الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

عقل الحيوان وعقل الإنسان والفرق بينهما (2)


س: كيف نفسر ما نشاهده من مقاطع فيديو تظهر النمر يرحم قرداً صغيراً ويلاعبه أو كلبة ترضع قطة؟ هل هي من باب الرحمة والشعور بالغير عند الحيوان؟

ج: إذا اتفقنا أن الحيوان مميز لنفسه وما يتعلق بها وغير مميز لغيره، فالأخلاق أيضاً تعتمد على التمييز، لو كان النمر يعرف الرحمة لما افترس صغار الحيوانات أو كبارها.. الحيوان لا يعرف أن الحيوان الآخر يتألم ، فالأخلاق تحتاج معرفة، لهذا نجد الطفل مثلاً قد يستخدم آلة حادة في اللعب مع غيره لأنه لا يعرف أنها تضر، ولا أخلاق إلا بعد معرفة، والحيوان ليس عنده معرفة إلا فيما يتعلق بغرائزه. فالنمر مثلاً في ذلك المقطع افترس أم القرد ، أي أنه شبع! فلماذا تصورنا أن ما كان يفعله مع الصغير رحمة به وهو قد افترس أمه؟ هل تراه ندم؟!


هذه الفصيلة القططية تمارس اللعب مع الحيوانات الصغيرة التي تتحرك أمامها ، فتحملها مرة و تمسكها مرة وقد تلعقها، وترى مثل هذا تفعله القطط إذا كانت شبعانة. و أيضاً هناك باب التعويض، فإذا لم تشبع الغريزة بالطريقة الأساسية ، قد تشبع بطريقة مشابهة أو تمثيلية ، قريبة من الأصل . وهذا موجود عند الحيوان . فالقط الذي منع من الرضاعة حتى بعد أن يتعلم الأكل يبقى عنده حنين لأن يرضع ، فيدس رأسه في البطانية ذات الفرو أو ملابس من حوله من باب التعويض .


و هذا يفسر الصداقة ين الحيوانات ، حتى وإن اختلفت أنواعها إذا اضطرتها الظروف لأن تحبس في مكان واحد، مثل صداقة بين خروف ووحيد قرن ، أو بين كلب وقطة . لكنها لا تفعل هذا في الجو المفتوح ، أيضاً هناك تعويض لفقدان الأمومة ، وهو ما يفسر مثلاً أن كلبة أرضعت قطة أو شيئاً من هذا القبيل .. أيضاً بعض صغار الحيوان تفرض نفسها بالإلحاح حتى ترضع ، ويكون لدى تلك الأنثى فائض من الحليب أو الحنان ، والتعويض لا يعني أخلاقاً بل يعني غرائز لم تشبع..

 مربو الأغنام يجدون صعوبة في إرضاع طفل ماتت أمه من عنزة أخرى ، لو كان هناك أخلاق عند الحيوان لحنت عليه إحدى الإناث ، كثيراً ما تموت هذه الأطفال إن لم يهتم بها الراعي ، بينما الحليب موجود .


الأخلاق تحتاج إلى تمييز خارج عن الذات وإلى عقل أيضا ، فالحيوان لا يملك التمييز الخارج عن الذات ، والطفل والمجنون لا يملك العقل الكافي لإدراك أن غيره يعاني لكي يساعده . ولو فرّجت الطفل على مشهد لرجل يثب من الألم وهو يمشي على صفيح ساخن أو جمر ، لربما ضحك ، اعتقاداً منه انه يرقص ! هنا نقص في المعرفة سبب نقصاً في الأخلاق ، القط لو دخل على منزل كل أهله جرحى ومصابون لم يكترث وبحث عن شيء يأكله؛ لأنه لا يملك التمييز إلا فيما يتعلق ببقائه المباشر .

إذن كل ما يقال عن أخلاق الحيوان غير منطقي إلا من باب الغريزة، مثل حنان الدجاجة على فراخها ، أو من باب التعويض عن الغريزة مثل حنان وتعاون بعض الأنواع مع بعضها إذا جُمعت قسراً ..

الحيوانات تعرف نظام الأسرة ، لهذا يدور البلبل على قرينته إذا أصيبت ، مثلما يدور على طفله إذا سقط ، لكنه لا يدور على طفل طائر آخر ، فإذا وضعت فرخ حمام بين الدجاج فالأغلب أنها تنقره بمناقيرها حتى تصل إلى دماغه! الوضع الغريزي أن هناك تنافر بين الأنواع وليس تقارباً ، وهذا يخدم التوازن البيئي ، وليس بدافع الصراع والبقاء للأقوى . لهذا الدجاجات اعتدت على فرخ الحمام على اعتبار أنه دخيل ولم ترحمه لأنه طفل يتيم ، لكن لو كان الوضع في الطبيعة المفتوحة لم تعتد عليه. إذن الغرائز هي التي تتحكم بالحيوان، والإنسان وحده هو القادر على التمييز العام ، وبالتالي هو الذي حمل أمانة الأخلاق ولم يحملها الحيوان ، وما الدين إلا أخلاق مع الخالق والمخلوقين والمخلوقات، والإلحاد عدم أخلاق مع الجميع . فكل ضد يتكلم عن ضده .
......................



س: هل عقل الإنسان يختلف عن عقل الحيوان؟ وهل عقل الإنسان محدود؟؟

ج: نعم ، عقل الانسان يختلف عن عقل الحيوان وعلى أساسه هو مكلف ..
 وأما أن عقل الإنسان محدود ، فهذه الكلمة غير واضحة ، فعقل الإنسان ليس محدوداً في مجالاته ، لكنه متوقف تماماً في غير مجالاته وليس محدوداً ، ففي مجال المعرفة والعلم غير محدود ، فهذا في إطار ما هو له ، لكنه في مجالات ليست له لا يعمل أبداً وليس محدوداً فقط ..

 فمثلاً : في معرفة كنه وماهية الأشياء ، العقل هنا مقفل وليس فقط محدوداً ، يستطيع أن يدرس ظواهر الحياة كما يشاء ، لكن لن يستطيع أن يعرف ما هي الحياة ، استحالة ، لا يستطيع أن يخطو خطوة في عالم الغيب ، لكنه يستطيع أن يستمر في عمليات رياضية إلى ما لا نهاية .. إذن نستطيع أن نقول بعبارة أخرى أن عقل الإنسان مُحدَّد وليس محدوداً .. تماماً مثل الطريق ، تستطيع أن تسير فيه إلى الأمام إلى ما لا نهاية ، لكن لا تستطيع أن تسير يميناً أو يساراً إلا بممرات .. مثل سكة القطار ، محددة وغير محدودة ..

عقل الحيوان بكامله هو المحدود؛ لأنه منكفئ على الذات .
......................




س: كيف نفسر وجود حيوانات أليفة على أساس تمييزها لغرائزها؟ ماذا يستفيد الحصان عندما يركب عليه إنسان أوعندما يُجعَل لحمل أو لجر حاجات الإنسان بدون امتناع منه؟ وكذلك نرى الكلب يخدم أصاحبه ولا يرضى بدخول الغرباء لبيتهم أو مزرعتهم، فهل هو يميز أشياء ليس لها علاقة بغريزته؟

ج: بالنسبة للحيوانات الأليفة فهي لا تميز هذا الشيء ولا تدري لماذا، وهي لم تبق لأجله بل تعودت عليه وتخاف أن تبتعد عن المكان الذي تعودت عليه، والكلب لا ينبح على اللص لأنك أنت عودته، وإنما ينبح بدافع الغريزة التي تجعله يحمي مكان وجوده، وإلا كيف يوصل المربي للكلب أن هناك أحداً اسمه لص يأخذ ما ليس يملكه في نظام البلد؟
وهذا مثلما تستفيد من صياح الديك ليخبرك بقرب الفجر دون أن يدخل إلى دورة مؤذنين!

ثم ألا ترى سائس الحصان يحمل سوطاً؟ وبنفس الوقت يقدم له الماء والطعام والرعاية، وهل إذا أطلقت الحصان من العربة سيشعر بنقص شيء بحياته؟ اجعل قطيعاً من الخيول يمر أمامه فسوف يلحقها ويترك العربة ، إن هذا ما يعرفه ، لهذا يربطون الحيوانات الأليفة!

ربما القصد من السؤال أن الحيوان يتعلم، لكنه في الحقيقة لا يتعلم إلا تعلماً شرطياً، حيث يرتبط ما لا يعرف بما يعرف ، مثل تجربة بافلوف على الكلب حين جعل صوت الجرس يسبق كل وجبة طعام، وجد أن لعاب الكلب يسيل بعد سماع الجرس، فهذا هو التعلم الشرطي، أي أنه ربط هذا الصوت الذي لا يعرف أنه جرس بالذي يعرفه وهو الطعام ، لكن لو أجريت التجربة على إنسان لعرف أن هذا جرس وهذا طعام، ولأدرك الإنسان أنه لا توجد علاقة حقيقية بين الجرس والطعام إلا في هذه الحالة وأن هذه العلاقة قابلة للانفصال. وإذا سمعت الأغنام صوت عربة المزارع ولو من بعيد بدأت بالثغاء، تماماً نفس تجربة بافلوف، لكن الأغنام لا تعرف أن هذه اسمها عربة ولا تعرف لماذا يحتاجها الفلاح، فقط تعرف أن صوتها يدل على قرب حضور الطعام .

