بمرورها؟
ولك منا أستاذنا الفاضل
جزيل التحايا العطره والصادقة
الرد :
المقصود بالزمن هو الحركة، ولقد نشرت في مدونتي موضوعا بعنوان
(الزمن هو الحركة) في ثلاث منشورات، بإمكانك الاطلاع عليها.
إن لكل انسان زمن، وبعضهم يعيش الحياة طويلة وبعضهم يعيشها
قصيرة، والله أخبرنا أن المجرمين يُقسمون ما لبثوا غير ساعة، ولكن لم يخبرنا ان
المؤمنين يقولون نفس الكلام. والقرآن عبّر عن الكفار أنهم (طال عليهم الأمد)، وهو
إحساس بسبب انصرافهم للدنيا وتأكيد الشيطان لهم بطول الحياة، لأنهم لا يرون غيرها.
إن المؤمن إذا عرف سعة الآخرة وأنها
هي دار البقاء، أدرك ان الدنيا دار فناء، إذ ليس لديه هذا الإحساس بطول الحياة،
لأن الموت على باله دائما. وهكذا تعاش الدنيا على أصولها. إن الإحساس بقصرها طريقٌ
لصلاحها، والإحساس بطولها طريق لفسادها، لذلك قال تعالى (طال عليهم الأمد فقست
قلوبهم) مع أن أعمارهم لم تطل.
إذا سار الانسان وفق مؤشرات شعوره، هكذا يطول زمنه، وهذا دليل
على ان لكل انسان زمنه الشعوري، وهو غير الزمن الحركي المنطبق على الجميع، إذ يطول
الزمن الشعوري بالإحساس بقصر الزمن الحركي المادي، بعلاقة عكسية، وهنا تكون حياة
الانسان مباركة.
وانظر الى حياة الأنبياء كم هي مباركة، ورسول الله محمد كما
في السيرة أنه مات في الستينات من عمره، لكن لاحظ ماذا انجز وماذا غيّر في
البشرية، حتى ما بعد زمانه، بل إنه اعتُبر الشخصية المؤثرة الأولى في التاريخ. وانظر
حياة المسيح تجدها قليلة، لكنها مليئة بالحركة الشعورية. وهو الذي قد دعى (وجعلني
مباركا أينما كنت). انظر حتى الى بعض الشخصيات في التاريخ، تجد أن لها تأثيرا
كبيرا مع أن حياتها قليلة، وربما مات في الخمسين او الستين، وبعضهم مات في
الاربعين. وهذا النوع يكون فقده شديدا على النفس، لأنه ملأ حياته، فهناك من يملئ
حياته، وهناك من يفرّغ حياته.
إن الذاكرة ترصد الحركة الشعورية للإنسان، لأن الذاكرة نوعان:
ذاكرة سطحية، أو نسميها يومية، وذاكرة عميقة، ترصد سجلك الشعوري. هذه الذاكرة قد
تحضّر لك مواقف ومشاهد من الطفولة المبكرة، وكأنها حدثت قبل أشهر او سنوات قليلة،
وتغيّب فتراتٍ تصل الى السنين بسبب الرتابة، وتجد كثيرا من الناس يتذكر مرحلة
الدراسة الابتدائية وقد ينسى المرحلة الثانوية الا قليلا، وذلك لأن في الابتدائية
حدثا جديدا وهو الانفصال عن المنزل والارتباط بالمدرسة.
ربما كل انسان يتذكر أول يوم له في المدرسة، ولكن هذه الذاكرة
الشعورية لا تحدد الزمن، بل بالمقارنات والحساب يستطيع العقل ان يقارب زمنها، ولكن
الذاكرة الشعورية لا ترصد الزمن، لأن لها زمنها الخاص. وفي الذاكرة الشعورية كل
شيء مرتبط بالخوف او بالحب فإنها ترصده، لأنهما هما حركتا الشعور: الاندفاع بالحب
او السحب بالخوف. والكراهية صورة من صور الخوف، مثلها مثل العداوة والقلق والكآبة
والتوتر والفزع، وكلها درجاتٌ من الخوف.
تجد أن حياة بعضهم مليئة وأعماله كثيرة، ولكنها ليست وفق
الشعور، لذلك لا يرصدها الشعور، لأنها مبنية على افكار صناعية وأنانية ومصالح، وبالتالي
ليس لها قيمة عند الشعور إلا بعض المواقف، والشعور لا يرصد إلا الاعمال الطبيعية.
قال تعالى (والباقيات الصالحات).
