السبت، 28 سبتمبر 2013

رد على فكرة أن القرآن من وحي الشيطان, ومقارنة بين الإسلام والمسيحية.



رد على مقال منتشر يحاول إثبات أن القرآن من وحي الشيطان:


نص المقال:

نبى الاسلام محمد بالفعل كان مشهورا بانه الصادق الأمين الذى رفض مجاراة قومه فى عبادة الاصنام .. انه لم يكن كاذبا ولكنة ببساطة ووضوح كان مخدوعا

تخيل انسان يذهب يختلى بنفسه لوحدة فى غار فى الصحراء الداخلية هى غار حراء .. كان يجلس بالساعات هناك وحدة يتامل و يفكر و يقرا .. المهم فى هذا الاختلاء يقرر الشيطان ان يقوم بخدعة كبرى للبشرية عن طريق هذا المعتزل فى الصحراء .. الم يخدع الشيطان البشرية وضللها بعبادة الاصنام وبافكار بوذا وكنفوشيوس وعبادة النار وغيرها وغيرها فلماذا لا يزيدهم دين جديد
ان الشيطان يجد فى هذا المختلى بنفسة فى غار حراء فرصة ذهبية ليضلل المليارات من البشر كعادة ابليس .. فظهر الشيطان لمحمد على اساس انه جبريل وقال له انا جبريل الملاك وانا من عند الله وطبعا ابليس كذاب وابو الكذاب ويقدر بالفعل ان يظهر فى صورة ملائكية خادعا كاذبا .. انه يقدر بسهوله ان يتنكر فى ذى ملاك وهو الشيطان الرجيم
ان القبور والصحراء المعتزله مرتعا كبيرا للشياطين وكم من اناس مسهم الجن ودخلت فيهم الشياطين وكان هذا بسبب وجودهم فى جو مظلم منعزل قريب من القبور او فى الصحراء الداخلية فهذا مشهور ومعروف جيدا وغار حراء مناسب جدا لان يظهر ابليس فيها لانسان معتزل عن الناس هو محمد ويقول له انا جبريل بينما هو ابليس الرجيم متنكرا مخادعا فى هيئة ملائكية
والان ما هو الامر والمعجزة التى سيعملها ابليس كى يوهم الناس ان رساله محمد التى اعطاها له هى من عند الله؟؟؟
ما هى المعجزة التى يمكن ان يخدع بها ابليس محمد وكل العرب بسهوله موهما اياهم انه جبريل الذى يعطى وحيا لمحمد الذى اختاره الله رسولا؟؟؟ هل يقيم لهم موتى ؟؟ ابليس لا يقدر على ذلك .. هل يشفى مرضى ؟؟ ابليس لا يقدر على فعل هذا ايضا .. ماذا عن البلاغة والخطب والكلام ؟؟؟ حقا انها فكرة رائعة فلا يوجد امهر من ابليس فى صنع وتزويق واحتراف فن الكلام .. وليضاف الى الكلام لمسه سحرية كى يبدوا مختلفا عن اقوال البشر بل ومتفوقا على كل البشر اجميع فيخدعون ويعتقدون انها من قوة اعلى منهم فتكون من عند الله لانهم عجزوا عن الاتيان بمثله
المعجزة هى القران

وكان اثبات ان محمد نبى كان عن طريق كتاب هو القران تحدى العرب ان ياتوا بمثله فعجزوا عن ذلك ونتيجة لهذا صدقوا ان محمد نبيا من عند الله
لقد قارن العرب كتاباتهم بكتاب القران فوجدوه متفوقا عليهم فقالوا اذن هو من عند الله

لكن فاتهم امر هام جدا جدا ... ان تفوق كتاب مثل القران على كتاباتهم جمعاء ليس معناه انه من عند الله وليس دليلا باى حال من الاحوال على ذلك ..... بل يمكن جدا ان يكون من عند ابليس الذى هو بالفعل متفوق على البشر جميعا فى هذه النقطة بالذات كما انه يتفوق على البشر فى نقاط اخرى كثيرة
هل يختلف اثنان على ان ابليس وجنوده يتفوقون على كل العرب بل على كل سكان الارض مجتمعين فى اشياء عديدة كالذكاء والمهارة والقدرة والقوة والسرعة وعدم التعب وقوة الافكار و دقة الاستنتاج وتزويق الكلام وتنميقة.. الخ ..... وايضا فى الفصاحة واللغة .. انها خبرة ملايين السنين ..
فمثلا اذا قارنا بين الشيطان وبين امهر العداءين الحاصلين على ميداليات ذهبية فى الجرى ونط الحواجز لتفوق الشيطان بما لا يقاس على هؤلاء المهرة العداءين مجتمعين
واذا دخل الشيطان فى مسابقة شعرية بينه وبين اعظم شعراء العصر ترى من سيتفوق بما لا يقاس باسلوب اكثر قوة وابهار؟؟؟
اذن معجزة القران ان كانت متفوقة على كل كتب العرب مجتمعة فهذا التفوق لا يعنى انها من عند الله بل يمكن جدا ان تكون من عند ابليس الذى يريد تضليل الناس وهو بالتاكيد متفوق على كل العرب جميعا فى الفصاحة واللغة والشعر والنثر والبلاغة .. بل يعرف حقائق علمية لا يعلمها البشر عن الشمس والنجوم والفلك وغيرة .. انه داهية الدواهى .. وحتى اذا افترضنا ان بالقران اعجاز علمى فهذه الامور يعرفها الشيطان جيدا عن الارض والشمس والنجوم و مراحل الجنين وغيره فلماذا لا يزود كتابه باشياء يعلمها جيدا ويعرف ان البشرية تتقدم فى العلوم باستمرار عندما تكتشف اشياء جديده تنطبق على القران يزداد ضلالها واضلالها .. السؤال هو: الا يقدر ابليس ان يفعل كل مانقوله هذا ؟؟؟ هل يقدر على لك ام لا؟؟
مثلا: المسيح الدجال
يوجد بكتب اهل السنة كالبخارى اقوال عن المسيح الدجال الذى سيكون عمله بحسب الشيطان ويعطى ايات وعجائب ويضل الكثيرين وكل هذه المعجزات هى اشياء يتفوق بها المسيح الدجال على البشر جميعا مجتمعين فينخدعوا نتيجة لذلك
فلماذا لا يشابه وضع محمد وقرانه وضع المسيح الدجال الذى يضل بقوة مبهرة للناس ويتفوق بها عليهم وهى من عند ابليس فيضل الناس معتقدين ان هذا الشى من عند الله طالما هو امر متفوق عليهم وتبهرهم هذه القوة فى الدجال التى لا يمتلكوها