 وهذا ينطبق على حيوانات السيرك، فهي لا تتعلم بمعنى التعلم الذي يزيدها خبرة، فتعلّمها لأجيالها كما هو حال الإنسان في بناء المعرفة والحضارة وتوريثها، إنها تتعلم من أجل الطعام أو الخوف من السوط ، ولو نقلت حيوان السيرك إلى الغابة فلن ينطط ولن يرقص على الموسيقى، بل سيعود إلى فطرته مع بقية القطيع ويعتبر أن ما تعلمه عبث لا قيمة له!

 الحيوان لا يريد أن يتعلم ولا يشعر بحاجة إلى التعلم ، لأنه في الحقيقة لا ينقصه شيء، وهكذا أراده الله أن يكون وأصبح مسخراً للإنسان ، ولو كان يميز كالإنسان لما سخر نفسه للإنسان بل ربما سحقه، فهو يملك قدرات أقوى من الإنسان، حتى الحيوانات الأصغر من الإنسان.

 أما الإنسان فوضعه آخر ومختلف ، الإنسان يميّز ويسقط تمييزه على حاجاته وظروفه، أي كيف يستفيد من هذا التمييز، وعلى هذا الأساس كوّن عقلاً ولغة، فالعقل واللغة ليسا موجودان من الولادة ، فهو احتاجهما كما يحتاج الموظف إلى أرشيف ملفات؛ حتى يثبّت بهذا العقل ما قد يحتاجه مستقبلاً، وكل إنسان يصنع عقله بمساعدة المجتمع ومساعدة الثقافة وتجاربه ...الخ.
......................



س: البعض يقول أن الإنسان مخيّر والحيوان مسيّر، لو كان الحيوان مسيّراً فلماذا يوم القيامة يُقتص من الظالم منها كما في بعض الروايات في الحديث؟

ج: الحيوانات غير مكلفة ولا تميز الأخلاق ، والدين أخلاق ، والحقوق أخلاق، والحيوانات لا تظلم بطبعها أصلاً ، الإنسان هو الذي يستطيع أن يظلم ، لو كانت الحيوانات تستطيع الظلم لما حصل هذا الانسجام في البيئة، ولقضت الحيوانات المفترسة بقوة أنيابها ومخالبها وسرعتها على أكثر الحيوانات النباتية، لكنها تأخذ حاجتها فقط، وكيف تظلم العنزةُ القرناء العنزةَ الجلحاء (التي ليس لها قرون)؟ إلا أن تبعدها عن طعام إذا كان شحيحاً بدافع الغريزة ، وهي لا تغرس قرونها في جسمها بل تدفعها بأعلى جبهتها حتى تبعدها ، هذا أقسى ظلم تفعله العنزة مع عنزة أخرى، وكذلك الجلحاء تدفع بجبهتها رغم أن ليس لها قرون، دون آثار شديدة من كلا الطرفين، وربما تكون ضربة الجلحاء أقوى لأنها لا تخاف من تكسر القرون، ولا يخاف التيس الأجلح من الأقرن بل ربما يهزمه..

ومعروف أن جمجمة الماعز مفرغة من جهة القرون لتمتص ضربات التناطح؛ لهذا لا يصيبها ارتجاج في المخ، وحتى لو حدث كسر لا يحدث ارتجاج، ويبقى المخ محمياً بطبقة عظمية داخلية، حتى الماعز التي ليس لها قرون لم يمنعها ذلك من أن تنطح حتى ما لها قرون، ثم قرون الماعز معقوفة للوراء ، وليس ذنب القرناء أن لها قروناً؛ لأن الله هو من خلقها هكذا إذا كان قرنها يؤلم ، أما نص الرواية فيجعل القرناء هي الظالمة للجلحاء. إذن إذا عممنا هذا الكلام فسوف يقتص للغزلان من الفهود والأسود لأن لها أنياباً ومخالب حادة، وللفئران من القطط، وللأرانب من النسور، وللأغنام من الذئاب...الخ، بينما الله هو الذي خلقها هكذا وجعل بقاءها مرتبطاً بالافتراس، فحتى تعدل الأسود –إذا كان هذا هو العدل- فعليها أن تصوم حتى الموت! وهذا ظلم بحد ذاته .

ولم يرد في القرآن ما يثبت هذا القصاص والحساب للحيوان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج عن القرآن، قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وهذا استثناء للحيوان، لهذا لا أرى أن هذه الرواية تنسجم مع القرآن ولا مع المنطق ولا مع الواقع ولا مع طبيعة الحيوان، وقد تكون وجهة نظر لبعض الرواة رفعت خطأ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والإنسان معرض للخطأ، ولم يذكر القرآن أن الحيوانات سوف تبعث يوم القيامة حتى تحاسب، قال تعالى {اقترب للناس حسابهم} ولم يقل: اقترب للناس والحيوانات، وإذا كانت ستحاسب الحيوانات على التظالم بينها، إذن لماذا لم تحاسب أنها لم تصل ولم تصم ولم تحج؟ ما دامت تعرف التمييز بين الحق والباطل؟ فالصلاة والصيام والزكاة كلها حق.

أيضاً الحيوانات دائرتها كبيرة وليست فقط الماعز، فتصل إلى الكائنات الحية الدقيقة التي يفترس بعضها بعضاً، فهل كل هذه المخلوقات ستحاسب؟ إذن كيف ستبدل الأرض غير الأرض؟

مع أن الواقع أنه يا ليت البشر في مثل سلوك الحيوان من ناحية عدم الطغيان واحترام التعايش والنظام والحفاظ على البيئة ، الله يقول: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} وليس أيدي وقرون الماعز وغيرها من الحيوانات ، إذن الشر من خواص الإنسان مثل الخير، وأساس الشر من الشيطان، وسمي الشيطان شيطاناً من الشطن وهو الابتعاد، الابتعاد عن ماذا؟ عن الفطرة ، إذن الشر دخيل على الحياة من خلال الإنسان بواسطة الشيطان وليس هو الأساس في الإنسان.

أما قضية التخيير والتسيير، فالإنسان مخير ومسير، وكذلك الحيوان ، ولكن كل منهما في مستوى ما يعرف ويميز ، مجموعة من الحيوانات لن يكون سلوكها واحد تجاه مؤثر واحد ، هذا يعني أن لها اختياراً ، وبنفس الوقت هي مجبرة على أن تولد بنفس النوع من الصفات والزمان والمكان ...الخ مثل الإنسان .

الإنسان والحيوان متشابهان ومختلفان، متشابهان في كل شيء، ومختلفان في شيء واحد وهو مدى التمييز، فتمييز الحيوان منكفئ على غرائزه، وتمييز الإنسان منفتح على غيره فضلاً عن ذاته.

الاثنين، 16 سبتمبر 2013

رد على مقالة : رفس العقل العربي ..



نص المقالة:
                              "رفس العقل العربي... كذبة الدولتين الاموية والعباسية

( الاسلاميون ليسوا الاسلام ولا يمكنهم بناء زريبة)
طالب الشطري

زرت بلاد الاغريق ووقفت على اطلال اثينا وزرت بلاد الرومان وشخص البصر الى هياكل روما وزرت بلاد الفرس وجلست بافياء تخت جمشيد، زرت سومر واشور وبابل ورايت مدنا تعلن عن نفسها وهي مطمورة تحت التراب.

مضى على تاسيس اسرائيل 70 عاما ومضى على دمار المانيا واليابان كليا نفس العدد من السنين هاهي اسرائيل اعظم من كل الدول العربية مجتمعة وهاهي المانيا واليابان اعجوبة الزمان.

كيف تعمر دولتان 600 سنة يتعاقب على حكمها 51 خليفة ويقال انها حكمت العالم من حدود الصين الى حدود فرنسا ولانجد لها اثرا؟

لابد انك عشت طويلا في حكايات الدولتين الاموية والعباسية وكم قالوا لك ان العرب المسلمين بلغوا ذروة مجدهم ومثلما لقنوني فقد لقنوك ان بغداد عاشت عصرا ذهبيا وانها اصبحت عاصمة العالم العلمية والثقافية والفنية.

دع المسلمات التاريخية وتعال نتحاسب.

