الثلاثاء، 9 سبتمبر 2014

هل الدين وهم جميل ؟

هل الدين وهم جميل ؟

الاوهام اكثرها أليم ومخيف، كأوهام العفاريت والجن والسحر والشيزوفرينيا، وإن وجدت أوهاماً تبدو سعيدة، فعاقبتها وخيمة، مثل الطفل الذي توهم انه بطل، فيأخذ على قفاه.

الملحد يعتقد أن الدين عبارة عن وهم جميل، و كله أنهار من لبن وعسل، وهذا هو الوهم بعينه . الدين عبارة عن قسمين: غفور رحيم ، وشديد العقاب. الجنة والنار ذُكرا في القرآن بنفس العدد تماما، المؤمن لا يدري بالضبط أين مكانه، هل من يصنع وهما جميلا يصنع من ضِمن ذلك الوهم نارا وقودها الناس والحجارة في خلود ابدي وقد يدخلها هو ؟ هل من ضمن هذا الوهم الجميل أن يُلزم نفسه بعبادات ومبادئ و أخلاقيات لا يريد أن يتحملها الشخص الملحد المتنعم؟

الملحدون لم يفهموا حتى الدين ما هو، يتخيلونه تذكرة إلى فندق خمس نجوم يوهم المؤمن نفسه بها بعد الموت ! هذه نظرة ناقصة للدين، انظر الى الدين لكل جوانبه. الدين يقول أن أكثر الناس في النار، والمؤمن من ضمن اكثر الناس، فهل يصنع لنفسه وهماً يُرعبه ؟ كيف يقول الملحد أنه وهم جميل وهو لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟ وكيف يصنع وهما يُبكيه من الخوف؟ قال تعالى (من خشي الرحمن بالغيب) و (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) و (تفيض أعينهم من الدمع) و (أما من جاءك يسعى وهو يخشى) .

إذن أساس الدين هو الخشية وليس الرغبة، فهم الملحد للدين عبارة عن وهم، ربما جاء هذا الوهم للملاحدة بسبب النهم على متع الحياة، وجعلهم يركزون على هذا الجانب، وفهموا الدين على أنه نعيم بحياة أخرى، بنفس النظرة التي تبحث عن النعيم في الدنيا. فالملحد يرى أن الدنيا جنة ولا يكاد يرى فيها الا النعيم، وهو معجب بالحياة، ومطمئن بها، ويتلذذ بالتكنولوجيا ومنتجات الرفاهية، ولا يرعبه الا شبح الموت. (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)، حتى أغنياؤهم يحنّطون أنفسهم بالتبريد بالنيتروجين، على أمل لو وجد العلم ما قد يعيد الموتى الى الحياة تكون جثثهم جاهزة غير متحللة، ليعود للاستمتاع بالمكنسة الكهربائية والمدفأة.

الملحد هو أكفر الكافرين. أي اكفر من اليهود والنصارى والديانات الاخرى بالنسبة للاسلام، وهو لا يلتقي بها ابدا، و كل حقائق الدين يكفر بها، بينما الديانات الاخرى لا تكفر بكل حقائق الدين. وهو الاكفر بالنسبة لكل دين، وليس فقط الاسلام.

انظر الى الاديان المحرفة من ناحية الاوهام، فهي تميل الى هذه النظرة الحالمة، لكن القرآن يقول (ليس بأمانيكم) .. (من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) ، (وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى ، تلك أمانيهم) .. واليهودية المحرفة علمانيا تقول : (وقالوا لن تمسنا النار الا اياما معدودات) ..

