الأستاذ احمد الناصر :
طابت ايامك بالخير ورضوان من الله استاذنا الوراق الكريم
من فضلك لدي سؤال
إذا تكرمت نريد فهم ماهية المرض والتعب النفسي
وهل للوراثة والبيئة دور في الأمراض النفسية مثل الاكتئاب
والفصام واضطراب ثنائي القطب؟
هل انه كما يقال المرض النفسي غالبا نتيجة تفاعل بين الجينات
والبيئة؟
دمت بخير وفلاح
الجواب :
في القرآن الكريم، لا
يوجد شيء عن التفاعل بين الجينات والبيئة. يقول تعالى (ذلكم الشيطان يخوف
اولياءه)، وقال في قصة أيوب (لقد مسني الشيطان بنصب وعذاب)، وقال (وإما ينزغنك من
الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، وهذه من أساليب العلاج النفسي في علم النفس المسلم:
الاستعاذة من الشيطان وتكرارها في كل مرة تمرّ خواطر شيطانية بذهنك، لأن الشيطان
يوسوس بالسوء، وليس السوء فقط بالاعتداء على الاخرين، بل حتى بجلد الذات والتقليل
من شأنها، والإحباط والقنوط من رحمة الله، لذلك يقول تعالى (إن أولياء الله لا خوف
عليهم ولا هم يحزنون)، فلا يصابون بمرض نفسي دائم أو حزن دائم، ومن محددات المرض
النفسي: الاستمرار والإزمان، وإلا فكل حالات المرض النفسي تمر بجميع الناس ولكن
على فترات بسيطة متقطعة، فيمر بك شعور قلق أو خوف أو احباط أو فرح زائد أو حزن
زائد، أو كآبة متقطعة، حتى الوسواس القهري قد يمر، كل انسان قد مر بكل الامراض
النفسية، لكن هناك من يتجاوزها بسهولة، وهناك من يقف عندها.
وقال تعالى عن
المرابي أنه (كالذي يتخبطه الشيطان من المس) أي من شدة الطمع والاحساس بالفقر،
وقال تعالى عن المؤمنين (فلنحيينه حياة طيبة) والحياة الطيبة لا مرض نفسي فيها.
ومن وجهة نظري أن الأمراض النفسية أساسها واحد، هو الخوف. إن الخوف تستطيع ان تفسر
به كل الامراض النفسية، فالاضطهادية خوف، والكآبة خوف، والقلق خوف، والفوبيا خوف،
وحتى الحساسيات النفسية والهشاشة النفسية، والوسواس القهري، والاكتناز القهري،
كلها عبارة عن خوف، ويدخل فيها حتى الحساسيات الجسدية، لأن أساسها نفسي، مما يشير
الى أن اكثر بل كل دوافع الانسان هي خوف، الانسان مخلوق خائف أصلا، فهو يستقبل
الدنيا بالبكاء، وليس لأجل تمرين رئتيه، هو طفل. وحتى بعض الصفات مثل البخل او
الطمع، هي أساسا خوف، وكذلك حب التملك، هذا هو المدخل لمحاولة الفهم، وهكذا نفهم
لماذا الله تعالى يرجع الخوف والحزن الى الشيطان، قال تعالى (ليحزن الذين آمنوا)،
والحزن مرض نفسي، حتى الأتعاب التي اصابت أيوب اعادها الى الشيطان، ليس لأنه حلّ
في جسده أصابه ما أصابه، وينبغي ان يُخرج الشيطان منه بصنع نزيف او جرح! لا، هو
أصابه في أفكاره، وخوّفه الشيطان بوسوسته التي أساسها الخوف أيضا، فتأتي ردود أفعال
بدافع الخوف، قد تصل الى الجسد وتظهر فيه.
