الخميس، 12 مارس 2015

لن يَفهم الدين من لا يفهم الدنيا ..


جوابا على سؤال زائر في سجل زوار المدونة :


هل الله عادل في عطائه في الدنيا؟
يعني بالتفصيل هناك اناس توفرت لهم فرص كثيره (ماديه,اجتماعيه,عائله داعمه لهم,تربية جيده, الخ) والنتيجه انهم اصبحوا ناجحين ومتعلمين ومعطائين وحققوا امورا لا تفيدهم بحسب بل تفيد مجتمعهم اولا واخيرا, لديهم ثقه بأنفسهم وقدراتهم ومن زرعها فيهم هم الأهل والبيئه التربويه.
بينما نجد اشخاص لم تتوفر لهم ولا ربع هذه الفرصه , تجد فتاة مثلا في مجتمع ذكوري وضعها سيء اجتماعيا ومكبله لأن جنسها فقط يختلف
وبيئتها الاسريه سيئه , ربما تفكك,ربما ادمان,ربما فقر,وربما جميعها مجتمعه , وهاذه الحالات كثيره,
تنتج انسانه محطمه ضاعت عليها الكثير من الفرص بسبب المنع والكبت او عدم الثقه بالنفس والقدرات
الآن المثال الاول والثاني شخصان لا يتساوون في كل شيء,حتى ناتج ظروفهم (هم) مختلف بسبب الظروف اللتي دائما ماتكون عامل قوي ومؤثر على ماتنتجه
هل الله عادل في هذه القسمه؟ اعلم ان الله عادل في الآخره لكن في الدنيا يبدولي ان الامور والمقاييس ليست عادله..

الرد:
من يدخل على الدين بروح دنيوية لن يفهم شيئا ولن يستوعبه.. الآخرة هي الأهم بينما الدنيا دار اختبار وممر قصير. إذا لم ننظر للأمور بهذا الشكل لن نستفيد من الدين, وعلينا أن نتجه للعلمانية ونعيش فيها حتى يأتينا اليقين! أنت تنظرين إلى العطاء والنجاح وكأنك تحددين الأشياء وتعرفين النافع والضار بشكل كامل وهذا ليس صحيحا, الدنيا أصلا دار اختبار ليست دار عطاء و جزاء, والاختبار يكون بالخير وبالشر وليس فقط بالشر, حتى من ظروفهم مثلما قلت حسنة وولدوا وفي أفواههم ملاعق الذهب سوف يحاسَبون .

المشكلة إذا كان تركيزنا على الدنيا سيجعلنا هذا ننسى الآخرة وننظر للدنيا أنها هي الجنة وهي النار, فالناجحون - كما تسميهم ناجحون- هم سكان الجنة من وجهة نظرك, جنة القلق والذباب والأخطار والأمراض والشيخوخة والموت! و الفاشلون تجاريا ورأسماليا أو اجتماعيا تعتبرينهم في جحيم الدنيا, مع أنها مليئة بالخيرات من دونهم ودون نجاحهم. القرآن ينفع وموجّه إلى الذين لا يعتبرون الدنيا نهاية المطاف وليست هي الأهم, عليك أن تكوني هكذا حتى تستفيدي من القرآن. الدخول على الدين بروح علمانية يفسد الاثنين العلمانية والدين.

الدنيا أقصر و أخصر وأتفه مما نتصور, انظري إلى السنين التي عشناها أليست كأنها حلم؟ مع أننا كنا نقلق لأجلها وربما أغضبنا أحدا وقسونا على أحد وربما ظلمنا وغششنا كل هذا لأجل المستقبل, المستقبل هو اليوم الذي نعيش فيه فهو مستقبل الماضي.. إنها سراب يفضي إلى حفرة هي نهاية النجاح وهي المستقبل الحقيقي, تتحلل فيها أجسادنا حتى عظامنا وهذا لا يستثني أحدا ناجح أو فاشل. هذه هي الدنيا في حقيقتها لا كما يروج لها الماديون وعابدي اللذة وموهمي الناس. أعرف صديقا كان همه النجاح والمستقبل وقد قصر في حق أهله وتكبر وربما ظلم مادّاً حبالا طويلة في الدنيا, تفاجأت بموته المفاجئ وبطريقة غير متوقعة, فأين تلك الأحلام والحبال الطويلة؟ انتهى كل شيء وذهب إلى الآخرة.. التي كانت الأجدى أن يركز عليها لا على الحياة الفانية.. رحمه الله..

