السبت، 12 أبريل 2014

الاخلاق والمصلحة والدين والليبرالية والعلمانية والإلحاد : حوار -1-



-1- 

كل فكرة تتبعها لاحقات وتبعات،
كما هو حال الأديان السماوية هي الأخرى كذلك تتبعها لاحقاتها وتبعاتها، والعقل فقط هو من يستطيع تمييز الصحيح من العليل

تقول ان الشخص الملحد أو غير المؤمن تكون أخلاقه سيئة وانسانيته ربما تكون معدومة لأن في هذا حسب رأيك سوء أخلاق مع الخالق، وهذا خلاف للمنطق، أي أن الأخلاق والإنسانية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقل وليس بالايمان بالخالق من عدمه،


إن الإنسانية هي علاقة انسانية بحتة، أي هي علاقة بين الإنسان والإنسان نفسه حيث أن العقل يستطيع أن يدير هذه العلاقة الانسانية والأخلاقية بكفائة عالية دونما إيمان وذلك لما للعقل من قدرة نافذة لوضع الأمور في نصابها الصحيح والمعقول،

وليس بصحيح أني أقصد بنسبية الانسانية هي أن ماتراه انسانياً قد لا أراه إنسانياً فيما يخص الصفات الانسانية كالصدق الذي نقيضه من الصفات اللاانسانية هو الكذب مثلاً، أما من ناحية اختلاف نسبة الانسانية والأخلاق من شخص لآخر هو ما اقصده وهي ترجع الى كيفية قراءته لأفكاره العقلية التي تغذي حواسه وتصرفاته


الرد :

يا اخي لو سألتك عن دافع الأخلاق الإنسانية كما سميتها ، ماذا ستقول ؟ إما ان تقول انها المصلحة ، و هنا تكون صنفت نفسك مادي بحت ، و هذا يحتاج الى نقاش .. أو أن تقول : حبا في الخير والحق ، و هنا أقول لك : للخالق حق أيضا .. و حقه أكبر من المخلوقين . و ايضا لديك غلطة أخرى بأنك صنفت الاخلاق بأنها علاقات انسانية بحتة ، أي انها مثل بقية العلاقات الاجتماعية المبنية على المصالح . و هذا خطأ . الاخلاق اوسع نطاقا من مستوى الانسانية ، بدليل انها تصل الى الخالق و الى البيئة ، و البيئة مادة و ليست مجتمعا ، و تصل الى الحيوانات ، و الحيوان ليس مجتمعا و لا انسانا ، فكيف تقول ان الاخلاق صفة انسانية بحتة ؟

الإنساني البحت هو الذي يتعلق بالإنسان فقط و علاقته بالإنسان الآخر . فالتجارة مثلا علاقة انسانية بحتة ، لانها لا تتم مع حيوان و لا مع بيئة . مثلها مثل الانترنت و مواقع التواصل ، هي علاقة انسانية بحتة .. الانسانية عند الإنسان وجودا ، و لكنها ليست مقتصرة عليه نطاقا ، و المهم في كلمة اخلاق هو النطاق الذي تغطيه و ليس المصدر الذي انبعثت منه . مثل ماء العين ، لو بقي فيها لما كانت له قيمة ، فقيمته في النطاق الذي وصل اليه الماء . و كذلك الاخلاق ، لا قيمة لها و هي حبيسة في داخل الانسان . و كل شيء اذا اتسع نطاقه دليل على جودته ، اذن من يحصر الاخلاق على الانسان فقط ، فعينُ مائه ضعيفة ، و لا تكاد تسقي الا من حولها ، و ليس له أن يفتخر بأخلاق لا تتجاوز ما حوله . هذا فضلا عن رداءة النوع ، لانها ستكون علاقة نفعية ، مثل البيع والشراء ، اذن اخلاق الاسلام الحقيقي أجود من حيث المضمون والنوعية ، و اوسع بكثير من حيث النطاق .

لا تجد دينا الا و هو يدور حول الاخلاق ، و لا تجد علمانية او ليبرالية او الحادا الا يدور حول المنفعة المادية و متعة الحواس ، ثم نجد الالحاد يريد ان يهدم الدين ! بعد أن قلنا ان الدين يدور اساسه حول الاخلاق ! فماذا نفهم من هذا ؟ انه هدم للاخلاق بطريقة غير مباشرة ، هذه نقطة .