الرد:

يا سبحان الله! مرة يقولون أن محمد مخادع كذاب , ومرة صادق مخدوع, ومرة سارق من الفرس, ومرة يكون كاتب القرآن هو وأبو طالب, ومرة شاعر ومرة مجنون ومرة كاهن ومرة مصاب بالتهاب الفص الصدغي! يختلفون مثلما اختلف فيه قريش, هذا الاختلاف دليل أنه على حق, فلا يُختَلف إلا في العظيم الذي يكون أرفع من مستوى تفكيرهم, وإلا لاتفقوا على تخريج واحد, أما أن يكون مرة خادع ومرة مخدوع! ومرة كاذب ومرة صادق! هذا أمر عجيب!

أحسن ما في هذا المقال أنه اعترف بالإعجاز العلمي في القرآن, بعد أن جعل الشيطان يصنع المعجزات. الشيطان لا يوسوس إلا بالشر وليس بالخير, والقرآن سب الشيطان وشنع عليه, فكيف يُعبّد الشيطان من خلال القرآن الذي رد كيده إلى الضعف وليس إلى الأعاجيب كما فعل هذا الكاتب ذو الخلفية المسيحية كما يبدو.

على الكاتب أن يثبت أن الإسلام الحقيقي يؤدي إلى الفجور والضلال والكبر والكذب..إلخ من الشرور الشيطانية حتى يكون كلامه صحيحا, أي يثبت علاقة القرآن بالشيطان حتى يكون منه, وإلا ماذا يستفيد الشيطان من نشر دين يدعو إلى المعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى لعنه ويجرم التكبر والظلم والكذب والسرقة والغيبة والنميمة ويدعو إلى عبادة الله وحده؟ نفس الله الذي يعبده المسيحي, مع اعتراف القرآن بالأديان السابقة, فأين فائدة الشيطان؟! 

العرب كانوا يقولون بتنزل الشياطين على الشعراء, الذين كما وصفهم القرآن في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون, و هم كذلك, وكان لكل شاعر في الجاهلية قرين من الشياطين يوحي له بالشعر, كما يقولون طبعا وإلا لا حقيقة في ذلك, فالشيطان ليس مشغولا بنظم الشعر وليس عنده وقت للفن. و هل من وظيفة الشيطان أن يبرئ مريم العذراء ويدافع عن المسيح كما فعل القرآن؟! هذه حجة ضعيفة جدا بل إنها فكرة أشبه بالصبيانية في تفسير دين عظيم تقبلته البشرية, و إعجازه أن يُتقبَّل بلا معجزات مادية, وإذا كان الإيمان المسيحي مبني على معجزات حصلت قبل ألفين سنة, من يضمن له أنها حدثت؟ لكن القرآن إعجازه معه في كل زمان ومكان.

و إذا كان اعتزال الحياة الصاخبة والمليئة بالكذب والظلم عيبا وطريقا إلى الشياطين, إذن فكل الرهبان المسيحيين معرضون لخداع الشياطين حسب تفكير الكاتب لأنهم يعيشون حياة منعزلة في الأديرة وطول حياتهم مثلما عاش رسول الله في الغار منعزلا, فهل انعزال محمد ينتج الشياطين وانعزال الرهبان ينتج الملائكة؟! منطق عجيب!

محمد رسول الله دعا لله وحده ودعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و صلة الرحم رحمة اليتيم والمساكين والفقراء, فهل الشيطان يدعو إلى هذه الأمور؟! أم يدعو إلى الشرك والقطيعة والبخل والأنانية؟ الكاتب جعل الشيطان يعمل ضد مصالحه ويحارب نفسه حتى يتسنى له رفض الإسلام! كان يستطيع أن يرفضه بدون هذه اللفة العجيبة!   

ومقارنته بين محمد والمسيح الدجال مقارنة ساقطة, الكاتب ركز على موضوع الإبهار والإعجاز العلمي ونسي الفرق بين ما يدعو له محمد وما يدعو له المسيح الدجال إن كان حقيقة, الدجال لا يدعو لعبادة الله وحده ولا يدعو للصبر وشكر الله وإيتاء ذو القربى والأمر بالمعروف والاستقامة وصلاح النفس, هذه ليست طلبات الشيطان ولم يجتهد الشيطان لكي تتحقق في يوم من الأيام, لهذا فكرة الكاتب معطوبة من الأساس.

بل إن ما يدعو له القرآن أكثر منطقية وأخلاقية مما تدعو له المسيحية الحالية المحرفة والتي فعلا دخل فيها الشيطان وحرفها عن طهرها النبوي وتحولت إلى الشرك والخرافة وتعظيم البشر وإنزالهم منازل ألوهية, وزادت سوءا عندما ارتبطت بالعهد القديم حيث تهودت وصار مرجعها اليهود أعداء نبي الله المسيح عليه السلام. عليه أن يفتش عن الشيطان في المسيحية قبل الإسلام, المسيحية التي حرفها اليهود والرهبان والقساوسة, وما عقيدة الخلاص إلا فكرة شيطانية حتى لا يكون الإنسان مسؤولا عن شروره التي تحملها المسيح وصُلِب لأجلها بدلا عنه. وما فكرة وضع ابن لله إلا من الشيطان فالله لم يلد و لم يولد يكن له كفوا أحد وليس بحاجة للنسل ولا تكثير النوع فالله واحد يخلق ما يشاء, ومنطقيا كيف يكون قادر على أن يخلق كل شيء وخالد ثم يكون له ولد؟!

