الجمعة، 14 مارس 2014

الرد على فرية أن القرآن أمر الرسول بالاعتداء على المسالمين من غير المسلمين

ردا على مقال لأحد الكتاب:


جَزَاءُ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ (سورة المائدة 5:33)، ولم يقتصر القرآن على التحريض بقتال الكافرين فقط، بل تعداه التحريض على قتال المؤمنين من أهل الكتاب اليهود والمسيحيين وذلك من قوله: قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِا للَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (سورة التوبة 9:29)، وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (سورة التوبة 9:29)، ليس قتالهم بحسب، بل تعداه إلى نهب ممتلكاتهم وسلب أراضيهم وسبي نساءهم وأولادهم، وذلك من قوله: وَأَنْزَلَ الذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ (سورة الأحزاب 33:26 و27)،

لاحظ قوله تعالى: {ظاهروهم} أي تحالفوا مع قريش لاستئصال المسلمين, أليس هذا سببا لحربهم؟ والبادئ أظلم, و هم المقصودون في الآية السابقة التي تتكلم عن إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون, لماذا صاغرون؟ ليس لأنهم يهود بل لأنهم تكبروا على الحق وظلموا واعتدوا وخانوا الاتفاقية التي تنص على عدم التعرض للمسلمين وعدم التحالف مع أعدائهم.

الكاتب يجتزئ ويخرج الآيات عن سياقها ليصل إلى نتيجة يريدها, مع أنه كان بإمكانه أن يأخذ رأي القرآن بعد استعراض كامل احتراما للموضوعية, فهناك آيات تحدد آيات, لم يذكر الكاتب آية مثل: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء} ولم يذكر آية من مثل : {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} وهم من غير المسلمين بلا شك, ولم يذكر قوله تعالى:{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ولم يذكر: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا}.

أي كلام في العالم تستطيع أن تنتقي منه منتقيات وتنظمها بطريقة معينة إذا كنت تفتقر إلى الموضوعية, ومثل هذه الكتابات الانتقائية لا قيمة حقيقية لها وهي عيب على كاتبها عند العقلاء, وقد ينخدع بها البسطاء, والبسيط يهمه البسيط ولا يهمه العاقل ولا المفكر. القيمة الحقيقية لمن يقدم نظرة لمجمل النصوص. الانتقاء عمل غير محترم ويستطيع أن يقوم به أي أحد بسهولة, حتى من أراد أن يجد دليلا على تحريم الصلاة في القرآن يستطيع أن يجد! كأن يجتزئ قوله تعالى {فويل للمصلين}. لا احترام للانتقائية ولا قيمة علمية لها.

القرآن يأمر بالعدل حتى مع من نكرههم, وهذه الآيات نزلت في يهود بني قريظة وبني النظير الذين تواطؤوا مع قريش وأكنوا العداء وحاولوا قتل النبي, ولم يفوا بمعاهدتهم مع الرسول أول ما قدم المدينة.

 ويقول الإمام مسلم: قسم رسول الله أموالهم ونساءهم بين المسلمين ء ويقول القرآن في تصوير هذا الاعتداء الظالم: هُوَ الذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ (سورة الحشر 59:2ء4)،

لاحظ قوله تعالى:{شاقوا الله ورسوله} وليس لأنهم غير مسلمين, فهم حاربوا الله ورسوله أي لم يحترموا حرية الاعتقاد لغيرهم ولم يكتفوا بعدم الاحترام بل تجاوزوه إلى الرغبة بالتصفية الجسدية لمن أسلم ودبروا المؤامرات والاتفاقات, فكانت هذه الحرب من نصيبهم جزاءا وفاقا. ورعب قلوبهم هو الذي أخرجهم ولم يجربوا الصمود في القتال. كفار العرب صمدوا وقاتلوا ببسالة العربي أما اليهود فولوا مدبرين لكنهم لم ينسوا الأمتعة, مثلما خرجوا من مصر يحملون الأمتعة المادية, وهذا سؤال آخر: لماذا لم يقاتلوا ببسالة؟ و ما مصدر هذا الرعب الذي أصابهم أكثر من غيرهم رغم كثرتهم وكثرة قراهم حتى أنهم لا يقاتلون إلا من وراء جدر أو في قرى محصنة, بينما العرب قاتلوا في بيداء بدر بلا حصون ولا خنادق سوى سيوفهم ورماحهم, ومن كان بيته من زجاج عليه ألا يقذف الناس بالحجارة. لم يكتب الله على اليهود أن يقتلوا أو يعذَّبوا بل كتب عليهم الجلاء كما توضح الآية, هم خربوا بيوتهم بأيديهم حسدا حتى لا يستفيد منها المسلمون بعد جلائها, ولكي ينهبوا منها كل ثمين.

لقد كان هؤلاء اليهود جيران سوء للمسلمين ويضمرون العداوة حسدا من عند أنفسهم كما أخبر القرآن, لأنهم أرادوا أن يكون النبي منهم وليس من العرب الجوييم المحتَقَرين, كما قال تعالى: {هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم} والأميين هم الجوييم عند اليهود أو الحوييم لأنهم يرون أنفسهم أنهم أهل الكتاب وحدهم, ولا يريدون كتابا لله عند غيرهم, وكانت صدمة قوية لكبريائهم بعد أن تعودوا أن يكون الأنبياء منهم حتى عيسى عليه السلام أمه يهودية, تلتها صدمة تغيير القبلة عن بيت المقدس قبلة اليهود إلى مكة مهوى أفئدة العرب, و كان في هذا إعلان لتحول الكتاب و الكلمة منهم إلى المسلمين ومن بيت إسرائيل إلى بيت إسماعيل إلى الأبد, لأن الله غضب عليهم لعدم احترامهم للأنبياء بعدما قتلوا يحيى وتآمروا على قتل عيسى السابقيَن لمحمد بعد اتهام أمهاتهما الطاهرات بالزنا, بل قتلوا أكثر كما قال تعالى: {فريقا كذبتم وفريقا تقتلون}. ومثلها صدمة أنه خاتم الأنبياء أي لن يأتي نبي لليهود مرة أخرى, لا تحلمون! فكيف يبعث الله نبيا من العرب الأميين أي الجوييم وجيران اليهود المحتقَرين؟! القضية عنصرية, لهذا حاربوا الله وحاربوا رسوله وحاولوا قتله عدة مرات, وحاربوا الله لماذا غير وجهته عنهم وأرسل رسوله من غيرهم, وهو خاتم الأنبياء حتى فلا نبي بعده, وهذا جذر عداوتهم للإسلام لأن المسلمين أصبحوا أهل الكتاب الحقيقي بدلا منهم ولم يعودوا أميين, (والمقصود هو ليس كل اليهود طبعا لا قديما ولا حديثا, لكنهم أهل السيادة والكلمة العليا فيهم مع الأسف). وفعلا قامت الحضارة حتى الحديثة منها على اساس من هذا الكتاب الذي لم ينزل على يهودي كالعادة, فنشأ الحسد في أنفسهم إلا الطيب منهم, لأنهم كان يستفتحون على أهل المدينة بقرب ظهور نبي سوف يسحق العرب وفعلا ظهر النبي لكنه ليس منهم بل من الجوييم, وكان ذلك ضربة قوية لعنصريتهم المغرورة, لأنهم اعتقدوا أنهم أبناء الله وأحبابه وأن بينه وبينهم عهد وأن هذا العهد في تابوت عندهم ينقلونه أينما ذهبوا.

ولا أدري لماذا يوجد من يتباكون على حرب النبي لليهود ولا يوجد من يتباكى على حرب النبي لقريش مثلا ؟! مع أن هؤلاء الذين يتباكون عرب! فكيف عربي يبكي على يهودي ولا يبكي على عربي! عرب مكة هم الذين حصل فيهم القتل أكثر من اليهود, اليهود أجلوا و سُمح لهم بأخذ ممتلكاتهم معهم, لكن قريش قتل منها المئات في معركة بدر, فما بالك ببقية المعارك ولم نجد عربي يتباكى عليهم! كل البكاء لليهود أصحاب حائط المبكى! الحرب العالمية الثانية قتلت خمسين مليون, ولا يُبكى إلا على اليهود فقط! فما حكاية هذا البكاء وكأن البقية ليسوا بشرا؟! شيء عجيب أن تبكي على شعب آخر ولا تبكي على شعبك! وإن كنت ملحدا عربيا فالأولى أن تبكي على كفار قريش لأنهم عرب على الأقل وأقرب للإلحاد من اليهودي الذي يؤمن بإله واحد, و ما هذه العين التي مثل عين عذاري تسقي البعيد ولا تسقي القريب كما يقول المثل, ما القصة إذن؟ ما أكثر أن تجد ملحدا يبكي على يهود مع أنه يحارب الأديان! ويطالب بحقوق اليهود الدينية مع أنه ضد الأديان, ولا يطالب لكل الأديان بل يطالب لدين اليهود فقط! و لا أدري إن كان هذا الكاتب منهم أو لا, لكن حائط مبكاه هو الذي أوقفني.

المسلمين في صدر الإسلام حاربوا الكثير ليس فقط اليهود لكن لا نجد لهم ناعيا ولا بواكيا فقط نجد لليهود اليهود اليهود, اليهود مساكين اليهود ظلموا.., وكأنه لم يُظلَم أحد في الدنيا إلا هم! نعم للوقوف ضد الظلم بالمساواة دون تفرقة عنصرية حتى في البكاء. ترى ما السر؟ و لماذا اليهود فقط مظلومون وقريش وثقيف ودوس ومضر وربيعة ليست مظومة؟! علامات تعجب لا جواب لها!


وبدون حساسية يا صديقي ألا ترى معي صعوبة تقبّل العقل والضمير معاً أن يكون مثل هذا الاعتداء الوحشي وهذا السلب هما تعاليم دينية من عند الله؟

كلا هذه ليست تعاليم دينية من عند الله, هذه حالة لها حكمها ومبرراتها وكلها مذكورة في القرآن أمام عين الكاتب, فالقتال في الإسلام ضرورة وليس تعاليم, لأن الإسلام دين السلم, قال تعالى {وإن جنحوا للسم فاجنح لها}, وقال {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} أي بما فيهم غير المسلمين, وقال {لا إكراه في الدين}.

هذا الكاتب يخلط بين السياسة والدين, يريد أن يسمي ردود أفعال سياسية وأمنية بأنها تشريع ديني, فقط لأنها ذكرت في القرآن, وينتقي منها صورة المعركة ويقول: انظر القرآن يأمر بالقتال فقط لأنهم غير مسلمين! تاركا بقية الآيات المحدِّدة لمن يجب أن يقاتل ومن يجب ألا يقاتل. التشريع في القرآن هو رد المعتدي وهذه حالة معتدي و رُدَّت, وبما أن اعتدائهم كان بقصد القتل والإبادة جاء جزاءهم ألطف مما أردوا وهو الجلاء, فإن كنت باكيا على أعداء الرسول فلتبك على العرب الذي قُتلوا وليس على من أجلوا بأمتعتهم! حتى البكاء يحتاج إلى منطق.

 أنت يا صديقي ادّعيت بأن الإسلام لم يعتد على أحد، ولم يسلب مال احد، ولم يسفك دماء أحد، ولم يسب النساء والغلمان، فكيف يتفق هذا مع واقع القرآن والسيرة؟ وهما زاخرين بمثل هذه الجرائم الخطيرة في حق البشرية لا شيء سوى لمخالفتهم في الدين، وهل هذا سبب كاف لسفك دمائهم ونهب بيوتهم وأراضيهم وسبي نسائهم؟

كلا, هذا اختصار مخل وغير منطقي ولا موضوعي ولا محترَم أن ترجع كل القتال لكونهم غير مسلمين فقط! لا القرآن ولا السيرة ولا التاريخ يؤيد هذا الاختصار المخل, خصوصا وأنت تقرأ الآيات الكثيرة التي تؤكد على عدم الإكراه في الدين, كيف تقول أن القرآن يقول هذا رغم كثرة الآيات التي تصرح بأن الإسلام من عدمه شأن شخصي؟! وأن العقاب على رفض الإسلام في الآخرة وليس في الدنيا.

هذا الكاتب المنصف لم يذكر ولا شيء عما ما فعله هؤلاء الذين قاتلهم الرسول دفاعا عن النفس, وكأنهم لم يفعلوا أي شيء مسالمين آمنين في بيوتهم فقط أنهم لم يسلموا! هذا ما يحب أن يتصوره! هذا ضحك على العقول والذقون, وأعتقد أن الوعي العام قد ارتفع عن هذا المستوى من الدعاية الفجة. اقرأ فقط ما فعلت قريش وكيف عذبت المسلمين الأوائل ومنهم من مات تحت السياط وكيف طردوا المسلمين ونهبوا ممتلكاتهم وتآمروا على قتل الرسول وهربوا لاجئين إلى المدينة ليجدوا عداء اليهود بالمرصاد, وهذا باختصار, بعد أن اتحد اليهود وكفار العرب على محاربة الدين الجديد كل له أهدافه الخاصة به, لكن عدوهم مشترك.

 لقد بدأ الإسلام دعوته سلمياً، ولم يكن سلاماً نابعاً من قوة، بل كان سلاماً ظاهرياً تمليه عليه حالة الضعف والوهن الذي كان عليه قبل اتجاهه للقوة والإعداد للحرب القتالي، وهذا أسلوب بشري صرف وليس له أدنى صلة بأساليب وتدابير الله الذي ليس من مشيئته قهر الشعوب بل إقناعهم ، والاقناع لا يتم بالسيف بل بالكلمة ء وقد حاول الإسلام التشبه بالرسالات السماوية فبدأ بالكلمة،، لكنه لم يأت بتعاليم جديدة تجذب الناس إليه ء وظل لمدة تزيد عن عشر سنوات دون أن يحقق أي نجاح في انتشار دعوته بين الناس ء ولولا حماية عمه أبو طالب وزوجته خديجة ما كان النبي صاحب هذه الدعوة استطاع البقاء طوال هذه السنين، وهي عوامل بشرية لا تمت للتأييد بالأمر الإلهي

لاحظ عبارة الكاتب :" ولولا حماية عمه أبو طالب وزوجته خديجة ما كان النبي صاحب هذه الدعوة استطاع البقاء طوال هذه السنين" هذا الكلام يفضح وجهة نظر الكاتب السابقة بأن حروب الإسلام كانت اعتداء على آمنين لم يسيئوا للمسلمين بشيء فقط لأنهم غير مسلمين, فغالط نفسه وفضح نفسه! هاهو يثبت أن الرسول كان يراد أن يُستأصل هو  وأصحابه رغم اعترافه بسلميتهم في تلك الفترة! إذن من المعتدي على الآخر؟! ومن الكذاب الآن؟ لاحظ هذه الكذبة انكشفت بعد أن وصف الكاتب الإسلام بالكذب! فوقع به هو! فسبحان الله هذا شيء عجيب, (هي الحنيفة عين الله تكلؤها *** فكلما حاولوا تشويهها شاهوا).