النقطة الاخرى : البشر بلا دين هم علمانيون بحت . و العلمانية تدعو الى المصلحة ، و ليس من فوائدها ان تبتكر اخلاقا تصل الى التضحية بالنفس و المصلحة ، فالشيء لا يناقض نفسه، من هنا نفهم ان الاديان هي التي جاءت بالأخلاق و ليست العلمانية التي جاءت بالمصلحة البحتة ، و لو على حساب الأخلاق. بل العلمانية تحارب الاخلاق لانها تحارب الدين. فالكذب عندها لا بأس به اذا كان يخدم المصلحة، و الكذب عكس الأخلاق . و إذا استطعت ان تفسر جوهر الدين تفسيرا غير اخلاقي ، تكون خرجت من هذه الإشكالية، لكنك لن تستطيع. و لو قدمت ما قدمت لن يكون جاهزا للتصديق، لانه سيكون مبنيا على حالات شاذة أو أخطاء مُعَلمِنِي الأديان . أنا اتكلم عن جوهر و معنى كلمة دين ، مثلما اقدم لك جوهر كلمة علمانية، و الذي تتفق معي عليه .

و كل دعاة العلمانية يتكلمون عن علاقة العلمانية بالمصلحة و البحث عنها بدون ثوابت. أي لا ثوابت دين تمنع و لا ثوابت اخلاق تمنع و لا ثوابت منطق تمنع ، المهم أكبر مصلحة و اكبر قدر من اللذة الحسية للفرد و المجتمع. و هذا بحث كما ترى غير واعي، لأنه بلا ثوابت و لا ادوات قياس. حتى لو كان الخطأ الأخلاقي فيه مصلحة للمجتمع تقبله العلمانية ، لان المصلحة محددة و مربوطة بالتفوق المادي الدنيوي ، و العلمانية مصطلح من "عالم" و ليست من علم ، لأن العلم ثابت ، و العلمانية لا تريد ثوابت .

العلمانية هي ليبرالية المجتمع ، مثلما الليبرالية هي حرية الفرد . و الالحاد حصيلة نواتج الليبرالية و العلمانية . فالعلمانية و الليبرالية تقوم بالتحرر من الدين و الاخلاق ، ثم يأتي الالحاد للتحرر من الاله الذي لم يعد له دور بعد ان اقصته الليبرالية والعلمانية . و الليبرالية و العلمانية تكتيكات للوصول الى الالحاد . لأن طلبه مباشرة يصدم المجتمع . و اذا كان العلماني الملحد لم يخلط نفسه بالدين و يستغله كما فعل علماني الدين ، الا انه يخلط نفسه بالاخلاق ، و بالتالي لم يسلم من النفاق حتى و هو ملحد ، لانه لا يزال ينافق بالاخلاق التي قام على حربها اصلا .


كل شيء يعود الى محوره و اصله ، فكلمة دين محورها اخلاق ، و كلمة علمانية محورها مصالح مادية ، و بين الاخلاق و المصالح المادية تضاد . العلمانية تبقي قشور الاخلاق ، و هو ما يسمى بالاداب و السلوك الاجتماعي ، و لكنها تكره و ترفض الاخلاق بوضعها المبدأي القائم على التضحية بالمصالح المادية . أرجو الانتباه ، فكل شيء يعود الى اصله . اذن الاخلاق في حقيقتها غريبة على الالحاد لأن اساس الالحاد علمانية، و اساس العلمانية ليبرالية .

أما الدين فالاخلاق ليست غريبة عليه ، هي نسيجه الاصلي ، و لكن الاديان تلاعب بها علمانيون حشروا انفسهم في الاديان و لبسوا لبوسها ليحوّلوا الدين الى خدمة مصالحهم العلمانية ، مستغلين قوة تاثيره في النفوس التي تحب الخير اصلا . من هنا نفهم ان وجود دين ما لا يعني خلوه من علمانية سدنته و من حوله ، الا من رحم الله . و الفساد الاخلاقي الذي دخل الى الدين هو دخل من هؤلاء العلمانيين المتدينين

الجمعة، 4 أبريل 2014

افضح الشيطان..5



"كيف أميز بين صوت الشيطان و صوتي أنا..زي منت عارف فيه أنفس أمارة بالسوء"

المشكلة أن الاهتمام بالشيطان شبه غائب من حياتنا ولهذا السبب نكون لا نستطيع التمييز يين صوته وصوت ضميرنا و شعورنا، الله أمرنا ان نتخذه عدوا والعدو لا يُهمَل بل يُراقَب و يُدرَس باللحظة و الدقيقة، ونُعمِل عقولنا و إحساسنا في اكتشاف ما هو منه، والعدو لا يحتاج الى الدفاع فقط بل إلى الهجوم أي نهجم على الشيطان، ونعرف نقاط الضعف التي منها يتسلل الينا و نوبخه بل ونضحك به على فساد افكاره و تدميره لنفسه بنفسه، وندرس كيف يفكر لأنه عدونا الوحيد كما ذكر القران.