إن الوسوسة ليست
بالإغراء فقط، بل هي بدافع الخوف، لأن الانسان كائن خائف أصلا، فالشيطان عندما
وسوس لآدم وحواء، كان يحرك لديهم دافع الخوف أكثر من الرغبة، قال (ما نهاكما ربكما
عن تلكما الشجرة الا أن تكونا ملكين او تكونا من الخالدين) أي يخوفهما من الموت
اذا لم يأكلا منها. بل حتى اذا سيقت الرغبة يكون من وراءها الخوف، مثل "ان
تكونا ملكين"، ولكن جاء بعدها "ان تكونا من الخالدين" أي الموت،
وحتى الرغبة يسوقها علينا بدافع الخوف، لأنه يقدمها لنا على شكل فرصة، واذا ضيعت
الفرصة فستندم، فالسارق يقدم الشيطان له فرصة لا تعوض، ويحثه على استغلالها، كذلك
الزاني أيضا، اذا ضيعت الفرصة فستبقى في كبتك محسورا، ويعدهم ويمنيهم أن الله غفور
رحيم، مثلما قال لأخوة يوسف (وتكونوا من بعده قوما صالحين)، هذه وصية شيطان قالها
لأحد أخوة يوسف، أو كأن تأخذ مالا كبيرا وجدته مرميا في الطريق، متى ستجد مالا
مرميا في الطريق؟
وهذا طرح مختلف عن
السائد في تفسير أسباب المرض النفسي، ففرويد مثلا يُرجعها كلها الى الرغبة،
وبالذات الرغبة الجنسية، وأنا على العكس تماما، أرجعها كلها إلى الخوف، والنظريات
الحديثة اعادتها الى الجينات، استكمالا لفكرة الجبرية التي تخلي ساحة الفاعل من
المسؤولية. نستطيع ان نقول ان المرض النفسي هو ردود أفعال خاطئة نتيجة خوف، قد
يسيء صاحبه التوجيه وتؤدي الى مضاعفات أسوأ وردود أفعال أسوأ. لذلك الله يقول (لا
تتبعوا خطوات الشيطان)، لأنه يريد أن تضلوا ضلالا بعيدا.
مثلا شخص كثير التخوف
والحذر ولا يحب تجريب أي جديد، سيكون مصابا بالملل وبالكآبة، وهذه ردود أفعال
نتيجة الخوف. وردود الأفعال على نوعين: اما سلبية أو إيجابية. مثلا في المقالب
المخيفة، تجد بعضهم يصاب بهبوط وانسحابية، وبعضهم يرد ردة فعلٍ عنيفة. وهذه الحالة
تنعكس على الجسم، لأن الجسم تابع للنفس، وكل امراض الجسم هي إما عبارة عن انسحاب
او اندفاع، تبعا لحركتي الشعور، وهما الحب (الاندفاع) والخوف (الانسحاب). مثلا
امراض كالسرطان وارتفاع الضغط، هذه اندفاعية، وهناك انسحاب مثل الضمور وتعطل بعض
الوظائف، وهذا يظهر على المرض النفسي أيضا، فثنائي القطب هو عبارة عن فترات اندفاع
وفترات انسحاب.
إذن نحن كيانات
معنوية وليست مادية، لكنها أُلبست لباس مادي، فتلاحظ الجسم تزداد نبضات القلب
وغيرها من العلامات الحيوية، لأنه هو وسيلة النفس للتعبير، فالنفس تعبّر من خلال
الجسم، ففي حالة الخوف تتحول الى رعشة وجفاف حلق او هبوط او اندفاع وهكذا. لا أجد
فرقا كبيرا بين النفس والجسد، فهي الشيء وأداته. والجسم السليم في العقل السليم،
على عكس السائد. وهذا كله طبعا من وجهة نظري، ولست طبيبا نفسيا. لا يوجد مرض نفسي
مدخله الرغبة مثلا، إذا كان حتى الطمع عبارة عن خوف، فماذا سيكون المرض الذي مدخله
الرغبة؟
كما يبدو لي أيضا أن
الامراض العقلية أساسها امراض نفسية تطورت وأثرت على العقل.
وانا لست أرى ان
للجينات او البيئة دور، لأننا نجد في نفس البيئة والظروف أصحاء نفسياً، واما القول
بالوراثة فهو من نوع الإحالة على المجهول، لأنه يصلح للشيء وضده، فالصحيح نفسيا
ستقول ان صحته نتيجة وراثة، والمريض نفسيا كذلك ستقول انه نتيجة وراثة! مع كامل
الاحترام للأطباء النفسيين.