من بين اكثر الابنية صمودا عبر التاريخ هي دور العبادة بحكم قدسيتها وخوف الناس من التعرض لها ونفترض ان القصور الفخمة والقلاع المهيبة والجامعات العلمية المتطورة والبيوت والحمامات والبيمارستانات والمعسكرات وملاعب الكرة والصولجان تخربت بالعدوان وتاثرت بالصراعات ونهبتها الناس في ظل فوضى عارمة فاين هي المساجد؟ ولماذا نرى صمود المسجد الاموي وهي كنيسة مسيحية حولت قسرا الى مسجد ولانرى سواها؟

لماذا بقيت اثار فرنسا والمانيا وبريطانيا وايطاليا واسبانيا وجميع اثار دول العالم من قصور وقلاع وابنية حكومية واهلية وعفت اثار الدولتين الاموية والعباسية؟

تعال اقول لك امرا قلما يقوله احد غيري.. القياسات الحالية للكعبة هي 13.28 مترا للارتفاع ،اطوال الاضلاع الشمالي الغربي الجنوبي الشرقي هي بالترتيب 9.92 ،12.15،10.15،11.88 مترا ،هذه القياسات كانت اقل عند بناء الكعبة وفي قصة البناء تجد ان العرب يقولون ان النفقة قصرت بهم فاخرجوا حجر اسماعيل من الكعبة اي انهم لم يبنوه.

مكة منطقة صخرية ، هناك مواد اولية مجانية للبناء، الصخور الملاط الماء ولاحاجةلاي اخشاب لان سفينة رومانية جنحت بشاطئ جدة فاستعانت قريش باخشابها. يستعرض العرب اقصى طاقتهم في التضحية بقصة بناء الكعبة ولمن لايعرف هذا البناء يتوقع ان العرب سيبذلون جهودا جبارة في قطع الجبال ونحت الحجارة ونقلها وتسويتها فوق بعضها وان ذلك سيأخذ سنينا طويلة ويحتاج الى اجيال تتعاقب لاكماله وانه ليس بناء مربعا بطول ضلع 11 مترا.

البناء الحالي حول الكعبة لم يكن موجودا بل كانت في فضاء مفتوح. لم يكن العرب اهل بناء بقدر ماكانوا اهل هدم وماقصة الدولتين الاموية والعباسية الا من حكايات الف ليلة وليلة.
ماهي القصة اذا؟
ساقول لك وانت حر في البحث.
تجمع مصادر التاريخ ان الخليفتين ابو بكر وعمر افتتحا عهديهما بالهجوم على العراق. كان العراق وقتها يشبه الولايات المتحدة الاميركية اليوم ، كان قصر الحكم في العراق بارتفاع 30 مترا اي يعادل 10 طوابق وكان ابيض اللون وكان العرب يسمونه (ابيض كسرى ) نسبة الى حكام العراق من الاكاسرة وكان اسم المدائن مستمدا من وجود سبع مدن في غاية التطور العمراني وكانت تعرف الانفاق الارضية كمظلم ساباط.

اخترع العرب حكاية نسبوها الى النبي محمد تقول انه وعد المسلمين بقصر كسرى، بعد الهجوم على العراق واحتلاله وتهديم حضاراته تنكشف القصة ، تنسب صرخة لضرار بن الخطاب (هذا ابيض كسرى صدق رسول الله ) وبالطبع مالاتعرفه انت ان حامل البشارة هذا كان في يوم معركة الخندق ضمن صفوف المشركين فكيف سمع الحديث من النبي علما ان قصة الحديث تدور في اجواء حفر الخندق؟

استغل العرب الدين الاسلامي لمهاجمة الشعوب حولهم وكان العراق هو الحلقة الاضعف بحكم اخلاق الاكاسرة الراقية وعطفهم على العرب حيث كانوا يميرونهم وقت القحط وبدل شكر النعمة يخترع العرب حكايات عن بطولاتهم في الحصول على الميرة فحاجب بن زرارة يرهن قوسه كناية عن وفاء العربي ثم رايت كيف قام هؤلاء العرب بتمزيق العراق وبلغ بهم الحقد ان قطعوا تاج الملك العراقي وبساطه بالسيوف.
ان الدولتين الاموية والعباسية هما مجموع الهجمات التي ظل العرب يشنوننها على الشعوب وينهبون بناتها وذهبها بعد ان يقتلون رجالها او يجبرونهم على الدخول في الاسلام.

لاتوجد دولة اموية او دولة عباسية بمعنى دول العمران في نواحي الصناعة والزراعة والبناء والتجارة والعلوم.
كانت هناك عائلتان تقودان جيوش من المرتزقة وعندما مال العرب الى العيش الطبيعي وهو مايسميه المؤرخون الانحلال اختفت الدولة الموهومة.
ان الاستعانة بالاطفال الاسرى الذي عرف به عصر العباسيين وانغمس فيه العثمانيون ببشاعة يفسر حقيقة معنى الدولة الاسلامية.

انه من غير المعقول ان تبقى اثار البيت الابيض العراقي او طاق كسرى تقاوم الهدم وتظل شامخة فيما كل الذي تبقى من بغداد هو حائط يسمى المدرسة النظامية. لامدينة مدورة ولا مربعة ولا مستطيلة ، كانت هناك تهاويل خضعت لها اذهاننا بحكم التكرار. سر من راى ثم صارت سامراء، سبحان رب العقل العربي واين هو الذي نراه لنسر به؟

ان بناء الملوية لايمكن ان يكون من العصر العباسي وذلك لتعارضه مع عقيدة المسلمين في معنى قتل النفس فمن يرتقي هذا البناء يعرض نفسه لخطر السقوط كما ان من عادة المسلمين كره التشبه بالصعود الى السماء. برج الملوية وبرج الحدباء ابنية قبل الاسلام والدولتان الاموية والعباسية لم يتركا تراثا عمرانيا ومن الادلة على ذلك اهمال بناء الكعبة حتى جاء العثمانيون الذين تاثروا بالعمارة الرومانية وجددوا بناءها حتى هؤلاء كانت بدايتهم تحويل الكنائس الى مساجد مثل كنيسة ايا صوفيا الصرح المشهور اليوم في القسطنطينية.

قصة بناء المسجد الاقصى تلقي الكثير من التعارض في الاذهان فاذا كان الامويون هم الذين بنوه كيف ذكره القران قبل مجيئهم؟

حتى لو سلمنا بان هذه الابنية تعود للعصرين الاموي والعباسي فانهالاتقاس بما تركته الدول العظيمة من اثار. العمران في العالم الاسلامي بدء مع الدولة الفاطمية التي بنت المغرب العربي اليوم ومصرا. لايقدر العرب على اقامة الدول وهم اعجز الناس عن العمران ولولا ظهور النفط ومجيء المهندسين والشركات الاجنبية لما وضعت للعرب لبنة فوق اختها.

ان الدولتين الاموية والعباسية في صورتهما الواقعية نموذج للامبراطورية المنغولية التي طبعها العنف في اذهان الناس وليس العمران على الارض. اننا نسمع بواسط التي اسسها الحجاج ولانراها ونسمع بالكوفة ولانراها علما ان قصر الامارة في الكوفة كان بناء اسسته دولة اخرى وهو السبب الذي منع الامام علي من النزول فيه وتسميته بقصر الخبال فلو كان هذا القصر ملكية اسلامية عامة لما امتنع امام المسلمين من النزول فيه.

كانت واسط اثارا وابارا لدولة سابقة وقد ذهبت الى هناك فما وجدت من واسط سوى قبر التابعي الشهيد سعيد بن جبير قتيل الحجاج فكيف يدوم قبر وتندرس عاصمة ؟

انهم يقولون لنا عندما نسال عن الكوفة ان قبيلة خفاجة دمرتها في هجمات متلاحقة.
بقي سور الصين شاهدا على الاباطرة الذين بنوه وكذا الاهرامات والذكورة (الزقورة) واثار سومر ولكش وبابل واكد واشور فلماذا اختفت اثار حضارة حديثة عمرها بضع مئات من السنين؟

صحيح كانت هناك عائلتان استقرت واحدة في الشام والثانية في العراق توجهان الاعمال العسكرية ضد دول العالم كما تفعل اليوم دولة العراق الاسلامية. 

لحظيا ينحر كثير من الناس انفسهم وغيرهم بحثا عن اقامة الدولة الاسلامية والدولة الاسلامية لها نموذجان واحد وهمي متخيل على انها دولة مادية معنوية واخر نموذج حقيقي يقول بانها ماقامت لها قيمة يوما كبناء على الارض واصلاحها.

لو كان للدولتين الاموية والعباسية وجود مادي لرايناه قد انعكس على ملكية الارض واعمارها وعلى استقرار الشعوب فالشعب العراقي مثلا تبدل عدة مرات جزئيا او جذريا.

انتشرت صناعة الحرير والورق بفعل الحضارة الصينية وانتشرت صناعة السفن بفعل الاغريق والرومان وانتشرت اللغة الانكليزية نتيجة سيادة الامبراطورية البريطانية وهذه ثقافة الجينز وموسيقى الروك والجاز والماكدونالدز تغزو العالم بقوة الامبراطورية الاميركية فلماذا لم ينتشر اللباس العربي او اللغة العربية او عادات العرب واخلاقهم وتصبح موظة عالمية لوقت من الزمن يناسب سيادتهم على نصف العالم؟ الحضارة العربية الاسلامية تراكم لاساطير والاسلام دين قوم حياة البشر لكنه لايستطيع وليس من وظيفته اقامة دولة.

فائدة...الكتب التي قالوا لك انها القيت في الدجلة من قبل المغول وجعل حبرها ماءه ازرقا تجدها في مكتبة الكونغرس الاميركي."


الرد : 
الكاتب يرفس ما لا يحب ويترك ما يحب .. يفكر وينظر للدنيا بعين سنمّار أو بعين معلم بناء .. كأن الحضارة عنده فقط أبنية ! دون ان يراعي طبيعة الارض وطبيعة المواد المتوفرة ، بغداد و سامراء وما حولها ليست اراضي جبلية ، و كان بناؤهم بالآجر والطين والاخشاب ، وهي مواد لا تصمد لآلاف السنين تنتظر كاميرتك !

الابنية الصخرية حافظت على بقائها كقصر غمدان في اليمن ، لألفي سنة ، وهو اقدم قصر في العالم ، وطبعا بناه عرب . وقال عنه الهمداني في الاكليل :

يسمو إلى كبد السماء مصُعّداً ... عشرين سقفاً سمكها لا يقصرُ

عشرين سقفا أي عشرين طابقا !! وان كانت من الاخشاب وتأثرت .. وهذه صورة متخيلة له :


الاثار الاندلسية لم يتطرق لها الكاتب ، وهي تجتذب مليوني سائح كل سنة من انحاء العالم الى اسبانيا ، وهي من عجائب البناء .. سامراء لم تكن مدينة قبل المتوكل الذي اضطر لنقل جنوده الاتراك عن بغداد وبنى لهم مدينة جديدة بقيت منارتها الملوية ، اما تبريره بخوفهم من السقوط فهذا شيء مضحك ، ربما يكون لها حاجز من الخشب و اسقطته السنين ..

وهل اذا جارينا تفكيره ان من بناها هم الفرس قبل الاسلام ، هل كانت لا تهمهم حياتهم ولا يهمهم من يسقط من اطفال او غيرهم لأن دينهم لم يقل مثل الاسلام بتحريم قتل النفس ؟ قد يسقط الانسان دون ان يقرر الانتحار ! هذا تبرير سطحي وغير مقنع حتى يثبت ان الملوية لم يبنها المسلمون بحجة ان الاسلام يحرم قتل النفس ! مع أنها منارة مسجد ! فهل كانت للفرس مساجد ؟ بعد ان انتهى أن الملوية تقتل من يصعدها ! ولولا الحجارة التي تدعمها لزالت كما زالت بغداد القديمة .

من ضمن ما رفس الكاتب : مئات الالوف من المخطوطات الموجودة اكثرها في المتاحف والمكتبات الغربية ، كتبت في عصر الدولة الاموية والعباسية ، كــُتــّاب الغرب انفسهم يشهدون بحضارة العباسيين والامويين , والاندلس تشهد بذلك ، والمسلمون بقوا فيها 800 سنة .. سيقول انهم سرقوا بهو السباع وقصر الحمراء ! لأن العرب لا يحبون الا القتل و اكل اللحم ! أو لا يحبون السباع ليجعلوا الماء يصب من افواهها ! ايضا الشعر والمراجع التاريخية والادبية تتحدث عن قصور ومدن فاخرة بناها الامويون والعباسيون كما يصف البحتري احد قصور الخلفاء والمياه تنساب من افواه السباع بقوله :  

تنصب فيه وفود الماء خارجة **** كالخيل خارجة من حبل مجريها

الدولة العباسية والاموية امتدت في آسيا واوربا وافريقيا واعتنقت تلك الشعوب كلها دين الاسلام الا ما قل ممن عاشوا وسط المسلمين في سلام ، فكيف يصفهم بأن حياتهم كلها غزو لتلك الشعوب التي يحكمونها وتدين بدينهم وتتكلم بلغتهم بعد تركها للغتها الاصلية ؟

550 سنة هي عمر الدولة الاموية والعباسية تقريبا ، يصورها الكاتب بانها كلها حروب على الشام ومصر والعراق وايران ! لانه يراها مجموع الغزوات والهجمات ! والعرب في نظره مجموعة من الوحوش اكلة لحوم البشر وخليفتهم يسكن في خيمة تفوح من حولها روائح اللحوم والجلود المنتنة ! هكذا يرتاح هذا الكاتب وأمثاله لهذه الصورة في خياله ..

500 سنة كلها هجوم على العراق وايران والقاهرة والرباط ! يتساءل الانسان كيف لم يبيدوهم نهائيا بعد 500 سنة من الحرب المتواصلة على بلاد خاضعة لهم من اول الفتح ؟! هل هذا كلام يعقل ؟!

عاطفة الكراهية اذا زادت تـُخرج صاحبها عن نطاق العقل والمنطق فيقول ما لا يعقل حتى يفش غلّه !

منطقة الشرق الاوسط بشكل عام صحرواية او شبه صحراوية و قليلة الجبال ، موضوع الابنية تحدده مادة البناء المتوفرة ، فالمناطق الجبلية ابنيتها صخرية وتصمد للزمن ، ومناطق السهول المنبسطة ابنيتها في الاغلب من الطين والجبس والاجر قبل اختراع الاسمنت ، ولا تصمد كثيرا لعوامل التعرية ، و الف سنة كافية لازالتها بالكامل ، ومع ذلك صمدت الملوية والحدباء وغيرها ، خصوصا القلاع والقصور ، كقصر عمرة في الاردن ..

في الجزيرة العربية مدن مبنية من الطين زالت بكاملها خلال 200 او 300 سنة وكأنها لم تكن مدنا ، بينما لو كانت مبنية من الصخور لبقيت مئات السنين . ثم ان حجم الصخور ايضا له علاقة ، كذلك الزلازل واحداث التاريخ غالبا ما يقوم المنتصرون بتدمير آثار من سبقوهم .

ثم ان حضارة العرب حضارة جديدة في وقتها ، و طبيعي ان تكون اقل من الحضارات القديمة ، وهنا الفخر ، أن يتحول هؤلاء البدو الى بناة مدن وحضارات ، من بنى البصرة ؟ الكوفة ؟ الرباط ؟ القيروان؟ واسط ؟ سامراء ؟ الخ .. هم العرب المسلمون .. من نقل التراث اليوناني والفارسي والهندي الى العالم ؟ العرب . اقرأ في كتاب "شمس العرب تسطع على اوروبا" لزغريد هونكه ، او "حضارة العرب" لغوستاف لوبون ، فهم غربيون يشهدون بما اخذه الغرب من العرب من الصفر والارقام الى الاسطرلاب والمدفع .

اوروبا التي اعجبتك مبانيها لم تكن تعرف الصفر ! حتى تفهم ان الحضارة ليست فقط بناء حجري يستطيع ان يصمد مع الزمن .. ناهيك عن الاف الكلمات العربية في الحضارة داخل الحضارة الاوروبية ، وهم يعترفون بذلك .. فكيف من ليس له مباني يعلــّم اصحاب المباني والمسارح الرومانية حتى الكلمات والارقام ؟

اوروبا لم تنهض علميا الا بعد اتصالها بالعرب ، وهم يشهدون بحضورهم للمدارس العربية بالاندلس . وكانت كتب عربية في الطب وغيره تدرّس الى القرن السادس عشر في اوروبا ، كيف يكون هذا والعرب مشغولون بالنهب والسلب طيلة الف سنة ؟!! اما موضوع الغلمان فهذا من تاثرهم بتلك الحضارات وعيوبها ، والعرب الاقحاح لا يعرفون اللواط اصلا ، او الشذوذ الجنسي ، بل لا يعرفون الزنا الا ما ندر . بينما في الحضارات العريقة توجد مثل هذه الامور بسخاء .

بُني المسجد الاقصى في عهد عبدالملك بن مروان ، والجامع الاموي كان كنيسة في اساسه و وسع وطور وبني فيه خزانة بيت المال الخ .. وما زال قائما .. الكاتب يريد الا يكون للعرب اثر ، واذا وجد اثرا اقترح ان يكون من بقايا الفرس او الرومان ! ولا يعترف بالتاريخ ولا برواياته عن بناء سامراء ولا الحدباء ولا الحصون ولا القلاع .. يعني على مزاجه ..  

