الخميس، 14 أبريل 2016

الخلود من الخلود

أي انحراف للفكر الصناعي وتمهيد له يلحق صاحبه اثمه واثم من سار عليه ، ولا يعني هذا براءة من سار عليه، وكذلك أي انحراف للفكر الطبيعي وتمهيد له يلحق صاحبه خيره وخير من سار عليه ، (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة)، وهذا يتناسب مع فكرة الخلود في الجنة والخلود في النار.

السبت، 2 أبريل 2016

الكفر وآثاره على الكافر


الكافر من يكفر الحقيقة بعد ان عرفها، سواء دينيا ام غيره، وهم المقصودون في القران، و ليس كل من ليس مسلم، فالقرآن لا يحرّض على قتل من ليس مسلما، بل يحث على حسن معاملتهم، إنما يدعو للقتال دفاعا ضد الكفرة بشرط ان يكونوا معتدين ..

و الانتقائية علامة على الكفر، لأنها تخفي جوانب وتركّز على جانب واحد، والكفر إخفاء. و رفض الشكر للخالق و رفض شكر المخلوقين بدعوى جبرية الظروف او كما قال قارون (إنما اوتيته على علم عندي) هذا علامة على الكفر، أي كفر لحق الله وحق الناس. و نفي الشعور الفطري ونفي ميله للفضيلة، هذا كفر بالذات. فالكفر لا يأتي خاصا بوجود الله. الكفر صفة عامة و ليس مصطلحا اسلاميا فقط ، وهو إسم جامع لفساد الأخلاق، في حق الخالق والمخلوقين والمخلوقات. والقرآن استخدم كلمة كفر في مقابل كلمة إيمان، وهذا من بلاغة القرآن، لأن ضد الإيمان هو عدم الإيمان، لكنها كلمة تبيّن واقع الشخص واسباب ذلك الواقع في نفس الوقت، فنعرف أن الكافر عرف وجحد. لو كان الإسلام يحرض على قتل غير المؤمنين لما استخدم كلمة الكفار ، بل استخدم كلمة غير المؤمنين.

انظر الى المادية والالحاد ، أُسِّسَا على الكفر بكل شيء فاضل وجميل . إنهما يكفران بالانسانية ، وبالاخلاق، وبالروح ، وبوجود الخير، و بثبوت المنطق والعلم، وليس بالخالق فقط. هذا كله بعد ان كفرتا بوجود الله. اما الذي لم يعلم او الذي لم يتأكد وهو يبحث عن الحقيقة، و لم يتعمد الظلم والاساءة والانتقائية ، فلا يشمله معنى كلمة "كافر" الموجود في القران، حتى يحدد موقفه. مع ملاحظة أن القرآن لا يأمر حتى بقتال الكافر لكونه كافر، إلا إن اعتدى عمليا بشرّ، أي قتالهم دفاعا عن النفس، وهذا حق تقره كل الشرائع والدساتير.  

الكفر قصد و اختيار، و ليس جهل، فقد يتبنى طريق الالحاد شخص مغرّر به، ولا يعني هذا انه اطمئن قلبه به ، فما زال يبحث عن الحقيقة. و القرآن تكلم عن "الذين كفروا من أهل الكتاب" و ليس عن كل اهل الكتاب . الكفر صفة داخلية نفسية معنوية اكثر من كونها خارجية. هذا يعني ان عكس الكفر وهو الدين يعني الاخلاق، ويمكن تعريف الدين بأنه أخلاق منزّلة وموصّفة مع الخالق والمخلوقين والمخلوقات، بما في ذلك الاخلاق مع النفس، هذا احسن تعريف للدين. وقبله تعريف الكفر.

لقد تحدّث القرآن عن كفار قريش و ذمّهم، ولم يذم بقية قبائل العرب مع انهم لم يكونوا مسلمين، القرآن لم يتحدث فقط عن رفض كفار قريش للنبوة بينما كانوا أناسا طيبين، بل تكلم مع هذا على كفرهم بالأخلاق والفضيلة، و اتِّصافهم بالمادية الصارخة : (الهاكم التكاثر)، (ثم ذهب الى اهله يتمطى) غرورا وتفاخرا على الناس ، (الذين هم يراءون ويمنعون الماعون) ، (الذين يكنزون الذهب و الفضة ثم لا ينفقونها) ، (اولئك هم العادون) الظالمون القاسية قلوبهم . وهذا دليل على ان الكفر له مستويات وليس مستوى واحد .

فالإلحاد كفكر - و ليس كأشخاص - لا يكفر بوجود اله و ينتهى الامر هنا ، بل يكفر بوجود الاخلاق كدافع ذاتي في الانسان ، و يسمّيها مصلحة مادية، اي يشرّع للنفاق و الاخلاق التجارية ، و يكفر بوجود الروح والروحانية في الانسان، و يؤمن بالصراع وبقاء الاقوى، و لا يعترف الا بالمادة والمصالح المادية فقط ، و يسخر من الاخلاق والرحمة ، و يؤمن بالفوضى ويشكك في النظام ، و يركز على الشهوات الحسية ويهمل حاجة الانسان الى السمو الروحي ، و يرفض وجود الحقيقة المطلقة ، فكيف يبحث عنها !! ويكفر بالمنطق وقانون السببية ، ويكفر بثوابت البشرية عن وجود الخير والشر ، وهكذا .. مجموع هذه الاشياء تنتج مستويات من الكفر و ليس كفرا واحدا ، وليست قضية وجود اله من عدمه فقط بينما في بقية الأمور كبقية البشر ..