وإذا قبلنا بفكرة أن له ولد وله أم علينا أن نقبل بفكرة الزوجة, تعالى الله علوا كبيرا عن عالم البشرية الذي يبشر به المسيحيون, فعلا هم مبشرون فهم بشروا عالم الألوهية وجعلوه بشريا مثلهم! فإذا رأيت مبشرا مسيحيا أو سمعت به فتذكر تبشير عالم الألوهية! وإذا كان الله محتاج للولد لماذا يكون ولد واحد؟ بينما هم لهم أكثر من ولد؟! وما الخمر الذي تقره الكنائس و يعتق في الأديرة إلا رجس من عمل الشيطان لا يأتي بالخير على أحد, من الأمراض الكبدية إلى الحوادث والقتل وفقدان العقل, دين محمد عليه السلام حرم الخمر بكل أنواعها وهي التي تفتح عمل الشيطان, فكيف يكون متأثرا بالشيطان وهو يغلق الأبواب عليه في كل مجال؟! {إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى}. أين هذا من جمال عقيدة الإسلام ووضوحها إذا نظرنا للإسلام من خلال القرآن و ما والاه, تذكر عبارة المسيح: من ثمارهم تعرفونهم, فاعرف محمد من ثماره هل دعا إلى الخير أو دعا إلى الشر؟ واعرف الكنيسة من ثمارها, والأفكار هي قلب الثمار.

وهكذا فتش عن الشيطان في المسيحية و أمها اليهودية قبل أن تفتش في الإسلام, و لا أقصد كل الإسلام فالشيطان دخل من خلال كثير من الفرق أيضا, أنا أقصد كلام القرآن وما والاه وسار في ركابه فقط, هو الكتاب الوحيد المحفوظ كما أُنزِل. الشيطان لم ينزل على محمد ولا على عيسى, وإن كان نزل على كثير من الأتباع والمستغلين في كل الديانات التي هي في أساسها دين واحد هو عبادة الله وحده بلا شركاء وتسليم النفس له.

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

لماذا لا يستجيب الله لدعائنا؟ وهل الحياة سيئة؟ وكيف نتخلص من التعاسة؟


هناك من يبحث عن السعادة ويريد أن يكون إنساناً سعيداً في هذه الحياة دون شرح ولا تحديد لمعنى السعادة من وجهة نظره، وربما يطلب من الله كثيراً بالدعاء أن يسعده، ولكن دون جدوى، وبالتالي يعتبر أن الله غير موجود لأنه لم يثبت نفسه بإجابة دعائه، ولو أجاب دعاءه الذي يدور حول نفسه وسعادتها لكان موجوداً ويستحق حينها أن يعبد!


التعامل مع الله بهذه الطريقة الشرطية لا أعتقد أنه لائق معه، فالتعامل مع الله يجب أن يكون أخلاقياً وتسليم له بالكامل وتوكل بالكامل دون شرط ولا قيد، فالله ليس خادماً عندنا وإن لم ينفذ طلباتنا فهو مطرود! وحسب الإحصاءات أن أكثر الملحدين هذا هو سبب إلحادهم، فإحداهن تقول: لماذا أخذ ابنتي وأنا طلبت منه أن تبقى؟ لماذا أخذها ليعذبني بفقدها؟ أليس الله رحيماً؟ لماذا لم يرحمني؟ إذن هو غير موجود ولو كان موجوداً لاستجاب لي! .. وبعضهم يقول: لماذا الأطفال يموتون جوعاً في الصومال؟ ولماذا توجد الكوارث؟...الخ ، وهكذا البقية طلبوا من الله طلبات ولم ينفذها لهم وقاطعوه بعدها..

أليست هذه سطحية؟؟ فالألوهية غير البشرية، وينبغي التفريق. والله لم يقل عن الدنيا أنها جنة وإنما دار اختبار لمواقف الجميع وفي الأخير الكل سيموت الظالم والمظلوم لينال كل حقه، فالحياة اختبارات قصير ولا تتكرر ولا تدوم، ونحن الآن في اختبار هل نصبر ونطلب الله أكثر أو ننهزم بسهولة للشيطان.

وفكرة أخرى خاطئة هي النظر إلى الله على أنه أب حاني على الجميع كل همه أن يسعدهم ويعطيهم كما يرون هم السعادة والعطاء تماماً مثل بابا نويل، ناسين أن الله شديد العقاب أيضاً، وأنه يجازي بالخير ويجازي بالشر، وهي من الأفكار المتسربة من المسيحية ويرددها الملاحدة الذين أتوا من خلفية مسيحية وانتقلت إلينا منهم، أليس الله خيراً؟ إذن لماذا جعلني أمرَض؟ لماذا جعل الطين يعلق في ملابسي وحذائي وأنا ذاهب للجامعة؟ لماذا لم يجعلني الأول في الطابور؟ إذن هو ليس بخيّر! إذن هو غير موجود مع أنني طلبت هذه الأمور منه لكنه لم ينفذ!! معادلة سطحية مبنية على فكرة خاطئة.

ثم لنتخيل لو اتبع الحق أهواءهم وأجاب الله كل داع بكل ما طلب وفوراً، من سيكون حينها مدبر الكون؟ الله أم هم؟؟! هم طبعاً! ولو استجاب دعاء كل داعي ألن تتدمر الحياة؟ بسبب أن كلاً يدعو على الآخر وله أعداء؟؟

الله أحكم وأعلم، فهو قال: {ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} فالدعاء عبادة وليس خطاب عرض حال لوزارة إن أجابتنا وإلا تظاهرنا ضدها، ثم كلمة (ادعوني) غير كلمة (اطلبوا مني) ، ادعوني أي اذكروني واطلبوا قربي وتمنوا أن أكون وليكم وتسلموني كل أموركم ، و (استجب لكم) أي أكون قريباً منكم وأدخلكم في عنايتي حتى الذين ماتوا في سبيل الله هم في عناية الله وإن قتلوا فالله أدرى بما ينفعنا من أنفسنا، وبقية الآية: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} ولم يقل (يستكبرون عن تقديم الطلبات لي) ، الله هو الذي يجربنا لا نحن من يجرب الله ، الله هو الذي يختبرنا لا أن نختبر نحن الله، ومن يضع الاختبار أعلى منزلة ممن المُختَبَر، فلا نجعل أنفسنا في المنزلة العليا على الله فهذا من التكبر، والله لا يستجيب للمتكبرين بل توعدهم.