و النفس الأمارة بالسوء هي التي يستغلها الشيطان وبسببه صارت سيئة.

الأسلوب العلمي و الأسلوب الفني و أسلوب الإثارة ..



الانسان يتعامل بمستويات ثلاث : مستوى علمي ، ومستوى فني جمالي ، ومستوى إثارة . الفن هو موظف جميل ، و يمكن إستخدامه في عدة مجالات، للحماسة مثلا، و للفخر وغيرها ، وتحتاج للاسلوب الجمالي إذا اردت ان تؤثر في الناس او تنقل مشاعرهم أو تجذبهم لشيء ما او تريد تشهيره أو تثبيته ، الدعايات التجارية مثلا تركز على الاسلوب الجمالي اكثر من الاسلوب العلمي .

وبالنسبة للمدارس الفنية الواقعية ، والتي تقول بأن هدف الفن هو نقل الواقع ، هو ليس كذلك ، فالواقع ليس دائما جميل، فالذي ينقل الواقع بعيوبه ، هو الآن يغيّر هدف الفن و ربطه بالقبح . الفن ملازم للجمال، بأي شكل من الأشكال. و إلا فلن يكون فناً .

لكن متى يكون نقل الواقع فنياً ؟ اذا تم نقل الطبيعة التي خلقها الله كما هي ، مثل الصور البرناسية الشعرية التي تصور الطبيعة ، كحركة الطيور والحمام، وكيف تنفش ريشها وكيف ترعى صغارها. فإذا جاء شاعر يصف هذا ، سيكون كلامه جميلا، مع أنه قام بنقل حرفي واقعي . لأن الطبيعة جميلة. وهذا الذي يؤكد أنه لا يوجد فن بلا جمال . لكن فنان او رسام او شاعر ينقل لنا صور من بيئة صناعية ، فينقل حياته اليومية . كأن يقطع إشارة المرور أو يذهب إلى الخيّاط ، إذا استمر في ذلك بان القبح ، قد تقول في المرة الأولى أنه اتى بجديد ، ولكن عندما يستمر يظهر القبح والملل . وهنا يحتاج الى تعويض للفاقد الجمالي ، بدقة التفاصيل او براعة التشبيه، حتى لا يموت الموضوع بالكامل و يتحول الى مقطع فيديو عن الواقع الملل ، لأن كل إنسان يحمل في داخله عدم رضا بالواقع.

بينما الطبيعة نفسها دائما تعطي جمالا، ولا ننس ان الجمال نوعان : جمال معنوي و جمال مادي. شكل و مضمون. لا بد ان يكون للإثنين نصيب . و في اغلب الاحيان يغلب احد الإثنين على الآخر. فيمكن لأحد أن يمتدح رذيلة ، ولكن باسلوب فني شكلي بارع جدا  من أجل ان يتجاوز النقص المعنوي او المضمون الذي لديه. فلو كان يمدح رذيلة ولكن بأسلوب ركيك لما نفع ذلك ، مثلما فعل أبو نواس في مدحه الإدمان والشذوذ وغيرها .

الأسلوب العلمي الواقعي يصف الاشياء كما هي ، بدون النظر الى جمالها او قبحها ، والاسلوب الفني او الادبي يبحث عن الجمال في الواقع ، واذا لم يجده ذهب الى الخيال أو الطبيعة . حتى افعال الانسان ، مثل بناء منزل : فالمبنى والهيكل والمنافع ، هذا اسلوب علمي ، والنقوش والزينة والالوان ، هذا من فرع الجمال .

الاسلوب الادبي الجمالي يجذب الناس ، وهناك اسلوب آخر للجذب ، وهو الإثارة . وهو غير مرتبط لا بجمال ولا بقبح، بل أكثر ما يكون مرتبطاً بغير المعتاد أو قليل الحدوث أو غريب أو ممنوع. سواء ممنوع ديني او اجتماعي أو غيره . مثل انجذاب الناس للغرائب والعجائب كأطباق طائرة او فضائية او سحرة أو حل الألغاز والجرائم والتحقيقات أو مصاصي الدماء ، هذا كله داخل في الإثارة، وليس مرتبطا بالجمال.

نقاط التواصل مع الاخرين عبر هذه الاساليب الثلاث : الواقعي ، أو الفني الجمالي ، أو الإثارة. والآن الإعلام اصبح يكثـّف الإثارة ، فسحب الانتباه عن المجالين الواقعي و الجمالي ، خصوصا بعد التلفزيون والسينما.

الاعتماد على الاثارة وحدها بلا جمال ولا حقيقة ، كما هو حاصل في كثير من الأفلام ، ينتهي إلى شعور ممض بالملل ، وبدل أن يكون الفن تطهيراً كما قال ارسطو، اصبح تلويثاً .