والدولة الفاطمية : اليسوا ينتسبون الى فاطمة ؟ أليسوا من العرب ؟ انظر للفراعنة ، هل هذه مدنهم ؟ لم يبق الا الاهرامات ، وهي مقابر ! بقيت هي وما شابهها من الابنية الصخرية الضخمة ! أين مدنهم ؟ هل كانوا يعيشون في الاهرامات ؟ لقد زالت مدنهم لانها مبنية من طين , والطين يذوب والصخر يبقى ، قاعدة يعرفها أي بنّاء ، ليس شرطا ان يكون ماسونيا ! حتى الصخور الرملية تتعرض للتآكل ، فصلابة الصخر لها علاقة بطول مدة البقاء ، والزلازل ايضا لها علاقة .. وهو لم يتحدث عن عظمة آثار البتراء ومدائن صالح ، وهي آثار عربية نبطية ..

الحضارة يا اخي ليست ملكا لاحد ، وهل العرب ليست لهم ايدي تحمل الطوب وتضعها فوق بعضه !؟ نعم كانوا بدوا ، ولكنهم تعلموا مثلما يتعلمون الان و تعلم غيرهم ممن سبقوهم في امر من الامور ، فالحضارات تتلاقح فيما بينها وليست الحضارة ملكا لشعب واحد دون غيره ، هي مجهود الجميع ..

الكاتب يريد ان يفرغ التاريخ الحضاري من فترة حكمها اناس يكرههم تمتد لالف واربعمة سنة يسمون العرب والمسلمين ! التاريخ ليس ملكا لاحد يُبقي ما يشاء ويرفس ما لا يشاء .. و "الرفس" نفسه عمل غير انساني ، و يتناسب مع عملية الهدم التي يحذّر منها .. والرفس يحمل دلالة انتقائية ، فلا يُرفــَس عادة الا شيءٌ موجود ..

حتى المغول الهمج اتجهوا للحضارة والعمران بعد ان أسلموا على يد من انتصروا عليهم ! و مبانيهم تشهد لهم في الهند وغيرها ، واظنك صوّرت تاج محل في رحلتك في حضارة البناء ، تاج محل الذي بناه شاه جيهان من اصول مغولية أسلمت على ايدي العرب ، بينما انت تصفهم بالهمجية في كل مراحلهم ! حتى كلمة "تاج محل" كلمة عربية وليست مغولية ولا هندية ، فكيف تأخذ الشعوب لغة اناس يقتلونها ويفترسونها لستمئة سنة حسب كلام الكاتب المتطرف ؟ الفلسطينيون لم يتبنّوا لغة اليهود لانهم يعاملونهم بهمجية و نفي في الحضارة الاسرائيلية الغاصبة التي تعجبك ..

و من الطبيعي ان تندرس العواصم ، وما اكثر العواصم و المدن المندرسة ، اين مدن الفراعنة ؟ طبيعة الارض ومواد البناء هي الفيصل في الامر وكذلك عوامل التعرية والرمال المتحركة والفيضانات والحروب الخ .. هل تتصور انهم ليس لهم بناء في واسط ؟ كيف يسكنون ؟ تحت الشمس ؟ ام بالخيام ؟ إقرأ للرحالة على الاقل الذين شاهدوا بأعينهم ، مثل ابن بطوطة وابن جبير وغيرهم ، في الجزيرة هناك ايضا الرمال والطمي وغيرها تكفي لطمر مدن بكاملها مثل مدينة الفاو بالجزيرة العربية وغيرها ..

الا ترى علماء الاثار يحفرون ليكتشفوا مدينة تحت الارض ؟ بينما انت بكاميرتك لم تجد الا رمالا او صخورا .. أين مدينة بويمبي الرومانية التي طمرتها الحمم البركانية بكاملها من بركان فيزوف واكتشفوه بعد عمليات حفر شاقة .. كيف تستغرب مدن منطمرة وعندك مدن بابل والسومريين مطمورة بكاملها بالطين ؟ و لولا حفريات الاثار لرأيتها ارضا عادية ، فكيف تستغرب ان تزول اثار واسط المبنية من الاجر والطين والاخشاب ؟

سبب اندثار الحضارة العمرانية بسيط ، وهو مواد البناء المتوفرة في تلك البيئة ، هذا عدا الاسباب الاخرى .. سور الصين لم يُبنَ من الطين والا لأسالته السيول . هل هذا مقنع أم لا ؟ الاهرامات ليست من الطين ولا الجبس ولا من حجارة رخوة ولا صغيرة ، وإلا لزالت من قديم .. ملاط الاهرامات زال عنها ، وبقيت صخورها ذات القطع الضخمة ، بقية الملاط في اعلى الهرم اكثر لان كمية السيول النازلة على السفح اكثر منها في اعلى الهرم ..

أيضا طبيعة الثقافة والدين لها علاقة ، فالاسلام دين مساواة وبساطة ، ولا يعتقد بقدسية للابنية والتماثيل كما كانت الحضارة الفرعونية وغيرها ، إلا لأداء العبادة لتقي من الشمس والمطر. و أكثر الاثار الباقية كما يقول هي اثار دينية ، والاسلام يعتقد بحياة غير هذه الحياة على غير هذه الارض ، فلم يهتم بقضية المدافن والأضرحة، لأن الارض ستبدل غير الارض . وهكذا اراح الاسلام البشر من تلك المجهودات التي كانت تعنى بها الديانات السابقة و يخص بها الاقوياء دون الضعفاء الذين يبنونها لغيرهم، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. مثل هذا لا يقارن بالعمل الخيري الذي قامت به زبيدة زوجة الرشيد في تعبيد الطرق وحفر الابار من بغداد الى مكة والمدينة. وكثير من آثارها لا تزال باقية .

بناة الاهرام كان الدين نفسه وطبيعة ذلك الدين تدفع لمثل هذا العمل -لأن الفراعنة آلهة وأنصاف آلهة كما هي الحال في البوذية وغيرها، أما إله المسلمين فهو السماء ولا يحتاج أصناما لا تماثيل لأنه ليس كمثله شي- وليس بسبب زيادة في الوفرة والتفوق ، فعوبهم كانت جياع ومسحوقة, و بدليل ان مدن الفراعنة زالت وبقيت مقابر ملوكهم. هذا يشير الى علاقة الدين وطبيعة ذلك الدين بالاهتمام الفائق بالابنية من عدمه ، فالفرعونية تؤمن بحياة الملوك بعد الموت ، ولهذا بنوا لأنفسهم تلك المقابر الفائقة الضخامة والهندسة ، وسخروا الناس البسطاء بالقوة لاجل تلك الابنية الدينية المبالغ فيها ، تخيل كم من العمال ماتوا في رفع تلك الصخور التي تزن الاف الاطنان دون أي رحمة لاجل لا شيء !! سوى أوهام بثها الكهنة واستعمل الفرعون نفوذه وسطوته على الناس المساكين . لا فخر في مثل هذا وهي من اقوات الشعوب ودمائهم وعرقهم يصنعها الاكاسرة والاباطرة والفراعنة ارضاء لغرورهم وإظهارا لأبهتهم المزعومة على حساب الغلابة ..

كل مبالغة وتفحش في القصور والمعابد والمقابر فهو على حساب الطبقة الكادحة ودليل على ظلم تلك الحضارات ، وهذا ما جعل تلك الشعوب تستقبل المسلمين بالوج والورد وتتبنى دينهم ولغتهم ، ولم يقاتل المصريون من اجل حماية الرومان المستعمرين في مصر ، لهذا دخلها عمرو بن العاص باربعة الاف عربي ، ثم تعربت مصر وتركت لغة الاقباط الى العربية ، وهذا امر عجيب جدا ، وهذا شأن شمال افريقيا بغضا بالرومان المستبدين الذين يٌعملون الناس بالسخرة ويحملونهم صخورا ضخمة لارضاء ابهتهم وغرورهم .. وكان يكفي اقل من ذلك ليسكنوا ويعيشوا ويموتوا..

كل فراهة زائدة في حياة الاباطرة دليل على التجبر والطغيان ، وهذا علامة تخلف اخلاقي وليس تقدم .. لهذا انهزمت جنودهم من معنوياتهم المهترئة امام معنويات المسلمين العالية ، ولم يكونوا على استعداد ليقدموا انفسهم فداء لاباطرة طغاة يستنزفونهم بالكدح والضرائب ليبنوا قلاعا وقصورا عظيمة ومقابر غير عادية مع أن أجسادهم سوف تتحول الى تراب بعد ان هلك العمال المساكين كدحا وعرقا واخطارا ، تصور كم من الانزلاقات الغضروفية والتمزقات العضلية حدثت من زحزحة تلك الصخور وتشذيبها ونفشها ارضاء لغرور الامبراطور كي يفخر امام زوجته بعد اكتمال البناء؟! هذه ليست اعمال اخلاقية وإن كانت فنية وهندسية..

بعد الفي سنة لو جاء مثل كاتبنا ليبحث عن اثار المدنية الحديثة لن يجد شيئا لانها ليست من الصخور ، سوف يجد الكثير من السيراميك والمغاسل فقط .