نحن نحاول ان نفهم من
القرآن ما يمكن فهمه عن نفسية الانسان وامراضه. إن الله يختبر كل انسان، فلا يجعل
الله سببا مؤثرا على نفسية الانسان وقراراته خارجا عن إرادة ذلك الإنسان، فبالنسبة
للنظرة من خلال القرآن، يقلّ تأثير الظروف ويكبر اختيار الانسان، (بل الانسان على
نفسه بصيرة ولو القى معاذيره)، وكما قال القرآن (وننزل من القرآن ما هو شفاء
للصدور)، لكن ليس بشرب ماء أوراق المصحف أو رقية راقٍ يقرأ القرآن، بل باتباع
القرآن، لأن الله انزل كتابه لكي يُتّبع. اذن الشفاء يكون باتباع القرآن، قال
تعالى (كتاب انزلناه ليدبروا آياته) أي يسيروا دبره، وقال (اتبعوا ما أنزل اليكم
من ربكم)، وقال تعالى (ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى)، وقال أيضا (يا ايتها
النفس المطمئنة، ارجعي الى ربك راضية مرضية) أي كانت مطمئنة في الدنيا، لأنها
متوكلة. هذه هي الخطوط العريضة لشفاء النفس، نأخذها من القرآن. القرآن يخبرنا عن
المرض النفسي وعن الصحة النفسية، من خلال اتباعه او الاعراض عنه.
وإذا كان المرض
النفسي نتيجة تفاعل بين البيئة والجينات، فهذا يعني أنك ضحية، وهنا تتنحى الإرادة
الحرة التي يحاسب الله عليها، وهي مدار الاختبار، فهذه البيئة والجينات ليس
للإنسان دورٌ فيها، وبالتالي سيكون ما يفعله مبررا بالجبرية، وحتى تسميته
بـ"مريض" لا تعجبني. لأن كلمة مريض تعني أمرا خارجا عن إرادة الانسان،
وهذا لا ينطبق تماما، بدليل انهم يستخدمون معهم أسلوب محاولة الاقناع وتغيير
السلوك.
من أراد الطمأنينة في
الدنيا والاخرة، فليتبع هذا القرآن الذي قال انه شفاء لما في الصدور. انا كنت
اعاني من كآبة المساء، وعالجتها بالقرآن، وذهبت الى غير رجعة والحمد لله، بينما
نرى كثيرا من الناس يعانون من الكآبة وقليلٌ من يشفى منهم.
لا يتعارض العلاج
بالقرآن إتباعا وتدبرا مع العلاج النفسي، فبعضهم يكمل الآخر، ومن العلاج يجب ان
يكون هناك تذكير للمريض بأنك قد تظلم الناس بسبب الاضطهادية مثلا فتأثم، وأنك قد
تظلمهم بسبب الحسد والغيرة، وانك تكتسب الذنوب بسبب هذا الحرص الشديد على مصلحتك،
وهكذا. وأنك تخالف القرآن الذي طالبنا بالتوكل على الله وليس بالاعتماد على أنفسنا
وقدراتنا، اقصد أن يبيَّن له كيف ابتعد عن الاخلاق القويمة بسبب محاولة التكيف
الخاطئة، إذ ان كل الامراض النفسية هي محاولة تكيف خاطئة مع الواقع، تجد مريضا
نفسيا يمارس الحيل النفسية، كأن يبين انه سليم بينما هو يعاني، ويبين انه غني
بينما هو فقير، ويقع في الكذب، ألا تلاحظ ان كل الامراض النفسية فيها شيءٌ من
الخروج عن الاخلاق او قد تؤدي الى ذلك؟ مريض الكآبة مثلا لم يشكر نعمة الله عليه،
والمصاب بالاضطهادية قد يظلم بأوهام من الشيطان، بل حدثت جرائم. ومثلها من يصاب
بعقد النقص. هذا ما يريده الشيطان، أن يضل الانسان ضلالا بعيدا.
كل مريض نفسي لو يغير
أفكاره واساساته التي بنى عليها، لربما تتغير شخصيته، قال تعالى (ان الله لا يغير
ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وهذه قاعدة قرآنية، وهكذا القرآن يعطينا كل
الاساسات لإصلاح النفس، وإذا صَلُحَت فقد صحّت.
إن علم النفس المسلم يحتاج الى القرآن.
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق