الأحد، 1 يوليو 2012

المرأة والمداراة والاختلاف..




عند كل الشعوب فكرة أن المرأة كائن رقيق ويجب التعامل معه برفق خاص يصل في العادة إلى حد المداراة على الأخطاء, لكن هذه المداراة تضر المرأة أكثر مما تنفعها وتحرمها فرصة المعرفة الحقيقية بأخطائها, وتؤدي بها في أحيان كثيرة إلى النزعة التسلطية والغرور والتكبر على الحقيقة، ويجعلها ليست في حاجة ماسة إلى العقلانية والمنطق..

 كما قال تعالى : {أفمن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} إشارة إلى ضعف المنطق عند المرأة المدللة المنشّأة في الحلية بشكل عام, لأنها تُدارى, وهذا ما يضطرها لاستعمال العواطف والدموع واتهام الآخرين بالقسوة إذا عجزت عن الحجة المقنعة.

وأسلوب المداراة هو الذي صنع حتى الديكتاتوريين عبر التاريخ, وكل من لا يُخبَر بأخطائه يظن أنه على حق, لهذا أصبحت المرأة تكره النقد وتعتبر من ينقدها أو يحاورها بصراحة مثلما يحاوَر الرجل يقلل الأدب معها وتصنفه قاسياً فظاً ، مع أن المنطق للجميع وينضوي تحته الجميع ، هذا ما يجب .

 لاحظ أن كلمة "قسوة" لا توضَّح من حيث الحق والباطل أو الخير والشر, فهي كلمة مطاطية.  مع أن المرأة تقسو لكن قلّ من يخبرها عن قسوتها, قال تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} على هذا كل من خالف هوانا وانتقد أخطاءنا نقول أنه قاسٍ علينا وجارح لنا وغير لطيف معنا, أي: مسيء لنا ، مع أنه هو الذي يستطيع أن ينفعنا ويصلحنا, وهو الوحيد الذي له حق الشكر (ورحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي) فهل هذا المبدأ ينطبق على الرجال فقط؟

المداراة والمجاملة جعلت المرأة لا تعرف موقعها الحقيقي, هل هي على صواب أو خطأ, وما مستوى التزامها بالأخلاق.

والأخلاق كلمة واسعة لا تعني فقط العفة كما يتصور الكثير من النساء عن أخلاق المرأة, فالنساء شقائق الرجال, ولسن نوعاً آخر مختلف في الأصل والتركيب, فالجميع بشر،  والقرآن عامل المرأة كما يعامل الرجل, قال تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ولم يقل أن المرأة رقيقة أو يدها ناعمة! وقال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة} لم يقل لأن المرأة رقيقة تكون جلداتها أقل! فما بالنا نفرق في التعامل بين الرجل والمرأة على غير هدي القرآن؟  

وكذلك في الشكر والتشجيع، قال تعالى: { إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} وهذه مساواة في الحقوق والواجبات ..

 إذاً تجب المساواة في التربية والتعليم ، ما داموا سوف يعاملون بدرجة واحدة في الحقوق والواجبات والجنة والنار.  

 أما في الحضارات الدنيوية التي تريد أن تبتز المرأة فهي التي تعتمد فكرة: (السيدات أولاً) (ladies first), المرأة إنسان قبل أن تكون امرأة, وتُربى إذاً بنفس الطريقة التي يُربى بها الإنسان.

 كثير من النساء يخفين ظلمهن وكذبهن وقلة أخلاقهن في التعامل وراء ستار الرقة والضعف, أيُّ رقةٍ وهي تَظلِم وتكذب تبعاً للمثال السابق؟! ولا قيمة للرقة الخارجية إذا كان الداخل خشناً وشائكاً وأنانيناً . ولست أعمم أبداً ، وإن كان غيري قد عمم مثل المتنبي الذي قال :

ومَنْ خَبَرَ الغَوَانِي فالغَوَانِي **** ضِيَاءٌ فِي بَوَاطِنِه ظلامُ ..!

وطبعاً ليس الجميع ..

المداراة والمجاملة لا تُصلح أحداً, فالله أمرنا بالحق. أما من يظلم المرأة فالظلم حرام على رجل أو على امرأة.

 إذاً ما هي القسوة التي تقصدها بعض النساء؟ .. إذا استبعدنا الظلم بكل صوره, سنجد أنها الصراحة وقول الحق, وقول الحق ليس قسوة على أحد, والحقيقة لا تجرح أحداً.

