الاثنين، 19 ديسمبر 2016

متى نحكم بالأخلاقية ؟

الحكم على المجتمع الغربي أو غيره من المجتمعات بأنه أخلاقي مثل الحكم على نساء مجتمع يُلزِم بالحجاب بأنهن كلهن تحجبن بدافع الحشمة والعفة فقط. وهذا غير الواقع. إن هذه الأخلاق تتبين إذا سافرت هذه المرأة إلى بلاد ليس فيها تلك القوانين الاجتماعية المُلزمة من قبل السلطة. كذلك أفراد المجتمع الغربي، لا نحكم على اصطفافهم بالطابور والأمانة واتباع تعليمات المرور بدقة على أن دافعها اخلاقي، و نحن نعلم أن قوانينهم صارمة وليس فيها مجال للواسطة، مكرهٌ أخاك لا بطل، اذن أخلاق الشخص تُعرف عندما يكون في جو حر من القوانين الملزمة بذلك الخُلق، فالأخلاق تحتاج الحرية لكي تتبين، مثل العفو مع المقدرة، أما العفو بدون مقدرة فليس خُلقا بقدر ما هو مصلحة. أخلاق ابن المجتمع تتبين عندما يخرج عن المجتمع ويتعامل مع غيره. ومعروفٌ عن الغرب شعوبا وحكومات أنهم إذا خرجوا من مناطق تغطية قوانين بلادهم يفعلون ما يفعلون ويفسدون في الأرض، إلا قليلا منهم، فعلى مستوى الأفراد يديرون تجارة الرقيق والمخدرات والجنس الأبيض والجنس مع الاطفال مستغلين ظروفهم المعيشية، وكذلك بيع الاسلحة وتهريب الآثار والمخطوطات والتحف الأثرية من الدول المنكوبة والجاهلة والفقيرة، بدليل ان كثير من الدول العربية والاسلامية تطالب بإعادة آثارها المسروقة ومخطوطاتها من متاحف الغرب، مع تلكؤ تلك المتاحف ومحاولتها التخلص، كبوابة عشتار في المانيا والمسلات الفرعونية في واشنطن، بالقرب من البيت الابيض. وما تزال السرقة مستمرة، ولا تسأل عن 250 ألف مخطوطة عربية في الاسكوريال وغيرها من الاديرة والمتاحف. وأيا كان المبرر بشراء أو غيره، لا بد ان تبقى آثار كل بلد فيها، وان تعود آثار كل بلد أو أمة إليها، مع جواز الانتقال للمتاحف العالمية للعرض وأن تعود إلى منبتها، لا أن تأتي إلى البلد الأم لمجرد العرض ثم العودة.

وعلى مستوى الشركات والحكومات حدّث ولا حرج من استغلال الدول الفقيرة بدفن النفايات النووية الخطرة في بلادهم وابتزازهم بشراء السلع الأساسية بأثمان بخسة وتسويقها عليهم بأغلى ثمن بعد إنتاجها، واستغلال غاباتهم وأخشابهم وتدمير طبيعتهم، وتهديد العولمة للاقتصادات المحلية، وبيع الاسلحة ودعم أنظمة ضد الديموقراطية وإشاعة الفتن والحروب الطائفية والعنصرية إلى غير ذلك، وعلى رأسها الإستعمار الغربي، المباشر والغير مباشر. كذلك انتهاك سيادة الدول بالتجسس وغيره ، والقتل الجماعي بحجة مقاومة إرهابي او اثنين، مقابل مئة أو اكثر يموتون كضحايا حرب بطائرات بدون طيار حتى، تدار بالريموت كنترول عن بعد. فهل كل هذه السلوكيات أخلاق؟ لاحظ أنهم ابتعدوا عن منطقة تغطية القانون، فماذا فعلوا حكومات وأفراد ؟ شرٌ كثير وخير قليل، على شكل مساعدات محدودة تخدم أهداف معينة.

إنهم مثل وضع أطفال جالسين بأدب على مقاعدهم في الصف الدراسي ويأتي من يقول أنهم أخلاقيون، بينما هم خائفون من النظام والعقوبة. فلو غاب عنهم المدرس لن يبقى واحد منهم في مقعده.

صاحب الأخلاق يلتزم بأخلاقه، سواء في بلده أو في غيرها. فهل بعد هذا تظل كلمة الشيخ محمد عبده أن في الغرب إسلاما بلا مسلمين ؟ محمد عبده أعجب بتنظيمات إدارية وسلوكيات نابعة من تنظيمات وعقوبات يفرضها القانون، أو أخلاق تجارية، فهي ليست أخلاقا محضة. وهذه التنظيمات الديموقراطية صنعتها الرأسمالية لكي تحمي نفسها وتضمن حريتها خصوصا وأن كثيرا من أعضاءها من جاليات ليست من ارض البلد، كاليهود وغيرهم، فهمّها أن تحفظ حقوقها وحق المشاركة السياسية و حق التعبد وحرية الرأي والاعتقاد، وحرية رأس المال، وأن تسلم من التمييز العنصري أو الديني، والخوف من تسلط الديكتاتور على رؤوس أموالهم. لقد استفاد الناس في الغرب من هذه الاحترازات للواحد بالمئة من الشعب، بينما تضرروا من ناحية طغيان الرأسمالية على مجتمعاتهم كونها اكبر تأثيراً من رجال السياسة.

المسلمون اذن ليست مشكلتهم الأخلاقية نابعة من الدين وحده، مع العلم أن لديهم بعض الأفكار المغلوطة عن الدين، بدليل أن من ينتقل منهم ليعيش في الغرب سيلتزم بالأخلاق الغربية مثل غيره، مع أنه لم يغير دينه. هذا يدل على تأثير القانون والسلطة على سلوك الناس.

إن أكبر مؤثر في الأخلاق هو الوضع القانوني والديني والتراث الشعبي أو القَبَلي.

الوصف لمجتمع بأكمله بأنه أخلاقي وصف خاطئ، لأنه لا يمكن أن يكون الناس على اختيار واحد، فإذا وجدت ذلك المجتمع لا يرمي النفايات من زجاج السيارات ولا يبصق على الارض ولا يلقي بأعقاب السجائر في الشارع، فهذه صفات جميلة، لكن انظر ما الدافع لها. إذا عرفت أنه سيُذهب به إلى المحكمة إذا هو رمى أعقاب السجائر في الشارع، هنا يزول الحكم على ذلك المجتمع بأنه أخلاقي، فيكون شعب ملتزم رغما عنه بقوانين صارمة تحتاج إلى محامين و دوخة. اذن ليس من اللائق ان يعوّد الشخص نفسه أن يلقي شيئا على ارض الشارع مخافة ان يكون هناك مراقبٌ في أحد الأماكن فيتعرض لمخالفة.