الأحد، 7 سبتمبر 2014

نظرية الاختيار (4)


ملاحظة: يتردد في هذا المقال وغيره من مقالات المدونة ذكر كلمة "الصناعي" وهي: كلمة تشمل كل الأفكار الباطلة سواء مقصودة أو غير مقصودة, والباطل لا أساس له في الطبيعة, لهذا نسمي الحق بالطبيعي, وعليه فالشخص الصناعي هو من يتبنى الأفكار الصناعية سواء بقصد أو بغير قصد, وهي في أساسها أفكار من صنع الشيطان مقحمة على الطبيعة



من علامات الاختيار الصناعي:
أن يكون الشخص وقحا إذا اقتضت المصلحة - بليد الإحساس (غبي), فالصناعي ينتج أغبياء - رداءة الذوق – المادية - حتى العلاقة بالجنس الآخر والحب ينظر لها كعلاقة جنسية, فمن علامات الاختيار الصناعي تكبير موضوع الجنس, مثلما نرى في كتابات الماديين حيث يأخذ الجنس مساحة أكبر من الحب في إعلامهم وكتبهم و أدبهم, بل يسمون الجنس حب - الاستقرار الألفي (أي مرتبط بالحواس أكثر من الإحساس) أي أن يستمر الشخص ألفيا دائما و يستطيع أن يتحول إلى نمطي.

هذه مفاتيح لمعرفة الاختيار وليست كافية للحكم باختيار الشخص ويوجد غيرها, لكنها مثل الاستعداد فتبدأ بملاحظتها حين تتعرف على الشخص, فأولا ترى كمية الأفكار الصناعية التي عنده - أي الصناعي الظاهر المباشر- , وبعدها تلاحظ اختيار الصناعي نفسه حسب المواقف, لأن وجود الأفكار الصناعية ليس دليل كافي على اختياره لها, لأن الصناعي هو السائد في العالم كما قال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}. فترى قضية فيها حق وخير انتصر ولا يفرح لها و قضية فيها ظلم لا يتألم منها, و لا يكون عنده فارق بين الخير والشر سوى المصلحة وما تقتضيه وهذه علامة الشر فلا أحد يبحث عن الشر لذاته لكن ليس عنده فارق بينهما, ويكون سريع للشر بطيء على الخير, يعرف دروب الشر ولا يعرف دروب الخير, والخير عنده نمطي بينما الشر فن, ولا إبداع عنده, والمجتمع إله والمصلحة كبير آلهة, كل الآشياء يراها متساوية وكل القيم متساوية حتى يقترب الشيء من ذاته و مصلحته, إذا الخير اقترب من ذاته وصار يخدمها بدأ يتكلم عنه ويحث عليه, وإذا الطرق الملتوية صارت تخدمه بدأ يستخدمها. و كلما ترى انتقائية أكثر كلما تعرف أنه صناعي, ويتأكد حينما يتجاوز حقا واضحا بيّناً لأجل المصلحة. وعنده قدرة على قلب الأمور, فيجعل من الحسن قبيح ومن القبيح حسن, ومن الحق باطل ومن الباطل حق, مع أنها واضحة بتلقائيتها, فمرة يستخدم تلقائية الأمور إذا هي تخدم مصلحته, ومرة يخرج عن التلقائية و يتمحل إذا كانت ضد هواه فيأتي بتقييمات غريبة, قد يستطيع أن يقفل عليك الرد لكنه لن يقنعك.

مواقف الشخص البعيدة عن ظروفه و مصالحه هي التي تكشف اختياره بشكل أوضح, فقد يتخذ شخص موقفا معارضا لصناعي مخالف لمصالحه, وبنفس الوقت يؤيد صناعي بعيد عن مصالحه, هذا يدلك أن معارضته للصناعي الأول بسبب أنه يعارض مصالحه وليس بسبب أنه مختار للطبيعي في معارضته.

وأيضا أحد معايير معرفة اختيار الصناعي العناد والإصرار على الصناعي رغم سماع الرأي الأفضل.

و من علامات اختيار الصناعي كثرة الكلام عن حقوقه والتفكير فيها, بينما الإنسان الطبيعي معطاء و يفكر بتقصيره ويشعر بنقصه, والصناعي دائما يذكر ما فعل من طبيعي ويمن به ولا ينساه, لأنه غريب على منظومته الفكرية لهذا لا ينساه.

و أيضا من علامات اختيار الصناعي الحسد والإعجاب بالقوة, ونظرته للماضي والتاريخ محكومة بالقوة, فالأقوياء عند الصناعي هم المثاليون بغض النظر عن الصح والخطأ.

و من علامات اختيار الصناعي البداهة, فالبداهات الطبيعية يحتاجون من ينبههم عليها وإلا فلن يعرفوها, فلا يعرفون أن هذا موقف رحمة أو موقف تعاطف, فالضمير عندهم بارد و لا بد من أن يحركه أحد لهم حتى يخجلون ويتحركون, مع أن مختار الصناعي غير خجول وإن كان فيه خجل فهو مصطنع, فهم مشغولون بالقوة و المصلحة ولا يحتاجون من ينبههم لها بينما يحتاجون من ينبههم للفضيلة, أما مختار الطبيعي مشغول بالفضيلة ويحتاج من ينبهه على مصالحه.
                     
و من علامات الصناعي برود الإحساس, لكنه قوي الإحساس حين يتعلق الأمر بمصلحته. من علامات الصناعي أيضا الصناعي الذي يخرج عليك فجأة, فتتفاجأ ببخل شديد أو حسد شديد مثلا لم تكن تتوقعه.

و من علامات الصناعي ضعف الحس الفني عنده, لهذا يحتاج إلى الاهتمام بالسائد والموضة ويعتمد على تقييم الغير لإخفاء ضعف التذوق عنده.

أي حدث أو موضوع تجد الشخص الصناعي يدور حول المصلحة منه, بينما مختار الطبيعي يدور حول الموقف الأخلاقي منه.

من أوضح علامات اختيار الصناعي ضعف الحماس للمواقف الأخلاقية, لأن ترك الخير هو الشر وإن لم يُقصَد بذاته, والأساس أنك لا تحاسِب أحداً على فعله للشر قدر ما تحاسبه على تركه للخير لأن ترك الخير هو الشر حتى لو لم يُفعل الشر بذاته. لهذا من علامات مختار الصناعي ضعف التأُثر بمعاناة الآخرين ولا تهز مشاعره المواقف الإنسانية والأخلاقية, فمشكلة حياتية من باب الترف أهم عنده من مصائب كبيرة على غيره.

و من علامات اختيار الصناعي صعوبة التأقلم والميل للنمطية, وقلة تغير العاطفة والمزاج.  

من علامات مختار الخير والصلاح أنه يفكر بالأصلح أحيانا وينسى إمكاناته, فتكون اقتراحاته صعبة, مثل أن يرحم حيوانات ويريد أن يدخلها كلها في منزله ويرعاها مع أنه لا يستطيع. وهذا يقودنا للأمنيات فالأمنيات تشير إلى الاختيار أيضا, فأمنيات الطبيعي أكثرها حول الخير والعدل والعطاء والرحمة على عكس أمنيات مختار الصناعي التي تدور حول نفسه ورغباتها المضاعفة أكثر من أي شيء آخر.

ومن علامات مختار الخير أيضا عدم الانسجام الكامل مع المجتمع, لأن الصناعي هو السائد فيه.

الحكم على شخص ما أن اختياره صناعي يجب التريث فيه كثيرا حتى لا نظلم, فهنالك صناعي أخذه الشخص بالتلقي وليس بالاختيار, مع أن الحكم بوجود الصناعي سهل لكن الحكم باختيار الشخص له هو الذي يتطلب تثبت.