لا يكون شخص بريء و مسالم لكنه لم يعرف الاسلام ، كافرا مثل ابي جهل او ابي لهب او الوليد بن المغيرة أو فرعون تحت مسمى واحد .. و الايمان ليس فقط الايمان بوجود اله، هناك ايمان بوجود انسان و انسانية، هناك ايمان بوجود خير يكافح عالم الشر، و وجود نظام للكون ، و ايمان بالفضيلة ، هناك ايمان بوجود الحقيقة حتى لو غابت.

الشهامة ايمان ، وعمل الخير للناس ايمانٌ بأنه لن يضيع ذلك العمل ، والشجاعة والكرم ايمان ، رغم الضرر المادي الذي قد ينتج. والدار الآخرة والجزاء والعقاب إيمان، فالإيمان سلسلة مترابطة من الجمال، أعلاها و أساسها الإيمان بالله .

حتى غير المسلمين هم درجات ، و ليسوا بمستوى واحد . و القرآن امتدح قسيسين ورهبانا و هم على دياناتهم (غير مسلمين) . بينما توعّد وبشدة الذين آذوا موسى وأصحاب الاخدود ، وتوعّد أشد التوعد للمنافقين ، مع أن مظهرهم أنهم كانوا مسلمين.

من صفات الكافر أنه يكذّب بالدين ، اي لا يصدّق بضرورة ان يكون هناك جزاء على الخير والشر و ادانة للظالمين، (مناع للخير معتد اثيم)، متخرّص و غير متثبت ولا يهمه ان يتثبت ، تغرّه الحياة الدنيا و طول الامد بالحياة، و غير عقلاني ولا يلتزم بالعقلانية والمنطقية . بهذا يكون اللاادري اهون من الملحد، واللاديني الذي يؤمن بوجود اله بلا دين اهون من اللا ادري. و القران تكلم عن الكفر و وصفه و وصف الكافرين في آيات كثيرة.

باختصار : الكفر سوء أخلاق ، وأساسه المادية. لا يوجد كافر ليس مادي النظرة والتفكير.

فرعون، كفار قريش ، قوم عاد ، قوم ثمود ، كفار اهل الكتاب ، المنافقين ، كل هؤلاء كانوا ماديي النظرة والتقييم.

الثلاثاء، 29 مارس 2016

من إعجاز القرآن البلاغي والأدبي

القران جاء على حسب افهام الناس، لئلا يقولوا انه ياتي بكلام غريب ، فيكون حجة عليهم . مع انه يشير عادة بطريقة غير مباشرة تدل على ما جهله الناس كحركة الارض و دورانها و غيرها . مثل : ( يكور الليل على النهار) ، (والأرض بعد ذلك دحاها) ، مثل ما يـُدحى الكيس فيتكور ، و مثل (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) ، و مثل (رب المشارق والمغارب) ، اشارة على كروية الارض ، حيث كل مكان مشرق و كل مكان مغرب . و مثل (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) ، و صور انفجار النجوم تشبه شكل الوردة ، كما صوّرها منظار هابل . و مثل (يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) اشارة على ضيق التنفس كلما ارتفعت عن سطح الارض . وغير ذلك كثير من الاشارات .

 لو تأملنا كلمة "العلقة" التي في جدار الرحم ، انظر الى صورتها .. هل كان مع محمد عليه الصلاة والسلام مجهر ليرى فيه هذه العلقة التي لا ترى في جدار الرحم ؟ و تشبه شكل علقة الماء تماما ؟

و في قوله تعالى (والجبال اوتادا) ، لم يكن العرب يعرفون ان للجبال جذورا ضاربة في العمق ، حتى يتوازن الجبل ، مثلما يطفو الجبل الجليدي على جذر تحت سطح الماء ، ومثلما تـُصنع السفينة بجذر عميق في الماء كي يجعلها تتوازن بطفوها . وتشبيه الجبل بالوتد في هذه الحالة هو ادق تشبيه ، فالوتد جزء منه ظاهر وجزء مغروس ، كأنه ضرس .

لأن النبي محمد أمّيّ و ليس عالم جيولوجيا حتى يخبرنا عن جذور الجبال ، ولا عالم احياء حتى يخبرنا عن علقةٍ لا ترى الا بالمجهر . و ليس عالم فلك ليخبرنا عن اشكال النجوم المنفجرة ، و يشبهها كلها بأدق تشبيه يمكن ان يكون لها .. لن تجد مثالا للجبل كالوتد ، و لن تجد مثالا على البويضة الملتصقة بجدار الرحم بذيلها الطويل كالعلقة ، ولن تجد مثالا للنجم المنفجر مثل شكل الوردة الحمراء .