لن نستفيد من الدين حتى نغير نظرتنا عن الدنيا ونستبدل طموحنا الدنيوي بطموح أخروي, بدون هذا لا ينفع الدين, سوف يُنتج متشككين أو منافقين أو مترددين لكن لا ينتج مؤمنين حقيقيين, و السبب أن كرَة الدنيا أكبر من كرة الآخرة في عيونهم. القرآن يقول {ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} لكن حال الأكثرين هو العكس تماما تماما, ابتغ فيما آتاك الله الدنيا ولا تنس نصيبك من الآخرة! والعجيب أن كل من صغرت الدنيا في عينه أخذ طريقه إلى اليسر والنجاح المعنوي وحتى المادي, والعكس تماما لمن آثر الحياة الدنيا, فله الشقاء الروحي وربما الجسمي ويلقى الله وهو غافل عنه مشغول بتكوين نفسه وجمع وسائل مص طعم الحياة التي ربما يموت وهي تسرسب على جسده المتعفن.. ما هي نهاية تكوين النفس؟ كم من مغرور يكوّن نفسه وهو يكوّن وجبة سمينة للدود! والله قال عن متاع الدنيا أنه متاع الغرور. هذا لا يعني دعوة إلى زهد بوذي لكن المسألة مسألة أكبر وأصغر, أولي وثانوي, هذه كل الحكاية.

نحن نعلم أن الله عادل, لكن كيف نعلم عدل الله بالدقة والضبط؟ هذا لا يمكن, إلا إذا أمكن أن نعرف علم الله لأننا نعرف أن الله عالم أيضا, فإذا أمكنت هذه أمكنت تلك, وكثيرا ما كرهنا أشياء فصارت خيرا لنا ورغبنا بأشياء سببت لنا متاعب, إذن الله يعلم ونحن لا نعلم. إذن الاختلاف بين الشخصين في مثالك هو في منافع دنيوية, لكن بينهما تساوي في الفرص, فرص ماذا؟ فرص اختيار طريق الخير أو طريق الشر, فأبو ملعقة ذهب عنده فرص لاختيار الخير أو الشر, والفقير المدقع عنده فرص اختيار الخير والشر وبالتساوي, وليس كما تتصورين ويتصور الماديون أن الظروف المادية الحسنة تنتج أشخاصا صالحين, الواقع والتاريخ أمامك. وليست كل ظروف أسرية سيئة تنتج أشرارا ومجرمين, كلا, الواقع يكذب هذا, بل ربما نتج أفاضل الناس من أسوأ البيئات الاجتماعية.

نظرتك للناجحين فيها نظر, القوي والمشهور ومن عنده مال والواثق من نفسه عندك وعند الماديين ناجح, قد يكون قويا وواثقا من نفسه على شر ورذيلة, ليست كل ثقة حسنة وإلا لكانت ثقة المجرم بنفسه جميلة! وثروته بعد أن سطا على بنك نجاح! عليك أن تغيري نظرتك للنجاح و مفهومه. لا تقولي "يقولون", هذه علمانية فالعلمانية هي اتكال على واقع الناس دون احتكام للقيم. أريد أن يكون لك رأي خاص لا إمعة, المفروض أن تقدمي تعريفا للنجاح بشرط أن يكون تعريفا جامعا ومانعا لا يدخل المجرمين والفسقة والظلمة والمتكبرين وسيئي الأخلاق, لأنه لابد أن نعي ما نقول لا أن نردد ما يقال في كتب النجاح والثقة بالنفس التي سطرت بأقلام رأسمالية الهدف منها جمع المال وبيع النسخ.

