الجمعة، 4 أبريل 2014

الأسلوب العلمي و الأسلوب الفني و أسلوب الإثارة ..



الانسان يتعامل بمستويات ثلاث : مستوى علمي ، ومستوى فني جمالي ، ومستوى إثارة . الفن هو موظف جميل ، و يمكن إستخدامه في عدة مجالات، للحماسة مثلا، و للفخر وغيرها ، وتحتاج للاسلوب الجمالي إذا اردت ان تؤثر في الناس او تنقل مشاعرهم أو تجذبهم لشيء ما او تريد تشهيره أو تثبيته ، الدعايات التجارية مثلا تركز على الاسلوب الجمالي اكثر من الاسلوب العلمي .

وبالنسبة للمدارس الفنية الواقعية ، والتي تقول بأن هدف الفن هو نقل الواقع ، هو ليس كذلك ، فالواقع ليس دائما جميل، فالذي ينقل الواقع بعيوبه ، هو الآن يغيّر هدف الفن و ربطه بالقبح . الفن ملازم للجمال، بأي شكل من الأشكال. و إلا فلن يكون فناً .

لكن متى يكون نقل الواقع فنياً ؟ اذا تم نقل الطبيعة التي خلقها الله كما هي ، مثل الصور البرناسية الشعرية التي تصور الطبيعة ، كحركة الطيور والحمام، وكيف تنفش ريشها وكيف ترعى صغارها. فإذا جاء شاعر يصف هذا ، سيكون كلامه جميلا، مع أنه قام بنقل حرفي واقعي . لأن الطبيعة جميلة. وهذا الذي يؤكد أنه لا يوجد فن بلا جمال . لكن فنان او رسام او شاعر ينقل لنا صور من بيئة صناعية ، فينقل حياته اليومية . كأن يقطع إشارة المرور أو يذهب إلى الخيّاط ، إذا استمر في ذلك بان القبح ، قد تقول في المرة الأولى أنه اتى بجديد ، ولكن عندما يستمر يظهر القبح والملل . وهنا يحتاج الى تعويض للفاقد الجمالي ، بدقة التفاصيل او براعة التشبيه، حتى لا يموت الموضوع بالكامل و يتحول الى مقطع فيديو عن الواقع الملل ، لأن كل إنسان يحمل في داخله عدم رضا بالواقع.

بينما الطبيعة نفسها دائما تعطي جمالا، ولا ننس ان الجمال نوعان : جمال معنوي و جمال مادي. شكل و مضمون. لا بد ان يكون للإثنين نصيب . و في اغلب الاحيان يغلب احد الإثنين على الآخر. فيمكن لأحد أن يمتدح رذيلة ، ولكن باسلوب فني شكلي بارع جدا  من أجل ان يتجاوز النقص المعنوي او المضمون الذي لديه. فلو كان يمدح رذيلة ولكن بأسلوب ركيك لما نفع ذلك ، مثلما فعل أبو نواس في مدحه الإدمان والشذوذ وغيرها .

الأسلوب العلمي الواقعي يصف الاشياء كما هي ، بدون النظر الى جمالها او قبحها ، والاسلوب الفني او الادبي يبحث عن الجمال في الواقع ، واذا لم يجده ذهب الى الخيال أو الطبيعة . حتى افعال الانسان ، مثل بناء منزل : فالمبنى والهيكل والمنافع ، هذا اسلوب علمي ، والنقوش والزينة والالوان ، هذا من فرع الجمال .

الاسلوب الادبي الجمالي يجذب الناس ، وهناك اسلوب آخر للجذب ، وهو الإثارة . وهو غير مرتبط لا بجمال ولا بقبح، بل أكثر ما يكون مرتبطاً بغير المعتاد أو قليل الحدوث أو غريب أو ممنوع. سواء ممنوع ديني او اجتماعي أو غيره . مثل انجذاب الناس للغرائب والعجائب كأطباق طائرة او فضائية او سحرة أو حل الألغاز والجرائم والتحقيقات أو مصاصي الدماء ، هذا كله داخل في الإثارة، وليس مرتبطا بالجمال.

نقاط التواصل مع الاخرين عبر هذه الاساليب الثلاث : الواقعي ، أو الفني الجمالي ، أو الإثارة. والآن الإعلام اصبح يكثـّف الإثارة ، فسحب الانتباه عن المجالين الواقعي و الجمالي ، خصوصا بعد التلفزيون والسينما.

الاعتماد على الاثارة وحدها بلا جمال ولا حقيقة ، كما هو حاصل في كثير من الأفلام ، ينتهي إلى شعور ممض بالملل ، وبدل أن يكون الفن تطهيراً كما قال ارسطو، اصبح تلويثاً .

الرياضة مثلا تحوي على التعصب والكراهية أكثر ما يكون ، بدليل أن مشجعي الكرة ليسوا على نطاق معين ، فحتى الاطفال و أشخاص بعيدين عن المجال يشجعون ، ولا يُصدّق احد إذا قال انه لا يشجع أي فريق ، ثم تعتمد على الإثارة ، و في الاقل القليل تعتمد على الفن . و الدليل على تعصبها أن المباريات الودية والخيرية ليس فيها أي حماس.

فكرة وتعليق : الظروف هي التي تصنع البطل ..



يقول ماركس وبعض المفكرين والمؤرخين أن الظروف هي التي تصنع البطل ، وليس البطل من يصنع الظروف ، فكرومويل في الثورة الانجليزية : لو لم يوجد كرومويل لوجد غيره ، و كذلك غاندي ، لو لم يوجد لوجد غيره .. وهكذا ..

فكرة ماركس غير صحيحة ، لو كانت الظروف هي التي صنعت غاندي لوجد أكثر من غاندي ، بعدد المستعمرات البريطانية ، لأن الظروف تتشابه : دول فقيرة تبتزها دول غنية ومليئة بالافواه الجائعة . كان غاندي يقاوم الظروف ويرفض دعوات الثورة المسلحة من شعبه ، و يعتزل ويصوم اذا حدث عنف ،  و تعب حتى اقنع الهنود بأفكاره عن المقاومة السلمية (أي طوّع الظروف) . لو كانت الظروف هي التي تصنع البطل ×؛ لأخترعت السيارة من قديم ، لأن الظروف تحتاج إلى السيارة و إلى التطعيم وإلى الطائرة الهيلكوبتر وغيرها ..

هذا غير ان كلمة "ظروف" عائمة و غير محددة ، ولا يستطيع ماركس وغيره تحديد هذه الظروف بالضبط . بحيث لو اعدنا نفس الظروف لأنتجت نفس البطل . الحقيقة هي أن الإنسان هو الشيء الوحيد الفعّال ، و شخص واحد يستطيع ان يشحذ همم أمة كاملة ويخرجها من الهزيمة الى النصر ، أي يصنع الظروف . والعكس صحيح : يستطيع شخص على قمة أمة أن يورطها و يدهورها ، أين الظروف لتخرج بطلا ينقذ الأندلس إبان سقوطها ؟ إنها لم تفعل ، مع الحاجة لوجوده !

كم من النتائج والحلول والابتكارات غائبة عن الوجود بسبب غياب البطل وليس الظروف ، حتى الآن . و هي نفس فكرة : الحاجة أم الاختراع ، و هذا ليس صحيحا دائما ؛ فأكثر الاختراعات قام بها أشخاص او أمم أقل حاجة وأغنى من غيرها .

إنها فكرة مادية و إلحادية لا تنظر الى الانسان في داخله ، بل تنظر الى الظروف المادية حوله ، لتبرر فكرة النشوء والإرتقاء ، و تحيل كل شيء إلى الظروف ، فالظروف هي التي خلقت الإنسان و طوّرته من خلال الصدف التي يعبّرون عنها بالظروف ، وبالتالي الإنسان هو مفعول به وليس فاعلاً دائما ، كل شيء ابن الظروف ، والظروف ابنة من ؟ الجواب : ابنة الظروف ، و هكذا .. المهم ألا يوجد إله .

في الحقيقة كل انسان هو نسخة لا تتكرر ابدا ، فكيف يقول : لو لم يوجد كرومويل لوجد غيره ؟ اي مثله ؟ هذا لا يمكن ؛ لأنه لا يوجد إنسان مثل إنسان آخر . وكونه لا يوجد إنسان مثل الآخر ، هذا يُسقط تعلق الماديين بالظروف ، لأن الظروف قد تتشابه لكن الإنسان لا يتشابه ابدا .

وقد يوجد المثقف والواعي في بيئة متخلفة ، والعكس بالعكس . فأين الظروف ؟

كل التغيرات التي حدثت في العالم بدأها أفراد عاندوا الظروف ، وحياة الإنسان كلها معاندة للظروف وحل للمشكلات ، فكيف يكون ابن الظروف وهو لا يعيش حتى يغيّر في الظروف وإلا لهلك ؟ فهو يعاند الحر والبرد والجوع والخطر ويتخلص من الظروف بالظروف ، هذه حياة الانسان كلها ، فكيف يكون ابن الظروف ؟

الظروف تدمر الانسان وليست نطوره ، ولو سلم نفسه للظروف لهلك بسهولة . لا أن يتطور ويتقدم . العكس تماما هو الصحيح . كل شيء معاكس للحقيقة تماما هو قعر الغباء .

فكرة و تعليق : المختلفون كلما كانوا متشابهين في العقيدة كان الخلاف بينهم أشدّ ..

يقرر علماء النفس أن المختلفين كلما تشابهوا في العقيدة كان الخلاف بينهم أشد ..

 وهذا التعبير غير دقيق ؛ الحقيقة هي أن التقارب في المصالح هو سبب الخلاف و حدته ، لأنه ينتج التنافس ، حتى لو لم توجد عقيدة مشتركة ؛ فالشركات التي تعمل في مجال واحد ، صراعها فيما بينها اشد من صراعها مع شركات اخرى ، حتى الحيوانات التي من فصيلة واحدة صراعها اشد ؛ فالقط مثلا يخاف و يهاجم القط الغريب ، لكنه لا يهاجم حيوان آخر كالغزال او الشاة ولا يكترث بوجودها .

ومحاولة إلصاق الصراع بالدين محاولة يائسة ، لأن المصالح هي باب الصراع المفتوح ، سواء في دين او غير دين ، حتى الحروب الدينية كان دافعها مصالح و ليس دينا ، إلا ما كان دفاعا عن النفس . لو كان الدين هو السبب لكان الملاحدة كلهم اصدقاء و أحباب ..

شبهة حول آية (يا ايها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ..) والرد عليها ..


الشبهة : 

يذكر بعض المتشككين وجود تناقض بين قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ..) [الحجرات : 11] ، و بين قوله تعالى على لسان نوح : (قالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) [هود : 38] اذ كيف يأمر الله بعدم السخرية ، وهذا نبي من أنبياء الله يسخر ؟

الرد : 

الدفاع يكون على حسب سلاح الهجوم ، و الآية الأخرى تقول ( فإن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون) ، فالبادئ أظلم . لكن لا يجوز السخرية من ناس مسالمين و لم يتعرضوا لنا ، و العفو أفضل . هذا غير أن الآية تتكلم عن كفار يسخرون بمؤمنين من قوم نوح ، و هذا يفيد أنه يجب الدفاع عن الحق و الإيمان بنفس اساليب الهجوم عليه ، و من يسخر من الإسلام يجب أن يُسخر من إلحاده أو ديانته ، على حسب . لا أن يـُقمع أو يؤذى في شيء آخر ؛ لأن الله يقول (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ، والإسلام دين العدل . و العقاب إذا تجاوز حده إلى حد أوسع ، يكون هذا من الفجور في الخصومة و التعدي المنهي عنه المسلم . حتى من يسب الرسول يجب ان يعامل بنفس الطريقة ، بسبّ رموزه و فضحها ويُسخر منها إن كان ملحدا أو من دين آخر ، وتبيّن ميزات الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه العظيم . و هذا أفضل دفاع عن الرسول .

و من يعتدي على المسلمين بالسلاح ، عليهم الدفاع بنفس الاسلوب ، ومن يهاجم الإسلام بالمنطق ، يجب أن يُدافع عنه بالمنطق والحجة ، ومن يهاجمه بالعلم يجب أن يُهاجم بالعلم . حتى نثبت أن الإسلام قوي في كل مجال ، ويستطيع أن يدافع عن نفسه بنفسه ، كما فعل الأنبياء و أصحابهم . هذه هي الحكمة : وضع الأمور في نصابها . و الزيادة في العقوبة علامة العجز في تلك الناحية و قوة في ناحية أخرى . ولا يليق بالإسلام أن يظهر بأي مظهر عجز . و حتى السخرية أيضا لها آداب و حدود ، و أي شيء لا تستطيع أن تسخر منه فهو شهادة له ، ومن لا يستطيع أن يسخر من الإلحاد فكأنه يعترف ضمنيا بتفوقه و كماله !

وقريش كلها كانت تسب الرسول و تؤذيه ، وقال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء . بل إنها تآمرت كلها على قتله ، لأنه خرج من كل بطن منها فتى يحمل سيفا لقتل محمد ، فما بالك بالسب والسخرية له و لأصحابه ؟