وأما الأعمال العسكرية للعباسيين والامويين ، فهذه الاعمال العسكرية للعائلتين ضد من ؟ ضد شعب خاضع ؟ هذا جنون ! كانت هناك حكومة ودواوين ودار حكمة وتجارة وبيع وشراء وترجمة وتأليف وحلقات دروس وفن وآداب، كلع لا تهم كاتبنا المعماري, فأين العمليات عسكرية ؟ ولماذا ؟ العمليات العسكرية تكون مع اعداء وليست ضد اتباع ! هذا شيء يعرفه الطفل ! فهل كان العراق عدوا للدولة العباسية وهو عاصمته؟ او كانت دمشق عدوة للامويين وكانوا مشغولين بالقتل فيها مدة 132 سنة ؟! نعم كانت لهم جيوش ، لكنها لا تقاتل في مملكتهم بل خارجها ، او لتأديب من يثور عليهم في الاطراف ، كبقية دول العالم في ذلك الزمان وغيره ..

يريد الكاتب ان يصوّر ان العرب فقط مقاتلين باستمرار! وأن القتل هو عملهم اليومي! يقاتلون من ؟ لا ندري ! والسبب : لانهم فتحوا هذه البلاد ، وكأن غيرهم لم يفتح شيئا وم يحارب أبدا!

ومعذرة : ما دامت هذه الدول (غير المسلمين) عظيمة الى هذا الحد الذي تضعها أنت فيه ، أليس من عظمتها ان يكون لها جيش عظيم يحميها ويسحق العرب الهمج هم و إسلامهم ؟ ألست تؤمن بالبقاء للاقوى ؟ العرب كانوا اقوى منهم وسحقوا جيوشهم العظيمة المنتمية لحضارة عظيمة ! ماذا يعني هذا؟ اليس المنتصر عسكريا افضل ادارة وتخطيط ومعنوية من الطرف المهزوم في العرف العسكري ؟ لماذا لا تعتبر التفوق العسكري تفوق حضاري ؟  أليست أمريكا متفوقة حضاريا وبالتالي متفوقة عسكريا ؟ لو جاء بلد يهزمها ، هل ستبقى امريكا متفوقة عسكريا ؟ التفوق العسكري جزء من الحضارة .

تستطيع ان تقول انها حضارات شاخت واهترأت و سحقها العصر الجديد على يد العرب الى غير رجعة ونقل أحسن ما فيها. ولو كانت افضل من حضارة العرب والمسلمين لامكنها ان تعود خلال هذه المئات من السنين ، لكنها زالت الى غير رجعة ، رغم ضعف العرب في الفترات اللاحقة. كما ان شعوب تلك الحضارات رفضت ديانتها وثقافتها واعتنقت الاسلام الذي هو افضل منها ، ولا زالت .. هذا هو الواقع والتاريخ .

شعوب الحضارات العظيمة اختارت ان تترك الحضارة "العظيمة" وان تكون مسلمة مثل العرب دون الزام ، والدليل : بقاء الكثير منهم على دياناتهم الاصلية ، كالنصارى واليهود والصابئة وغيرهم الى اليوم دون ان يلزموا . ولو كانت دياناتهم عظيمة لما تركوها ، ولو كانت لغاتهم عظيمة لما تركوها ، فلم يلزمهم احد بترك اللغة ولا الدين, حتى الإسلام لا يلزم المسلم غير العربي بترك لغته.

التتار هزموا المسلمين عسكريا وهزمهم المسلمون حضاريا ودينيا! ماذا نفعل لك حتى ترضى ؟ التاريخ ليس معك .

و قولك انهم حاربوهم مستغلين الاسلام ، فايضا الفرس حاربوا مستغلين الزرادشتية ولكن المسلمون هزموهم ، والاسلام هزم الزرادشتية وذهبت الى غير رجعة ! ماذا نقدم لك حتى لا تغضب ؟ كل ما في الامر انني احضرتُ ما رفسته ، انتصارا للموضوعية ورفضا للانتقائية ..  

ولماذا يخص الكاتب العباسية والاموية فقط ؟ بقية الدول الاسلامية هي امتداد لهما ! كالفاطمية والايوبية والسلجوقية والاخشيدية والمماليك ..

و اللغة العربية اكثر انتشارا من اكثر اللغات ، لا يوجد شعب تحول للغة الانجليزية ، بينما شعوب بالكامل تحولت للغة العربية ولا زالت ، حتى اللغة الهندية فيها الكثير من العربية ، والاوردو والفارسية تــُكتب بالخط العربي ومليئة بالكلمات العربية ، وكذلك الافريقية .. الاسلام والعربية يمشيان احدهما وراء الاخر ، فالاسلام اولا ثم العربية ، بالتدريج .

كل هذه الشعوب التي تحمل اسماء عربية في اسيا وافريقيا واوروبا وامريكا لا تكفيك دليلا لانتشار العربية ؟ حتى في الجمهوريات السوفييتية يتسمّون بالاسماء العربية ! بينما العرب الذين تسموا باسماء انجليزية قلة من النصارى ، رغم انتشار الهمبرجر !

انت تتوهم ان اللغة الانجليزية تنتشر ، لكن في الحقيقة هي لا تنتشر ، بل تدخل كلمات علمية وتكنولوجية في اللغات الاخرى فقط ، اما هي فلا تنتشر كلغة تحدث واستعمال . لم تنتشر في الدول القريبة منها حتى تنتشر في البعيدة ! لا يوجد ولا دولة تتحدث الانجليزية الا دول المهاجرين الانجليز مثل نيوزلندا وكندا واستراليا . حتى نصف كندا يتكلمون الفرنسية تبعا للاصول . اللغة العربية فقط هي التي تنتشر لانها لغة دين .

نعم الإنجليزية تستعمَل على نطاق عالمي واسع لكنه رسمي وفي مجالات محددة, لو جمعت مئة يجيدون اللغة الإنجليزية كلغة أخرى لتكلموا بلغتهم الأصلية, فلم يستعملها من يجيدها في حياته اليومية فلما بالك من لا يجيدها؟ رغم الدعم والترسيم وتعليمها للصغار في أكثر دول العالم. أصلا بلغتك الأم تجد صعوبة في التعبير بشكل كافي, فما بالك أن تستعمل لغة غيرها! سف يضعف تعبيرك على عكس ما تريد.

أما ارتباط اللغة بالدين فهذا مهم فهناك دافع لتعلم لغة الدين, فالمسلم غير العربي يتعبد من خلال معرفة اللغة, فالإسلام مرتبط باللغة العربية ولم ينفصل لغويا , أما المسحية فتجد مسيحية أوروبية و تجد مسيحية عربية كاملة, لأن القرآن معجز بذاته وبلغته, فالقرآن لا يُترجَم بل يُترجم شرحه لكن الإنجيل مترجم, غير العربي لا بد أن يقرأ في صلاته كلمات القرآن العربية, لكن لو كنت مثلا مسيحي انجليزي تقرأ صلاتك بالانجليزية ومسيحي لبناني يقرأ صلواته بالعربية و الآرامية, وبالتالي ليس هناك رابط لغوي بين المسيحيين, وهذا سر من أسرار الإسلام.

كراهية العرب والتحيز ضدهم لم تاتي الا بسبب كراهية الاسلام من البعض . كراهية الاسلام تؤدي الى كراهية العرب . لو ان امكانات المسيحية ودعمها يكون للاسلام لانتشر الاسلام في كل العالم اسرع من المسيحية ، ومع ذلك هو اسرع الان رغم كل ما يحاك ضده من كراهية ومؤامرات و ضعف الدعم للدعاة بل وندرتهم . لأنه هو الدين القادر على اقناع الانسان اكثر من غيره . لهذا احتضنته الشعوب ، ومن دخل الاسلام من دون الفتوح اكثر ممن دخلوا بسبب الفتوح, ومن دخلوا بسبب الفتوح لم يتخلوا عنه.

لماذا الهمجية العلمانية تستطيع ان تقيم دولة بينما الاسلام لا يستطيع وهو دين منظّم ؟! اليست الدولة تحتاج الى نظام ؟ ومن يقوّم حياة البشر مثل الاسلام كما تقول ، هل لا يستطيع ان يقيم دولة ؟ مع ان كل الديانات اقامت دولا, لماذا فقط الاسلام لا يستطيع ؟! ما هذا الانصاف العجيب ؟! كل الشعوب في الدول الاسلامية لو فسح لها المجال لما اختارت العلمانيين ، والواقع يشهد بذلك ، ولكنهم يفرضون انفسهم بالقوة .


اما عن الكتب الملقاة في دجلة وأنها موجودة في مكتبة الكونجرس ، هذا يعني أن امريكا انقذتها، أي أن امريكا قامت بعملية كوماندوز إبان الغزو المغولي على بغداد وانقذت تلك الكتب بواسطة الضفادع البشرية من الفرقة السابعة للكوماندوز الامريكي، حبا منها في العلم ومصادره، علّ ان يكون فيها شيء منقول عن اليونان !! واغرقت الباقي !