الماديون يعتبرون الإنسان آلة تتحكم بها الظروف لا اختيار لها ولا يؤمنون بالاختيار الحر, أرجو ألا تكوني مثلهم, لأن هذه جبرية والجبرية خطأ واحتقار للإنسان, هم يعرفون أن لهم اختيار حر لكنهم يجحدون, بدليل تبجحهم المستمر بالحرية! ولو صدّقتُ بالجبرية لألحدت لأنه حينئذ لا تكون الجنة والنار عدلا لأن كل شخص ابن ظروفه. وذكرت لك من قبل عن شخصين أعرفهما جيدا مرت بهما نفس الظروف وأحدهما صار متسامحا طيبا والآخر صار حقودا وشريرا لأن الظروف قست عليه, مع أنها لم تقس عليه وحده. إنها اختبارات مثلما يختبر الزجاج الأصيل بالنار والماء البارد.

سؤالك هذا هو سؤال الإنسان, والإنسان في القرآن هو الشخص الدنيوي العلماني الذي يقول عنه القرآن {وأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن, وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن} لاحظي في كليهما كلمة "ابتلاه", والابتلاء يعني اختبار. ليست المسألة إكرام ولا إهانة كما تتصورين, والأغنياء لم يكرمهم الله كما قد تتصورين ويتصورون, قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} {والعاقبة للمتقين}, الإكرام والإهانة في الآخرة لأنها هي دار الجزاء. لكن الله وعد من يكونون عبادا حقيقيين له بالبركة وبحياة طيبة ونفس مطمئنة في الدنيا وبالرضوان والجنة في الآخرة, هذا مع الاختبارات المستمرة, لأن كل لحظة وعي هي عبارة عن اختبار, وكل وعي يعني تمييزا والتمييز يعني بين ثنائيتين, وكل ثنائيتين إما أن تتبع بها طريق الخير أو تتبع بها طريق الشر, و ما الشر إلا ترك الخير, فلا أحد يفعل الشر بدون دافع إلا ما ندر, ترك الأفضل هو الشر.. حتى كلمة "الله أكرمني" تدخل فيها الثنائية فقد تقولها بدافع الخجل من الله والشكر وقد تقولها بدافع الفخر على الناس وأن الله فضلك عليهم وأذلهم وهذا ماذمه الله في الآية, ومثلها كلمة "الحمدلله" فقد تقولها بدافع الفخر!

لا شيء ينجي من الثنائيات حتى الدين نفسه, فهذا يطبِّق الدين على نية وذاك يطبقه على نية أخرى, الامتحانات لا تتوقف. بني إسرائيل مثلا حين قالوا أنهم أحباب الله من يراهم قد يظن أنهم يشكرون الله, بينما هو فخر وتكبر على الناس لأنهم يقولون أن باقي الناس جوييم وخدم لهم! فحتى الشكر من الممكن يدخل فيه الكفر تبعا للنية, مثلما يدخل الرياء في العمل.

التصنيف الخارجي و من بعد للناس إلى سعداء وأشقياء تبعا للمادة هذا تصنيف سطحي. أكثر المنتحرين والمرضى النفسيين يخرجون من قصور أغنياء, لكن من يراهم من بُعد يحسدهم, ولا شر يدوم على أحد ولا خير يدوم على أحد ولا تعاسة دائمة على أحد ولا سعادة دائمة لأحد, حتى اختبار الخير لا يعني الاستمرار لابد من التقليب بين الحار والبارد, فللأغنياء همومهم ومشاكلهم (نارهم), غير نار الجوع والبرد التي يعاني منها الفقير, ولطالما حسد أغنياء وأقوياء الفقراء على عدم اكتراثهم وبساطتهم ووقتهم الواسع وحريتهم بل وشهيتهم في الأكل! التي غالبا ما يفتقدها المتخمون المحتاجون دائما لمهضمات كيميائية.. إذن كلا الطرفين يحسد الآخر, والفقراء كما تعرفين يحسدون الأغنياء, على كبر ثلاجاتهم وسعة أسرّتهم وكراسيهم المتأرجحة على حواف مسابحهم! والتي قد تكون سبب ملل و طفش عند أهلها!