وإن قيل أن ذلك المجتمع هو من أنتج تلك القوانين لأنه أخلاقي، فسنقول : لماذا يحتاج إذن إلى قوانين وعقوبات ومحاكم ؟ ولماذا لا يطبقها إذا خرج أو تعامل مع غير مجتمعه؟

لو قارنا بعجالة بين أخلاقيات المجتمع الغربي وأخلاقيات المجتمع العربي والمسلم، سنجد تفوقات هنا وتفوقات هناك، لكن ما الدافع لها ؟ وهذا هو المهم. ففي المجتمع الغربي نجد احترام الوقت والعمل والمواعيد والعلم والثقافة، وهي صفات جيدة بلا شك، لكن سنجد الكرم يتميز به العربي أكثر، وكذلك الشجاعة، وبالتالي الصبر، وكذلك المروءة والحشمة، والبعد عن المسكرات والقمار. ثم قضية احترام الوقت والمواعيد والعلم، واضح أن دوافعها مصلحية، وليست من صميم الأخلاق نفسها 100% . لكن الكرم والشجاعة والمروءة واحترام الجار والضيف، فالمصلحة تقلّ هنا، وتكثر الخسارة. فأي المجتمعين أقرب إلى الأخلاق المثالية؟

مغالطة الملاحدة في أن إدعاء عدم الوجود لا يعتبر إدعاء

من يدعي الوجود مدعي ، ومن يدعي عدم الوجود يسمى مدعياً أيضاً ، فهو لم يقل : لا أدري ، بل ادعى عدم الوجود ..

في كل تعاكس و تضاد في الرأي مدّعيان و ليس مدعٍ واحد .. هذا في المنطق والفلسفة ، وليس في اعتمادات القضاء في المحاكم و مصطلحاتها .. بل حتى المحاكم لا تتعامل مع دعاوى النفي، بل مع دعاوى الاثبات.

إذا قلتَ مثلا أن زيداً موجود في القاعة ، و صرخ زميلك قائلا : أبداً ! إن زيداً غير موجود في القاعة ! فهل أنت أمام ادعاء واحد الآن ؟ أم أمام ادعائين ؟ و هل ستطالـَب أنت بالدليل وحدك بينما زميلك لا يُطالـَب بالدليل ؟ سيُقال له أيضاً أنه يدعي أن زيداً غير موجود ، فما دليله ؟ هل لديه دليل ؟ كأن يكون مسافراً مثلاً وهو يعرف أنه مسافر ؟

ألا تشعر أن لكلاكما (المثبت و النافي) أدلة و منطقاً ؟ .. هكذا سيحس أي شخص يستمع إليكما .. و سوف يشعر أنك تقر بوجوده على علم ، و أن زميلك الذي يدعي عدم وجوده على علم أيضا !! وإلا لما رفض و نفى وجوده !

النفي حكم ، والإثبات حكم ، هكذا المنطق .. و كل حـُكم يحتاج إلى أدلة .. أما كلمة لا أدري ، فهي ليست حكماً على الشيء ، لذلك لا يـُطالَب صاحبها بشيء ..

إذاً الملحد و المؤمن كلاهما مدعي .. و كلاهما يحتاج إلى أدلة .. ولو كانا في محكمة ، سيطالبهما القاضي كليهما بالأدلة .. و سيقول لمنكر وجود زيد : ما أدلتك حينما نفيت أنه في تلك الساعة لم يكن في القاعة ؟ وسيعامله معاملة المدعي ..

إن الملحد هو في الحقيقة المدعي ، لأن كل البشر مؤمنين بوجود إله ، ومنذ القدم ، إلا الملاحدة الذين ظهروا في نهاية القرن الثامن عشر فقط .. إذاً هم الذين شذوا عن الإجماع البشري ، وعليهم البينة و لم يقدموها ، كالعادة القضائية بأن على كل من شذ عن الأصل و العرف أن يقدم دليلاً .. حتى لو كان بالنفي ..

فلنفترض أن قبيلة ما تعودت أن تسقي مواشيها من مورد بعيد عنها ، و جاء شخص ليقول : لا تذهبوا لذلك المورد ، فليس فيه ماء .. الآن هو ينفي وجود ذلك المورد ، وأخبرهم بأنه اندثر ولا وجود له .. الآن هو سيُعامل معاملة المدعي .. مع أنه ينفي وجود .. و سيطالب بالأدلة القوية لأنه كسر المعتاد ، مع أنه ينفي .. إذاً نافي الوجود كمدعي الوجود : كلاهما مدعي .

وإذا عجز المدعى عن إثبات ادعاءه فهذا يعنى أن ادعاءه غير صحيح ، و هذا ما وقع للملاحدة ، بل إنهم لم يحاولوا .. مع إنهم كسروا القاعدة البشرية العامة و شذوا عن شعوبهم بدون أدلة تثبت عدم وجود إله لا في الأرض ولا في السماء ، و الذي اقتنعت به البشرية منذ وجودها .. هذا ادعاء عريض بلا دليل يقدمه الملاحدة مربوطاً بادعاء آخر وهو ادعاء العقلانية ..

و العقلانية تحتاج إلى دليل .. وإذا سألناهم : من أين جاء الكون ؟ قالوا : من لا شيء ! فهل هذا دليل يقبله العقل من شيء مصنوع و منظم بتعقيد منظم و ذكي و كل شيء فيه غائي، أي أن كل شيء مسخر ليخدم كل شيء، ومتوازن ، بلا صانع ولا إرادة واعية ولا يحزنون؟ و إذا قلنا : من أين هذا التوازن والانسجام ؟ قالوا : من العشوائية ! فهل هذا شيء يقبله العقل ؟ العقل لم يعتد على مثل هذه الادعاءات ، و العقل يعرف أن العشوائية تنتج الفوضى ، والفوضى تضر بالتوازن والانسجام ، و يفسد بعضها على بعض .. فاين العقلانية ؟ إن هذا ضد العقلانية تماماً ..

إذاً نحن أمام ادعائين يقدمهما الملاحدة بكل سهولة و ليس واحداً : الأول ادعاء عدم وجود إله ، والثاني ادعاء العقلانية ، وما أسهل الادعاء بلا دليل ، خصوصاً إذا كانت الآلة الإعلامية ضخمة و يدعمها رأس المال المستفيد ..