لاحظ من تلاعب الكاتب بالعبارات أنه مرة يتكلم عن القرآن ومرة يتكلم عن الإسلام, ويختار كلمة إسلام إذا أراد أن يجر كل غلطات التاريخ ليلصقها في القرآن, ويتكلم عن القرآن إذا وجد آية يجتزئها تناسب طرحه, وهذه اللعبة التبادلية بين الإسلام والقرآن لا تنم عن موضوعية فالمسلمون بشر, والقرآن كلام الله, وكلام الله لا يُحشر معه كلام البشر أو فعل البشر, بل يُدرس لوحده, هذه هي الموضوعية, ويُدرس تاريخ البشر لوحده. وما لم يجد الكاتب في كلام الله يجده من البشر ليجعل الشيئين مختلطين وكأنهما شيء واحد, فمرة يفصل ومرة يدمج تبعا للعبة الضحك على العقول.

البداية السلمية لا يعني أن الأمور سوف تستمر سلمية, لأن كل تصعيد يحتاج إلى ردة فعل والأمور على بداياتها, فالإسلام بدأ سمليا كما يقول الكاتب إذن هذا هو تشريعه فالأمور على منطلقاتها, فالرسول لم يهاجر إلى المدينة ليجمع جيشا ويقاتل مكة وهي لم تفعل له شيء, أهل مكة اضطروه للهجرة, لو كان فعل هذا لحق للكاتب الذي يعترف بأنهم تآمروا على قتله مع أنه سلمي, إذن هذا هو الإسلام إذا لم يحارَب مثلما بدأ بمكة:سلمي إلا إذا اعتُدي عليه, (إذا لم تكن إلا الأسنة مركب ** فما حيلة المضطر إلا ركوبها), والله يقول: {كتب عليكم اقتال وهو كره لكم}, وفي كل العالم تبدأ الاعتراضات والمظاهرات سلمية لكن ليس على كل حال تنتهي سلمية, فهل تقول أن كل الثوار في العالم وعبر التاريخ خائنون لمبادئهم؟ هذا غير منطقي ولا أخلاقي لأن هناك شيء اسمه دفاع عن النفس الذي يقتضي المواجهة. والكاتب أثبت أن حياة الرسول كانت في خطر من القرشيين هو وأصحابه مع أنهم سلميين كما أثُبت هو! إذا كنت أنت تريد السلمية فهذا لا يعني أن خصمك يريدها مثلك وقريش والكفار لم يبدؤوا سلميا كما بدأ المسلمون, و حق الرد في الوقت المناسب محفوظ لكل من يُعتدى عليه وهذا في القانون الدولي, فليس منطقيا أن يحارب الرسول قريش ببضعة أشخاص معه, فالحرب لها أصولها تحتاج إلى العِدد والرجال.

والرسول في مكة والقرآن معه لم يقل أدر خدك الأيسر لمن صفعك على خدك الأيمن بل قال اصبروا حتى يأتي الله بفرج من عنده, لو كانت مبادئ الإسلام المكي مثل مبادئ المسيحية لحق لك أن تقول أنه بدل مواقفه حين صار قويا, لكن أن يرد في الوقت المناسب فهذا من الحكمة لأن الله لا يأمر بالتهلكة, ولم يكن القرآن المكي يداهن عبدة الأصنام, بل كان ضدهم على طول ودون محاباة أي أن العداوة موجودة قبل الأمر بحمل السلاح, لو كان يمدحهم ويداهنهم لحق لك أن تقول أنه بدل رأيه, لكن القرآن كان ينزل عليهم كالمطارق رغم ضعف المسلمين, والذي يقول لهم القرآن هو محمد وأصحابه الضعفاء, وقول الحق هو الذي جر عليهم عداوة الأشراس المتكبرين الماديين. القرآن المدني لم يغير مبادئ القرآن المكي, وكما سماهم في مكة كفارا سماهم في المدينة كفارا وتوعدهم بعذاب الآخرة, ونهى القرآن المدني عن الاعتداء وأمر بالجنوح إلى السلم واستنكر إلزام الناس بالدين, {أفنلزمكموها وأنتم لها كارهون} لكنه أمر لنبيه أن يقاتل المتآمرين عليه وعلى أصحابه بعد أن صار لهم منعة في المدينة, قال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلِموا} فأذن للذين يقاتَلون أن يقاتلوا لأنهم مظلومون, وهذه الآية تبين لك مبدأ القتال في الإسلام وهو دفع الظلم المتعلق بالحياة وحق البقاء, والآية تبين أن المسلمين كانوا يقاتَلون من قبل كارهي الإسلام قبل أن يؤذَن لهم بالدفاع عن أنفسهم, لم يؤذَن لهم إلا بعد أن تبين للجميع أنهم ظُلموا وأخرجوا من ديارهم بلا ذنب حتى أنهم فروا بدينهم إلى الحبشة تاركين أهلهم وأولادهم وأملاكهم فقط لأنهم قالوا لا إله إلا الله, { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ}.

والمغالطة الأخرى التي ساقها الكاتب أنه صور أن إسلام الدعوة لم ينجح مما اضطر محمد أن يصطنع الجيوش ليلزم الناس بدين, وهي فرية غير موفقة كسابقاتها, فكيف تأتي الجيوش ما دامت دعوته فاشلة؟!! أليست الجيوش أفراد يحتاجون إلى اقناع بالدين الجديد؟! أم أنه حمل سيفه هو تحت الشجرة بعد أن حاصر مجموعة من حجاج يثرب وأكرههم على دينه وإلا قتلهم!! لماذا تذمرت قريش وضجرت وتآمرت على إخراج الرسول مادامت دعوته فاشلة ولا يريدها أحد؟ ثم الوفود التي جاءت إلى الرسول تبايعه من أصقاع الجزيرة العربية هل كانت مكرهه بالقوة رغم أنهم لم يأت إليهم جيوش؟ وأهل اليمن الذين تقبلوا الإٍسلام من أنفسهم وبلا فتوح هل كانوا مجبرين؟ وأهل مصر وشمال أفريقيا الذين تقبلوا الإسلام وغيروا لغتهم إلى العربية هل كانوا مجبرين على تغيير اللغة بالسيف أيضا؟! لماذا لم يغير الفرس لغتهم مع أن أرضهم مفتوحة؟ و أقباط مصر لماذا لم يجبروا بالسيف على الإسلام أليس يجبر الناس بالسيف؟! وهم ناس؟! وثلثي المسلمين الآن كلهم أسلموا ولم تُفتح ديارهم يوم من الأيام وما زال الإسلام ينتشر حتى اللحظة حتى في أمريكا وأوروبا التي تعاني من الإسلاموفوبيا, هل السيف وراء لك؟ أي سيف هذا؟! هل رأيت أن هذه فرية ضعيفة جدا لا يتطابق معها لا الواقع ولا التاريخ ولا تصلح للإعادة مرة أخرى. متى فتحت أندونيسيا وماليزيا وبقيادة من؟ ودول غرب أفريقيا ومسلمي أمريكا والصين والفلبين وغيرها وغيرها. هذا الكاتب مثل من يريد أن يحارب الشمس بغربال في يده, خيوطه أضعف من خيوط العنكبوت.