كثير من النساء تظن أن في اصطناع الرقة والنعومة وسرعة التأثر والاحتماء بها مكسباً لها، والحقيقة أنه مضرة أفقدتها الكثير, بل وأفقدتها كرامتها الإنسانية الحقيقية, وجعلتها تبدو بمظهر الضعيف الذي يدارى لضعفه ولا يُنتقَد لهشاشته وقلة عقلانيته, بل ولا يُطال النقاش معها لأنها ستختمه بالبكاء! وبهذا الشكل ستضيع الحقيقة.
هذا التعامل يشبه التعامل مع مريض أو طفل, ولا أظن المرأة العاقلة تسمح بأن تكون بموضع طفل يُدارى, ومراقبتها لمن يناقشها هل رفع صوته أو حرّك يده أو لم يقبل ما قالت أو لم يصدّق بسرعة .. ستصنفه في الأخير على أنه قاسي, مع أن هذه أمور شخصية وطريقة في التحدث نجده يستعمله معها ومع غيرها, وهي أيضاً لا تخلو من أساليب فظة في الحوار, لكن المعاملة كوضع خاص هي المشكلة.

أعتقد أن المرأة التي تهتم بكرامتها الإنسانية قبل تحديد نوعها هي الأجدر بالاحترام دائماً, تلك هي المرأة التي لا تحتاج لأن تدارى وتبني عقلها ومفاهيمها بجو صريح وواثق, وتأخذ قيمتها من علمها وأخلاقها لا من زينتها وجسدها ،  إنها تلك المرأة التي تعاملها كرجل , تلك هي المرأة الإنسانة التي ارتفعت عن مستوى ذوي الاحتياجات الخاصة, وصارت تحترم عقلها وتناقش به وتتحمل نتائج أفعالها وأقوالها, بل إنها غير محتاجة لأن تجعل جسدها يتكلم بدلاً من عقلها, ومكياجها بدلاً من إنسانيتها ومبادئها, إنها تكرم نفسها أن تكون بهذا المستوى الضعيف الذي يرقع شخصيتها, وبالتالي فما الداعي لزينة المرأة وإظهارها أمام الآخرين بشكل مبالغ ؟

الإنسانة المرأة هي من تثبت وجودها بأخلاقها و معرفتها وأفعالها وذكائها وليس بملابسها , بل تكفيها الملابس المناسبة مع الأناقة المناسبة والنظافة وهذا كل ما في الأمر, قال تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن}. قالوا للمرأة أنتِ أنثى, لكن لم يقولوا لها أنكِ إنسان وبشر.

 العنف لا يقبله أحد لا رجل ولا امرأة, العنف ظلم, والمداراة أيضا ظلم ومبنية على المصلحة، وصديقك من صَدَقك لا من صدَّقك.

 الإنسان المرأة وليس المرأة الإنسان هي التي يغضبها أن تعامل معاملة خاصة دون الرجال, بينما المرأة الإنسان يٌفرحها ذلك, والكريم هو من لا يقبل أن يأخذ ما ليس له من احترام وتقدير وتمييز, فما بالك إذا كان على حساب جسده -لا ذاته- والنظرة إليه؟! هذا وضع يجرح إنسانية الإنسان المرأة.

 قبل أن نتكلم عن رجل وامرأة، ذكر وأنثى، يجب أن نتكلم عن إنسان رجل وإنسان أنثى, هذا هو المنطلق السليم وهذا هو التكريم الذي قدمه الإسلام للنوعين , قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} أي: كلهم, وقال: {... وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ ...} على حد سواء, فليس الصبر للرجال فقط, وليست النار للرجال فقط ولا الجنة للنساء فقط.

وحديث : (رفقاً بالقوارير) فقد كان الكلام موجهاً لحادي الإبل (وهو أنجشة) وقد كان يغني (يحدو الإبل) بصوته العذب, فليس الحديث عن الخشونة أو القسوة في التعامل.

المرأة تتأثر بالجمال الطبيعي والمعنوي أسرع من الرجل, وتميِّز الفضيلة أسرع من الرجال غالباً وإن كانت تتأخر في تبنيها؛ بسبب ارتباطها الشديد بالمجتمع والواقع, وهي الأعرف بالخير أكثر وأسرع والأعرف بالشر أكثر وأسرع أيضاً, وهذا يفسر تقلب الشخصية الواضح عند المرأة والذي تكاد لا تخلو منه امرأة.      

وهذا الكلام يقودنا للحديث عن أنوثة المرأة, فقد يُظَن أن الكلام السابق يفقدها أنوثتها, بينما الكلام السابق تكلم عن إنسانيتها..

الحقيقة قاسية على الهوى , وغير قاسية ومفيدة إذا احتُرمت , الحقيقة غير قاسية على من يطلبها وغير مريحة لمن لا يطلبها , فإذا كنت تصر أن تبقى في طريق الصخرة المتدحرجة ستكون قاسية عليك , وكلمة قسوة تكثر كثيراً عند أصحاب الهوى ومن يفضلون أنفسهم على الحقيقة , لأنهم لو كانوا مظلومين لقالوا ظُلمنا , لكنهم يصفون بها من يعطيهم الحقيقة ، وكأن الظالم رقيق والمنصف قاسٍ في موازين هوى النفس .

من صور مخالفة العقل لأجل الهوى القول بتعدد الحقيقة حتى يبقى كل على مزاجه وهواه مع أنه منطقياً لا تتعدد الحقيقة , ومن هذا جاءت فكرة التعددية في الثقافة الغربية المبنية على الهوى.