الفكر الملحد يعتمد على انتقادات في الفهم والتطبيق للدين ليس إلا .. أي يعتمد على نقد اجتماعي و ليس على نقد منطقي أو فكري .. والنقد الاجتماعي لا قيمة له في الحوار الفلسفي ..

النفي والاثبات مرتبطان بالمعرفة ، ولا أحد يثبت وجود شيء بدون معرفة ، والا لعدّ مجنوناً .. و لا أحد ينفي وجود شيء بدون معرفة عدم وجوده ، و إلا لعد مجنوناً أيضاً .. إذاً الإثبات معرفة ، و النفي معرفة .. و كل معرفة تحتاج إلى دليل .. و لا يسْلـَم إلا من يقول لا أدري .. لأنه لم يدع معرفة ..

هذا هو المنطق العام في أي موضوع ، و ليس فقط في موضوع الألوهية والإلحاد .. فأنت تثبت الشيء وأنت عارف ، أو تنفيه وأنت عارف .. وإلا فكيف تنفي شيئاً أو تثبته وأنت غير عارف بوجوده او عدمه ؟

من يملك الحقيقة يبادر بها ، ولا يتهرب عن مطالبته بأدلة معرفته و يحيل طلب الأدلة على الجهة المقابلة ! .. العلمي معه العلم ، فلماذا يخاف ؟ مما يثبت أن الملحد لا يملك الأدلة النافية ، ولهذا هو يهرب إلى الأمام و يحيل الطلب الموجه إليه بالأدلة ، مع أنه هو الشاذ عن الإجماع ، إلى مجموع البشرية المؤمنة ، و يجعل أغلب سكان الارض في خانة المدعي ، و التاريخ في خانة المدعي ، و يبقى هو والأقلية التي معه في خانة المدعي عليه ..

وهذا المشهد القضائي يثير الضحك من أقلية مدعية و تطالب الأكثرية بالدليل .. مع أن المعتاد أن القليل هو الذي يقدم الأدلة ليقنع الكثيرين .. ويزداد الضحك إذا كانت الأقلية تدعي العلم الكامل ..  لماذا لا يـُنشر هذا "العلم" بعدم وجود إله ؟ (العلم و ليس الادعاء ، فالادعاء منشور بكثرة) .. أليس حق العلم أن ينشر ؟

والعلم في العادة هو الذي يبادر في أدلته .. علم الطب الحديث مثلاً لم يطالب المعالجين القدماء أن يقدموا أدلتهم ليثبتوا صحة العناصر الأربعة وتأثيرها في الأجسام مثلاً ، بل هو قدم أدلته ، لأنه يملك علماً .. إذاً الملحد لا يملك علماً بعدم وجود إله .. وإلا لقدمه قبل الادعاء .. كما فعل الأطباء العلميون .. هذه هي الخلاصة .. فهم لم يهاجموا الطب القديم و يطالبوه بالأدلة ، بل قدموا أدلتهم قبل ان تـُطلـَب .. إذاً الإلحاد مسألة ظنية وليست علمية ..

وعلى الملحد الذي يحترم العقل أن يقول : أظن .. أو : أشك .. ، وإلا فلن يعتبر عقلانيا .. على الأقل كما فعل فرعون حينما قال لموسى : (وإني لأظنه من الكاذبين) ، ففرعون الآن يبدو أكثر عقلانية في هذه النقطة .. فهو لم يقطع بعدم وجود إله البتة بلا علم .. بل إن فرعون فعل أسباباً لكي يحاول أن يتأكد من ادعاء موسى على حسب قدراته في ذلك الزمان ، بأن أمر أن يـُبنَى له صرحاً ليطلع على إله السماوات .. وقال ( ما علمت لكم من إله غيري) ، أي توقف عند حدود علمه هو .. ولم يقل : لا يوجد إله غيري وعلى المخالفين أن يقدموا الدليل ! وقال ايضا (لا أريكم إلا ما أرى) ولم يدعي أن رؤيته هي رؤية العلم كما يدعي الملاحدة، خطاب فرعون اللعين اكثر عقلانية منهم، وأقل تبجحا، وأكثر منطقية من ادعاء الإلحاد المسوّق عالمياً في عصر العلم ..

طلب الدليل من جمهرة البشر من قبل الملحدين الخارجين عن إجماعهم ، يشبه ادعاء جحا عندما سألوه عن منتصف المعمورة ، و قال أنه عند ذيل حماري ! فاذهبوا و قيسوا الأرض إن لم تصدقوا .. من ينفرد عن المجموع هو المُطالب بالدليل ، سواء أثبت او نفى .. هذا هو المعتاد عند عقول البشر وهو المنطقي أيضا .. والملحدون أقلية طارئة .. إذاً يلزمهم إثبات عدم وجود إله لهذا الكون ، بموجب العلم الحديث و دقته ..

من يقول : لا أدري بوجود الشيء ، فهو يعتبر جاهلاً في هذه النقطة فقط، و من يقول : أدري بعدم وجود ذلك الشيء ، بلا دليل ولا علم، فهو جاهل جهلاً مركباً .. أي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ..

انتفاء الأدلة في قضية متعاكسة يوجب الشك .. هذا هو المنطق ، فالملحد كما يقول لم تصله أدلة على وجود الله ، وأيضا ليس عنده أدلة على عدم وجود الله ، إذاً يجب أن تـُغيّر كلمة إلحاد من أساسها ، فهي غير علمية .. ولا تناسب عصر العلم بما تحمله من تأكيد على عدم وجود إله .. و أن يسمي الملحد العلمي نفسه متشككاً ولا يقبل بكلمة ملحد أو منكر لوجود إله .. حفاظاً على قيمة عقله العلمية ..

ولو جاء ملحد ليقول أننا ندعي أنه لا يحق الادعاء بعدم الوجود إلا لمن أحاط بكل الوجود، بينما نحن لم نحط بكل الوجود ومع ذلك نقول بالوجود. 

هنا نقول : نحن نتكلم عن "عدم وجود الشيء " ، و ما يحتاجه هذا الادعاء لكي يثبت ويعتبر ذا قيمة ، وليس عن "وجود الشيء " .. كقاعدة عامة في كل شيء .. الإحاطة بالشيء الموجود ليست شرطاً للدلالة على وجوده ، فأنت مثلا ترى طرف السحابة ، و تقول : إن السحاب موجود في السماء هذا اليوم ، ولكنك لم تحط بأطراف هذه السحب ..