 كل الموضوع صحيح لو أنه بدل المواقع وتكلم عن المسلمين بدلا من اليهود أو المشركين لأنهم فعلا هم الذين قوتلوا وهم سلميون وتعرضوا لاضطهاد ديني وتآمر شرس, فكان من حقهم أن يدافعوا عن أنفسهم, هذه السلمية أثبتها الكاتب من حيث لا يقصد! وبالتالي رد على نفسه بنفسه. الذي وقع فيه الكاتب هو من تقليب الأمور الذي أشار إليه القرآن فالرسول وأصحابه هم الذين أوذوا وقوتلوا بلا ذنب رغم سلميتهم فلما دافعوا عن أنفسهم صاروا قتلة ومجرمين في نظر الكاتب وأمثاله من المنصفين جدا! 

الثلاثاء، 11 مارس 2014

العلاقة بين المادي والمعنوي واستحالة كسر الحواجز البرزخية بينهما



من يطلب دليل علمي مادي لقضية معنوية كالإيمان أو الحب فهذا لا يعرف طبيعة العلم. لا يُطلب الدليل المادي إلا لقضية مادية, على المادة نفسها أو تصرف بشري متعلق بالمادة, ففي قضية: من السارق؟ تحتاج أدلة مادية لأن العمل مرتبط بمادي والمادة ستكشفه, فأنت تجد المسروقات هذا دليل وتجد شهود هذا دليل آخر..إلخ, هذه أدلة ثبوتية قطعية, وأيضا ستجد أدلة مساندة كأن تكون حياته تغيرت وصار أغنى وأنه شوهد يتردد على المكان من قبل. وأي إدانة يجب أن تحمل أدلة أساسية وأدلة مساندة, حتى لو اعترف الشخص لكن بدون أدلة أساسية أو مساندة فيجب ألا نعترف باعترافه فقد يكون مدفوعا له لسبب أو لآخر, فيجب أن نفهم الحدث كله, فالاعتراف يجب أن يصدّق بالأدلة.

كما يقول العوام المتدينون عن الأشخاص المقدسين في أكثر الديانات كذلك يقول الملحدون عن العلم, فالديانات الخاطئة تعظم أشخاص وتراهم قادرين على الخوارق والتحكم بالطقس والتغيير بالمادة عن بعد, فالعوام المتدينون يدخلون المعنوي على المادي, والملحدون الماديون يدخلون المادي على المعنوي, وبينهما برزخ لا يبغيان, ومن يقع بهذا الوضع هو لم يفهم لا المعنوي ولا المادي, لأنه لو فهم المادي لما توقع أنه سيقتحم المعنوي, ولو فهم المعنوي لما توقع أنه سيقتحم المادي, فتلك كلها مفاهيم بشرية وكلها قائمة على الظن.

هناك فاصل بين المادي والمعنوي, فالمادي والمعنوي يعيشان مع بعضهما ولا يختلطان ببعض إلا بإرادة الإله, ولا يستطيعان الثبات على الارتباط مما يدل أن هذه الثنائية لم تربط نفسها, فرغم حرص الأحياء على الحياة إلا أنها تفارقها مجبرة:
الموت آت والنفوس نفائس *** و المستعز بما لديه الأحمق. (المتنبي).
فلو أن الحياة تخرج بنفسها من المادة أو أن المعنوي نفسه يُخرج مادة, أو على الأقل لو أن المادي يستطيع أن يلامس ويتحكم بالمعنوي أو أن المعنوي يستطيع أن يلامس المادي ليتحكم به لجاز كلام الفئتين (الملحدين وبعض المؤمنين), وبما أن هذه المعبودات من بشر أو حيوان أحياء أو أموات أو جماد مفروض عليها كينونة معينة: إما مادية فقط مثل الأوثان أو القبور, أو معنوية فقط مثل أرواح الموتى, أو كينونة مادية-معنوية مثل الأحياء, فكلها لا تستطيع أن تتحكم بكينونتها, إذن كيف يُطلب منها أن تتحكم في كينونة غيرها؟ وبما أنه لم يحدث أبدا أن خرج شيء من المخلوقات عن كينونته وتدخّل بكينونة أخرى إذن فالجميع مخلوقون بدون إرادتهم؛ لأنه لا توجد ولا كينونة وُجِدت بإرادتها, إذن فالأشياء والأحياء كلها مخلوقة وملزَمة بكينونة معينة, و لا يوجد من يستطيع أن يغير كينونة غيره بدليل أنه لا يستطيع أن يغير كينونته هو, فمن الذي استطاع أن يغير كينونته حتى نتوقع أن يغير كينونة غيره؟  

هناك من يستطيع أن يتحكم بالكينونات بدليل التحويل من كينونة مادية-معنوية إلى كينونة مادية فقط بالموت, والتحويل من كينونة مادية إلى مادية-معنوية بالولادة, وهذا ينفي كل الخرافات وكل الديانات البشرية المنحرفة بما فيها الديانة الإلحادية المتلبسة بالعلم التي تظن أن المادة تستطيع أن تتحكم بالمعنوي وتطمح إلى تحويل المعنوي إلى مادي أي إلى كسر البرزخ وتغيير الكينونات. هذا يقود منطقيا إلى وجود خالق ليس موجود على الأرض, ففلسفيا هذا الخالق ليس على الأرض بل في السماء, قال تعالى: {أأمنتم من في السماء}, لأنه لو كان موجود في الأرض لكان محكوما بإحدى الكينونات, وسيطالَب بالتحرر من كينونته أو التأثير في الكينونات الأخرى, لكن الواقع أنه لا المادي يستطيع أن يتصرف بالمعنوي ولا المعنوي يستطيع التصرف بالمادي وكل له قوانين متعاكسة مع الآخر, وهذا ينفي فكرة التطور, وهذا يدل على وجود إله هو الذي جمع بينهما والله هو الوحيد القادر على كسر البرزخ بينهما, بحيث يجعل المادي معنوي كأن تتكلم الأيدي والأرجل أو ينطق الصخر والجذع, وجعل المعنوي مادي كما في جسم الإنسان تلابسه الروح وتتصور أن المادة هي التي تتكلم, لكن إذا خرجت الروح عادت المادة إلى طبيعتها الجامدة, مع أن التكوين المادي وهو حي هو نفس التكوين وهو ميت.

وجود هذا البرزخ بين المادي والمعنوي وعدم وجود التداخل بينهما يدل أن الجميع محكوم المعنوي و المادي ولا يمكن التداخل بينهما, واللباس المادي لحياة معنوية يدل على الخلق, أي أن هناك قدرة تستطيع أن تدمج بينهما, لكن الجميع ضعيف: المادي والمعنوي, وهذه القوة هي القادرة على الفصل بينهما, ومادامت قادرة على دمج المعنوي بالمادي كما في الإنسان والنبات والحيوان هذا يعني أنها قادرة على أن تدمجهما في شيء آخر, لأن هذه القدرة الإلهية تجمع المادي والمعنوي وتفككهما ولا أحد يقدر أن يفعل شيء, فكل يوم حالات الولادة وحالات الوفاة, حالات دمج وحالات فك.

وهذا يبطل فكرة أن السحر يؤثر بالماديات وفكرة تحريك الأشياء عن بعد أو ما يسمى بالحاسة السادسة, فهذا لا يمكن لأن لو صار لأصبح الساحر قادرا على الخلق لأنه يستطيع أن يتحكم بالكينونات, لكن السحر يؤثر معنويا فقط لكنه لا يغير بالمادة حتى أن السحرة جعلوا موسى يرى الحبال كأنها حيات لكن هذا تخييل وليس حقيقة, مثل خداع البصر, مثلما وأنت خائف ترى الشجرة وهي تتحرك وكأنها شبح, فلو كان الساحر يستطيع أن يحول قطعة إسفنجة مثلا إلى كمنجة حقيقية بالسحر وليس بالصناعة إذن سنصدق أنه يستطيع أن يخلق.

لا يستطيع أحد أن يبني روابط جديدة بين مادي ومعنوي أي ينشئ حياة, ولا يستطيع أحد أن يثبّت حياة, وهذا يدل على وجود إله هو الذي يحيي ويميت.

أي إشكال فلسفي يحله الفصل بين المادي والمعنوي(قانون), فمشاكل العقل البشري هي دائما الخلط بين المادي والمعنوي, فالمعرفة يسمونها معرفة دون الفصل بين المادي والمعنوي, والإنسان يقولون إنسان دون الفصل بين المادي والمعنوي فيه, و دوافع البشر لم يفصلوا فيها بين الدوافع المادية والمعنوية, وكل الفلسفات تفسر دوافع الإنسان إما مادية فقط مثل الشيوعية أو معنوية فقط كبعض الأديان والتصوف, والماديون يتصورون أن العلم سيفهم حتى المعنوي, والمعنويون يتصورون أنهم يستطيعون التأثير حتى بالمادة كغلاة المتصوفة, لكن لا تتم المعرفة الحقيقية إلا بالفصل بين هذين الإثنين.
  
الكينونات (الكينونة المادية والكينونة المعنوية) لا تتداخل ولا يؤثر بعضها في بعض (قانون). إذن لا يستطيع أحد أن يؤثر معنويا بالمادي إلا الله لأنه يقول للشيء كن فيكون, فالله ليس ملزما بأن يأتي بمادة لكي تؤثر بالمادة كما يفعل البشر, فحتى تقطع الشجرة لا بد من فأس وقوة ضاربة, حسب قوانيننا لا يؤثر بالمادة إلا المادة لكن الله يقول كن فيكون, والمعنوي لا يغيره إلا المعنوي لا يغيره المادي, إذن السعادة والاطمئنان لا يأتي بهما المال, ولو استطاع أحد أن يتحكم بالكينونات لكان شريكا لله. وإذا أقررنا بوجود أحد يستطيع التحكم بالكينونات فكأننا نقر بشريك لله سواء كان ساحر أو قديس أو شيخ طريقة .. إلخ, وهذا القانون ينفي الكثير من الاعتقادات الشرقية كقدرة الإنسان على المشي على الماء وتحريك المواد عن بعد, وينفي فكرة الكرامات أيضا, فإذا كان الرسول نفسه لم يكن له معجزات فلماذا واحد من أتباعه يكون له كرامات معجزة؟ فالناس في اختبار وبما فيهم هذا الذي لديه كرامة, والاختبار هو إيمان بالغيب وهذا رآه شهادة, فكيف سيكون في اختبار هو ومن رآها معه؟

كسر الحواجز البرزخية بين الكينونات نجد أنها لم تكن إلا في حالة طلب المعجزات, وإلا ليس لها حاجة لأن الكون منظم على قوانين فإذا كانت هذه القوانين تُختَرق في كل مكان هذا يفتح المجال لتكون ديانات غير عبادة الله بناء على الخوارق, والله لا يريد أن يضل الناس, ولو كان يريد الله أن يضلهم لجعل للشيطان خوارق, والشيطان ليس له خوارق وإلا لعبده أكثر الناس, فليس لديه إلا الوسوسة, و أستغرب ألا يكون للشيطان خوارق بينما المسيح الدجال له خوارق كإحياء الموتى والجنة والنار كما يُذكر. و الكرامات تفتح الباب للدجالين والكذابين وبالتالي تقديس أشخاص معينين مما يبعدهم عن عبادة الله ويقربهم للشرك, وما كان الله ليجعل هذا الشيء ليضل الناس خصوصا وأنه لم نرى ولا كرامة رآها أحد بشكل مشهود وعلمي وإلا لكانت ظاهرة غريبة, وكيف يضع الله قوانين وسنن كونية للدنيا ومن ثم يكسرها؟ قال تعالى: {ولا تجد لسنة الله تبديلا}.   

من المفترض أن يكون الدين الجزء الغيبي الوحيد فيه هو الإيمان بالله وما يتعلق به مما قال, لأن الاكتفاء بهذا الجزء ستؤيده كل الأدلة المادية والمعنوية أي يؤيده العقل والإحساس, والخرافات التي تدخل بالأديان هي تركب كطفيليات على هذا الأساس الذي يؤمن به الناس.

الإلحاد لا يصنع مثقف ولا يصنع مفكر , لأن ليس له قضية حقيقية غير الإباحية فقط, أما الدين فيدفع للعلم ويعطي دافعا للتعلم, فالدين يأمر بالمعروف فعليك أن تعرف المعروف ويأمر بالحق فعليك أن تبحث عن الحق ويأمر بالأخلاق فعليك أن تبحث عن الأخلاق ويأمر بالصبر فعليك أن تبتكر أساليب ووسائل للتكيف والتحمل, ويأمر بالعلم فعليك أن تبحث عن المعرفة, لهذا قال سقراط أن الفضيلة هي المعرفة, وتصحيحا لكلام سقراط فالفضيلة ليست هي المعرفة لكنها تحتاج معرفة؛ لأنه إذا عرفت أن الشيء سيء ستبتعد عنه وإذا عرفت أنه حسن ستعمله, فالفضيلة اختيار والمعرفة تأتي بعد الاختيار.

كثير من الناس يشعرون بالرغبة بالتصديق بالخوارق, وهذا لا يدل على أنه حاجة عند الإنسان بقدر ما يدل على سطحية عقولهم, مثل من يعتبرون الأحلام والمنامات دليلا على رضا الله عن شخص ما مثلا, وهذا دلالة على ضعف الإيمان, فهؤلاء كأنهم يطلبون أدلة على الغيب و هذا لا يدل على فهم لقضية الاختبار, إذا اعتبرنا الرؤيا هذه من الله فكأن علم الغيب الآن تدخل وقال كلمته وكأنه كشف الغطاء الغيبي, مع أن الله أخبر أنه لن ينكشف إلا بقيام الساعة, وهذه الأحلام لا تعني صلاحا للشخص, فالأحلام تبقى في إطار الغيب ولا يُقطَع بها فربما تكون إشارة لكنها ليست قطعية, فعالم الأحلام ليس عالم يقيني فمهما رأيت فهو يظل في إطار الغيب وإلا ستنكسر فكرة الاختبار, أما موضوع الأنبياء فموضوعهم مختلف لأن رؤيا الأنبياء حق.

عقل الإنسان لا يتحكم بالمادة فلا يستطيع أن يقول لدمه أن يتوقف, فأنت لا تستطيع أن تتحكم بجسمك المادي معنويا بالكامل ولا تستطيع أن تستعيد جزء من جسمك فقد الحياة إلى الحياة مرة أخرى, هذا يدل أن المادي والمعنوي مندمجان معا بقوة مسخرة مع أن قوانينها متعاكسة, وليس أحدهما خلق الآخر, وإلا لطبعه بقوانينه ولم يجعله بقوانين مضادة له مما ينفي تطور الحياة من المادة أو المادة من الحياة ويسقط نظرية النشوء والارتقاء منطقيا, لأنه لا يوجد أحد يستطيع أن يوجد حياة في المادة لم توجد فيها من قبل, فأنت لا تريد أن تتعب لكن جسمك يتعب ولا تريد أن تشيخ لكن جسمك يشيخ وتريد أن تكون طويلا لكن جسمك يرفض, فهما ليسا متصالحان مع بعضهما بل متنافران بدليل أنه لا يوجد أحد معجب بجسمه تمام الإعجاب ولم يختره ولا أحد معجب بقدراته, لو كانت الروح متطورة عن الجسم لكانت راضية عن ذلك الجسم, فلا يوجد أمل أن يتغير هذا الجسم مع أن المعنوي غير راض عنه, لو كان هناك أمل بالتغير لصار التطور, فإنسان شعره أسود لكنه يريد أن يكون أشقر لكنه لا يستطيع وليس هناك أمل أن يتغير (إلا بصبغة كيماوية), إنسان جسمه قصير ويريد أن يجعله طويل لكنه لا يستطيع, إذن جسمك مسخر لك في حدود التسخير ولو كان ملكك لتحكمت به دائما, ولو كنت ملكه لتحكم بك دائما وجعلك تعجب بالجسم القصير, فالجسم والروح مجتمعان ولا أحد منهما يتحكم بالآخر, إذن تحكمك في جسمك ليس كامل وفي حدود التسخير واستمراره معك ليس بيدك, وإذا تحلل الجسم بموجب القوانين سيتركك, فسخره الذي سخر الشمس والقمر وسخر الرياح والسحاب لكي تعد لك الطعام والمأوى والنور وهذا ما لم يوجد في الكواكب التي عرفها الإنسان, فإذا كان الجسم جسمك فلماذا لا تتحكم به كاملا كما تريد؟ فمطالبك لجسمك شيء و ما ينفذ منها شيء آخر تتحكم به قوانين المادة, فمطالبك معنوية و التنفيذات مادية, كأن تريد أن تقفز للسقف لكن قوانين جسمك المادية ترفض وتريد أن تطير لكن قوانين المادة الموجودة في جسمك ترفض, إذن أنت لا تتحكم في جسمك كما ترغب, هو مادة مسخرة لك لمدة معينة و بصفة معينة, وكما جاءت هذه السخرة بنفسها بدون طلبك تذهب بنفسها دون رغبتك.  

حتى جسمك لأنه مادة هو يتعامل مع المادة الخارجية والأحياء الأخرى حتى البكتيريا تسكن فيه والأشعة تخترقه والفيروسات تستغله دون استئذان منك لأنها تدخل بموجب قوانين المادة, أشياء تدخل لجسمك وتخرج وأنت لا تدري, لو كانت الروح هي المادة لعرفت ما يدخل وما يخرج إلى جسمك, وإذا أحسست بالمرض تذهب للطبيب المزود بأدوات مادية وهو خبير مادي, وهو أعرف منك بجسمك, و إذا كان جسمك هو أنت فإذن الطبيب أعرف منك بك و هذه النتيجة لا يقرها المعنوي في داخلنا, إذا أقررت أن الطبيب أعلم منك بك فأنت تقر أيضا بأنك أعلم الناس بك, فكيف تكون أعلم الناس بنفسك وأجهل الناس بنفسك في نفس الوقت؟ هذا يدل على طبيعتين مادية ومعنوية.  وهذا يثبت أن الروح لم تتطور من المادة و أن المادة لم تتطور من الروح.


الماديون الغربيون يتصورون أن الأخلاق والعقل والحياة نتاج من الدماغ لحماية الجسم في سبيل التطور والثقافة, لأن الحياة ناشئة من الجسم كما يقولون, فهي نتاج مادي لكن الماديين لم يستطيعوا أن يكتشفوها, لكن الحقيقة أن هناك قطيعة بين الروح والجسم, والملحدين دائما يحاولون أن يثبتوا أن الجسم ناقص أي أنهم ليسوا راضين عن أجسامهم بسبب مثالية الشعور, والعقل والمعنويات والأخلاق ليست دائما في صالح الجسم, بل إن مبدأ من المبادئ المعنوية قد يكون في غير صالح الجسم ويضحي به, والأخلاق دائما ضد المصالح بما فيها مصلحة الجسم : "إذا كانت النفوس كبارا *** تعبت في مرادها الأجسام", لماذا هذه النفوس تتعب أجسامها ولا تبحث عن راحتها؟ وإذا كانت ناتجة من الجسم لماذا الإنسان لديه رأيين متضادين دائما؟ ولماذا لا يكون أكثر من رأيين؟ فإذا كانت الأفكار هي في صالح الجسم فلماذا لا تحس بالجسم؟ ولماذا لا تكون ملزمة كبقية تصرفات الجسم؟ فالجسم لا يقدم خيارين ولا يقدم إلا خيارا واحدا إما حياة أو موت, مرض أو صحة, برد أو حر , جوع أو شبع, فقراراته ملزمة, فالجسم لا يقول لك اختر أكون جائع أم شبعان؟ لكن هذه الأفكار تقول لك اختر تفعل الخير أو الشر, فإذن هي ليست من طبيعة الجسم فكيف تكون ناتجة منه؟ ولماذا يرهق الإنسان جسمه ويتعبه وربما عرضه للتلف والضرر فكيف ينتج من الجسم ما يضر الجسم؟ فليس من عادة الجسم أن يفعل شيئا يضره, إلا أن تكون ردود أفعال الغرض منها أساسا مصلحة الجسم كالحساسية والربو, وكيف يطور الجسم عدوه؟  فهل يتطور الإنسان بحيث يضر نفسه؟ بينما الأغبياء يخدمون أجسامهم أكثر من الأذكياء والحيوانات تخدم أجسامها أكثر, وما احتاجت الحيوانات لتطور ذكاء وعقلا لتخدم أجسامها, "ذو العقل يشقى بالنعيم بعقله *** وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم", إذن لماذا العقل والإحساس عند الإنسان؟ الحيوانات يكفيها وضعها لتكريس حياتها خدمة لأجسامها ولا يظهر عليها نقص في خدمة أجسامها, وهذا يثبت عدم منطقية فكرة أن الجسم المادي هو الذي طور الجانب المعنوي بما فيه العقل, بدليل أن الطفل والمعتوه يهتمون بأجسامهم من أكل ونوم وإخراج إلخ.., ولا يقدمون شيئا على غرائزهم الجسمية, بينما العاقل يقمع غرائزه الجسمية, إذن هل الجسم طور عقلا يعاديه؟ ويقف في وجه غرائزه؟ هذا كلام ينفي فكرة التطور ويثبت ثنائية الجسد والروح. 

