الكافر
من يكفر الحقيقة بعد ان عرفها، سواء دينيا ام غيره، وهم المقصودون في القران، و ليس
كل من ليس مسلم، فالقرآن لا يحرّض على قتل من ليس مسلما، بل يحث على حسن معاملتهم،
إنما يدعو للقتال دفاعا ضد الكفرة بشرط ان يكونوا معتدين ..
و
الانتقائية علامة على الكفر، لأنها تخفي جوانب وتركّز على جانب واحد، والكفر إخفاء.
و رفض الشكر للخالق و رفض شكر المخلوقين بدعوى جبرية الظروف او كما قال قارون
(إنما اوتيته على علم عندي) هذا علامة على الكفر، أي كفر لحق الله وحق الناس. و نفي
الشعور الفطري ونفي ميله للفضيلة، هذا كفر بالذات. فالكفر لا يأتي خاصا بوجود الله.
الكفر صفة عامة و ليس مصطلحا اسلاميا فقط ، وهو إسم جامع لفساد الأخلاق، في حق
الخالق والمخلوقين والمخلوقات. والقرآن استخدم كلمة كفر في مقابل كلمة إيمان، وهذا
من بلاغة القرآن، لأن ضد الإيمان هو عدم الإيمان، لكنها كلمة تبيّن واقع الشخص
واسباب ذلك الواقع في نفس الوقت، فنعرف أن الكافر عرف وجحد. لو كان الإسلام يحرض
على قتل غير المؤمنين لما استخدم كلمة الكفار ، بل استخدم كلمة غير المؤمنين.
انظر
الى المادية والالحاد ، أُسِّسَا على الكفر بكل شيء فاضل وجميل . إنهما يكفران بالانسانية
، وبالاخلاق، وبالروح ، وبوجود الخير، و بثبوت المنطق والعلم، وليس بالخالق فقط. هذا
كله بعد ان كفرتا بوجود الله. اما الذي لم يعلم او الذي لم يتأكد وهو يبحث عن الحقيقة،
و لم يتعمد الظلم والاساءة والانتقائية ، فلا يشمله معنى كلمة "كافر" الموجود
في القران، حتى يحدد موقفه. مع ملاحظة أن القرآن لا يأمر حتى بقتال الكافر لكونه
كافر، إلا إن اعتدى عمليا بشرّ، أي قتالهم دفاعا عن النفس، وهذا حق تقره كل
الشرائع والدساتير.
الكفر
قصد و اختيار، و ليس جهل، فقد يتبنى طريق الالحاد شخص مغرّر به، ولا يعني هذا انه اطمئن
قلبه به ، فما زال يبحث عن الحقيقة. و القرآن تكلم عن "الذين كفروا من أهل الكتاب"
و ليس عن كل اهل الكتاب . الكفر صفة داخلية نفسية معنوية اكثر من كونها خارجية.
هذا يعني ان عكس الكفر وهو الدين يعني الاخلاق، ويمكن تعريف الدين بأنه أخلاق
منزّلة وموصّفة مع الخالق والمخلوقين والمخلوقات، بما في ذلك الاخلاق مع النفس،
هذا احسن تعريف للدين. وقبله تعريف الكفر.
لقد
تحدّث القرآن عن كفار قريش و ذمّهم، ولم يذم بقية قبائل العرب مع انهم لم يكونوا مسلمين،
القرآن لم يتحدث فقط عن رفض كفار قريش للنبوة بينما كانوا أناسا طيبين، بل تكلم مع
هذا على كفرهم بالأخلاق والفضيلة، و اتِّصافهم بالمادية الصارخة : (الهاكم التكاثر)،
(ثم ذهب الى اهله يتمطى) غرورا وتفاخرا على الناس ، (الذين هم يراءون ويمنعون الماعون)
، (الذين يكنزون الذهب و الفضة ثم لا ينفقونها) ، (اولئك هم العادون) الظالمون القاسية
قلوبهم . وهذا دليل على ان الكفر له مستويات وليس مستوى واحد .
فالإلحاد
كفكر - و ليس كأشخاص - لا يكفر بوجود اله و ينتهى الامر هنا ، بل يكفر بوجود الاخلاق
كدافع ذاتي في الانسان ، و يسمّيها مصلحة مادية، اي يشرّع للنفاق و الاخلاق التجارية
، و يكفر بوجود الروح والروحانية في الانسان، و يؤمن بالصراع وبقاء الاقوى، و لا يعترف
الا بالمادة والمصالح المادية فقط ، و يسخر من الاخلاق والرحمة ، و يؤمن بالفوضى ويشكك
في النظام ، و يركز على الشهوات الحسية ويهمل حاجة الانسان الى السمو الروحي ، و يرفض
وجود الحقيقة المطلقة ، فكيف يبحث عنها !! ويكفر بالمنطق وقانون السببية ، ويكفر بثوابت
البشرية عن وجود الخير والشر ، وهكذا .. مجموع هذه الاشياء تنتج مستويات من الكفر و
ليس كفرا واحدا ، وليست قضية وجود اله من عدمه فقط بينما في بقية الأمور كبقية البشر
..
لا
يكون شخص بريء و مسالم لكنه لم يعرف الاسلام ، كافرا مثل ابي جهل او ابي لهب او الوليد
بن المغيرة أو فرعون تحت مسمى واحد .. و الايمان ليس فقط الايمان بوجود اله، هناك ايمان
بوجود انسان و انسانية، هناك ايمان بوجود خير يكافح عالم الشر، و وجود نظام للكون ،
و ايمان بالفضيلة ، هناك ايمان بوجود الحقيقة حتى لو غابت.
الشهامة
ايمان ، وعمل الخير للناس ايمانٌ بأنه لن يضيع ذلك العمل ، والشجاعة والكرم ايمان ،
رغم الضرر المادي الذي قد ينتج. والدار الآخرة والجزاء والعقاب إيمان، فالإيمان سلسلة
مترابطة من الجمال، أعلاها و أساسها الإيمان بالله .
حتى
غير المسلمين هم درجات ، و ليسوا بمستوى واحد . و القرآن امتدح قسيسين ورهبانا و هم
على دياناتهم (غير مسلمين) . بينما توعّد وبشدة الذين آذوا موسى وأصحاب الاخدود ،
وتوعّد أشد التوعد للمنافقين ، مع أن مظهرهم أنهم كانوا مسلمين.
من
صفات الكافر أنه يكذّب بالدين ، اي لا يصدّق بضرورة ان يكون هناك جزاء على الخير والشر
و ادانة للظالمين، (مناع للخير معتد اثيم)، متخرّص و غير متثبت ولا يهمه ان يتثبت ،
تغرّه الحياة الدنيا و طول الامد بالحياة، و غير عقلاني ولا يلتزم بالعقلانية والمنطقية
. بهذا يكون اللاادري اهون من الملحد، واللاديني الذي يؤمن بوجود اله بلا دين اهون
من اللا ادري. و القران تكلم عن الكفر و وصفه و وصف الكافرين في آيات كثيرة.
باختصار
: الكفر سوء أخلاق ، وأساسه المادية. لا يوجد كافر ليس مادي النظرة والتفكير.
فرعون،
كفار قريش ، قوم عاد ، قوم ثمود ، كفار اهل الكتاب ، المنافقين ، كل هؤلاء كانوا
ماديي النظرة والتقييم.