إن الشعور لا يرصد إلا الطبيعي، وبالتالي لا يتحرك إلا
للطبيعي، والزمن يقاس بحركة الشعور. لاحظ أن الأطفال تمر طفولتهم بسرعة، مع ان
الطفل الإنساني يعيش أطول فترة طفولةٍ من بين المخلوقات، لأنها فترة محكومة بالأنانية
والدوران حول الذات، والطفل يرصد الاثارة والمتعة، ولا يرصد الجمال أو الأخلاق، ولا
يهتم بها كثيرا، إلا قلة من الأطفال، وبنسبة ضئيلة. اما بالنسبة لذاكرة الطفل فهي
ترصد ما حوله أكثر مما ترصد ما في نفسه، لكن عندما يسلّم الانسان نفسه لله، تكون نياته
هي أساس ذاكرته، فيتذكر اول ما يتذكر ما نواه، فتكون الذاكرة مرتبطة بالنية، وهذا
ما يثير أحيانا ما اسميه البكاء الجميل، لأنك ترى النية الصادقة وترى المشاكل التي
وقفت بطريقها، فتبكي على ذلك الشخص، الذي هو انت.
إن اكثر ما يثير البكاء هو موضوع الربط بين النية الطيبة اذا
عارضها الواقع ولم تتحقق، كأنه بكاء على تلك النية الجميلة، هذه الحالة تثير
الشفقة، والشفقة تهيج الدموع. إن النية هنا لم تتحقق، فتثير دموعا باردة من
الاطمئنان على النية، وبكاءً على انها لم تُوَفّق. إن البكاء يكون على النية التي
توقفت، وليس على صاحبها المفقود، وذلك لأن النية هي الباقية، قال تعالى (والباقيات
الصالحات)، وذلك لأن الشعور ايجابي. مثلا لو أن شخصا توفي قبل ان ينجز مشروعا خيريّا،
هنا يُثار البكاء، خصوصا اذا عرفت انه لن يكمله احد بعده، وهذا يثبت لنا أن أهم ما
عند الذاكرة الشعورية هي النية الخيّرة.
ولذلك تجد المسلم نفسه لله لا يريد ان يعود الزمن، ولا يقول
ليت الشباب يعود يوما، لأنه اجتهد في تلك الفترة السابقة، أي انها قد جرت تعبئة
تلك الأوقات، فذهبت وهي حفلى، وهذه
من الأدلة الدالة على وجود الله. أما من تمرّ حياته فارغة من عمل الصالحات،
تجده يتمنى ان يعود الزمن، قال تعالى (قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت). إن
العبد الصالح لا يتمنى ان يعود الزمن.
إن الانسان الطبيعي يشعر دائما أنه شباب، ولا يشعر بالكبر،
لأنه مع الشعور، والشعور خالدٌ لا يكبر ولا يشيخ، والشعور لا شيخوخة معه ولا له.
لذلك من ليست لديه أفكار طبيعية، تظهر عليه مظاهر الشيخوخة والكبر مبكرا، بخلاف
الانسان الطبيعي.
ان عمر الانسان هو لحظات ارتباطه بأي عمل صالح لله.
إن من قوانين الشعور: الإيجابية، فلا يَذكر الا الأشياء
الطيبة في حياتك وحياة غيرك، لذلك يذكر الشعور من الموتى أشخاصا، وآخرين يجري
عليهم النسيان، ولهذا الناس درجوا على تأبين الموتى بذكر أحسن ما فيهم، كمحاولة
لتخليدهم في الشعورات، أما فترات الضياع واللاهدف فتمر عليها الذاكرة سريعا.
بعد تسليم النفس لله وجعل الحياة لله، هنا تبدأ الذاكرة تسجل
بشكل ناصع وواضح، وكأنه من هنا بدأ العمر. طبعا الفترة السابقة لا تُمحى تماما
ولكنها تبهت عند الشعور، وهذه نسميها الذكريات الميتة أو المحنطة، ويذكّرك الشعور
بأحداث يعتبرها قديمة، بينما توجد أحداث أقدم منها ولكنه يتناساها. هذا يعني أن
الشعور يقرّب ويبعّد في الزمن، مثلما أنه يطيل الزمن في وقت الشدة، ويخففه في وقت
الفرح والسعادة، أي ان الشعور يتحكم بالذاكرة وبالزمن، مثلما أنه يتحكم بالواقع،
فالجائع يرى في الطعام لذة لا يشعر بها في وقت الشبع، فقد يكون منظره منفرا في وقت
المرض، بينما الطعام هو هو لم يتغير.
إذا عرف الانسان ربه وسلّم نفسه لله، تذهب عنه مقولة ان
الأيام تجري بسرعة. ويؤكد هذا ان الذاكرة قد تنصّع وتوضّح بعض الذكريات القديمة،
مع انها قديمة جدا، وأمور أخرى جاءت بعدها زمنيا لا تكاد تُمسِك بها الذاكرة. لهذا
يقال ان الإنسان إذا احس بالموت او توقع قرب الموت لديه، تثور لديه الذكريات
كشريط. قال تعالى (بل الانسان على نفسه بصيرة ولو القى معاذيره).
اما بخصوص السؤال عن: لماذا اللحظات السعيدة تمر سريعة،
واللحظات الحزينة تمر بطيئة؛ فهذا لأن الإنسان خلق هلوعا، اذا مسه الشر جزوعا واذا
مسه الخير منوعا، وهذا لأن اللحظات السعيدة أساسا لم تكن سعيدة حقا، وهذا لأنها
تفتقر للشكر، فالشكر يؤدي الى التمعن بالنعمة ومقارنتها بالنعم الأخرى ومقارنتها
كذلك بضدها، إذ بضدها تتميز الأشياء. ونتيجة هذا التمعن أن تكون هذه اللحظات طويلة
وليست قصيرة. قس هذا على الثروة، فإنسان ولد في أسرة ثرية، هل تقارن فرحته بفرحة
انسان حصل فجأة على مبلغ ضخم؟ لا تُقارَن، مع أن الأول أغنى منه، بل هو ناشئ في
الغنى، ولا تجده سعيدا بسبب المال، لأنه اعتاده، وحتى الثاني أيضا تذبُل سعادته
بعد التكرار. تجد مليونيرا يتمتع بصحة وثروة، ومع ذلك تجده يشعر بفراغ ونقص، وربما
يشعر بعضهم بالكآبة، وكأنه مثله مثل من ليس لديه شيء، ولكون الانسان هلوعا، يخوفه
الشيطان ويعده الفقر ويشعر بالقنوط والمبالغة بالظنون السيئة والتشاؤم، فيزيد هذا
من المصيبة ويزيد من التوتر، كما قال تعالى (الشيطان يعدكم الفقر).
إن المؤمن حقا والذي هو على حق، لا تمر اللحظات السعيدة عليه
سريعة، ولا يفرح كثيرا بها، وأيضا المصائب تهون إلى النصف ربما عليه، لذلك الله لم
يعد المؤمنين بالسعادة، بل وعدهم بالطمأنينة. والطمأنينة حالة بين الفرح الشديد
والحزن الشديد، اذ تقول العرب (ارض مطمئنة) أي ارض متوازنة وغير مرتفعة.
إن الحالة الإيمانية تعمل على التوازن، ففرح الأنسان بالأشياء
السعيدة مبالغٌ فيه، وكذلك حزنه مبالغٌ فيه، وفي المحصلة نجد طاقاتٍ مبذولة على
غير نفع، إن اللحظات السعيدة تمر سريعة، لأن الانسان يبحث فيها متوقعا وجود
السعادة فيها، مثل من يفتش عن الجمال في الزهرة، تجده يبددها، وتجده يتحسس وجود
السعادة ولكنه في الحقيقة لا يجدها، مثل السراب، يظنها هنا، ثم يقول انها هناك، ثم
يقول انها هناك، وهكذا.. فهو كمكلّف الايام ضد طباعها. أما اللحظات الحزينة فهي
تمرّ ثقيلة لأنها مثقلة بالظنون السيئة والقنوط والشكوك والخوف وقلة الثقة بالله.
وكم مرّ بنا من أمور نكرهها ونحسب أننا لن نخرج منها، وإذا
بها تعود الحياة إلى تيارها. لذلك القرآن يحث المؤمنين على عدم الفرح وعدم الجزع،
ويأمرنا بالصبر. قال تعالى (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)، وحتى
العوام يقولون (لا تحب ولا تكره)، أي لا تبالغ في المحبة ولا في الكراهية، لأن
الله سبحانه سنّ الحياة بأن يكون مع العسر يسرا، وكرّرها مرتان في السورة للتأكيد.
من يكون هذا حاله، والأكثر كذلك، كأنه رجع إلى كونه إنسانا
اكثر من رجوعه لكونه مؤمنا، لأن الانسان هلوع جزوع منوع كما وصفه القرآن. لكن حالة
الايمان تغيّر من الحالة الإنسانية للأفضل، انظر قوله تعالى :( وَلَمَّا رَأَى
الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ
وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22))، هذا موقف جزع، أين الجزع؟ ونجد القرآن
يتكلم عن انسان، ويتكلم عن مؤمن، كاستثناء من الحالة الانسانية.
والموضوع ذو شجون، وآسف على الاطالة، جعلنا الله وإياك من
المقبولين في هذا الشهر الكريم. وأهلا وسهلا بك دائما وأبدا أيها الصديق العزيز.