الأربعاء، 5 مارس 2014

شبهة حول آية (أتؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا) والرد عليها ..



تدور شبهة حول آية : (أتؤاخذنا بما فعل السفهاء منا) والتي قالها موسى لربه ، ويحتج بها المخالفون بأن الله لا يفرّق بين البريء والمجرم في عقابه ، وأنه يعاقب الجميع بلا تمييز بينهم ..

إن سؤال موسى كان سؤال استغراب و رجاء و تحجّج بدافع الخوف ، لأنه يعلم أن الله لا يؤاخذ الناس بما فعل السفهاء منهم ، والرجفة كانت تحذيرية ، و لم يهلكهم كلهم ، بدليل انه لم يُهلك موسى معهم . ولو أهلكهم لأهلك موسى معهم . و السياق القرآني واضح في هذه الآية وما قبلها ، أن العذاب يخص من فعل السوء ، من قوله تعالى (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب ..) وهو مبدأ العدل الذي عليه القرآن كله ..

الذي حدث أنهم اصابتهم رجفة ، فخاف موسى أن يكون هذا غضب من الله عليهم فدعا بذلك .. و ربما قال بعضهم ما ذُكر عند المفسرين انهم طلبوا رؤية الله ، فجاءتهم الرجفة تحذيرية ، مثلما طلب موسى من قبل أن ينظر الى الله فخرّ الجبل أمامه فصعق موسى ، وهي رجفة بموسى لدرجة أنه صعق وأغمي عليه من الفزع . و هذه الرجفة آية لهم حتى تجعلهم يتأكدون .

و القرآن في كل موضع فيه عقاب ، يبيّن أنه لا يطال الأبرياء . و أنه ينجي المؤمنين من العذاب . لهذا قال موسى : ( أتؤاخذنا بما فعل السفهاء منا) ، لأنه يعلم ان الله لا تزر عنده وازرة وزر أخرى ، و لأنه لو آخذ موسى لآخذ نوحا وإبراهيم  وغيرهم ، و كل الانبياء كان أغلب أقوامهم سفهاء . كما قال تعالى (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) ..

قال تعالى (وأنجينا الذين اتقوا بمفازتهم ) ، وقوله (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) . و قصة نوح واضحة ، فالجميع غرق الا من آمن معه ، و كذلك لوط ومن آمن معه ، إذ نـُجّوا بسحر .. مع أن الخبث كثر أكثر من الصلاح حتى حلّ غضب الله عليهم ، ومع ذلك نجّى الله الصالحين .

كذلك اعترض ابراهيم على الملائكة عندما قالوا انا ارسلنا لقوم مجرمين ، قال لهم إن فيها لوطا ، قالوا نحن اعلم بمن فيها لننجينه وأهله ..

فتعاملُ الله : الخير يعم والشر يخص ، وليس العكس ، أما تعامل الناس فالخير يخص والشر يعمّ .. ولاحظ الفرق بين العدل الإلهي والعدل البشري ..  و الله يقول ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ..) لذلك فالله له المنة على من آمن به ومن كفر .  

انتهاك الديانة العلمانية لحريات الآخرين, و براءة الإسلام من فرية الإرهاب




العلماني يطالب أي مؤمن أن يفصل دينه عن الحياة, وهذا تدخل سافر في حريات الآخرين, فهو لا يفصل دينه العلماني عن الحياة بل ولا يفصله عن حياة الآخرين بكثرة تدخلاته! فهو يتدخل في لبس المتدين وفي تعليمه وتربيته لأبنائه وفي علاقاته الاجتماعية بل وفي مواقفه حتى من الشذوذ أو من الزنا أو حق إسرائيل أو جودة الثقافة الغربية ومتانتها ورفض التراث ...إلخ, ويستغرب لماذا تكره الشذوذ! وهذا من إنكار المنكر في الدين الليبرالي! وكثيرا ما يأتيك ليبرالي ويقول لا بأس أنت جيد في بعض الأمور لكن لماذا أنت تكره الشذوذ وتنفر منه؟ لولا هذه الوصمة لقبِلتك! وهي ملاحظة شرعية في الديانة العلمانية كما يبدو, من تخطاها فقد ولج المذهب! فيقول لماذا تجرح شعور الشاذين وتسميهم شاذين؟ بينما هو لا يجرح شعور المسلمين حين يسميهم إرهابيين! مليار من البشر إرهابيين!

العلماني يريد أن يفرض رأيه وألا يقال إلا رأيه, ثم يقول أنا لا أنتمي إلى دين ولا إلى مذهب! مع أن معالم مذهبه بارزة وإن كان لا يسميه دين فنحن نسميه دين: دين التحرر والليبرالية والإلحاد المبني على معاكسة الدين, وضد الشيء كيان مستقل حتى لو كان بالسالب, فكما أن النور كيان فالظلمة كيان, والبرودة كيان مقابل الحرارة والفراغ مقابل للوجود, واللادين مقابل الدين ولكل شرائعه وقوانينه ونظراته و فلسفاته وتأثيراته وأتباعه وصراعاته, و الديانة العلمانية درجات مثل درجات اللون بعضها أغمق من بعض. وهو ينتمي إلى ثقافة غربية غريبة ويريد أن يفرضها على الناس, وبعد ذلك يتكلم في الحريات ويحدد لأهل الأديان فيقول دينك في المسجد أو في الكنيسة! من يحدد مكان الدين أصحابه أم أعداؤه؟ هل الإسلام قال أن الدين في المسجد فقط؟ مادام لم يقل هذا إذن هذا العلماني يتدخل في الدين والتشريع ويريد أن يحذف منه ما يشاء ويبقي ما يشاء ويقر بما يشاء وينكر ما يشاء (دون أن يعترف بالتدخل)! في نفس الوقت الذي يطالب به بعدم التدخل في معتقدات الآخرين ومن ضمنها معتقداته!

العلماني بعبارة أخرى يطالب الناس أن ينتموا لدينه وهو فصل الدين عن الحياة وإلا فلن يتركهم وشأنهم! هو رجل دين وداعية و مبشر بأسلوب آخر, بل هو أنشط من دعاة الأديان المعروفين. وليته يقف عند الدعوة إلى دينه العلماني بل إنه يشنع ويلزم ويطالب بقوة و يستخدمون السلطات, فالعلمانية دائما تسير في ظل السلطة وهذا ما يؤكد أنها ديانة تحتاج إلى سلطة تدعمها لأن الناس لن يقبلوها لوحدها, فمنع الحجاب ليس إلا فرضا للديانة العلمانية التي تعتمد على كشف المرأة وتعريتها عكس الدين الذي يعتمد على ستر المرأة, وتحريم الطربوش, وإلزام تعليم نظرية التطور في المدارس كل هذا تقوم به سلطات مع إبقاء الادعاء بالمحافظة على الحريات!  ومثله إخراج الدين عن التعليم, فهم يطالبون بإخراجه لإحلال العلمانية محله القائمة على الفلسفة المادية غير العلمية والتي هي عبارة عن دين وظن! والعلماني يعتقد أن ما يصلح له يصلح لكل الناس وهذه علامة التدين, فكل متدين يعتقد أن دينه الأصلح للجميع! نعم العلمانية دين وله رموزه ومقدساته وشخصياته التي لا تمس ومحاريبه ومنابره في الغرب و قبلته وعلماءه ومنظريه ودعاته وسلفه الصالح.

والعجيب أن العلمانية أكثر الأديان تدخلا في الأديان الأخرى, حتى في الذوق الشخصي يتدخل, الإسلام معني بستر المرأة بأي شكل يحقق الهدف, لكن انظر إلى العلمانية كيف تتفنن في تعرية المرأة وملاحقة الموضة بحيث لو استَعملت موضة قديمة أو ألوان مختلفة لشنع عليها, والعجيب بشاعة التدخل التي لا تدع شيء إلا وتدخل فيه من حريات الناس الشخصية ومع ذلك ينظر إليها على أنها تدعو للحرية واحترام آراء الآخرين.

أحد العلمانيين يتهم الإسلام بأنه يسبب الإرهاب وأن الإرهاب يخرج من الأزهر ومن المساجد, ثم بعد هذه التهمة الكبرى التي تضر كل مسلم المعتدل وغير المعتدل يأتي ليقول إن القرآن يسبب العداوة مع إخواننا النصارى واليهود لأنه قال : {ود كثير من أهل الكتاب لو يردوكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم} ويستغرب كيف تقابل جارك اليهودي أو المسيحي وأنت تقول له هذا الكلام الذي يجرح شعوره! هذا بعد أن جعل كل مسلم إرهابي بدليل أو بغير دليل! مع أن آخر الآية هو {فاعفو واصفحوا}, والآية قالت كثير من أهل الكتاب ولم تقل كل أهل الكتاب, ومع أن القرآن مدح كثير من أهل الكتاب و من القسيسين والرهبان وأنهم لا يستكبرون. إذن القرآن لا يدعو إلى طائفية ولا إرهاب ولا معاداة جيران ولا شعوب, هذه فرية على القرآن يرددها العلمانيون بانتقائية غير محترمة. ثم إذا طبقنا مبدأه هذا فهو يريد ألا يتكلم القرآن عن أي أحد من أهل الكتاب ولا بعضهم, هذا مطلب لا يمكن تطبيقه على الجوانب الأخرى, إذن عليه ألا يذم الاستعمار مثلا لأن جاره البريطاني أو الفرنسي سوف ينجرح شعوره لأن أبوه وجده كانوا مستعمرين, إذن عليه أن يمدح الاستعمار حتى يكسب ود الشعوب! وعليه ألا ينتقد النازية ويسهب في ذمها فالألماني له شعور أيضا وربما هذا يدفع للتحريض عليه, وهتلر شخصية وطنية ألمانية, وهكذا علينا أن نمسح التاريخ بموجب هذه الدعوة حتى لا ينجرح أحد!

إذن هم يتجنون على القرآن بما لا يستطيعون تطبيقه هم ويجعلون القرآن هو سبب الإرهاب ناسين أن ظلم الدول الغربية هو سبب الإرهاب واحتلال إسرائيل وظلمها, وهذا الارهاب سيحدث في أي بلد حتى من غير المسلمين حين يتعرض لظلم الدول المستعمرة. أي ضغط يولد انفجار, يريدون أن يبرئوا ساحة الظلمة ويلصقونها بالقرآن الذي جاء رحمة للعالمين.

كان اليهودي والمسيحي جيران للمسلم وبلغوا أعلى المناصب, بل لم بعش اليهود مع أي أمه بأمان إلا مع المسلمين أكثر من أي أمة أخرى, مع أن القرآن موجود لماذا لم يحرضهم عليهم لمدة ألف سنة؟! إذن حجة هؤلاء العلمانيين أو بعضهم باطلة ومنطقهم سقيم في إرجاع الظواهر إلى أسبابها, فسويسرا و كندا لم تتعرض إلى إرهاب مسلمين لأنها لم تستعمر بلدهم ولم تهن كرامتهم, مع أنهم ليسوا مسلمين ويأكلون الخنزير ويشربون الخمر, هذا لا يحتاج إلى عقل كبير ليعرفه لكن الهوى يعمي و يصم. دائما إرهاب الدول يسبب إرهاب الجماعات والأفراد هذا شيء معروف في التاريخ لأن الأفراد لا يملكون دول, لو تُرِك الناس في حالهم لم يفعلوا شيئا, الطفل يعرف هذا فكيف لا يعرفه العلماني صاحب العلم والثقافة والعقل والتنوير والعقل الحر المتمرد على كل القدسيات...إلخ! إلا قدسية الغرب ومبادئه القائمة على القسمة والضرب! قسّم البلاد واضربها! ومن قال شيئا فهو إرهابي!

وهذا لا يعني تبرير قتل الأبرياء أو الإَضرار بممتلكاتهم لأن الإسلام حرم هذا, لكنه رد على فكرة أن الإسلام هو سبب الإرهاب وليس الإرهاب الغربي للشعوب المسلمة بدافع الاستعمار, والتي لم يكن ليخرج منها إرهابيين لولا ما تلقوه من ظلم واستعمار وتعامل غير عادل, و العاقل يرجع الأمور إلى أسبابها لا إلى أسباب يخترعها من ذهنه, قليل من العقل لا يضر.


من يرفض الإرهاب عليه أن يرفضه بنوعيه: إرهاب الدول و إرهاب الأفراد, وليس فقط إرهاب أحدهما حتى يثبت أنه فعلا يكره الإرهاب جملة وتفصيلا وأنه لا ينتقي منه ما يناسبه ويشنع على ما لا يناسبه ولا يخدم مصالحه. رفع الشعارات الأخلاقية له تبعات, والعقول ترصد ما نقول, خصوصا في الشعارات الأخلاقية فيشتد التركيز للتأكد من صحة انتسابك للشعار الأخلاقي الذي تدعيه, والانتساب لشعار أخلاقي هو الأصعب لأن الناس تمحص وتبحث في مصداقيتك, لكن التركيز يخف إذا كنت تابع لمصلحة نفعية بحتة.