إذاً هذا شرط خاطئ ، أنت لا تُطَالَب بالإحاطة الكاملة بالموجود حتى تثبت أن شيئا ما موجود ! هذا خطأ منطقي ولا أحد يستعمله في حياته اليومية .. إذا بلـّغت عن حريق مثلا ، فأنت تثبت وجود الحريق ، لأنك ربما رأيت الدخان فقط، فاستدللت على وجود نار، ولكنك لم تقترب إلى النيران لتثبت وجودها وتحيط باطرافها وتعرف مسبباتها ، ولا يطالبك الناس بمثل هذا المطلب .. و إلا لعُدُّوا مجانين ..

إذاً الجزء من الموجود كافٍ لإثبات وجوده ، و لو بدون إحاطة كاملة به .. هذا هو المنطق البشري ..

أي ادعاء لا شأن له بأي ادعاء سابق . فوجود ادعاء سابق لا يعني إن لا يسمى نفيُه ادعاءً أيضاً .. كما يمكن أن تتعدد الادعاءات و تتنوع تجاه الشيء الواحد .. و كلها تسمى ادعاءات .. فأحد يدعي أن زيداً موجود ، و آخر يدعي أنه غير موجود ، و آخر يدعي أنه طويل ، و آخر يدعي أنه قصير ، وهكذا .. و كلها تسمى ادعاءات .. و تحتاج إلى أدلة ، سواء كانت قطعية أو مساندة ..

إذاً الادعاء السابق لا يمنع ورود ادعاء لاحق ، حتى ولو كان نفيه ، لأن كل الادعاءات مبنية على المعرفة .. و كلُّ ما كان مبنياً على المعرفة يسمى ادعاءً .. اذن لو لم يكن لديك الا دليل واحد وعقلي ايضا على وجود الله لصار كافيا ، دون حاجة للاحاطة بالله او لبقية الادلة، مثل من راى دخانا كثيفا فاستدل به على الحريق. وأدلة وجود الله اكثر من أن تعد، لأنها بعدد الاشياء، هذا غير ان المنطق بحد ذاته يقدم الادلة الكثيرة ، بينما يكفي دليل واحد، اذن المؤمن هو المنطقي، لأنه يملك اكثر من دليل. اي شخص لديه دليل واحد منطقي على وجود شيء فقد استدل عليه واثبت وجوده دون الحاجة الى آلاف الادلة، نحتاج للمزيد من الادلة في حالات الاشتباه فقط ، او وجود أدلة مضادة ، بينما الملحد ليس عنده ولا دليل واحد، فبالتالي يكفي لو دليل واحد على كسب القضية.

الأحد، 18 ديسمبر 2016

التفكير بالإنتحار

 بعيدا عن موضوع الزواج واسف على تشعيب الحوار انا لااقدر ان اتأقلم مع الحياه حاولت ان اعيش سعيد بالحياه عجزت افكر مليا بالانتحار لاني وجدت هي النافذه الوحيده التي من خلاله استطيع ان استريح من هذه الحياه ومتأكد انه خياري الاخير ومحطتي الاخيره الحياه سوداء بعيني ليس لها قيمه ابدا لكني هل الله سيعذرني لان انتحارري اظطراري وليس اختياري حاولت ان اجد السعاده بالعباده والصلاوات والاستغفار لكني فشلت ايضا انا اكتب الان ويدي ترتعش لااعرف لماذا وقلبي ينبض سريعا خشيت على امي تحزن بعد موتي فكرت اقتلها ثم اقتل نفسي ولكن لااجروء على التأفف بوجه امي فكيف اقتلها!!! وازحت هذه الفكره من رأسي اشعر انني وسط دائره لااستطيع الخروج منها اتمنى المساعده من الوراق

الرد:

عروض الانتحار يقدمها الشيطان كهدايا لمن ساروا على خطواته او بعض خطواته، سواء عرفوا ام لم يعرفوا، ويقدم ايضا جوائز أكبر لمن يطيعه بقتل من يحبهم، من باب الخوف عليهم، فيحقق مقولة (ومن الحب ما قتل) ، فالشيطان عدو مبين للانسان.لا بد أنك واقع في أخطاء صناعية، سواء عرفت ام لم تعرف ، من الافكار الصناعية التي عادة يقدم الشيطان هديته الانتحارية هي فكرة (أكون أو لا أكون) المقيتة، أي ان يعلّق الانسان حياته الواسعة على هدف ضيق، إن تحقق وإلا فالانتحار أولى، الراغب بالانتحار عندما يريد ان يحقق هدفا في حياته، بدلا من أن ييئس من هدفه ويكمل حياته، نجده ييئس من حياته لأنه لم يحقق هدفه. أنت لا تجد حيوان ينتحر، مهما كانت ظروفه قاسية. لماذا الإنسان فقط ينتحر؟ إذن عنده أفكار خاطئة بنى عليها نظرته للحياة، الإنسان يلعن الحياة ويشتمها ويفكر بالانتحار في وقت كان يجب ان يشكر الله على النعمة التي يشتم بها ويتذمر بها ، فالمنتحر جاحد لنعم الله سبحانه وتعالى، ألست تستطيع أن تقوم وتقعد وتبصر وتسمع و لديك أم حنونة وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى؟ لماذا أنت متذمر وكئيب وحزين وتفكر بالانتحار؟ هذا من الشيطان ويُفرِح الشيطان ويغضب الرحمن.

اذن الحزن والكآبة من الشيطان، كخطوة تكتيكية مبنية على خطوات مقبولة لكي يصل الى غاية شنيعة بالانسان، إما الجنون او الانتحار او تفريط بالواجبات او ادمان للمخدرات أو العنف و أذية الآخرين، الخ .. قال تعالى (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ). وقال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ) كالخوف من ضيق الرزق والفقر والحرمان من الوظيفة الخ .. و يقول تعالى عن أيوب (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَاب) وقال (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا). وقال تعالى (قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِين قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّون). وأنت قانط من رحمة ربك كما يبدو، إذن انت ضال عن فهم ربك و معرفته و محبته، أي يوجد تفكير صناعي في الموضوع. (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، والله يلاطفك ويقول (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم). اذن تصعيب الحياة من الشيطان، بدليل أن المتخلفين عقليا والحيوانات والأطفال كلهم يعيشون بطمأنينة، كذلك من عرف طريق ربه أيضا يعيش بطمأنينة.

الشيطان يخوفنا ويكبّر المخاوف ويشعرنا بأنا سوف نموت من الجوع وو ، و أيضا يقنطنا من رحمة الله ويحدّنا على العنت والصعوبة والمشقة والضيق والانتحار، لأنه عدو. يا أخي أنت ليست لديك مشكلة حقيقية، بل لديك مشكلة إما مُتوهَّمة أو مُضخّمة من الشيطان. لاحظ أني لم أسألك عن تفاصيل مشكلتك، لأن هذا ليس مهم، المهم أن تتغير أنت لا أن تغيّر الدنيا لأجلك. المفترض أن تفكر فيما عليك أنت وليس فيما لك، فأنت عليك واجب الشكر والعمل فيما تستطيع، ولا تقف عند ما لا تستطيع. وأن تصبر على ما أصابك وتحتسب هذا عند الله، إن ذلك من عزم الأمور، فالصبر عزم وليس ضعف، ولكن على ما لا نستطيع تغييره، أما ما نستطيع تغييره، كالأفكار، فصبرنا عليه ضعف و كسل.

إنك في دار امتحان ولست في دار استقرار، واعرف ان كل ما أصابك هو امتحانات من الله، فلا تفشل في الامتحانات، واعلم ان مع العسر يسرا، ولا تصدّق ما يقوله الشيطان لأنه عدو. وقدوتك الأنبياء في صبرهم وذكرهم لله، أنا أعطيك الحل من الآخر ولا أريد الدخول في التفاصيل. الشيطان يدعو أولياءه إلى الحرج والضيق والله يدعو إلى السعة، والله عنده السعة ، وهو الواسع العليم، ولا تدري ما الذي ينفعك، لكن الله يدري. فآمن به و توكل عليه و أسلمه أمرك ولا تعبأ بمصائب الدنيا، فليس لها نهاية، ومع ذلك مع العسر يسرا، فالحياة أيضا جميلة، والزهور تتفتح في موسمها على السعداء والكئيبين. المتشائم ينظر للحياة بمنظاره هو الأسود الضيق، بينما الحياة أوسع وأجمل وأشمل.

التشاؤم مرض، والمرض هذا لا دواء له إلا بالعبودية الكاملة وتسليم النفس لله، أنا اتكلم لك من تجربتي، فقد كنت كئيبا ومتشائما وفكرت مرارا بالإنتحار، إلى أن هداني الله وغيّرت أفكاري القديمة، فتغيرت حياتي من الضيق إلى السعة، ومن التشاؤم إلى التفاؤل، لأني ببساطة كنت معتمدا على نفسي، والآن أنا اعتمد على الله، فأعمل ما هو في نطاقي، وأتوكل على الله في الباقي، ولا أبالي بالنتائج. المهم هو النية والقصد والعمل، أما التوفيق فمن شأن الله وليس من اختصاصي، وهكذا ارتحت والحمد لله. هي تجربة سهلة وليست صعبة كما يوهمك الشيطان، أكثرها ترك لأشياء.

أسلِم تسلم من الكآبة وضيق النفس وأفكار الانتحار السوداوية وعذاب الآخرة والأولى، لأن الله قال (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) و قال عن المؤمنين المسلّمي أنفسهم لله (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون) وقارن بين الحالتين .. لا تبالي بما يذهب ، ليكن همك النجاح في الامتحانات أمام الله ان كنت مؤمنا وليس أمام الناس ، ان كنت مؤمنا فحقق إيمانك على الواقع بشكل يومي.

لا يكن الحيوان أقدر منا على التحمل ونحن لدينا العقول والخيال والشعور والمعرفة والإيمان والبدائل، لأن الحيوان لا يفكر بالانتحار، و هو ليس له بيت ولا دخل ولا ضمان ولا يدري هل سيُذبح غدا. المنتحر إنسان فاشل لا شك في الحياة لأسباب داخلية وليست خارجية، لكن الأسباب الخارجية تكون كالقشة التي تقصم ظهر البعير، الإيمان بالله يعطيك القوة الداخلية والاطمئنان النفسي بأن طريقك في الحياة سليم، و أن الرازق هو الله وأن التوفيق من الله.، وهذا هو الذي يعينك على الصبر وقوة التحمل للخسارة او المصيبة. قال تعالى (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ) أي لن تصبر إلا بالتوكل على الله، لأن الإنسان ضعيف بنفسه.

الجمعة، 16 ديسمبر 2016

حول التعدد

السلام عليكم ورحمة الله.
لدي سؤال واتمنى ان اجد لديك الاجابة المقنعه عليه..

جاء القران ليحفظ الاخلاق ويعزز القيم ويقي الانسان من ظلم نفسه وظلم غيره.. و كل من يقرا القران بتدبر يرى ذلك بوضوح..
لكن ايات التعدد في الزواج تستوقفني كثيرا. فارى تناقض بين اباحة التعدد والاخلاق.

طبعا التعدد بدافع الشهوانية او رغبة بمالها وغير ذلك لا خلاف على خطئه.. لكن حتى لو سلمنا ان التعدد المباح في القران هو لاجل مساعدة اليتامى فهذا ايضا لا يعفي من مغبة ظلم الزوجة الاولى، خاصة اذا كانت وافية وصادقة.. لا يوجد امراة تحتمل ان يتخذ زوجها عليها زوجة ثانية، فما بالك لو كانت ثالثة ورابعة ايضا؟؟حتى لو كان دافعه مساعدة لامراة يتيمة.. فيمكن مساعدة المراة اليتيمة بطرق لا حصر لها، فلماذا تربط مساعدتها بالزواج؟! يمكن مساعدتها من دون الزواج! واذا كانت محتاجة للزواج فيمكن البحث لها عن رجل اعزب يريد الزواج..



وبالنسبة للمراة المخلصة لزوجها فلن تشعر بالامان مع زوجها وهي تعرف تماما انه يمكن له ان يتزوج عليها باي لحظة ! حتى لو كان زواجه بغيرها بدافع نبيل.. فهي اعطته كل شيء ومن حقها ان يعطيها زوجها كل شيء وعلى راس ذلك الاخلاص والوفاء لها..

والمتتبع لحياة الانبياء لا يرى فيها اباحة للتعدد، فمثلا لوط عليه السلام لم يتعدد بالرغم ان زوجته كانت بلا خلق وكلنا نعرف قصة امرأة لوط، وغيره من الانبياء، لماذا صار التعدد في حياة النبي محمد وليس فيمن قبله من الانبياء بالرغم ان كثير منهم كانت زوجاتهم كافرات ويؤذين ازواجهن حتى!
ولماذا يتعدد النبي محمد ويوجد من هم حوله بحاجه للزواج ولو بزوجة واحده؟

وفوق هذا كله ارى ان فكرة معاشرة اربع نساء او ثلاثه او اثنتان حتى، فكره مثيره للقرف والاشمئزاز ، ومن هنا ممكن ان ندخل في موضوع اخر وهو ان لا فرق بين البشر والحيوانات في ان الحيوانات لا حد لها في الممارسات الجنسية!