الخميس، 12 سبتمبر 2013

عقل الحيوان وعقل الإنسان والفرق بينهما (1)

س: هل للحيوان عقل؟ وهل يشبه عقل الإنسان؟ وما هو العقل؟ ومن أين جاء؟


ج: الذي وجدته في بحثي أن الحيوان له عقل وذاكرة ويتعلم ويفكر مثل الإنسان، لكنه مقيد بما يتعلق بحياته ومعيشته، أما الإنسان فهو مطلق التمييز، وبالتالي مطلق العقل -بالنسبة للحيوان وليس بالنسبة لكل مجال-، لأن العقل فرع من التمييز، والتمييز يكون بالبداهة الفطرية الشعورية، وهذا التمييز يخزن في الذاكرة ويتحول إلى عقل حتى لا يحتاج إلى إعادة التجربة الشعورية التمييزية..

 فأنت عندما تضع قلمين أمام الطفل ليس مثل أن تضع قلماً واحداً، لكن أمام الحيوان لا شيء اختلف، بالتالي نحن نعرف أن قلم + قلم = قلمين ، لكن لماذا قلمين وليس ثلاثة؟ لا ندري، كيف عرفنا هذه النتيجة؟ لا ندري، ما هو الفهم؟ لا ندري سوى أنه تمييز أوسع من حاجات الغرائز الحيوانية مُنحنا إياه، المهم أننا عرفناها. إنه التمييز الفطري الشعوري المنحة الإلهية للإنسان, قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر} أي كرمه على بقية الحيوان، ولولا هذا التمييز المنحة لما لاحظ الإنسان عملية الطفو وصنع السفينة التي حملته في البحر، ولما لاحظ أن بعض الحيوانات تصلح لحمل الأثقال. الحيوان لا يطور حياته وأساليبه بل يريدها تستمر، على عكس الإنسان، والفرق هو التمييز الفطري كونه مغلقاً أو مفتوحاً ..

الطفل أو الحيوان إذا لمس النار يسجل في ذاكرته أن هذا الشيء خطر فيبتعد عنها في المرة الأخرى، وهنا انبنى جزء من العقل، وبالنسبة للإنسان وتمييزه الواسع فهو يعرف أن ما يؤدي إلى الشيء الخطر خطر، أما الحيوان فلا يعرف، وهكذا ينبني المنطق عند الإنسان (وهو أحد أجزاء العقل) ولا ينبني عند الحيوان، من خلال قانون السببية الذي هو أساس بناء المنطق, والذي يتحايل عليه ويستخف به الملاحدة أعداء المنطق؛ لأنه يؤدي للإيمان بوجود صانع واعي لهذه الحياة المنظمة المعقدة التركيب وغائية البناء والعلاقات ..

 وهذه الأحاسيس المتمايزة والكثيرة جداً عند الإنسان احتاج لتحويلها إلى عقل؛ لاختصار التجربة بأن تعطى أصواتاً تميزها وتصف تميزها، ومن هنا انبنت اللغة من الأسماء وهي جزء من العقل البشري.. أما الحيوان فلا يميز بين النبات هل هو ملوخية أو برسيم! المهم أنه يؤكل أو لا يؤكل، ولا تعير الأغنام بالاً لزهور الورد وهي تمضغها، فهي مجرد علف!

 الإنسان ميّز فأعطى لكل منهما اسماً، ومع ذلك فاللغة غير قادرة على استيعاب كل أحاسيس الإنسان عن نفسه أو عن الأشياء. انظر إلى الألم.. نحن نحس بأنواع من الألم بينما اللغة تسميه باسم واحد أو تميز بين بعض أنواعه الواضحة منه بقلة حسب المكان كالصداع أو المغص.. بينما آلاف الأنواع من الألم نشعر بها، فآلام الأعصاب غير آلام المفاصل غير آلام الحرق غير آلام الأسنان أو العيون، وكذلك المتعة لها اسم واحد وهي لا تعد ولا تحصى ..

وكي يستفيد الإنسان من مدخلات الذاكرة أحسن استفادة أراد أن يربط بينها ويستنتج معقولات جديدة وهذا هو التفكير، وسرعة التفكير ودقته تعني الذكاء..

 وهذه مكونات العقل : 
1.    الذاكرة .
2.    اللغة .
3.    التفكير. 
4.    أدوات القياس وهي المنطق .
5.    الذكاء.

خمسة مكونات من وجهة نظري.. 

والتفكير له أنماط وكذلك الذاكرة وكذلك الذكاء، هذا جوابي باختصار عن سؤال ما هو العقل، وهذه الأشياء الخمسة هي من نواتج الشعور، أي أن الشعور هو الذي أنتج العقل، وهذا جوابي عن سؤال من أين جاء العقل..

والعقل ليس هو المخ كما يقول الماديون، فالمخ هو وسيلة وجهاز استقبال وإرسال، وبعد أن يتحلل المخ يبقى حفنة من التراب وليس معلومات وأفكار..

والشعور منحة إلهية مجهولة نعرف نتائجها ولا نعرف كنهها، وهذا مصداق لقوله تعالى {علّم الإنسان ما لم يعلم}, أي أن الله هو السبب وهو الذي أعطانا قبس الشعور المطلق فائق التمييز الذي بالتالي انبنى منه عقل فائق على بقية عقول الحيوانات إلا في مجال غريزتها، وهكذا الإنسان إنسان والحيوان حيوان ولا يصح الخلط بينهما، والشعور له مستويات أقسمها إلى قسمين كبيرين هما:
1.    الدوائر العليا . 
2.    الدوائر الدنيا .
وذلك تبعاً لطبيعتي الإنسان الإنسانية والحيوانية، فالإنسان ذو طبيعتين وليست طبيعة واحدة، يشترك مع الحيوان في الغرائز الحيوانية ويستقل عنه في الغرائز العليا كالأخلاق وحب الجمال ...إلخ, وهذا من روح الله، قال تعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} ، أما الطبيعة الحيوانية فهي من تراب الأرض ، وهكذا سخر الله الحيوان للإنسان ، لا شيء ينقص الحيوان إلا سعة التمييز الفطري وإلا لكان بذكاء الإنسان أو أكثر. 

أما عقل الحيوان فهو مرتبط بغرائزه فقط, لأن شعوره الفطري غير مميِّز لكل ما لا يتعلق بحياته, الحيوان لا يمكن أن يهتم بشيء خارج عن بقائه وغرائزه, لهذا الحيوان لا يعرف قوانين المادة ولا يدرك علاقاتها وليس عنده أي علوم غير ما يبرمج عليه شعوره وذاكرته, وقد يسكن الحيوان في بيت آيل للسقوط لأنه لا يميز قوانين المادة ولا يعرف أن ميلان الشيء يؤدي إلى سقوطه، لكنه يعرف جيداً أين يجد طعامه وكيف يحصل عليه، وتعرف الطيور المهاجرة طريقها بلا خرائط مع أنها تطير في الليل وفي الضباب وتتبع قائداً منها وتعشش بنفس مكانها في العام الماضي، هذا الذكاء لا يملكه الإنسان الذي قد يضيع طريقه في بضع كيلومترات..!

إذن هذا الذكاء الذي عند الإنسان والذي عند الحيوان هو منحة من خلال الإحساس الشعوري. بعبارة أخرى: ما عند الإنسان وما عند الحيوان كله ذكاء وعبقرية أحدهما عام والآخر خاص ، انظر إلى براعة طيران العصفور إذا انحبس في المنزل، هل يستطيع طيار أن يتحكم بطائرته مثلما يفعل العصفور والأطفال يلاحقونه؟ إنه ذكاء، لكن هذا العصفور سوف يصطدم بالزجاج ثم يعود مرة أخرى ليصطدم بنفس الزجاج! فإحساسه لم يبرمج على معرفة طبيعة الأشياء وإن كان مبرمجاً على براعة التخلص وسرعة التصرف. حتى يتلافى العصفور تكرار ضرب الزجاج ينبغي عليه أن يعرف المادة والعناصر وأن منها ما هو شفاف للضوء ومنها العازل للضوء بعد أن يتلمسها ويعرف أنها صلبة كالحجر ولا يمكن النفاذ منها، وهذا ما لن يفعله العصفور المشغول بحياته وإلا لكان إنساناً من تلك اللحظة..

وتخيل حجم الرعب لو كانت الحيوانات والطيور تستطيع تمييز الأشياء التي لا تتعلق بحياتها مثل الإنسان، قال المتنبي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم *** أدنى إلى شرف من الإنسان

ماذا ستفعل أمام أسد يلاحظ ويفكر مثلك تماماً؟؟ بل ويتكلم؟!