الذين يشتكون كثيراً من قلة استجابة الله لدعائهم لا يبدو أنهم مهتمون بنعم الله الأخرى التي عندهم ولم يذكروها من قريب ولا من بعيد مع أنها تستحق الشكر، وألمهم أنساهم إياها مع أنها أكثر من العد ، فحتى نطلب جديداً نحتاج لشكر القديم من باب الأخلاق مع الله الذي قال لنبيه بعد أن شرح له صدره ورفع عن وزره أي كآبته {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} وقال تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث} لنلاحظ أنه وجهه لفعل الفضائل والخيرات حتى يكون شاكراً ، فالشكر ليس بالكلام فقط {اعملوا آل داوود شكراً}.

 وجود الله من عدمه.. قضية لا تثبت بهذه الطريقة، وهي أجهدت عقول الفلاسفة والمفكرين وفي الأخير أقروا بوجوده إلا من قرر أن يكذب ويخالف عقله وإحساسه.

الدعاء عبادة وخضوع لله قبل أن يكون تقديم طلبات، فلابد أن نسلم لله بالكامل فيكون الله هو همنا الأول وليس أنفسنا ، ولا نذهب لنطلب منه طلبات على شرط التنفيذ.

ينبغي أن تتغير نظرتنا لله، فهو ليس رئيس شركة أو ملكاً دنيوياً، فهو يعلم ما لا نعلم ويعرف مصلحتنا أكثر منا، قد ينزعج أحد من كآبته ويطلب من الله كثيراً أن يذهبها عنه، وهو لا يدري أنها نعمة من نعم الله عليه، فلولا هذه الكآبة لما بحث عن الحقيقة ولكان سطحياً لاهياً بالماركات والألعاب والآيسكريم والدعايات التلفزيونية...!

نصيحتي: ابتعد عن نفسك تقترب منها، أهملها تزدهر، انشغل عنها تتعمر، اقترب من الله تقترب من نفسك، لم نخلق لندور حول أنفسنا ماذا ينقصها وماذا يؤلمها ، خلقنا لنكون عبيداً لله.

وقد يمر على المؤمن ضيق ويكون في حالة خانقة، ولكن بعدها يحس بانفراج لا يدري من أين جاء مع أن الوضع لم يتغير، فالله يقول {إن مع العسر يسراً} ولم يقل (إن بعد العسر يسراً) لشدة تقاربهما من بعض.

نحن نحتاج للصبر في الله ومع الله، الصبر في الله يصل إلى نهاية الحياة، ولنتخيل المجاهدين لإعلاء كلمة الله وهم يتمنون النصر ويرجونه من الله، لنتذكر حالهم عندما يقتلون ولم يحققوا النصر، قال عنهم الله {منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً} حتى رؤيتهم للموت لم تجعلهم ييأسون من الله ويبدلوا رأيهم فيه مع أنهم لم ينتصرواً بل يقتلون لكنهم لم يبدلوا تبديلاً، لم يقولوا أن الله غير موجود لأننا نقتل الآن ولم ينصرنا!  فلا نبدل وهم لم يبدلوا تبديلاً.. وربما عبدوا الله أكثر ودعوه أكثر أن ينصرهم وهم يقتلون بدل النصر.. حكمة الله أبعد من نطاق أنفسنا وتفكيرنا..

علينا الانشغال بآلام غيرنا تخف آلامنا، وأن نعيش للفضيلة ولمكارم الأخلاق لنعيش لله وليس لأنفسنا، فالله لم يأمرنا فقط بالصلاة. إذا بخل المؤمن أو جبن أو ارتكب بعض المعاصي تعود إليه أفكار الشكوك والإلحاد، وإذا صار صافياً شعر بجمال روحه وصار سراج الإيمان منيراً داخله وواضحاً بعقله، إذن علينا العمل على إصلاح الذات وتنقية النفس من العيوب والمبادرة بالخيرات وكل نوع من الأشياء الصالحة أن نفعله ، ولا نتشرط على ربنا، فهذا ليس من الأخلاق مع الله، نفعل الحق والخير والجمال ولا ننتظر مقابلاً ، انتظار المقابل يعني حسبة مادية مصلحية، ويعني حب النفس أكثر من حب الخير ومن حب الله، هذا هو طريق النور، سنجد هكذا أننا مشغولون بأمور إيجابية وأعمال إيجابية وسنجد أننا ننسى كآبتنا ونحن نعلم الجاهلين وننصح المخطئين ونتعلم ونقرأ ونساعد المحتاجين ونرسم الابتسامة على وجه الآخرين، هذا صراط الله المستقيم وطريق الاطمئنان، ولا نطلب السعادة فهي تأتي من نفسها وهي تابعة وليست متبوعة ونتيجة وليست غاية وإذا  طلبناها هربت منا..

القرآن لا يعترف بفكرة سعادة، إنها فكرة مصلحيين وماديين ودنيويين، وهي التي وصفها الله بأنها {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه} ..