ومايقوله بعضهم بأن من دواعي التعدد ان الغريزة الجنسية عند الرجل اقوى و امرأة واحدة لا تكفيه، فكلنا نعرف ان اغلب مراجعي عيادات الضعف الجنسي هم من الرجال لا النساء!

ولماذا لا يباح التعدد للمرأة اذا عرفنا ان كليهما يملك نفس الطاقه الجنسيه؟!

كيف يراعي القرآن حاجة الرجل بكل تفصيلها الدقيقة من ناحية ارتباطه بالزوجة ولا يراعي الزوجة؟!

وشكرا.

الرد :

التعدد يأتي في إطار الضرورة، فلو تخيلنا عدم وجود تعدد إطلاقا، فهذا الأمر سيؤدي لأضرار كثيرة.

التعدد كما يريده القرآن هو بدافع الأخلاق، فكيف يتعارض معها ؟ المبدأ في الإسلام هو تحريم الظلم والخيانة وتحريم الجزاء السيء لمن أحسن، أي زوجة ستكون إما في حالة نشوز أو وفاء، الزوجة الوفية بموجب الأخلاق الإسلامية يجب أن تُستأذن إذا كان هناك حاجة مقبولة للتعدد، مثل حاجة الإنجاب إن كانت لا تنجب، أو إن أصيبت بمرض يُقعدها ويستمر معها، أو وجود أرامل كثر أو يتيمات، كل هذا يُعرض عليها. فإذا كان زواجا من أرملة رأفة بها فهنا تستأذن، وإن لم توافق فهذا من حقها أخلاقيا، لأنها وفية. وليس الغدر جزاء لها، فالإسلام لا يقر بالغدر ولا الخيانة ولا الجحود. و في هذا تطمين لكل زوجة مخلصة ومؤمنة. و فيه  تشجيع على إخلاص المرأة وتقديم كل ما تستطيع، أما إذا كان الزوج لا يُؤمَن متى يتزوج عليها، فهذا مدعاة لأن لا تخلص كثيرا ولا تقدم كل ما تستطيع لئلا تنكسر وتنجرح إذا تزوّج عليها.

السؤال متى تأمن المرأة ألا يتزوج عليها زوجها إذا كان له أن يتزوج، سواء أخلصت له أم لم تخلص، وسواء كانت مطيعة أم ناشزا ؟ الإسلام يفرّق بين الأحوال ويعطي كل ذي حق حقه، ولا يمكن أن يكون جزاء الوفية كجزاء الناشز، وتُعامل هذه كتلك. النساء تختلف وعليه فالحكم لا بد أن يختلف. وفاء الزوج لزوجته ألا يتزوج غيرها إلا بإذنها إذا كانت زوجة مُرضية و وفية له. وإلا فكيف سيتبيّن وفاء الزوج؟ خصوصا أن وفاء الزوجة قد تبيّن، والمسلم مأمور شرعاً بردّ الجميل بأحسن منه، وأن يتزوج عليها رغما عنها وبدون حاجة ليس هذا من رد الجميل، فما بالك بالزيادة على الجميل.

أما إذا كان يريد من زوجته الأولى أبناء وهي لا تنجب، و هي وفية معه، أو أنها مقعدة ، فيستأذنها أنه سيتزوج ويشرح لها دوافعه، وهو مخيّر في أن يستجيب لرفضها أو يرفضه، لأن الحق له. وهذا أفضل لها من أن يطلّقها بناء على فكرة توحيد الزوجة، أو أن يمسكها ويبقى يعاني طيلة حياته، وهي تعاني من معاناته أيضا.

وفكرة أنه أي امرأة لا تقبل بوجود زوجة أخرى لزوجها فهذه فكرة يكذبها حتى الواقع، لأنه يوجد حالات أكثر من زوجة لرجل واحد وبينهما تفاهم ومودة، بل توجد حالات لزوجات عشن مع بعضهن حتى بعد موت زوجهن، إذن هي فكرة يعارضها المنطق والفطرة أيضا، والأصل الحيواني إن أحببنا الرجوع إليه، فالعنزات لا تضرب بعضها لأن التيس الذكر تزوج غيرها. بينما الذكر يضرب الذكر الآخر بشدة ويتقاتل معه إذا أراد أن يقترب من زوجته.

منطق الأشياء لا يرفض بالكامل، لأنه إذا حصل الأمن من الظلم ففي الأخير الزوجة الأولى كسبت صديقة ومشاركة لها في حياتها وتعينها وتساعدها وتخفف عنها حمل الزوج وتستأنس بها، وتكسبها وتكسب أولادها، فقد لا يكون لها أولاد ذكور أو ليس لها بنات، ويكون للأخرى، وقد ينفعها أبناء ضرتها أكثر من أبناءها. بالفطرة أيضا ليس هناك دافع منفّر لأن يكون لزوجها زوجة أخرى تعيش معها وصديقة لها، و ضربنا مثلا في عالم الحيوان. والمرأة دائما ليست مستعدة للرجل في الأمور الجنسية دائما، فإذا وُجدت أخرى فهي تخفف عنها، لأن المرأة مشغولة بأمور كثيرة كالحيض والولادة والحمل والرضاعة والتربية. لكن لماذا ترفض أكثر النساء ذلك ؟ بسبب عدم الأمن من أن يميل زوجها عنها أو يظلمها ، هذا هو أكبر دافع، لكن إذا حصل الأمن من هذه النواحي فستحلّ السعادة والتعاون. إذن ليست الفكرة على إطلاقها، أن كل امرأة ترفض وجود أخرى ايا كانت ومهما كانت. وننظر هذا في فكرة الأصدقاء، فالصديق قد يغار على صديقه ان يتعرف على أصدقاء جدد، لماذا يغار ؟ لأنه يخاف أن يتركه صديقه، لكن إذا أمن أنه سيُحضر أصدقاء إضافيين لهم نفس الاهتمامات والتفكير، فسوف يسعد أكثر ولن يستمر في الغيرة. ومن يسعد صديقك يسعدك، لكن لا يكون على حسابك، هذه هي القاعدة في زيادة التجمع السكاني.