 وصورة أخرى تخالف العقل بسبب الهوى هي القول بالاختلاف وميزته واحتياج الحياة له، بل والسعادة له, مع أن العقل لا يتفق مع هذا , فلو كان الاختلاف هو الأفضل فلماذا لا يستمر عليه إلى الآخر؟!  وإن قلت قليل من الاتفاق وقليل من الاختلاف فكيف تصلح الحياة بالشيء ونقيضه؟ .. العقل لا يقبل هذا .

 وكل هذا لأجل تسويق الهوى على حساب  الحقيقة {ودُّوا لو تدهنُ فيدهنون} , يعني ادهن لي وادهن لك , وهذا ما دفعهم لقولهم بعدم وجود الحقيقة المطلقة , ويردد مثل هذه الأفكار من لا يحب أن يتغير سواء امرأة أو رجل من مثل: "الاختلافات ملح الحياة"، "الشجار بين الزوجين أمر جيد يدل على الاستقلالية"، "اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية" ، مع أن الجميع يتمنى الاتفاق ويكره الصراع والشجار ، ولا وئام مع الاستقلالية .

 الحقيقة واحدة وصراط الله المستقيم واحد والنور واحد  والظلمات متنوعة , والاتفاق سلام ومحبة وثقة , والتنوع جميل والاختلاف قبيح , إنهم يغالطون بين الاختلاف والتنوع ، فالتنوع ليس فيه صدام، أما الاختلاف ففيه تعارض وصدام.

التربة والشجرة والعصفور والماء تنوع لكن بلا صدام ، لأن النتيجة بستان! .. أما إذا كنت أنا أريد أن أنام وأنت تريد أن ترفع صوت التلفاز، فهنا اختلاف غير جميل!!  فكيف يكون ملحاً؟!

فما بالك إذا كان الاختلاف أكبر؟! أين الجمال فيه ؟؟! ولا أدري ماذا وجدوا في الاختلاف حتى يمدحوه هذا المدح؟؟! إذا استبعدنا الخلط بينه وبين التنوع في مزهرية واحدة، وحق الاختلاف أن يُزال لأن الحقيقة واحدة، وكلما زاد الاتفاق كلما زاد الانسجام , أما التنوع فهو فطرة ولا يمكن إزالته وإلا لأصبح الجميع نسخاً مكررة. 

هل ما يجري في الطبيعة أمر معتاد؟



في هذا الموضوع رد على شبهة: إذا عُرف السبب بطل العجب "الإلحادية" ، والتي انبنت عليها فكرة إله الفراغات :


يتحدث بعض الملاحدة أنهم استطاعوا أن يعرفوا الطريقة الطبيعية التي تنتهجها الطبيعة في عملها في الظواهر الطبيعية وغيرها ..

ولكن الطريقة الطبيعية أليست مبتكرة و مخلوقة ؟ ما معنى "طبيعية" من وجهة نظرهم ؟ هل نحن من وضعناها ؟ طبعاً لا ، هم كمن يقول : "إن هذه النباتات تنموا أمامنا بطريقة طبيعية.. فلا داعي أن يكون لها إلهاً " ! إ

إذاً كل شيء سيفعله الإله و يوجد في الطبيعة سيقال عنه نفس الشيء ! فكل شيء يكون سيقولون عنه أنه طبيعي لأنه تحول إلى معتاد ، فالطبيعي من وجهة نظرهم هو المعتاد. والحقيقة أنه غير معتاد وغير طبيعي!! و إن كان معتاداً وطبيعياً فلنصنع مثله ومن العدم ، و دون المطالبة بنماذج أخرى ..!

 إذاً لا يوجد في التحقيق شيء اسمه طبيعي ولا يحتاج إلى تفسير ..

إذاً الطبيعة ليست طبيعة ، بل هي معجزة .. و الإلف والتعود لا يعني السهولة .. كلنا معتادون أن نحب ونكره ونعجب ونطرب وننام ونستيقظ.. ونقول عن هذه الأشياء أنها "طبيعية" ، أي: كأنها أمور بسيطة ولا تستحق الوقوف عندها لأنها متكررة!! .. وهذا كلام سطحي جداً ، لأننا لا نعرف و لا حقيقة واحدة عنها ..

افرض أن شخصا فقد فجأةً (وبدون سبب) كل أنواع المحبة و الانتماء في داخله ، بما فيها محبة الحياة .. فهل يستطيع أحد أن يقدم له شيئاً ؟؟
إذاً لم يُحل اللغز بعد ، و لن يُحلّ أبداً .. كل ما في الامر هو اكتشاف ظواهر ليس إلا ، و أغلبها قائم على نظريات و ليست على حقائق علمية ، و حتى إذا اكتشفنا علمياً كيف تترتب بعض الأمور ، ففي الحقيقة أننا وقفنا وجهاً لوجه أمام المعجزة ..

هل يستطيع العلم أن يفهم قانوناً واحداً من قوانين الطبيعة التي نمر عليها بدون اكتراث ؟ و نعتبرها من باب تحصيل الحاصل ؟ .. كل من يعرف العلم يعرف أن بديهيات العلم هي أصعب ما في العلم .. بل هي المستحيل بعينه ..

إذاً نحن لا نعرف لبنات المعرفة و نعرف بعضاً من ظواهرها و علاقاتها بغيرها : {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا} .. هذا في كل البديهيات ، سواءً في الرياضيات أو الفيزياء أو في النفس البشرية أو في العقل أو في المنطق إلخ ..

 يا ترى هل نستطيع تفسير المنطق ؟ هل نستطيع تفسير الرياضيات ؟ الفيزياء ؟ .. طبعاً لا ، لكننا نعرف إلى حد ما كيف تعمل بعض قوانينها ليس إلا .. إذاً في مجال المعرفة الحقيقية الأصلية نحن لا نعرف شيئاً .. و معرفتنا كلها من النوع الفرعي ، أي: معرفة علاقات ..

المعرفة بالنسبة للعقل البشري مثل جبل الجليد في المحيط ، أكثر شيء نعرفه هو أظهر شيء ، وأبعد شيء عن المعرفة هو الأعمق .. و المعرفة الفرعية هي ما بعد وجود الشيء ، أما المعرفة الأصلية هي ما قبل وجود الشيء والتي تسبق وجوده ، مثلما يعرف التاجر و المستهلك ذلك المُنتـَج لأي شيء يُستعمل و كيفية استعماله و علاقاته بالأشياء الأخرى ، لكن لا يعرف كيف تمت صناعته ، لأن هذه من نوع المعرفة الأصلية .. و المعرفة الفرعية هي الظواهر ، لأن الظواهر نتيجة للعلاقات ..

إذاً على الإنسان ألا يفتخر كثيراً بالمعرفة ، في حين أنه لا يستطيع أن يفسر لماذا 1 + 1 = 2 و لم تكن 3 .

لا يستطيع أحد أن يفسر الجاذبية ، و هي أول معلومة يعرفها الطفل في الروضة .. لأن تفسير الجاذبية سيعيدنا إلى أصل كل شيء ، و نحن لا نعرف الشيء إلا بالشيء الآخر .. ولا نستطيع أن نعرف شيئاً بدون شيء آخر ، فعقولنا مبنية على المقارنة ..

هذا لا يمكن أن يعرفه إلا الذي أوجد البدايات .. و هو ليس نحن بلا شك ، و عقولنا لا تستطيع أن تصل إليه .. لأن عقولنا مبنية على النسبية .. و لو وضعتَ عقل الانسان في اللاشيء لصار لا شيء .. والنسبي لا يستطيع أن يدرك المطلق .. إذاً لن يستطيع العلم يوماً من الأيام أن يعرف كل شيء .. و لو عن الشيء الواحد .. ولو عرف كل شيء عن الشيء الواحد لعرف كل شيء .. إذاً نبقى في حدود الآية : {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا} .. نحن و علمنا و علماؤنا .. و لم ينحل اللغز كما تتصورون .. بل زاد تعقيداً .. وهذا يذكرنا بكلام أبو العلم التجريبي فرانسيس بيكون : "قليل من العلم يؤدي إلى الإلحاد ، ومزيد منه يدفع إلى الإيمان" ..

ومعرفة ما يمكن أن يُعرف وما لا يمكن أن يُعرف لهي أثمن المعرفة ..

الحرية و علاقتها بالسعادة



الانفكاك- أي انفكاك - يعطي سعادة مؤقتة ، كانفكاك الزوجة من زوجها ، و فصل الموظف من وظيفته لمشاكله مع الإدارة ، و من يقتـُل في لحظة الغضب يشعر لحظتها بالسعادة والتي تنقلب إلى تعاسة فيما بعد . و لكن عدم الإرتباط - أيُّ عدم ارتباط كان - يسبب كآبة ، والإلحاد هو عدم ارتباط إلا بالشهوات و المصلحة .

تشعر المطلقة براحة في بداية الطلاق ، ولكن عندما تبدأ بالتفكير بحياتها القادمة و مصيرها الجديد ، ستأتي عليها ظلمة ٌ من الكآبة ، لأن هذا التخلُّص ليس من الأسوأ إلى الأفضل ، بل من الشيء إلا اللاشيء ، فهي لا تملك حباً جديداً أو حياة جديدة جاهزة لاستقبالها .

كذلك حال الذين يخرجون من الدين بسبب الضغوط ، فهم يشعرون بشعور الزوجة المطلّقة ، لكن عندما يصحون (والصحوة عادة تأتي عندما يذهبون للنوم، أي "هموم الوسادة" ) عندها تبدأ أحاسيس الضياع بزيارتها الكريهة والشعور بعدم الجدوى من الحياة و عبثية الاهتمامات والإحساس بالفوضى الكونية .. فلا خير ولا شر ، ولا ربٌّ مطّلع و طيب يقف في صف الأخلاق ويُنصِف المظلومين من الظلمة .. كلٌ و مصالحه ، و يده و ما تعطي ، و ليس لنا حق في أن نبغض الظـَّلـَمـَة لأنهم يراعون مصالحهم ، و لا حسيب ولا رقيب ..

لا شك أن حياة ً بهذا الشكل هي كابوس بحد ذاتها للعاقل ، هذا بالإضافة إلى آلام الوحشة من المجتمع إذا كان الملحد في مجتمع ديني ، والتي تتنامى إلى حد الفوبيا ، و يحسب كل صيحة عليه .

من يسعد بالتغيير سعادة حقيقية دائمة ، هو من يخرج عن وضعه المتعب والمشتَّت وغير المتوازن إلى وضع مدروس ومنظم و مفهوم و مستمر و ممتد ، أي لا يحل مشاكل اللحظة فقط ، و لا يحل مشاكل الجسم فقط ، بل يحل كل المشاكل ، ويقدم أنواراً من كل الجهات تنير جميع مناحي الحياة ، سواء الفكرية أو النفسية أو المستقبلية واليومية أيضاً .

أتمنى مزيداً من التفكير للمرحلة اللاحقة (بعد الانفكاك) ، فالإلحاد ليس نهاية المطاف ، هو منطقة فراغ ليس إلا ، تنعدم فيها القيمة لأي شيء ، إلا من خلال المصلحة ، و كما قال فرانسيس بيكون أبو العلم التجريبي : "القليل من العلم يؤدي إلى الإلحاد ، والكثير منه يؤدي إلى الإيمان" ..  والمصلحة دائماً محكومة باللحظة الأقرب ، ولابد بعد الصحراء من واحة وارفة يستريح فيها ليس الجسم فقط ، بل حتى العقل والمشاعر . وهذا ما أتمناه لكل باحث عن حقيقة  ..

الكثير من الناس يحسبون أن السعادة تتأتى من الحرية بشكل مطلق ، لكن الحقيقة أن الإنسان مخلوق ارتباطي وليس مخلوق تحرري ، فسعادته الحقيقية هي في الارتباط بكل ما هو حقيقي ، و ليست في التحرر من كل شيء . وبهذا فالحرية تعني القدرة على الارتباط أيضاً ، مثلما تعني القدرة على الانفكاك ، بدرجة واحدة .

الشعور الإنساني لكي يشعر بالجمال ، يحتاج إلى تناسق ونظام ، وهذا ما لا تقدمه الحياة الإلحادية المادية ، سواءً في نظرتها للمستقبل أو للأخلاق أو لأساس الوجود ، فضلاً عن فقدانها لأي قيمة للوجود والحياة ، لهذا تخلو من الجمال في الحقيقة  .و قيود الجمال لا يريد الإنسان الفكاك منها أو التحرر .

لماذا حرم الله الزنا ؟!






لا يتسائل البعض عن سبب تحريم السرقة والقتل ، لأنهم يعتبرون تحريمهما عقلانياً , فعلى أي أساس قبلوا هذا التحريم؟ طبعاً على أساس المصلحة المادية الجسدية ، ومن هنا لم يعترضوا عليهما . مما يدل على اعترافهم الكامل بالمصالح المادية فقط .

على هذا : فهم يريدون أن يكون الدين كله من هذا النوع ، وبالتالي سيكون الدين مادياً كاملاً و دنيوياً كاملاً ، وإذا كان كذلك فلن يكون ديناً ، لأنه سيكون حقائق واقعية مثبتة وتشريعات بشرية ترعى المصالح ليس إلا .

العقلانية لها عدة أوجه وليس لها وجه واحد , فلها وجه مادي وعلمي، ولها وجه نفسي ، ولها وجه أخلاقي ، ولها وجه اجتماعي .. فلكل مجال منطقه .

 الماديون والملاحدة يأخذون الوجه المادي فقط من العقلانية و يريدون فهم الدين كله و الأخلاق من خلال هذا الوجه و إلا فلا, إذاً الخطأ عندهم خطأ منهجي. والدليل على أن تعميم الوجه المادي خاطئ ، هو أنهم لا يستطيعون أن يعمموه على حياتهم هم، فهم لا يستطيعون أن يضربوا الحشرات غير السامة بالخلاط مثلاً ، ويتناولونها كوجبة غنية بالبروتين ، مع أنها حقيقة مادية !! ولا يستطيعون أن يحتقروا كل الأخلاق وأن يرفضوا أن يتعامل معهم أحد بالأخلاق ، مع أن المنطق المادي لا يقيم أي وزن للأخلاق , لأنها عطاء بلا مقابل أكيد ، فهي ليست كالبيع والشراء. إذاً تعميم المنطق المادي على كل الحياة خاطئ ؛ لأن الإنسان ليس مادياً فقط .

ومن الجزء غير المادي في الإنسان نشأ الدين والأخلاق والذوق و الجمال ، والتي تتعارض كثيراً مع المنطق المادي ؛ فالذوق يرفض تناول تلك الحشرات، والذوق ينطلق من إنسانية الإنسان وليس شيئاً مفروضاً على الإنسان من الخارج , مثلما انطلق المنطق المادي من عقلية الإنسان . والذوق يجعلنا نقتني الزهور ونضعها في منازلنا ، مع أنه ليس هنالك أي جدوى مادية من الزهور! فما الزهور إلا نوع من النبات الذي يصلح علفاً ، حسب العقلية المادية , وتصلح غذاء حيوانياً كأي جزء من النبات!


العقلانية المادية لا تجعلك تثق بصديق ولا بزوج إلا بموجب أدلة قطعية الثبوت وبشكل يومي, كالكاميرات أو التقارير السرية . إذاً هم يطبّقون على الدين ما لا يطبقونه على حياتهم , وهذا دليل على الرفض المسبق للدين وليس بسبب العقلانية المادية , أي أن النتيجة سابقة على السبب, وهذا تناقض مشين، وأستغرب كيف يقبلونه! فالإنسان الصادق يعتمد منطقا يطبقه على كل شيء وليس بشكل انتقائي .

في موضوع الزنا ، نجد أن كل أنواع العقلانية ضده , بما فيها المادية أيضا ..

فمن ناحية الذوق : فهو يقلل من قيمة الإنسان وقيمة الروابط البشرية وينزلها إلى مستوى الغريزة الحيوانية بدلاً من العقل والأخلاق , أي أنه اجتماع على الغريزة وليس اجتماعاً على العقل و الثقافة والقيم والأخلاق .

ومن الناحية المادية : فهو باب لاختلاط الأنساب ، و ربما يربّي الإنسان طفلاً ليس من صلبه ، وهو باب لانتشار الأمراض مهما كثرت الاحترازات المأخوذة بالاعتبار . ولا ننسى صعوبة اتخاذ الاحترازات في مثل مواقف التهييج ، حيث تسيطر الغريزة على العقل و يكون المرء كالسيارة بلا مكابح , وهذا يفسّر لنا كثرة وجود اللقطاء والعدوى والأمراض الجنسية رغم وجود وسائل الاحتياط إلى حد ما.

ومن الناحية الأخلاقية : فالزنا باب لإثارة الغيرة والشحناء ، وباب لليتم ومآسي الأيتام وباب للخيانة وانتشار عدم الثقة وعدم الوفاء بالعـِشْرَة ..

و الزنا باب للاغتصاب, لأن الاغتصاب يأتي من الممانعة. ولا نستغرب ظهور أصوات في الغرب تنادي بحرية الاغتصاب، بينما الله يقول: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلاً} ، فسبيل الزنا يؤدي إلى الشرور .  

إذاً هي مجموعة من أبواب الشرور يفتحها الزنا مثلما تفعل الخمر ..

سد أبواب الشرور هو أهم حقوق الإنسان التي لم يلتفت إليها الفكر المادي الغربي ، بل هو الذي فتح أبواب الشرور على مصراعيه . كم عائلة تدمرت بسبب الإدمان على المخدرات والخمور والزنا ؟ و كم من شخص تدمرت حياته و أغرق بالديون بسبب جلسة قمار؟ و كم من إنسان فقد أملاكه بسبب الربا ؟


إذاً القرآن هو أكثر من رحم الإنسان من شر الإنسان ؛ بدليل أن القرآن حرّم هذه الأشياء ، والحضارة الغربية لم تحرمها ، إذاً فهي لم ترحم الإنسان, وحقوق الإنسان لم تهتم بالإنسان, وكأنها فتحت حلبات المشاجرة والصراع إلى الموت .

لماذا إذاً يوجد القانون بشكل عام على كل الناس ؟ و لماذا يمنعنا الحراس من دخول بعض الأماكن المحظور دخولها ، مع أن ليس كل الداخلين ينوون شراً ؟ وجود الحرّاس هو لسد باب الشرور التي قد تحدث . إذاً العقلانية يجب أن تـُطبـّق على كل شيء , وما سمّي المنطق منطقاً إلا لسريان مفعوله في كل وضع .

ومن ينادي بحرية الزنا ، عليه أن ينادي بحرية كل شيء حتى يكون عقلانياً , فلو سألنا : ما ضد العقلانية ؟ سيقال : العاطفية , إذاً : كيف تدخل العاطفية إلى العقلانية ؟ ليس هناك من مدخل إلا الانتقائية , إذاً الانتقائية هي ضد العقلانية ، و كل انتقائي هو غير عقلاني و بشكل مطلق و دائم . ومن مارس الانتقائية فقد كسر العقلانية , ومن أوّل انتقائية تـُمَارَس ، فسلـِّم لي على العقلانية ! سواءً في هذا الموضوع أو غيره.

وعلى كل من يتكلم عن العقلانية أن يحذر , لأنه سيُطالب بالتعميم . وما قيمة العقل إلا في التعميم ، وإلا لكان رأياًَ شخصياً. والأخلاق يجب أن تؤخذ كلها وإلا لوقعنا في الانتقائية ، والانتقائية غير عقلانية . كل هذا دون أن نلتفت إلى موضوع الإيمان الذي حرّم الزنا, و هذا بحد ذاته كاف لقبوله حتى لو لم نفهمه ما دمنا آمنـّا بالأساس. 

ثم هل من الأفضل فتح أبواب الشرور أم إغلاقها ؟ وتوظيف الغريزة بطريقة سليمة وصحية ؟ الزنا لا يبرره التراضي بين الطرفين ؛ لأن الموضوع لا يتعلق بالطرفين فقط ، بل هنالك أطراف أخرى , وكل البشر ينفرون من دور الدعارة ولا يحترمون روادها و رائداتها كثيراً , رغم التراضي الواضح و عملية البيع والشراء التي تجري فيها . إذاً الزنا بالتراضي هو مثل الزنا مقابل المال ، هذا في ناحية التراضي .

وهذا فضلاً عن الأثر النفسي الذي يحس الإنسان فيه أنه ليس مقبولاً لذاته ولعقله ولأخلاقه, بحيث تـُكال كلمات الحب دون أن تـُصدَّق , والتي تذوي وتذبل مع انطفاء الشهوة . وإلا فلماذا حـُرّم القمار مع أن هناك من يكسب فيه و يوجد طرف مستفيد؟ السبب هو أنه باب للصراع وللشرور و يجر على العداوة والبغضاء... إلخ . إذاً الله رحيم بالعباد .

لو فـُتِحَت حلبة للمشاجرات لمن أراد أن يتضارب مع غيره ، وليستمتعوا بالحرية الكاملة إلى حد القتل !! فهل سيوافق المجتمع ؟ بالرغم من أن هناك أطراف منتصرة! فلماذا حوصرت الحرية هنا ؟ إذاً الحرية ليست شيئاً جميلاً على الدوام . والعقل يقتضي سد أبواب الشرور , لهذا حـُرّمت النميمة لأنها باب للشر.

وفكرة أن "حرية الشخص تقف عند حدود حرية الآخرين" لا يطبقها الماديون والليبراليون أنفسهم , فكيف تجتمع هذه الفكرة مع فكرة الحرية ؟ وكيف تجتمع مع فكرة الصراع والرأسمالية في آن واحد؟ الرأسمالية تعيش على حرية الآخرين , والمال قوة لحرية الإنسان ، فإذا أخذتَ ماله قللت حريته , وهنا تزداد حرية الرأسمالي وتتقلص حرية الفقير . إذاً هي خدعة ليس إلا.


ويبقى السؤال : لماذا يتكرر هذا السؤال من قبل الملاحدة : لماذا حـُرّم الزنا ؟ ماذا يعني الدوران عند هذه النقطة بالذات؟ إنه يعني نقطة البداية للإلحاد , فبداية الإلحاد هي من الزنا في أكثر الأحوال , لأنه أقوى الشهوات ، ومنها بدأ الخروج عن الدين، وكانت فتنة بني اسرائيل في النساء .
 
والزنا من ناحية أخرى نفسية : يفتح الباب على الإدمان الجنسي ، وهو مرض بحد ذاته و له عيادات تعالج المصابين به ، وهو يفعل مثلما تفعل المخدرات ، لأنه يتكوّن و ينشأ بشكل متنامٍ ومتعدد ، فلا يقبل طعاماً واحداً , و لك أن تتصور ما يحتاجه ذلك من مال و جهد ووقت ، وما قد يسببه من انتقال الأمراض بسبب تنوع الأطراف التي لن تكون عفيفة أيضاً و مليئة بالبصمات المتنوعة . لا شك أن الذوق يمتعض من هذا الوضع ، كما أنه لا يمكن تصنيفه من عالم الفضيلة بأية حال من الأحوال .

ويستطيع أي شخص بهذه العقلانية البحتة أن يناقش لماذا حـُرّم زواج الأقارب , وهكذا على طول الخط .


والعجيب أننا نجد سؤال المادي الملحد يبدأ بعبارة : "أنا لا أستطيع أن أفهم لماذا حُرم كذا" ، و "لماذا رغـّب الدين بكذا" .. وهذا يحمل إشارة واضحة ، وهي أن العقلية المادية البحتة تـُضيّق من سعة عقل صاحبها ، لأنها ببساطة تحصره فقط في المادة ، فبالتالي لا يستطيع أن يفهم المشاعر البشرية إلا من خلال العقلية المادية ، ولأنه لا يستطيع الفهم ، فسيقول حينها : أنا لا أفهم . ولن يقنعه أي جواب إلا إذا كان جواباً مادياً .