الصناعي نوعان: صناعي مكشوف وصناعي منافق. المكشوف نسميه الدرجة الثانية من الصناعيين مثل الوقح وبارد الإحساس والجاهل والغبي, ويكون الصناعي يظهر من خلال أحكام الشخص ومن خلال أفعاله, وهذا هو الصناعي الفج. لكن هنالك صناعي منافق خبيث, وهذا يخفي مرارة صناعيه بنكهات  طبيعية, وهذا أكثر شيء يكشفه هذه الألوان الطبيعية التي يتخفى وراءها, وتكميله الشديد لنفسه يشكك الناس فيه, فلا يعقل أن يكون بلا عيوب لهذه الدرجة, و حين تقارنه بالأصباغ التي يصبغها نفسه ينكشف, فيدعي مثلا الأخلاق فنطبق عليه الأخلاق. وهذا النوع البارع في نفاقه يكشفه أيضا ما لم يقل وليس ما قال وما لم يفعل وليس ما فعل, فكون الإنسان لا يفعل ولا يقول لا يعني أنه سيسلم من الحساب, لأن بداية الشر هي ترك الخير. هذا النوع المنافق إذا أخذ راحته يظهر بحقيقته أنه من النوع الفج, فهما من نفس النوع, فلا صناعي أرقى من صناعي, الصناعي واحد. إذا شعر الصناعي المنافق بالأمان تجده يتكلم مثل الصناعي الفج, ولا فرق فيه بين المثقف وبين العامي, فتجد مثقفا وله مكانة مرموقة في المجتمع يتكلم بلغة شوارع حين يجلس مع من يأمنهم, فالصناعي شيء واحد.

كل رذيلة يمكن أن تمارسها بفجاجة أو بنفاق, فهناك مثلا بخيل فج وبخيل منافق. الصناعي الفج غالبا يفتخر بصراحته و وضوحه, وعموما هو أفضل من المنافق من ناحية صراحته فقط, فالأسوأ هو المنافق.

نظرية الاختيار (3)

ملاحظة: يتردد في هذا المقال وغيره من مقالات المدونة ذكر كلمة "الصناعي" وهي: كلمة تشمل كل الأفكار الباطلة سواء مقصودة أو غير مقصودة, والباطل لا أساس له في الطبيعة, لهذا نسمي الحق بالطبيعي, وعليه فالشخص الصناعي هو من يتبنى الأفكار الصناعية سواء بقصد أو بغير قصد, وهي في أساسها أفكار من صنع الشيطان مقحمة على الطبيعة

نرى من الناس من يسببون أضرارا كبيرة لأنفسهم ولغيرهم وهم لا يدرون, ولهذا يقول البعض أن الناس كلهم طيبين ويحتاجون فقط إلى من يعلمهم, ولكن ماذا تفعل إذا الشخص نفسه رفض أن يتعلم؟ ثم تجد شخصا يبدو غبيا في ما يتعلق بأمور الخير و من أذكى ما يكون في الشر والتلاعب والاحتيال, وهذه هي الإشكالية التي مر بها سقراط, فهو يقول أن الناس بينهم وبين الخير معرفته و شرهم آت من جهلهم, ولهذا ذهب يناقشهم , ولكن في الأخير تآمر عليه هؤلاء الطيبون و أسقوه السم! صحيح أن الشرير ضعيف عقل, لكن هذا أتى من اختيار. والسوفسطائيين الذين ناقشهم سقراط يقولون نفس ما يقوله الماديون الآن حيث أن الأخلاق من أجل المجتمع فقط, وسقراط كان يحاول أن يثبت أن الفضيلة أصيلة في النفوس.

والسؤال هو لماذا مختار الصناعي يقع بالغباء ويضر بمصالحه دون أن يدري؟ السبب هو أن العقل السليم يأتي من الاختيار السليم, فالدكتاتور الذي يقتل الناس ويعذبهم سيجني كرها من شعبه والشعوب الأخرى ويجمع أعداء أكثر يريدون قتله, فلن يهنأ بحياته والناس الذين قتل أهلهم يترصدون له لقتله, فهذا غباء. وصاحب الاختيار الثاني دائما يتصور أن أمنيات صاحب الاخيار الأول خيال, فأمنيات الصناعي يرى مختار الطبيعي أنه بناء على وهم و مصيره السقوط {كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف}, وكذلك يرى مختار الصناعي أن أمنيات الطبيعي مصيرها الفشل وأنها بعيدة عن الواقع.

لاحظ الأنبياء بلغوا الجميع, منهم من فهم ومنهم من لا يستطيع أن يفهم, منهم من أحبوهم ومنهم من كرهوهم, قال تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها} وقال :{وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}, ليس بسبب نقص معلومات. القرآن يثبت نظرية الاختيار.  

نظرية الاختيار (2)

ملاحظة: يتردد في هذا المقال وغيره من مقالات المدونة ذكر كلمة "الصناعي" وهي: كلمة تشمل كل الأفكار الباطلة سواء مقصودة أو غير مقصودة, والباطل لا أساس له في الطبيعة, لهذا نسمي الحق بالطبيعي, وعليه فالشخص الصناعي هو من يتبنى الأفكار الصناعية سواء بقصد أو بغير قصد, وهي في أساسها أفكار من صنع الشيطان مقحمة على الطبيعة


الشعور يبحث عن الأفضل في كل ما يرتبط بالفضيلة واختيار الخير, وهذا يتم بشكل حر بموجب قوانين الشعور فلا دخل للشخص فيه، وفي نفس الوقت فالشعور عندما يرتبط بالأفضل لا يفرضه على صاحبه، فكل شخص حر في اختيار الخير أو اختيار الشر، فعندما يرى الشعور وضعاً أفضل من وضع صاحبه فإن الشعور سيرتبط بهذا الوضع الأفضل، فمثلاً عندما يرى الشعور الإيمان والاستسلام لله فإن الشعور سيرتبط بهذا الوضع، حتى لو كان صاحبه مختاراً للكفر، فالشعور سيتعلق بالوضع الأفضل وسيترك صاحبه يذهب مع اختياره كما يشاء ، فلن يتبقى له (مع اختياره للشر) سوى الكفر والقبح والألم و العذاب ؛ لأن الشعور ليس معه الآن ، وهذا ما يفسر الألم الذي يصاب به كل من رأى الحق وأعرض عنه بقية حياته ، {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً}. فالشعور لا يفرض رأيه على الاختيار (قانون), مثل أبو طالب عم النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي أخذ شعوره كل ماحول اختيار الخير لكنه لم يختر الخير، وقال قبل موته عندما دخلوا عليه وجهاء قريش وعنده النبي محمد وهو يقول له : يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله " ولكنه قال قبل موته  :"أنا على دين عبدالمطلب"، فهو قد ساعد النبي صلى الله عليه وسلم ووقف معه وتحمل غضب قريش لأجل دعوته، والرسول لم يستطع أن يغير اختيار عمه {إنك لا تهدي من أحببت} بالرغم من دعوته له, وأيضاً أنت لا تستطيع أن تهدي من أحبك, والله سبحانه يقول: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مؤمنين} فشعورهم يريد الإيمان لكنهم لم يختاروه.

تلاحظ أن صاحب اختيار الخير لديه استعداد أن يضغط على بعض الغرائز عندما تتعارض مع اختياره, لكن مختار الصناعي يطلق غرائزه بحرية ولا مشكلة عنده, فإطلاقها يتناسب مع اختياره, لكن الدوائر العليا من شعوره تؤنبه وتلومه.

قد ينظر أحد بنظرة مادية إلى تصرفات شخص ما ويستنتج من تنوع تصرفاته تنوع اختياراته, كحجة على أن للإنسان اختيارات متعددة وليس اختيار واحد, لكن كل هذه الاختيارات المتنوعة تجد بينها قاسماً مشتركاً, فكلها تخدم وترتبط باختيار واحد, وليست هذه الأشياء المتعددة منفصلة عن بعضها تمام الانفصال. وستجد أن هناك أشياء يفعلها الشخص معاكسة لاختياره, لكنه مجبَر عليها , سواء كان اختيار موجب أو سالب, والعلامة أنه لا يجيدها ولا يجد متعة في تنفيذها, فالدنيوي يجبر أحياناً أن يجامل ويراعي مظاهر الأخلاق, والمؤمن أحياناً يجبر لأن يداري ويجامل وقد يكون بدافع الخوف. مثلاً أحد يحب التجارة والكسب ويحب الغرب ويحب المصارعة ويحب المباريات ويتعصب لها وبنفس الوقت تجد أنه يقوم بواجباته الدينية ويهنئ أقاربه بالعيد، كل هذه الأمور المتنوعة يجمعها اختيار واحد. ألا تجد أناساً يتبرعون لغيرهم حين يحقق تبرعهم شهرة وثناء ومع أن أقاربهم محتاجين للمساعدة ولا يعطونهم؟ الله سبحانه يقول: {لكل وجهة هو موليها} أي أن لكل إنسان وجهة واحدة وليست وجهات, فالاختيار واحد وليس هناك اختيارات مختلفة , {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه} فكل يكدح باختياره.