وأنا صغير مررت من عند منزل غني وكنت أرى الأضواء الخافتة والحديقة وأقارنها ببيتنا المتهدم وأسرح في الخيال كيف سأصنع مثله عندما أكبر, لكن قطع تأملاتي الصراخ القادم من نافذة القصر والذي وصل إلى الباب الخارجي حيث أُغلِق بطريقة تشبه الرفس وخرج منه شخص إلى سيارته مسرعا! من يومها بدأت أشك في ربط السعادة بالمادة..

العبد لله هو الوحيد الذي يستحضر الموت وقرب النهاية وبنفس الوقت مليء بالإيجابية, بينما الدنيوي يحتاج لبناء الإيجابية أن يتناسى الموت ويتصوره بعيدا لا يأتي إلا بعد سن المئة, وهذا التناسي والتهرب عن ذكر الموت أولا مخالف للحقيقة وللعقل السليم, ثانيا يسبب مفاجآت وصدمات نفسية إذا حضر هذا الغائب المكروه وضرب ضربته قريبا منك.. أما المؤمن العبد لله فهو يتوقعه في كل لحظة ومع ذلك مليء بالإيجابية وحب العمل.. بل يزيده ذكر الموت إيجابية وينظر إليه كراحة و مرحلة وليس نهاية المطاف..

.....................................
سؤال آخر

ماهي علامات الايمان وآثاره؟ وهل حقا الله يرسل لك علامات تقوي ايمانك؟ مثل اجابة الدعاء او احداث معجزه تحصل للمؤمن كي تطمئنه او تزيد ايمانه؟
مثلما يحصل للأولياء والصالحين؟ باستثناء الكذبه طبعا
هل تحدث معك امور تثبت ايمانك؟ وكيف نصل لهذه المرحله اذا كانت حقيقيه؟
وشكرا جزيلا على وقتك واعتذر على كثرة اسألتي

بالنسبة لي والحمد لله كنت أريد الله وأبحث عنه وأقاوم الشكوك لأني أحبه وأحب أن يكون موجودا. الآن أصبحت غير محتاج للمقاومة لأني أُرى بركة الله على حياتي بنفسي, وأعرف كيف كنت قبل وكيف صرت الآن ولا أجحد فضل الله الذي لم يتخل عني, و رفع عني هم الكأبة التي كنت أعاني منها وشفيت منها تماما وأصبحت حياتي إيجابية وأشعر بالتوفيق يلاحقني بعدما كنت ألاحقه فيفر عني.. فسبحان الله و الحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر, وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم, الذي طالما يحاول أن يشككني, لكن ماذا أفعل بالواقع؟ واقعي تغير وهذا فضله لله لأنني لم أستطع أن أغير شيئا رغم حرصي الشديد, وبحثت عن أسباب السعادة بنفسي ولكن كانت الكآبة تزداد مع كل محاولة سعادة جديدة.. وشكرا لك..           


السبت، 7 مارس 2015

كيف نفهم أنفسنا و نتفاهم مع غيرنا؟


كل انسان عبارة عن خليط من : الشعور الصافي (الفطرة), والعواطف, وعنصر ثالث مهم وهو الافكار. وتعاملات البشر تدور على هذه المحاور الثلاث ، وهي كثيرا ما تتناقض بين بعضها البعض مسببة الارهاق النفسي وسوء التفاهم والتواصل بين البشر ، ومقلصة لمساحة الثقة بينهم وبالنفس ايضا ، و لحالة التناقض هذه أرجع تعاسة البشرية ..