المرأة الناشز هي المرأة المبتعدة ماديا او معنويا عن زوجها، فالنشوز يعني البعد والتنافر وعدم الانسجام، يقال : نغمة نشاز أي مختلفة عن الرتم والنسق. و في حالتها يحق للرجل أن يتزوج غيرها حتى لو لم تسمح له، فزواجه الثاني سيكون حل وسط بين أن يطلقها ويشرد أطفاله، أو أن يبقى يتعذب بقية حياته، وسوف يجد في زوجته الأولى ميزات إذا زوجته الثانية أرضته، لأنه سيكون أهدأ نفسا و بالا ويستطيع أن يتحمل أكثر، لأن توتره مع الأولى نتج من أنه حمّلها أكثر مما تستطيع بسبب سوء التفاهم بينهما وشدة حاجته إلى حنان الزوجة وتفهُّمِها، فإذا حصل له هذا تكون نفسه هدأت ويستطيع أن يكتشف ميزات زوجته الأولى، لأنه لا أحد ليست له ميزات، و لم يطلّقها ويحمّلها مسؤولية حياة جديدة، خصوصا إذا كان لها أولاد، فهنا التعدد حل أخلاقي ورحمة حتى بالأولى. هذا غير أنه عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، فكم من زوجة كسبت أختا وصديقة وربما نفعها أولاد ضرّتها أكثر من أولادها، وهذا موجود في الواقع.

لا يليق بالرجل إذا كانت امرأته وفية ومخلصة له وتطيعه أن يفكر بالزواج بغيرها إلا برغبتها هي – وليست رغبته هو أو بضغطه عليها – بل بضغطها هي عليه، لأنها ترى في ذلك خيرا، وإلا فأخلاقيا يجب ألا يفكّر بغيرها، مع أنه شرعا التعدد مباح، ولكن للأخلاق حُكْم مثلما للشرع حُكْم، وإذا التقى الشرع والأخلاق فالأولى والأجمل هو الأخلاق، مثل حالة القصاص، فالشرع أن يُقتل القاتل، لكن الأفضل أن يعفو أهل القتيل كما رغّب الله ، وهو عمل أخلاقي فُضِّل على العمل الشرعي لمّا تعارضا.

مثلا في حالة رجل أصيبت زوجته بعقم أو إعاقة، هل يطلقها مع أنها ربما تكون وفية ولا تستحق أن تطلق؟ هذا ما يقتضيه افتراضك برفض التعدد، وحينها سيكون التعدد حلا، فأي الحَلَّين ألطف وأقرب للأخلاق : حلُّك أم حلّ القرآن؟

في حالة كثرة اليتيمات مثلا، وهذا يحصل كثيرا في الحروب والأزمات ، خصوصا أن عدد النساء أكثر من عدد الرجال في العالم، ما هو الحل إذا نقص عدد الرجال بكثير عن النساء ؟ بعبارة أخرى : التعدد حل أخلاقي لمشكلات اجتماعية، يُفعل بدافع أخلاقي، وبشرط استئذان الزوجة الأولى واقتناعها، هذا حل و رحمة و توسعة للمجتمع. التعدد علاج وليس طعاما.

إن فكرة أن الرجل لا تكفيه امرأة واحدة وهم ، فأغلب الزيجات موحِّدة، وأي رجل يتمنى أن تكون له أسرة واحدة و زوجة واحدة درءا للخسارة المادية والتشتت والمشاكل الأسرية أيضا وما يترتب عليها من قطيعة أرحام. حتى القرآن يقول (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ) والمؤمن مأمور أن يتبع الأقرب للعدل، إذن ليس الأفضل هو التعدد، لأن التوحّد أقرب إلى العدل من التعدّد. والله قال (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) وقال ايضا (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ).

فكرة رفض التعدد تسبّب كثرة الطلاق والخوف من الزواج ، لهذا الطلاق محرم في المسيحية لأنها تحرّم التعدد، وهذا ما سبب فكرة الصداقة وإطالة مدة الخطوبة أحيانا إلى ما بعد الإنجاب عند أكثرهم . التعدد حل والطلاق حل، والمسيحية لا تملك أيّا من هذين الحلَّين. لهذا فكرة الزواج لديهم مُحاصرة بالخوف كثيرا، لذلك يتأخرون بالزواج و يعقدون خطوبة طويلة، وأخيرا أباحت بعض الكنائس الطلاق ومع ذلك لم تحل المشكلة، مشكلة التعدد الغير شرعي، فصار للزوج صديقات ، و كردة فعل صار للزوجة أصدقاء عند كثير منهم. أي خيانة زوجية متبادلة.

ثم, في الإسلام لا يوجد شيء مباح على الإطلاق, بما في ذلك الزواج والطلاق, الأكل مثلا حلال لكن هناك شروط في الأكل وفي ظروف الأكل ودوافعه, ففي الأكل نفسه ألا يكون محرما أو وارد من طريق محرم, وأيضا ألا يكون بإسراف, وألا يكون في نهار رمضان .. إلخ. ففكرة أن شيء ما حلالٌ بالمطلق هي فكرة علمانية وليست إسلامية, حتى الطلاق بدون مبرر يعتبر خيانة، والخيانة محرمة, ومثله التعدد .

إذا كانت الزوجة وفيّة وتعمل على إرضاء زوجها، فلها حق الاستئذان في التعدد والاقتناع، هذا إذا كان الزواج بوجه حق، وليس بدافع الشهوات.

نعم صحيح أن المرأة لن تكون بأمان مع زوجها إذا كان سيتزوج عليها في أي لحظة، أنا اتفق معك ، و سبق بيان هذا، لكن الحق يُطمئن إذا كانت تعرف أن زوجها لن يتزوج غيرها إلا باقتناعها و رضاها ، أو لضرورة وبعد اقتناعها، وهذا هو الإسلام، فالإسلام يحرّم الغش والخيانة ويدعو لأن نردّ الإحسان بأحسن منه، حتى في التحية، فما بالك بالمواقف الطويلة والتضحيات ..

و ربما من أهداف التعدد في الإسلام كسر الرهبانية في المسيحية، وهي الديانة السابقة للإسلام، والتي تحرّم التعدد والطلاق، بل حتى الزواج نفسه، وتفضّل عليه التبتل والتنسك في الأديرة. قال تعالى (و رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم). والتعدد ليس تعدّدا مطلقا كما يتصور البعض، بل وليس مفضّلا في الإسلام، لكنه علاج و وقاية للمجتمع، مثله مثل الطلاق، ليس مفضّلا لكنه علاج.

التعدد زواج، وليس ممارسة جنسية فقط، والزواج يقتضي إلفة ومحبة وتفاهم وأولاد، ومسألة أنه مقرف، فالمقرف هو الفساد والرذيلة واتخاذ الأخدان والخليلات، أما التعدّد لحاجة فليس فيه خدش للأخلاق، بل دافعه الأخلاق والمسؤولية والعشرة المستمرة، وليست شهوة ساعة ، فالزواج ليس مثل المواخير و دور الدعارة، يجب أن نفرّق.