الرياضة مثلا تحوي على التعصب والكراهية أكثر ما يكون ، بدليل أن مشجعي الكرة ليسوا على نطاق معين ، فحتى الاطفال و أشخاص بعيدين عن المجال يشجعون ، ولا يُصدّق احد إذا قال انه لا يشجع أي فريق ، ثم تعتمد على الإثارة ، و في الاقل القليل تعتمد على الفن . و الدليل على تعصبها أن المباريات الودية والخيرية ليس فيها أي حماس.

فكرة وتعليق : الظروف هي التي تصنع البطل ..



يقول ماركس وبعض المفكرين والمؤرخين أن الظروف هي التي تصنع البطل ، وليس البطل من يصنع الظروف ، فكرومويل في الثورة الانجليزية : لو لم يوجد كرومويل لوجد غيره ، و كذلك غاندي ، لو لم يوجد لوجد غيره .. وهكذا ..

فكرة ماركس غير صحيحة ، لو كانت الظروف هي التي صنعت غاندي لوجد أكثر من غاندي ، بعدد المستعمرات البريطانية ، لأن الظروف تتشابه : دول فقيرة تبتزها دول غنية ومليئة بالافواه الجائعة . كان غاندي يقاوم الظروف ويرفض دعوات الثورة المسلحة من شعبه ، و يعتزل ويصوم اذا حدث عنف ،  و تعب حتى اقنع الهنود بأفكاره عن المقاومة السلمية (أي طوّع الظروف) . لو كانت الظروف هي التي تصنع البطل ×؛ لأخترعت السيارة من قديم ، لأن الظروف تحتاج إلى السيارة و إلى التطعيم وإلى الطائرة الهيلكوبتر وغيرها ..

هذا غير ان كلمة "ظروف" عائمة و غير محددة ، ولا يستطيع ماركس وغيره تحديد هذه الظروف بالضبط . بحيث لو اعدنا نفس الظروف لأنتجت نفس البطل . الحقيقة هي أن الإنسان هو الشيء الوحيد الفعّال ، و شخص واحد يستطيع ان يشحذ همم أمة كاملة ويخرجها من الهزيمة الى النصر ، أي يصنع الظروف . والعكس صحيح : يستطيع شخص على قمة أمة أن يورطها و يدهورها ، أين الظروف لتخرج بطلا ينقذ الأندلس إبان سقوطها ؟ إنها لم تفعل ، مع الحاجة لوجوده !

كم من النتائج والحلول والابتكارات غائبة عن الوجود بسبب غياب البطل وليس الظروف ، حتى الآن . و هي نفس فكرة : الحاجة أم الاختراع ، و هذا ليس صحيحا دائما ؛ فأكثر الاختراعات قام بها أشخاص او أمم أقل حاجة وأغنى من غيرها .

إنها فكرة مادية و إلحادية لا تنظر الى الانسان في داخله ، بل تنظر الى الظروف المادية حوله ، لتبرر فكرة النشوء والإرتقاء ، و تحيل كل شيء إلى الظروف ، فالظروف هي التي خلقت الإنسان و طوّرته من خلال الصدف التي يعبّرون عنها بالظروف ، وبالتالي الإنسان هو مفعول به وليس فاعلاً دائما ، كل شيء ابن الظروف ، والظروف ابنة من ؟ الجواب : ابنة الظروف ، و هكذا .. المهم ألا يوجد إله .

في الحقيقة كل انسان هو نسخة لا تتكرر ابدا ، فكيف يقول : لو لم يوجد كرومويل لوجد غيره ؟ اي مثله ؟ هذا لا يمكن ؛ لأنه لا يوجد إنسان مثل إنسان آخر . وكونه لا يوجد إنسان مثل الآخر ، هذا يُسقط تعلق الماديين بالظروف ، لأن الظروف قد تتشابه لكن الإنسان لا يتشابه ابدا .

وقد يوجد المثقف والواعي في بيئة متخلفة ، والعكس بالعكس . فأين الظروف ؟

كل التغيرات التي حدثت في العالم بدأها أفراد عاندوا الظروف ، وحياة الإنسان كلها معاندة للظروف وحل للمشكلات ، فكيف يكون ابن الظروف وهو لا يعيش حتى يغيّر في الظروف وإلا لهلك ؟ فهو يعاند الحر والبرد والجوع والخطر ويتخلص من الظروف بالظروف ، هذه حياة الانسان كلها ، فكيف يكون ابن الظروف ؟

الظروف تدمر الانسان وليست نطوره ، ولو سلم نفسه للظروف لهلك بسهولة . لا أن يتطور ويتقدم . العكس تماما هو الصحيح . كل شيء معاكس للحقيقة تماما هو قعر الغباء .