المطلوب هو ان تنسجم الثلاثة مع بعضها ، لكن من اين تكون البداية المنطقية ؟ يجب ان تكون من الفطرة ، كي نؤسس عليها افكارنا و بالتالي عواطفنا .

كراهيتك لمظهر احد او لرائحة معينة او غير ذلك ، كذلك محبته ، اما ان تكون بدافع شعور فطري أو تكون بدافع عاطفي خاص بك أو بدافع فكرة تلقيتها من غيرك . فمثلا : رائحة معينة كريهة يكرهها الجميع ، حتى لو لم يكن عندهم فكرة عنها او تجربة سابقة ، سيكون الدافع لكرهها فطريا . أما إن كانت تلك الرائحة تصنف في الروائح الجيدة والمقبولة ، لكنك تكرهها لأنها ارتبطت عندك بذكرى اليمة او موقف سلبي مؤثر ، فسيكون دافعك عاطفي . وإن كانت تلك الرائحة تتعلق بفكرة لديك ، عن ارتباط هذه الرائحة بشيء آخر ترفضه ، سيكون الدافع فكريا . وغالبا ما تكون هذه الفكرة قادمة ممن نثق به ، حتى لو لم نحس فعلا بأنها سيئة , كأن تربط الرائحة بفئة اجتماعية لا تقبلها الطبقة التي نعيش فيها مثلا . مما يعني ان اذواقنا في احيان كثيرة يتحكم فيها غيرنا .

اذن علينا ان نفرّق بين الدوافع ، ونبني مواقفنا على اساس شعوري ومنطقي ، وبالتالي نفهم انفسنا ، و إذا فهمنا انفسنا استطاع غيرنا أن يفهمنا ، بحيث نستطيع ان نوضح كل سلوكنا في اطار منطقي ، هنا نشعر بالراحة والانسجام والثقة بالنفس . اذا فعل هذا اكثر من طرف سيفهمون بعضهم بسهولة . لأن الأساس الشعوري مشترك بين البشر 100 % , اذن العلاقة التي تبنى عليه ستكون واضحة الى حد كبير وراسخة ودائمة , لأن الشعور راسخ و دائم .

يجب أن نكون منطلقين من الشعور الى العقل وليس من العقل الى الشعور بشكل دائم ، لان ما يُحقن فينا سيجعلنا "غيرنا" وليس "نحن" , ويكون تناقض غيرنا في داخلنا . دائما يجب ان نسأل : هل فطرتنا من أحَب ورغب ام لا ؟ هل افكارنا حركت مشاعرنا ؟ ام مشاعرنا وظفت افكارنا وصنعتها ؟

العاقل يهتم بالعلاقة المبنية على الشعور الفطري ولا يهمشها ويهملها ، لأنه سوف يهمل نفسه ويهمشها . شعورنا هو أساسنا ومنطلق الدوافع عندنا .


مشكلة المشاعر انها غير محددة المعالم لأنها غير مادية ، ولا يستطيع فهمها إلا العقل المؤسس عليها وهو ما اسميه "العقل الطبيعي" . العقل الطبيعي يستطيع فهم مشاعره بل ويستطيع – قياسا عليها – أن يفهم سلوك الاخرين ويحس بمشاعرهم حتى لو لم يفهموها هم ، لأنه احس بمشاعره هو وفهمها . وباختصار : لا تفاهم بين البشر بدون الشعور  .