وهذا ما ينفي فكرة التطور؛ لأن الإنسان ضعيف الجسم أمام كل الحيوانات حتى الصغير منها، فالنملة تستطيع حمل عشرة أضعاف وزنها والإنسان لا يستطيع أن يحمل مثل وزنه، وجسم الإنسان خالٍ من وسائل الدفاع، فكيف يكون قد عاش بينها عندما كان عقله ضعيفاً ورديئاً كما تقول نظرية التطور؟ لأن الإنسان له عقل واسع استطاع العيش بين الحيوانات منذ البداية بل ويسخرها لخدمته، ولو كان متطوراً منها لأبقى صفاته القوية، فالقوة مع القوة قوة ، وما دام متطوراً للقوة فكيف يتخلى عن قوته وقدراته في الهجوم والتسلق كما تفعل القرود؟ أليس تطوره لأجل القوة؟ فلماذا تخلى عن أجزاء مهمة منها ليجعل نفسه ضعيفاً؟

الحيوان بخلاف الإنسان الذي يستطيع أن يقف ويتساءل: لماذا أنا موجود؟ ولماذا التفاحة تسقط إلى الأسفل ولا ترتفع إلى الأعلى؟ كيف أستفيد من هذه القطع المفككة وأصنع منها شيئاً جديداً؟ أعني أن عقل الإنسان يحلل ويركب ويستنتج و يبدع , وكل هذا خارج حاجته اليومية.

 باختصار: عقل الإنسان يميز ويلاحظ أي شيء سواءً يتعلق به أو لا يتعلق, أما عقل الحيوان فلا يميّز إلا ما يتعلق بغرائزه ولا يُعنى بغيرها، فإنسان يقابل حيواناً لأول مرة سوف يتأمله ويحاول معرفته، أما الحيوان فسينظر إليه هل له علاقة بغرائزه أو أنه ضدها..

 مع أن للحيوان ذكاء وقدرات خارقة لا يستطيع أن يصلها الإنسان لكنه في حدود غرائزه. فمثلاً شخص يسير مع كلبه أسفل الجبل، وكلاهما يرى حجراً صغيراً تدحرج من الجبل، سوف ينتبه له الكلب لينظر هل هو فريسة أو عدو, فإذا لم يكن هذا ولا ذاك استدار الكلب وذهب لشأنه, انتهت حدود عقله هنا، أما صاحبه (الإنسان) مع أنه توقع مثل الكلب إلا أنه أيضاً توقع أشياء أخرى, ولما عرف أنه حجر متدحرج تساءل: من الذي أسقطه؟ لا بد أن هناك أحداً يمشي أو حيواناً أو عدواً أو ربما بداية زلزال..., هنا عمل المنطق من خلال السببية..

 لاحظ هنا أن الإنسان شغله الأمر أكثر من الكلب مع أنه فكر مثل الكلب في مصلحته ومضرته، هل هو شيء ينفعه أو طريدة يستطيع صيدها, لكنه لم يقف عند هذا الحد, أي عمل عقله خارج غرائزه, بينما توقف الحيوان بحدود غرائزه. رغم أن الكلب كان أكثر نباهة وأسرع حركة وأقدر على المناورة مع هذا الشيء المتحرك من صاحبه وانتبه له قبل صاحبه. 

أكثر الحيوانات تعيش بأسلوب الجماعة ولها حراس وتطلق أصواتاً تحذيرية وتخاف إذا رأت حيواناً مفترساً من بعيد ، بل إنها تتردد في دخول مكان ضيق لم تتعود عليه، وهذا من الحذر، والحذر من العقل, و تتعاون الأبقار وتصنع دائرة تضع فيها صغارها إذا هاجمتها الأسود, لكن أذكى الحيوانات لا يستطيع أن يعرف وهو في القفص أن سحب المزلاج كفيل بنهاية معاناته! مع أنه يرى الحارس كل يوم يفتح المزلاج ويغلقه؛ لأن هذا خارج نطاق تغطية تمييزه, والتمييز من الشعور..

الله سبحانه وتعالى وهب الإنسان شعوراً مميِّزاً تمييزاً عاماً، أما تمييز الحيوان فهو خاص, يستطيع الكلب أن يميز زوار المزرعة أيهم ألطف، وكذلك القطط والأغنام تعرف وتتوقع قدوم راعيها في الوقت المعتاد للوجبات, وتجد بعض الحيوانات أكثر خوفاً من بعضها في القطيع الواحد، وهذا يدل على سبق تجارب, لهذا صغار الحيوانات لا تحذر مثل كبارها التي مرت بتجارب قاسية جعلتها لا تثق بسهولة، وهذا عقل. إذن عقل الحيوان محصور به وعقل الإنسان غير محصور به, فيستطيع الإنسان أن يهتم بأماكن بعيدة عنه وأزمان قديمة عنه وأحداث خارجة عن نطاق ذاته وغرائزه ولا علاقة لها . 

ضع مجموعة ألوان أمام طفل وأمام حيوان, الحيوان لن يأبه بها, لأنه لم يلاحظ فيها شيئاً يعني غرائزه, أما الطفل فيشغله تمييزه لما يراه من اختلاف بينها ويتمنى أن يعرف اسم كل لون ويقارنه بما يماثله, مع أن معرفته للألوان لا تعني حليباً ولا نوماً ولا شيئاً بيولوجياً. لهذا الإنسان هو أتعس المخلوقات بسبب تمييزه, وأتعس الناس أكثرهم تمييزاً, وإن كان أسعدهم من نواحٍ أخرى.   

..............

س: نقرأ في القرآن الكريم أن النبي سليمان عليه السلام فهم كلام الهدهد والنملة فهل هذا يعني أن لها تمييزاً يماثل تمييز البشر؟

ج: الهدهد والنملة مع النبي سليمان –عليه السلام- هي حالات خاصة وسخرت له لأنه طلب من ربه ملكاً خاصاً , {ربِّ هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} ولا نفهم منه أن الهداهد تعرف المشركين وتعرف المؤمنين وتسجد وتصلي كالبشر وتعرف المنطق البشري، وإلا كانت كالبشر، إنه هدهد مسخر ليكون عيناً لهذا الملك الذي أوتي ملكاً لم يؤته أحد من العالمين, وليس هدهداً عادياً , فالهداهد لا تسافر ولا تتأمل في أفعال البشر بل كل ما يهمها هو البحث عن الديدان والحبوب وإكمال دورتها الحياتية كما فُطِرت ..

ولنا أن نتساءل: هل يعرف الهدهد لغة البشر أيضاً؟! فضلاً عن العربية الفصحى؟! حتى نعرف أنه هدهد خاص فلا يقاس على هدهد سليمان بقية الهداهد؛ لأن الهدهد قال: { أَلاّ يَسْجُدُوا لِلَّـهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} والهداهد لا تسجد وإنما فقط تبحث عن الحب! فكيف يستنكر عدم سجودهم وهو لا يسجد؟! 

كذلك الريح سخرت للنبي سليمان، بينما الريح لا تحمل أحداً إلا الطيور والطائرات، مثلما سخر له الجن بمعجزة. يعني أن هذا الهدهد وهذه النملة معجزتان مثل بقية المعجزات الخارقة للقوانين التي مُنِحها سليمان استجابة لدعائه, فالقرآن لم يشر إلى أن كل الهداهد والنمل لها نفس العقل والوعي، بل كان الحديث عن هدهد خاص في ملك خاص . وكذلك النملة فهي نملة خاصة لأنها عرفت سليمان وعرفت أن من معه جنود وتكلمت أمامه لهذا تبسم ضاحكاً من قولها.

 أما كيفية القول هل بالصوت أو بالإيحاء فهذا أمر غيبي, لأن النمل ليس لها أصوات ولا رئة ولا جهاز صوتي ولا حنجرة, كل هذا تابع للملك الخاص بسليمان, فالملك العادي يبني له العمال والمهندسون، لكن سليمان تبني له الجن ويغوصون في البحر بحثاً عن اللآلئ بدلاً من الغواصين، ويسافر بالريح بدلاً من ركوب الدواب, وكل ملك سليمان غير عادي، فلماذا يكون هدهده عادي؟ لا أحد يسافر على الريح إلا سليمان عليه السلام، ولا أحد يعمل عنده الجن إلا سليمان، ولا أحد يحضر ملكة جالسة على عرشها في لمحة بصر إلا سليمان، بالتالي لا أحد عنده هدهد بعقل بشر إلا سليمان, وهذه الأمور من ركائز ملك سليمان الذي قال {لا ينبغي لأحدٍ من بعدي} إذن مثل هذا الهدهد والنملة لا ينبغي أن يكون لا  في عالم النمل ولا الهداهد ولا في عالم البشر.

ونجد أن الله شبه حياة الكافرين بحياة البهائم وقال {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً} مما يعني أن البهائم لا تعقل مثل عقل البشر ولا تعرف الخير والشر ولا تعرف المستقبل بعد الموت؛ لأنها مربوطة بالغرائز. ولاحظ أن البهائم لا تجد فرقاً بين الخير والشر وهذه من أسس الإلحاد والعلمانية الدنيوية ، فانظر إلى دقة التشبيه.