هناك من هم سريعون في الطبيعي وبطيؤون في الصناعي وهذا يدل على اختيارهم الخير, والعكس بالعكس، وتجد مثلاً من الناس من هم سريعون بالاتنقاد ولكنهم ليسوا سريعين بالشكر، وسريعون بالحسد و بالمطالبة بحقهم, هذه أشياء ربما تدل على اختيارهم السيء إن عززها ما يشابهها.

من يختار شيئا تجد أنه يختار ما حوله, ومن علامات أنك مختار للخط الطبيعي أو الخط الصناعي: (الرغبة - الاستمرار- الرغبة بالاستزادة – المتعة - وصعوبة التخلي), فالأشياء التي حول الشيء المختار بينها قاسم مشترك وروابط, ومن علاماتها (التنفيذ), فتأتي الإنسان أحاسيس مختلفة, ما الذي جعله ينفذ الأحاسيس من هذا النوع وليس النوع الآخر؟ ألم يأت الكذاب أحاسيس بأنه يجب أن يكن صادق وواضح؟ لكنه تركها.

الاختيار لا علاقة له بالمصالح (قانون), فاختيار الخير له مصلحة والاختيار السيء له مصلحة, والمصلحة الحقيقية والدائمة مع الاختيار الحقيقي, لهذا فالاختيار لا علاقة له بالمصالح, ومختار الصناعي يرى مختار الطبيعي مثلما يرى مختار الطبيعي مختار الصناعي, أنه منفر ولا يريده لا هو و لا مصالحه, والله سبحانه يقول : {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم} أي أن الاختيار هو الذي ألف بينهم بعد الله سبحانه , فلا تجد اختلاف حقيقي بين أصحاب الاختيار الآخر , فالحكاية حكاية إسلام , فمن أسلم أمره إلى الله فإنه قد اختار الخير , فالإسلام هو الاختيار.

وكل شخص بسبب اختياره هو ينتقي من مجتمعه و ما حوله ما يناسب اختياره , ومن علامات عدم الاختيار (سوء الفهم) لأن الاختيار يحول بينك وبين الفهم , فالعلامة الفارقة في الاختيار هو الفهم , فصاحب اختيار الخير لا يستطيع أن يفكر مثل صاحب اختيار الشر , ولا يستطيع أن ينتبه كل الوقت ويجعل تفكيره سيء بالكامل, فلا بد أن يغفل ويدخل اختياره الحقيقي في الموضوع ويخرب عمله الصناعي,  فكل شيء تعمله وأنت لم تختره فإنك لا تستطيع أن تفهمه , فإن كان شخص مختار للشر وهو يقول عن نفسه مسلم , وقلت له في خصومة له : بأن الله يحب التسامح, فإنه لن يستطيع التسامح, لأنه لا يستطيع أن يفهم ما يريد الله لأنه لم يختر الخير ولم يسلم نفسه تسليم حقيقي لله تعالى , فالاختيار يُفهِّم صاحبه (قانون).

وصاحب اختيار الشر يسبب الرعب للآخرين وقد لا تجد عليه مظهر من مظاهر الخوف , لكن الشعور قد رأى الصناعي لدى هذا الشخص مهما كان يظهر بمظهر خيّر, وهذا يدل أن الإنسان يستطيع أن يحس باختيار الآخر, فالاختيار لا يخفى على أحد.


 من علامات الصناعي أنه لا يرى الخير إلا إذا وافق مصلحته ، وهو بهذا لم ير الخير حقيقة وإنما رأى مصلحته منه.