الخميس، 5 مارس 2015

الأثر السلبي للحضارة اليونانية على الحضارة العربية والغربية


الغربيون ينسبون التقدم العلمي في الحضارة العربية للحضارة اليونانية, و يتكلمون عن دورها الإيجابي وينسون دورها السلبي, لأن التوجيه الخاطئ يضر مثلما ينفع التوجيه الصحيح. في الطب مثلا والجغرافيا قدمت الحضارة اليونانية تضليلا كبيرا, فكلام اليونانيين في الطب عن الأخلاط الأربعة تبعا لنظريتهم عن أصل الأشياء "العناصر الأربعة" مثلا ضلل الأطباء العرب عن اكتشاف جسم الإنسان بأنفسهم وبعقولهم هم, وصاروا أسرى لأبوقراط وجالينوس وأرسطو في هذه الفكرة الخاطئة أًصلا, والتي تُرجع المرض إلى اختلال في توازن الأخلاط الأربعة " الصفراء السوداء، والصفراء الصفراء والبلغم والدم", وصنفوا الأطعمة والأدوية بموجبها. تعب العلماء العرب كثيرا حتى يتخلصوا من الأفكار اليونانية الخاطئة, وكثير من الأفكار العلمية اليونانية خالفها العرب وصححوها, مثل فكرة أن الأرض مسطحة وأنها مركز الكون وخرائطهم الخاطئة التي تجعل الأرض قرصا مستويا وحوله المحيطات, و كثير من أفكار الفلاسفة اليونانيين وغيرها.

الثقافة اليونانية مثلما أنها فتحت مجالات هي أيضا أضرت وقيدت العقل, وما يزال تأثيرها السلبي إلى الآن في الثقافة الغربية. مثل فكرة المذهب المثالي والمذهب الطبيعي, فمازالوا يصنفون الفلاسفة تبعا لهذا التقسيم الخاطئ إلى فلاسفة مثاليين وفلاسفة طبيعيين, ليعلنوا أخيرا موت الفلسفة المثالية وبقاء الفلسفة العلمية فقط, مع أن العقل لا يعلِّم وحده والطبيعة لا تعلِّم وحدها, ولا يمكن الفصل بين الطبيعة والعقل. ومثل فكرة أبيقور حول الألم واللذة التي يقوم عليها المذهب الإلحادي والليبرالي والبراجماتية, وفكرة سقراط عن المعرفة و أن التعلم ما هو إلا تذكر لأن كل الحقائق موجودة في الداخل وأن التعليم عبارة عن تذكير فقط, والتي ساهمت في إنتاج أفكار خاطئة من مثل البرمجة اللغوية العصبية و"أخرج العملاق في داخلك" وقانون الجذب ..إلخ, فهذه الفكرة تقدم الإنسان على أن كل شيء موجود في داخله والمطلوب هو أن يعرف كيف يصل. وهذا غير صحيح, الصحيح أن يعمل الشعور والعقل معا وليس واحدا منهما, والعقل مرتبط بالطبيعة الخارجية.


الأربعاء، 4 مارس 2015

العقل والشعور والتمييز..


العقل هو شعور ليس له طعم, فالعقل لا نحسه. بالعقل تعرف مثلا أن النار تحرق دون أن تشعر بالحرارة, أو تقول أن لحظات الوداع أليمة دون أن تشعر بها تلك اللحظة لكنك عرفتها كقانون. هكذا يجمد الشعورُ القديمَ على شكل عقل (ذاكرة) حتى يتفرغ للجديد, و من خلال الكتابة صار الشعور يثبَّت على ورق.

هناك من يقرأ القصيدة بالعقل لوحده, وهناك من يقرؤها بعقل وإحساس و كأنه يسخن هذه القصيدة المجمدة ويتذوقها, مثل من يتذوق الكفتة المبردة بعد تسخينها, أما من يقرأ القصيدة بعقل فقط فهو لم يعش جوّها. لهذا لا يصح أن تتعامل مع الأدب والفن بالعقل وحده, كذلك الصور الفنية والتشبيهات لا بد أن تحس بها من خلال عميلة التخيل والتصور نفسها, فتتخيل مثلا ما قال الشاعر:
"الموجُ الأزرقُ في عينيك.. يُجرجِرُني نحوَ الأعمق
وأنا ما عندي تجربةٌ
في الحب.. ولا عندي زورق..
إن كنت أعز عليك .. فخذ بيديّ
فأنا عاشقةٌ من رأسي .. حتى قدميّ
إني أتنفَّسُ تحتَ الماء..
إنّي أغرق..
أغرق..
أغرق.."