والعجيب أن حياة الحيوانات مرّة تـُتـَّخذ دليلا ومرّة يُتقرّف منها ! حياة الحيوان تشبه حياة الإنسان في نواحي كثيرة، بعبارة أخرى : الإنسان له غرائز حيوانية وغرائز إنسانية، فالذكر يختلف عن الأنثى، حتى في سرعة الرغبة الجنسية والاندفاع لها. وعند الذكر قابلية للتعدد، لكنها ليست ضرورة، هذا ما نجده في عالم الحيوان، وكذلك نجده عند الإنسان، وهذا عند من يعتبرون الحيوان مرجعا لسلوك الإنسان. أما عند من يرون سلوك الحيوان مقززا ومنفرا، فهذا الرجل المعدّد لم يعدّد حسب القرآن بدافع النزوة والشهوة، بل يقوم بعمل أخلاقي، كأن يتزوج أرملة قريبه المتوفى مثلا بدلا من أن تضيع، أو يتيمة بدلا من أن تُستغل، وهو عنده القدرة والمال، بعد أن استأذن زوجته، وتكون زوجة له طول الحياة وتساعد زوجته، ويكون بينهما ألفة ومحبة، فهذا عمل أخلاقي وليس مقززا، أو يعدّد لحق من حقوقه، أما من يتزوج من اجل الشهوات، فالشهوات ليس لها حد، وهذا هو المقزز فعلا ، حتى لو لم يكن معدّدأ ، حتى لو كان يتزوج واحدة ويطلقها ويتزوج أخرى ويطلقها وهكذا، فهذا عمل مقزز. والمقزز أكثر أن يخون زوجته مع البغايا وبنات الليل، فلا تختلط الأمور علينا.

الحقيقة أن هناك اختلاف في طبيعة الغريزة الجنسية عند الرجل والمرأة، فالغريزة الجنسية عند الرجل سريعة الاستثارة أكثر من المرأة و دائمة الحضور أكثر من المرأة، وهذا ليس دافعا ولا تبريرا للتعدد، لأن الشهوة لا حد لها ولا يكفيها أربع ولا حتى أربعين، فهي لا تشبع أبدا، لمن أراد أن يطلق العنان لهوى نفسه.

الغريزة الجنسية عند المرأة هادئة ولا تتكرر بشكل مستمر كما الرجل ، فهي تزداد بعد نزول البويضة. أما الذكر فشهوته مستمرة، وهذا شيء طبيعي لأنه هو الملقِّح. ونجد هذا في عالم الحيوان، فنجد ذكر الماعز مثلا هو الذي يبحث عن الجنس ويطارد العنزات، لكن لا نرى عنزاً ذهبت وطلبت ذكرا. هذا موجود في كل عالم الحيوان، حتى الطيور تتصارع من اجل الحصول على الأنثى. بينما الإناث لا تتصارع من أجل الذكر.

وأغلب حالات الاغتصاب يقوم بها الرجال، و تردّدهم على عيادات الضعف الجنسي تابع لهذه الحاجة، لشدة اهتمامهم بها، فهناك فرق في الدور الجنسي بين الذكر والأنثى في الطبيعة، فليست الشهوة واحدة عند الاثنين، وليست مسألة أقوى واضعف، بل مسألة نوع و نوع. و كل نوع له خصائصه. المرأة لا يبين عليها إن كانت في حالة قوة جنسية أو ضعف جنسي، مثلما يبين عند الرجل في حالة ضعف الانتصاب مثلا، هذا ما يبرر كثرة تردد الرجال أكثر من النساء على العيادات الجنسية، مع أن الفتور الجنسي منتشر بين النساء أكثر، حسب الإحصاءات، لكنها ليست مشكلة كبيرة عند المرأة. هذا غير نظرة الرجولة و ربطها بقوة الجنس عند المجتمعات.

نظرة المساواة بين الجنسين في موضوع الجنس خطأ. لذلك في الدول الليبرالية يخطئون في إباحة المرأة أن تكشف جسمها وتغري الرجال ، من باب الحرية، ثم يعاقبون أي إنسان يتحرش بها أشد العقوبة، بل تصل أحيانا إلى السجن عشرين سنة لأنه تحرش بامرأة، على أساس أن نظرتهم للغريزة الجنسية واحدة، وهذا خطأ، لأن غريزة الرجل سهلة الاستثارة، وهذا التصرف ينتج قسوة على الذكور وتهييجهم و كبتهم بالقانون، من هنا نجد حكمة الإسلام عندما دعا المرأة للتستر وعدم الإغراء وعدم التخضُّع للرجال. لكنه لم يركّز على عدم إغراء الرجال للنساء بنفس الدرجة، لأن غريزة المرأة الجنسية أكثر هدوءً وتعقلا. فهي تحتاج في الغالب إلى استثارة مباشرة، وليست متاحة في كل الأحيان والظروف، فهي تحت سيطرة العقل.

لا نستطيع أن نقول أن القرآن لا يراعي الزوجة وأنتي قلتي أنه عادل ويأمر بالعدل، لكنه يراعي الظروف بين الجنسين، (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير) . المرأة ليس عندها حاجة لأن تعدّد الأزواج، حتى فطريا، فهي بالكاد تلبي حاجات زوج واحد، فما بالك بالأزواج. إن المرأة تحب الجو الأسري والوئام وتربية الأطفال. بينما الذكر لا يحمل ولا يرضع ولا يربي أطفال، وهو أكثر تفرغا واهتماما لموضوع الجنس. إن فكرة المساواة الطوباوية الغربية تكشف أخطاءها في كل مجال اجتماعي، لأنهم يبالغون في المساواة بين غير المتساوين فطريا.

القرآن لم يراعي نزوات الرجل فقط، بل يراعي الأخلاق ويوسّع على المجتمع، لأن المجتمع قد يمر بظروف مختلفة، فما أحكم هذا القرآن و أقربه للفطرة وأبعده عن الأفكار الخيالية. و في الحقيقة أن زوجة واحدة وفية ومخلصة تكفي أي رجل، من كل النواحي، إذا كان بينهما محبة ورحمة، لكن هل أي رجل يقبل بهذا؟ هذا موضوع آخر.

وأكثر حالات التعدد في الحقيقة دافعها ليس الرغبة بقدر ما هو الهروب والبحث عن تفاهم، مع أن الذكر كما قلنا يستطيع أن يقبل ما لا عدّ له من الإناث، لكن نتكلم عن الرجل العاقل.