إنسانية الإنسان ليست مادية , و لهذا يظل المادي في عدم فهمه إلا للمادة . ومن اختار شيئاً يحصر عقله فيه ، فحينها لا يستطيع أن يفهم غيره . إن المأخذ على الماديين هو : لماذا لم يجعلوا حياتهم كلها بموجب هذا المنهج ؟ أي أن يطبق ما يقوله على نفسه أولاً ثم يطبقه على الدين . إنهم لا يسألون المؤمنين : كيف تثقون ببعضكم دون أدلة قطعية مادية مستمرة ؟ ليتهم يسألون حتى نقول أنهم يطبـّقون منهجاً مادياً على كل شيء .


كثير من الملاحدة يحرّم زنا الأقارب ، مع أنه ليس محرّماً في شرعه ، ورغم وجود الفحوصات والاحتياطات . من يريد أن يقبل الزنا ، عليه أن يقبل به كله ، حتى زنا المحارم ، ليكون منهجياً , ليس هذا فحسب ، بل عليه أن يقبل بكل ما ينفر منه الذوق ما لم يقم دليل علمي على ضرره . ولا يليق بمقام العقلاني أن يتقزز من أي شيء إلا ما أثبت المختبر خطأه وضرره ؛ فتناول الصراصير بعد غسلها وتنظيفها وفحصها صحياً أمر يجب أن يفعله ليثبت عقلانيته ومنهجه .


هذا الموضوع يصلح موضوعاً لرواية كوميدية عن المادي الصادق المنهجي العلمي , الذي لا يعترف بالمشاعر إلا ما ثبت علمياً ومصلحياً بطريقة مادية , وطبعاً هذا لن يوجد !


إذاً تبقى المسألة مسألة عدم رغبة و ضعف أمام الغريزة ليس إلا ، ولا شأن للعقلانية بموضوع الإلحاد بتاتاً . أي أن من ألحد يلحد بدوافع عاطفية ليس إلا , مثل التذمر بأن الله ظالم ، أو أنني دعوته ولم يجبني ، أو لماذا يحرم علي شهوتي .. كلها عواطف وغرائز؛ وعليه فيكون هذا السؤال المطروح عاطفياً من أساسه.

وهذا السؤال لا ينبغي أن يـُطرح لوحده ، بل ينبغي أن تـُطرح معه مجموعة من الأسئلة ؛ لأن العقلية المادية لا تعتبر هذا الشيء (الزنا) هو الأمر الوحيد غير المفهوم ، فيجب أن تطرح مجموعة الأسئلة غير المفهومة - أو حزمة أسئلة العقل المادي - حول الدين والأخلاق والقيم البشرية التي يطرحها الفكر المادي جملة واحدة , ومن ضمنها المحبة , التي لا يستطيع أن يفهمها العقل المادي ؛ فلماذا ننجذب لأحد ونبذل طاقتنا ومالنا وجهدنا له دون جدوى مادية ثابتة وأكيدة ؟

إذاً على المادي ألا يسأل غير الماديين ؛ وذلك لأنه سيـُواجه بأسئلة أخرى . أما إذا كان يسأل منطلقاً من إنسانيته وليس من ماديته ، فهنا سيـُنظر إليه على أنه محترم للحقيقة .


مشكلة العقل المادي أنه نظر للإنسان كمادة فقط ، وهذا هو سر القطيعة بينه وبين كل ما هو إنساني وليس الدين فقط ؛ لأن هجوم الماديين امتد وتـَخطـّى إلى ثوابت أخرى غير الدين ، كالفضيلة والأخلاق ، و أخيراً الإنسانية على يد سام هاريس و غيره . هذا مع مهاجمة الفلسفة والمنطق والمنهج العلمي أيضاً . و سيبقى العقل المادي يهاجم كل ما يقف في طريق رغباته وما يريده ، حتى لو كانت الحقيقة نفسها , لأنه ابتدأ أصلاً بحرب الحقيقة من خلال حربه للدين ، وما يـُفتـَتـَح به يـُختـَتـَم به.

إذاً النظرة إلى الدين من خلال منطق مادي بحت باتت قديمة . عليهم أن ينتقدوا الدين من خلال مجموع الإنسان وليس من خلال جزءه المادي . ومجموع الإنسان موجود في عقل الإنسان . وإذا طـُبـّقـَت العقلانية المادية وحدها على الدين ، فلن يبقى شيء في الدين . 

ما الفائدة من الحج؟! .. إن المنطق المادي مرتبط بالفائدة المادية ، فهو يقبل تحريم السرقة لأنه وجد مصلحة مادية , ولكن كيف سيقبل بالحج و فيه خسارة مادية ؟

إن الدين للدنيا وللآخرة ، و هم يريدون الدين كله للدنيا ، وإذا أثبت عدم جدواه في الدنيا فهو فاسد .

ما الفائدة من الصلاة ؟! .. لا تستطيع المصلحة المادية أن تـُلزمنا بالصلاة ، لأن هناك من عاشوا ولم يصلـّوا أبدا , فهم يريدون أن يعمموا نظرتهم الخاصة على غيرهم.