هذه صورة شعرية, إذا أخذتها بالعقل ستأّخذها باللطش والسرعة لكن كلما تأملتها سيخرج جمال, فتتخيل الموج الأزرق وتتأمل من يتنفس تحت الماء وتتخيل البحر.. إلخ.

قال تعالى: {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} فندري أن الشمس تخرج في الصباح, لكن لماذا؟ تأمل دقة حركتها ولماذا هي تتحرك هكذا, وكيف أنها تخرج كل يوم لتدفئ أرضنا..., لهذا مدح الله المتفكرين والمتأملين, والتأمل هو إعادة تدوير الشعور من جديد.

في الشعر تخيل نفسك مكان الشاعر, مثل الشاعر الذي قال:
وأجْهَشْتُ لِلتَّوْبَادِ حِينَ رَأيْتُهُ
وهلل للرحمن حين رآني
وأذْرَيْتُ دَمْعَ الْعَيْنِ لَمَّا رَأيْتُهُ
ونادَى بأعْلَى صَوْتِهِ ودَعَانِي
فَقُلْتُ له أين الَّذيِنَ عَهِدْتُهُمْ
حواليك في خصب وطيب زمان ؟
فقال مضوا واستودعوني بلادهم
ومن ذا الذي يبقى مع الحدَثان
فتخيل منظر الجبل الذي كان يمر عليه هو و محبوبته حين كانوا صغارا.. تستطيع أن تتأمله وتبكي, وتستطيع أن تمر عليه ببرود.
الكلمات لم توضع إلا من أجل أن نتمكن من أن نستحلب الشعور. مثلما استنكر أحد الشعراء على من لا يشعرون بالشعر ويرونه مجرد كلمات مصفوفة, فيقول:
لو كان شعري شعير ** لأكلته الحمير
لكن شعري شعور** هل للحمير شعور؟!  

الشعور يصنع العقل, والعقل ليعيد الشعور, فالعقل موضوع لكي تسترجع الشعور. إذا قلت لك مثلا أن غرفة مساحتها 5×6 متر, هنا لا بد أن تحس بالأمتار التي سمعتها مني, فتكون كأنك ترى مساحة هذه الغرفة, هذا هو الأصل. ولكن يفوتنا كثيرا علمية تذويب الجامد هذا فيُبلع وهو ناشف.

العقل عبارة عن اختصار للشعور, والشعور واسع, لهذا يمدح الله الذي يتفكرون ويتدبرون الكلام و يتأملون, وليس فقط يمرون مرورا عابرا. انظر للملاحدة مثلا كيف يمرون على القرآن فيقولون : "أين المعلومات؟!" هو لم يأت ليعطيك معلومات فهو ليس كتاب علمي أصلا! لكنهم يقولون أنه كتاب يحوي أخبار عن الميتافيزيقا ومعلومات علمية غير دقيقة, ويستغربون لماذا يقول خمسة وسادسهم كلبهم وسبعة وثامنهم كلبهم.., فيقولون: "طيب والنتيجة كم؟" طيب وإذا عرفت كم ماذا تستفيد؟! هو لم يأتي ليخبرك كم!

العقل ليس جهازا, الشعور هو الموجود جهازا كاملا لا يزاد فيه ولا ينقص, أما العقل فليس جهازا ولدنا به, بل هو شعور جُمِّد, ويستطيع أن يسخَّن هذا المجمد بقليل تأمل. لهذا فالطفل يولد بلا عقل وشيئا فشيئا يبنى له عقل ويزداد ذكاؤه, ولهذا ترى الأكبر سنا أكثر قدرة على اللغة والحسابات العقلية, مما يعني أن العقل يزداد.