والحياة الدنيا ليست نهاية المطاف، كلنا نتألم من الحياة وليس من يشتكي من عدم إجابة الله لدعائه فقط ، لكن المؤمن ألمه من خارج نفسه، فالدنيا مليئة بالنكد ومليئة بالجمال أيضاً، فالله لم يعدنا أن نكون سعداء فرحين بل ذم الفرح ومدح الصبر، ووعد أولياءه أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أي لا تصيبهم الكآبة من داخلهم، لكنه لم ينف عنهم الأذى من الأعداء والخصوم، قال {لن يضروكم إلا أذى} ، جميل أن يكون الأذى من خارجنا وليس من داخلنا، نستطيع أن نتصرف إذا كان من خارجنا لكن كيف نهرب من أنفسنا؟؟ من كان ألمه في داخله فهو كالغاص بالماء كيف يدفع غصته؟! قال تعالى {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً} ، بينما الله وعد أولياءه بنفس مطمئنة، ولم يعدهم بنفس سعيدة دائماً تصفق وتغني وترقص من الطرب وتفرفش طول العمر، هذا أمر لا تحتمله الدنيا فهي خليط بين الجنة والنار نعيش بداخله.

إن كان كل فعل جميل وخير نفعله لغيرنا يخفف ألمنا ويسعدنا فهذه بشارة بالخير، أما إن كان مغرماً علينا ويشعرنا بالخسارة فإنا لله وإنا إليه راجعون.. الطريق إلى الله علاماته الفضائل كلما أكثرنا من الخير وتحرينا الصدق وضحينا أكثر وأعطينا غيرنا على حساب أنفسنا سنجد نفسنا قريبة من الله وتتفتح لنا أبواب الإيمان، ليس الطريق إلى الله أن ندعوه وننتظر دون عمل فإن نفذ وإلا سخطنا عليه، يجب أن ننسى أنفسنا في الله (لا أن ننسى الله في أنفسنا) وطريقه الذي هو الحق والخير والجمال، كلما نفعل منها نكون قريبين من الله، وكل إهمال لها أو فعل عكسها يبعدنا خطوة عن الله وعن أنفسنا، فننكر أنفسنا وننكر الله، ولم ينكر الله أحداً إلا وقد أنكر نفسه واستوحشها وخاف من الخلوة معها {نسوا الله فأنساهم أنفسهم}.

وما دامت الكآبة مستمرة فهذا دليل أن الطريق لم يتصحح بعد، إن الكآبة مثل الضوء الأحمر التحذيري الذي يخبرنا عن خطأ في الوجهة ومثلها الكوابيس والأحلام المزعجة، كلها رسائل من الشعور للتحذير من خطأ الوجهة، فلا نتضايق من الكآبة ولا نعتبرها مرضاً مزمناً، إنها مؤشر تماماً كالصداع الذي يخبرنا عن ألم في الضرس مثلاً ..

أما أن نجعل الله ثانوياً في حياتنا بعدما يئسنا من إجابته لدعائنا أن يذهب الكآبة عنا والتوجه للعلاج النفسي الكيميائي وجعله هو الأول، فهذه خطة خاسرة لا في الدنيا ولا في الآخرة، والله أعلى وأشرف أن تكون مكانته ثانوية، ولا يليق بنا أن نكون منافقين، ولن نستفيد شيئاً إن جعلنا الله ثانوياً وسوف يغضب أكثر، فالله هو الأول والآخر، أما الطب النفسي فليس عنده إلا المسكنات الإدمانية التي تسبب الأرق وفقدان شهية الطعام لأنها أنواع مخففة من المخدرات، فالطب النفسي لا يهتم بالأفكار وهي أساس المشكلة، إنهم ينظرون إلى الكآبة كمرض لا كمؤشر لخلل فكري، وكثيراً ما تكون مشاكلنا في أفكارنا ، إذن عينا معالجة أفكارنا، {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ، وماذا في النفس إلا الأفكار والعادات؟

من يعاني من الكآبة الحادة هو بحاجة إلى مجتمع إيجابي ليبتعد عن السلبية القاتلة، وأن يحتك بالطبيعة أكثر ويتأمل في الكون، فالطبيعة تقربنا من ذاتنا ومن ربنا وأن نتامل في الناس من يحيى ومن يموت وفي الماضي وكيف ذهبوا هم وأحزانهم وأفراحهم وتركوا المسرح لغيرهم أو بالأصح قاعة الامتحان لغيرهم! أجيال تعقب أجيال. علاج الذات بالخروج عن الذات .

الشيطان يريد أن يحزن الذين آمنوا ويعكر علينا حياتنا حتى يدفعنا للأسوأ، فإذا لم نعرف الله من خلال الدعاء فلنعرفه من خلال الشيطان، وقد عرفت أنا وجود الله من خلال وجود الشيطان، علينا ملاحقة وساوس الشيطان وتأملها سنجدها كلها ضدنا وضد الخير والفضيلة وضد وجود الله وضد الجمال وضد المشاعر الراقية، وذلك لتدميرنا وليشطننا بعيداً عن الطريق السليم، هناك أفكار تزورنا رغماً عنا ونكرهها، لو كانت منا تلك الأفكار المكروهة لما أحضرناها لأنفسنا، ماذا نسميها إن لم تكن هي وسوسة الشيطان؟ وإذا كان الشيطان موجود فالله موجود؛ لأنه هو الذي أخبرنا بها وسماه عدونا ولم يسم لنا عدواً غيره، وطالبنا أن نستعيذ بذكر الله منه.

الحياة ليست سيئة بالكامل وليست جميلة بالكامل فهي خليط بين الحق والباطل والخير والشر والجمال والقبح، علينا أن نجمع بتلاتها الجميلة من بين أشواكها الحادة ، فلنا تمييز وعقول وإحساس، شعورنا يريد أن ينطلق يريد أن يحب الله يريد أن يعرف يريد أن يعطي، لنساعده في مشواره ولا نقف في طريقه، ولا نتسرع ولا نتشرط، فقط نستسلم لعالم الخير والمحبة والجمال فهو عالم الله، وندعوا الله ولا نحدد وقتاً ولا كيفية، بل ندعوه تعبداً وخضوعاً ونطلبه هو، فهذا أفضل من أن نقدم لستة طلبات لأنفسنا، ندعوه ليستجب لنا مثلما ندعوا أحداً بعيداً ليسمعنا، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، والأجر ليس شرطاً أن يكون في الدنيا، والله يحب من يحبه وحقه أن يحب أكثر من البشر.

الجمعة، 20 سبتمبر 2013

من اسباب الميل للجزئية ..



من اسباب الميل للجزئية : صعوبة تصور المفاهيم المجردة من الحواس أو المركبة والمعقدة ، لهذا تجد شخص يعتبر الدين عبارة عن صلاة و طقوس فقط ، وشخص آخر يتصوره طلب علم فقط ، وآخر يتصوره شريعة فقط ، وآخر يتصوره روحانية فقط ..

وهذا ما سبب الميل للجزئية عند الفلاسفة وعلم النفس و رجال الدين .. فمن الفلاسفة من يرى ان الانسان ارادة حياة فقط كشوبنهور ، و منهم من يراها ارادة قوة مثل نيتشه ، و منهم من يراه دوافع جنسية مثل فرويد ، وهكذا ..

كما وقعوا في مثل هذه الجزئية في الحديث عن المجتمع ، فبعضهم رأوا ان المجتمع هو الحاكم المسيطر المشرّع المعبود كدوركايم ، و منهم من رأى انه صراع طبقات كماركس ، وهكذا ..

وهنا يظهر انهم يميلون للجزئي حتى يفهموا ، مثلما فهموا كلمة : اصبع ، أسهل من كلمة : انسان . وهذا ما اسميه الفلسفات العاجزة ، أي عجزت عن فهم الكل فاتجهت الى احد أجزاء هذا الكل وحمّلت الكل عليه ..

وهذا ايضا يكشف عن بساطة الفلسفة المادية التي تفكر من خلال المادة فقط ، فمعرفة كلمة : خشب ، أسهل بكثير من معرفة كلمة : واقع ، أو : نفس ، أو ذوق ، أو مزاج .. و كأن الفلسفة المادية هربت من الصعب الى السهل ، وتجاهلت وجود ذلك الصعب ، مع أنه هو الموجود وهو الأهم ..

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

عقل الحيوان وعقل الإنسان والفرق بينهما (2)


س: كيف نفسر ما نشاهده من مقاطع فيديو تظهر النمر يرحم قرداً صغيراً ويلاعبه أو كلبة ترضع قطة؟ هل هي من باب الرحمة والشعور بالغير عند الحيوان؟

ج: إذا اتفقنا أن الحيوان مميز لنفسه وما يتعلق بها وغير مميز لغيره، فالأخلاق أيضاً تعتمد على التمييز، لو كان النمر يعرف الرحمة لما افترس صغار الحيوانات أو كبارها.. الحيوان لا يعرف أن الحيوان الآخر يتألم ، فالأخلاق تحتاج معرفة، لهذا نجد الطفل مثلاً قد يستخدم آلة حادة في اللعب مع غيره لأنه لا يعرف أنها تضر، ولا أخلاق إلا بعد معرفة، والحيوان ليس عنده معرفة إلا فيما يتعلق بغرائزه. فالنمر مثلاً في ذلك المقطع افترس أم القرد ، أي أنه شبع! فلماذا تصورنا أن ما كان يفعله مع الصغير رحمة به وهو قد افترس أمه؟ هل تراه ندم؟!


هذه الفصيلة القططية تمارس اللعب مع الحيوانات الصغيرة التي تتحرك أمامها ، فتحملها مرة و تمسكها مرة وقد تلعقها، وترى مثل هذا تفعله القطط إذا كانت شبعانة. و أيضاً هناك باب التعويض، فإذا لم تشبع الغريزة بالطريقة الأساسية ، قد تشبع بطريقة مشابهة أو تمثيلية ، قريبة من الأصل . وهذا موجود عند الحيوان . فالقط الذي منع من الرضاعة حتى بعد أن يتعلم الأكل يبقى عنده حنين لأن يرضع ، فيدس رأسه في البطانية ذات الفرو أو ملابس من حوله من باب التعويض .


و هذا يفسر الصداقة ين الحيوانات ، حتى وإن اختلفت أنواعها إذا اضطرتها الظروف لأن تحبس في مكان واحد، مثل صداقة بين خروف ووحيد قرن ، أو بين كلب وقطة . لكنها لا تفعل هذا في الجو المفتوح ، أيضاً هناك تعويض لفقدان الأمومة ، وهو ما يفسر مثلاً أن كلبة أرضعت قطة أو شيئاً من هذا القبيل .. أيضاً بعض صغار الحيوان تفرض نفسها بالإلحاح حتى ترضع ، ويكون لدى تلك الأنثى فائض من الحليب أو الحنان ، والتعويض لا يعني أخلاقاً بل يعني غرائز لم تشبع..

 مربو الأغنام يجدون صعوبة في إرضاع طفل ماتت أمه من عنزة أخرى ، لو كان هناك أخلاق عند الحيوان لحنت عليه إحدى الإناث ، كثيراً ما تموت هذه الأطفال إن لم يهتم بها الراعي ، بينما الحليب موجود .


الأخلاق تحتاج إلى تمييز خارج عن الذات وإلى عقل أيضا ، فالحيوان لا يملك التمييز الخارج عن الذات ، والطفل والمجنون لا يملك العقل الكافي لإدراك أن غيره يعاني لكي يساعده . ولو فرّجت الطفل على مشهد لرجل يثب من الألم وهو يمشي على صفيح ساخن أو جمر ، لربما ضحك ، اعتقاداً منه انه يرقص ! هنا نقص في المعرفة سبب نقصاً في الأخلاق ، القط لو دخل على منزل كل أهله جرحى ومصابون لم يكترث وبحث عن شيء يأكله؛ لأنه لا يملك التمييز إلا فيما يتعلق ببقائه المباشر .

إذن كل ما يقال عن أخلاق الحيوان غير منطقي إلا من باب الغريزة، مثل حنان الدجاجة على فراخها ، أو من باب التعويض عن الغريزة مثل حنان وتعاون بعض الأنواع مع بعضها إذا جُمعت قسراً ..

الحيوانات تعرف نظام الأسرة ، لهذا يدور البلبل على قرينته إذا أصيبت ، مثلما يدور على طفله إذا سقط ، لكنه لا يدور على طفل طائر آخر ، فإذا وضعت فرخ حمام بين الدجاج فالأغلب أنها تنقره بمناقيرها حتى تصل إلى دماغه! الوضع الغريزي أن هناك تنافر بين الأنواع وليس تقارباً ، وهذا يخدم التوازن البيئي ، وليس بدافع الصراع والبقاء للأقوى . لهذا الدجاجات اعتدت على فرخ الحمام على اعتبار أنه دخيل ولم ترحمه لأنه طفل يتيم ، لكن لو كان الوضع في الطبيعة المفتوحة لم تعتد عليه. إذن الغرائز هي التي تتحكم بالحيوان، والإنسان وحده هو القادر على التمييز العام ، وبالتالي هو الذي حمل أمانة الأخلاق ولم يحملها الحيوان ، وما الدين إلا أخلاق مع الخالق والمخلوقين والمخلوقات، والإلحاد عدم أخلاق مع الجميع . فكل ضد يتكلم عن ضده .
......................



س: هل عقل الإنسان يختلف عن عقل الحيوان؟ وهل عقل الإنسان محدود؟؟

ج: نعم ، عقل الانسان يختلف عن عقل الحيوان وعلى أساسه هو مكلف ..
 وأما أن عقل الإنسان محدود ، فهذه الكلمة غير واضحة ، فعقل الإنسان ليس محدوداً في مجالاته ، لكنه متوقف تماماً في غير مجالاته وليس محدوداً ، ففي مجال المعرفة والعلم غير محدود ، فهذا في إطار ما هو له ، لكنه في مجالات ليست له لا يعمل أبداً وليس محدوداً فقط ..

 فمثلاً : في معرفة كنه وماهية الأشياء ، العقل هنا مقفل وليس فقط محدوداً ، يستطيع أن يدرس ظواهر الحياة كما يشاء ، لكن لن يستطيع أن يعرف ما هي الحياة ، استحالة ، لا يستطيع أن يخطو خطوة في عالم الغيب ، لكنه يستطيع أن يستمر في عمليات رياضية إلى ما لا نهاية .. إذن نستطيع أن نقول بعبارة أخرى أن عقل الإنسان مُحدَّد وليس محدوداً .. تماماً مثل الطريق ، تستطيع أن تسير فيه إلى الأمام إلى ما لا نهاية ، لكن لا تستطيع أن تسير يميناً أو يساراً إلا بممرات .. مثل سكة القطار ، محددة وغير محدودة ..

عقل الحيوان بكامله هو المحدود؛ لأنه منكفئ على الذات .
......................




س: كيف نفسر وجود حيوانات أليفة على أساس تمييزها لغرائزها؟ ماذا يستفيد الحصان عندما يركب عليه إنسان أوعندما يُجعَل لحمل أو لجر حاجات الإنسان بدون امتناع منه؟ وكذلك نرى الكلب يخدم أصاحبه ولا يرضى بدخول الغرباء لبيتهم أو مزرعتهم، فهل هو يميز أشياء ليس لها علاقة بغريزته؟

ج: بالنسبة للحيوانات الأليفة فهي لا تميز هذا الشيء ولا تدري لماذا، وهي لم تبق لأجله بل تعودت عليه وتخاف أن تبتعد عن المكان الذي تعودت عليه، والكلب لا ينبح على اللص لأنك أنت عودته، وإنما ينبح بدافع الغريزة التي تجعله يحمي مكان وجوده، وإلا كيف يوصل المربي للكلب أن هناك أحداً اسمه لص يأخذ ما ليس يملكه في نظام البلد؟
وهذا مثلما تستفيد من صياح الديك ليخبرك بقرب الفجر دون أن يدخل إلى دورة مؤذنين!

ثم ألا ترى سائس الحصان يحمل سوطاً؟ وبنفس الوقت يقدم له الماء والطعام والرعاية، وهل إذا أطلقت الحصان من العربة سيشعر بنقص شيء بحياته؟ اجعل قطيعاً من الخيول يمر أمامه فسوف يلحقها ويترك العربة ، إن هذا ما يعرفه ، لهذا يربطون الحيوانات الأليفة!

ربما القصد من السؤال أن الحيوان يتعلم، لكنه في الحقيقة لا يتعلم إلا تعلماً شرطياً، حيث يرتبط ما لا يعرف بما يعرف ، مثل تجربة بافلوف على الكلب حين جعل صوت الجرس يسبق كل وجبة طعام، وجد أن لعاب الكلب يسيل بعد سماع الجرس، فهذا هو التعلم الشرطي، أي أنه ربط هذا الصوت الذي لا يعرف أنه جرس بالذي يعرفه وهو الطعام ، لكن لو أجريت التجربة على إنسان لعرف أن هذا جرس وهذا طعام، ولأدرك الإنسان أنه لا توجد علاقة حقيقية بين الجرس والطعام إلا في هذه الحالة وأن هذه العلاقة قابلة للانفصال. وإذا سمعت الأغنام صوت عربة المزارع ولو من بعيد بدأت بالثغاء، تماماً نفس تجربة بافلوف، لكن الأغنام لا تعرف أن هذه اسمها عربة ولا تعرف لماذا يحتاجها الفلاح، فقط تعرف أن صوتها يدل على قرب حضور الطعام .

 وهذا ينطبق على حيوانات السيرك، فهي لا تتعلم بمعنى التعلم الذي يزيدها خبرة، فتعلّمها لأجيالها كما هو حال الإنسان في بناء المعرفة والحضارة وتوريثها، إنها تتعلم من أجل الطعام أو الخوف من السوط ، ولو نقلت حيوان السيرك إلى الغابة فلن ينطط ولن يرقص على الموسيقى، بل سيعود إلى فطرته مع بقية القطيع ويعتبر أن ما تعلمه عبث لا قيمة له!

 الحيوان لا يريد أن يتعلم ولا يشعر بحاجة إلى التعلم ، لأنه في الحقيقة لا ينقصه شيء، وهكذا أراده الله أن يكون وأصبح مسخراً للإنسان ، ولو كان يميز كالإنسان لما سخر نفسه للإنسان بل ربما سحقه، فهو يملك قدرات أقوى من الإنسان، حتى الحيوانات الأصغر من الإنسان.

 أما الإنسان فوضعه آخر ومختلف ، الإنسان يميّز ويسقط تمييزه على حاجاته وظروفه، أي كيف يستفيد من هذا التمييز، وعلى هذا الأساس كوّن عقلاً ولغة، فالعقل واللغة ليسا موجودان من الولادة ، فهو احتاجهما كما يحتاج الموظف إلى أرشيف ملفات؛ حتى يثبّت بهذا العقل ما قد يحتاجه مستقبلاً، وكل إنسان يصنع عقله بمساعدة المجتمع ومساعدة الثقافة وتجاربه ...الخ.
......................



س: البعض يقول أن الإنسان مخيّر والحيوان مسيّر، لو كان الحيوان مسيّراً فلماذا يوم القيامة يُقتص من الظالم منها كما في بعض الروايات في الحديث؟

ج: الحيوانات غير مكلفة ولا تميز الأخلاق ، والدين أخلاق ، والحقوق أخلاق، والحيوانات لا تظلم بطبعها أصلاً ، الإنسان هو الذي يستطيع أن يظلم ، لو كانت الحيوانات تستطيع الظلم لما حصل هذا الانسجام في البيئة، ولقضت الحيوانات المفترسة بقوة أنيابها ومخالبها وسرعتها على أكثر الحيوانات النباتية، لكنها تأخذ حاجتها فقط، وكيف تظلم العنزةُ القرناء العنزةَ الجلحاء (التي ليس لها قرون)؟ إلا أن تبعدها عن طعام إذا كان شحيحاً بدافع الغريزة ، وهي لا تغرس قرونها في جسمها بل تدفعها بأعلى جبهتها حتى تبعدها ، هذا أقسى ظلم تفعله العنزة مع عنزة أخرى، وكذلك الجلحاء تدفع بجبهتها رغم أن ليس لها قرون، دون آثار شديدة من كلا الطرفين، وربما تكون ضربة الجلحاء أقوى لأنها لا تخاف من تكسر القرون، ولا يخاف التيس الأجلح من الأقرن بل ربما يهزمه..

ومعروف أن جمجمة الماعز مفرغة من جهة القرون لتمتص ضربات التناطح؛ لهذا لا يصيبها ارتجاج في المخ، وحتى لو حدث كسر لا يحدث ارتجاج، ويبقى المخ محمياً بطبقة عظمية داخلية، حتى الماعز التي ليس لها قرون لم يمنعها ذلك من أن تنطح حتى ما لها قرون، ثم قرون الماعز معقوفة للوراء ، وليس ذنب القرناء أن لها قروناً؛ لأن الله هو من خلقها هكذا إذا كان قرنها يؤلم ، أما نص الرواية فيجعل القرناء هي الظالمة للجلحاء. إذن إذا عممنا هذا الكلام فسوف يقتص للغزلان من الفهود والأسود لأن لها أنياباً ومخالب حادة، وللفئران من القطط، وللأرانب من النسور، وللأغنام من الذئاب...الخ، بينما الله هو الذي خلقها هكذا وجعل بقاءها مرتبطاً بالافتراس، فحتى تعدل الأسود –إذا كان هذا هو العدل- فعليها أن تصوم حتى الموت! وهذا ظلم بحد ذاته .

ولم يرد في القرآن ما يثبت هذا القصاص والحساب للحيوان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج عن القرآن، قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وهذا استثناء للحيوان، لهذا لا أرى أن هذه الرواية تنسجم مع القرآن ولا مع المنطق ولا مع الواقع ولا مع طبيعة الحيوان، وقد تكون وجهة نظر لبعض الرواة رفعت خطأ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والإنسان معرض للخطأ، ولم يذكر القرآن أن الحيوانات سوف تبعث يوم القيامة حتى تحاسب، قال تعالى {اقترب للناس حسابهم} ولم يقل: اقترب للناس والحيوانات، وإذا كانت ستحاسب الحيوانات على التظالم بينها، إذن لماذا لم تحاسب أنها لم تصل ولم تصم ولم تحج؟ ما دامت تعرف التمييز بين الحق والباطل؟ فالصلاة والصيام والزكاة كلها حق.

أيضاً الحيوانات دائرتها كبيرة وليست فقط الماعز، فتصل إلى الكائنات الحية الدقيقة التي يفترس بعضها بعضاً، فهل كل هذه المخلوقات ستحاسب؟ إذن كيف ستبدل الأرض غير الأرض؟

مع أن الواقع أنه يا ليت البشر في مثل سلوك الحيوان من ناحية عدم الطغيان واحترام التعايش والنظام والحفاظ على البيئة ، الله يقول: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} وليس أيدي وقرون الماعز وغيرها من الحيوانات ، إذن الشر من خواص الإنسان مثل الخير، وأساس الشر من الشيطان، وسمي الشيطان شيطاناً من الشطن وهو الابتعاد، الابتعاد عن ماذا؟ عن الفطرة ، إذن الشر دخيل على الحياة من خلال الإنسان بواسطة الشيطان وليس هو الأساس في الإنسان.

أما قضية التخيير والتسيير، فالإنسان مخير ومسير، وكذلك الحيوان ، ولكن كل منهما في مستوى ما يعرف ويميز ، مجموعة من الحيوانات لن يكون سلوكها واحد تجاه مؤثر واحد ، هذا يعني أن لها اختياراً ، وبنفس الوقت هي مجبرة على أن تولد بنفس النوع من الصفات والزمان والمكان ...الخ مثل الإنسان .

الإنسان والحيوان متشابهان ومختلفان، متشابهان في كل شيء، ومختلفان في شيء واحد وهو مدى التمييز، فتمييز الحيوان منكفئ على غرائزه، وتمييز الإنسان منفتح على غيره فضلاً عن ذاته.