أمثال القران نفسها إعجاز بلاغي و ادبي : تأمل آية : (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث) ، لأن الكلب يتعرق من فمه . وآية : (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا). لن تجد ابرع من هذا التشبيه لنقلة الكتب والعلم من احبار اليهود و هم لا يعون من مضمونها شيئا ولا يستنيرون بما فيها ، بل يعاكسونها و مع ذلك يحملونها ..

التشبيه بحد ذاته اعجاز ادبي في القرآن ، فأمثلة القرآن لا ياتي شاعر او فصيح ليقدّم أفضل منها : (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون) ..

لاحظ مثلا تشبيه نور الله ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) ..

و لاحظ تشبيه الدنيا وغرورها وتهرب متعتها على حساب العمر ، كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، هذا مثالها : (اِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) .

وتشبيه كلام الخير والحقيقة بالشجرة السامقة الجميلة المترفعة عن الدنايا ، فأصلها ثابت لا يتزحزح ومرتبط بالحقيقة ، ورأسها في السماء سموا وجلالا .. وتؤتي نفعها الطيب في كل حين ، اي تنتقل ، و في كل حين لها ثمار ، ولا يُعرف اين تقف . وسيكون نفعها مستمرا في كل حين ..  

والكلمة الخبيثة بشجرة خبيثة و سامة و شوكية يجتثها الناس من فوق الارض فتجف وتطير بها الرياح يمينا و يسارا ، لانها غير مرتبطة بالحقيقة . و بالتالي غير ثابتة (الارض) . كذلك كلام الكافرين يتقلب حسب الظروف والمزاج ، ويتناقض ولا يبالي بتناقضه (ما لها من قرار) ، و ما ادق هذا الوصف على انتقائية وتقلب افكار الكافرين بالدين من عباد الدنيا و عباد المادة . يتناقضون ولا يهمهم ان تناقضوا .. اذن كلمتهم ليس لها قرار ..

(أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) )

الاثنين، 28 مارس 2016

وهم العيش لأجل المتعة

كل مادي صناعي تجده شره وأكول، يقول تعالى (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام)، فهو يبحث عن الراحة كمتعة، وعن الأكل كمتعة، وهما متعتان متناقضتان، فما يبنيه الأكل يحتاج الى عمل، وهو لا يحب العمل ويحب الراحة، فتتراكم الدهون ويزداد الوزن ويبدأ الجسم بالإنهيارات، وهذا ما يسبب الأمراض كالسكر والضغط وغيرها.

من يعطي نفسه هواها ستتدمر صحته، لأنه يقع في تناقضات. الإنسان الطبيعي لا يشتاق للطعام الا اذا جاع، ويشعر بالشبع قبل ان يشبع، بينما الصناعي يشتاق للطعام حتى لو لم يجع، ويحب أن يتوجه للولائم والمناسبات.

الذي يعيش للمتعة يقع في التناقضات فورا، فيتصادم بعضه ببعض، مثل طلب الأكل وطلب الراحة، وطلب المال وطلب راحة البال. بعبارة أخرى : كل متعة تحمل معها نقمة، ولا تستطيع ان تتذوق المتعتين من هذا التناقض، فالسالب يؤثر على الموجب، وتأثير السالب أقوى، لأن الألم أقوى تأثيرا من المتعة. إذن طلب المتعة والعيش لأجلها وهم ، يضر أكثر مما ينفع، اذن لماذا يعيش الإنسان ؟ هل يعيش ليأكل ؟ هذه سقطت . أم يأكل ليعيش ؟ يعيش لماذا اذن ؟ هل ليأكل ؟ لا يمكن أن يكون الشيء نفسه غاية ووسيلة في نفس الوقت .. لا يستطيع شيء أن يفسّر لماذا يعيش الإنسان، إلا أن يكون عبدا لله بما تحمله الكلمة من معان سامية وعطاء.

وهذا يُسقط الفكرة الابيقورية التي تقول : أن الخير في المتعة و أن الشر في الالم، فكل متعة تجلب معها شر، فمتعة الافراط في الاكل تجلب معها نقمة التخمة مثلا . فهذه متعة جلبت شراً، إذن ليس الخير في المتعة والشر في الألم دائما. والثقافة الغربية تعيش حالة ابيقورية، فطالما أنت مستمتع فافعل ما يحلو لك : (enjoy your time) ، ويسمون انفسهم الابيقوريون الجدد. والانسان المستسلم للمتع هو انسان ضعيف في الأخير، لأن أصل وأساس المتعة هو رفض الألم، وهذا قمة الجزع والضعف.

ما أجمل أن تأتي المتعة عرضا وليست مقصودة بذاتها ، لأنه لا شيء يحتمل ان يكون قصدا بذاته، إلا الله الصمد ، الذي يصمد لأن يتوجه له كل شيء.