الشعور لا يعني فقط رغبة أو ألم, بل أيضا إدراك وتمييز, فتقول أشعر أن هذا أكبر من هذا, وأن هذا يحتاج هذا ليسنده حتى لا يسقط, وأشعر أن المكان فيه أكثر من واحد, أي أميز. إذن الشعور عنده الألم واللذة وعنده التمييز الذي لا علاقة له بالمصلحة, فأنت مجبر على أن تميز, والحيوان ليس عنده هذا الشعور التمييزي الواسع. والعواطف هي انفعالات من الشعور وليست كل الشعور.

المعلومة هي عبارة عن نقل لتمييزك, فمثلا رأيت في الصين جمل له سنامين بينما في الجزيرة العربية جمل له سنام واحد, فحين رأيته ميزت أن له سنامان وحولت هذه المعلومة وكتبتها, والحيوان ليس عنده هذا التمييز وبالتالي لا يعرفها. التمييز يصنع التصنيف من خلال العقل, فإذا ميزت شيئا تبحث له عن اسم في اللغة وقد لا تجد فتخترع له اسما, وهكذا. مثلما أن تجد نوعا من العصافير لكنه مختلف عن غيره, كيف عرفت أنه مختلف؟ بالتمييز الشعوري, ثم سألت عن اسمه أو بحثت عنه ووجدت أن له اسما معينا وحفظت هذا الاسم في العقل (ذاكرة), وهكذا.

الأسماء كلها قائمة على تمييز, قال تعالى:{وعلم آدم الأسماء كلها}, أي أعطاه التمييز الذي يجعله يقترح الأسماء للأشياء, وهذه ميزة للإنسان لا يتمتع بها غيره من الأحياء كالحيوان والنبات. والأسماء أساس اللغة, فاللغة اسم وفعل وحرف والفعل والحرف تابعان للاسم. وكل مكان وكل مدينة وكل قرية سميت باسم شيء بارز فيها إما مادي أو معنوي, مثل مدينة "القرنة" في العراق سميت بهذا لأنها ملتقى يقترن فيها دجلة والفرات, ومثل الطائف كان أبرز ما فيها سور عال ملتف عليها "يطوف بها" ولهذا سميت الطائف, ومثل الكويت سميت بسبب قصر صغير بها أصغر من قصر "الكوت" الموجود في العراق فسمي "كويت" تصغيرا. أو على اسم شخص مشهور مات فيها مثل مدينة الزبير في العراق التي دفن فيها الزبير بن عوام. وهكذا يبحث الناس عن أبرز شيء مميز ليطلقوا الصفات والأسماء وتخزن في الذاكرة. وقد يُنسى الأصل التمييزي لها ويبقى الاسم بناء على كثرة الاستعمال. ولو ذهبت إلى الكويت مثلا قد لا تجد ذلك "الكوت" الصغير بل ستجد أبراجا ومباني عالية أكثر تميزا منه, هذا إن كان موجودا.

المنطق أيضا أساسه التمييز الشعوري, فكلما تركت شيئا مرفوعا سقط للأسفل إذن هناك انجذاب ورغبة في الاستقرار, فصار عندنا هذا القانون أنه كلما وضعت شيئا في الأعلى دون حامل سيسقط, لهذا الطفل قد يجلس تحت أشياء قد تسقط عليه وهو لا يدري, والحيوان لا يمكن أن تنبني له هذه المعرفة أبدا فيمكن أن يجلس تحت مبنى آيل للسقوط معتبرا أنه مكان آمن.


هذه هي الحكاية, فنحن لا نعرف شيئا بل معلَّمون, فالأشياء التي عُلّمناها أخذناها عن طريق التمييز الفطري الذي من خلاله نعرف الفروق والعلاقات بين الأشياء لكننا لا نعرف ماهية الأشياء نفسها, لهذا أقول أننا لا نعرف شيئا أي لا نعرف ماهية شيء, ولا حتى ماهية قانون, حيث أن الطبيعة عبارة عن أِشياء وقوانين. ودعنا من ماهية الأشياء بل فكر بماهية معرفتنا للأشياء! {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}.