الاثنين، 7 مايو 2012

الهروب من النقاش : اسبابه ودوافعه وحججه 2


يكون النقاش والتغيير من خلال الافكار ، ومن يهرب عن نقاش الافكار لا بد ان بضاعته ضعيفة في هذا المجال ، وإلا لواصل النقاش ، على الاقل احتراما لمبادئه التي يؤمن بها . فالاستجابة ليس شرطا ان تكون مباشرة .

لماذا الخوف من الدخول في عالم الافكار والحوار ؟ لا بد من الحوار الدائم والملتزم بالادب ، فالحوار يكشف الحقائق دائما ، بل ويكشف لنا اخطاءنا ، و يقرّب الجميع إلى المنطق ويثري العقول ويزيد الثقافة ، لا اظني بحاجة ان اقدم محاضرة لقيمة الحوار ، خصوصا الى من يتبنون الافكار الليبرالية الغربية التي تعتبر ان الحوار وحرية الراي قيم ثابتة عليا .. 

ان شرط (اقتناع الطرف الاخر او الكف عن الحوار) ، هذا شرط ضعيف منطقيا و ادبيا ، فالحوار المنطقي لا يشترط اما الاقتناع و التسليم و اما التوقف .. لانه يتعامل مع الافكار وليس مع الاشخاص ، وهل هذه الفكرة تفوقت على الفكرة المقابلة ام لا .. فعالم الافكار لا ينتهي ، بحثا و تغييرا وتطبيقا ومقارنة إلخ ..

إن الفلسفة لا علاقة لها بالاشخاص ، وهل هم خضعوا ام لم يخضعوا لكلامنا .. فالتأثير في المجتمع و الادلجة موضوع ، والفلسفة موضوع آخر .. فالداعية الاجتماعي منصب عمله على قبول المجتمع ، و يتعامل بالنتائج ونجاحه مرتبط بها .. بينما المفكر و الفيلسوف ينصب اهتمامه على عالم الافكار ، وهي مجتمعه ، ويرصد النتائج في داخل هذا المجتمع و ليس خارجه ..

ومن ناحية ادبية و اخلاقية ، تحمل فكرة (اقتنع او لن احاورك) شيئا من الغرور والسلطوية ، والتي تعكس من الطرف الآخر ضعفا و عدم ثقة بالنفس . وهي نظرة دكتاتورية تحمل إلزاما للآخرين . المحاور الحقيقي ليس هدفه اقناع الاخرين ، بل دراسة الافكار ومعالجتها وتقييمها وتطويرها . حتى لو لم يقتنع به احد ، فلا يجعله هذا يتوقف ، لأنه واثق من نفسه و تهمه الحقيقة أكثر من اتباعها ، و يدل هذا على اصالته في عالم الافكار ، فهو يقصدها لذاتها وليس لاجل خلق اتباع لها واحصاء عددهم .

لا شك ان الشخص يسره ان يقتنع الاخرون بافكاره ، و لكن عدم اقتناعهم لا يوقفه ، لانهم ليسوا هم الهدف الاساسي عنده ، بل عالم الافكار والحقيقة هو المهم .. فحتى لو لم يقتنع هذا الذي امامك ، فقد يقتنع احد ليس امامك ، و لو لم يقتنع اهل زمانك ، فقد ياتي من زمان لاحق او مكان اخر من يقتنع به ، لان الحقيقة كنز لمن اراده .. والباحث الحقيقي يبحث عن الحقيقة ، اي عن الكنز .. والنتائج امر ثانوي عنده ..

وهنا تنبيه هام : إن الموضوع ليس قصده الهروب عن نقاشي انا كما فهم البعض .. الكلام عام كاسلوب متبوع وعادة في ايقاف النقاش بمجرد حدوث اي ادنى مشكلة ..

عقليتنا العربية تعودت على ان النقاش (هواش) ، وان النقاش يجب ان ينتهي باستسلام احد الطرفين و انقياده للاخر بعد عراك طويل ، انه تصور ناتج من حياة الصراع والغالب والمغلوب بين القبيلة والقبيلة الاخرى ..

هدف الموضوع هو ان نغير هذه الفكرة ولا نهرب من النقاش الا لسبب واضح .

ومعذرة لان تعبيري لم يجعل البعض يفهمني على الوجه الذي قصدته .. 

وذكري للملاحدة واللادينيين على وجه الخصوص ، لا يعني ان غيرهم خالي من هذه المشكلة ، ولا يعني ايضا ان كل اللادينيين والملحدين يعانون من هذه المشكلة .. لكن هذا ما لاحظته بكثرة من التجربة ، و كثير منهم يصرح بعدم جدوى الحوار لانه لم يحصل على الاقناع المطلوب ، متحججا بضيق الوقت على صاحب الحياة الواحدة .

و زد على هذا : ان اساس فكرهم قائم على الواقع و ليس على الحقائق الفكرية ، بل ان كثيرا منهم يسخرون من الفلسفة و بشروا بموتها كعدو ينتظرون موته ، فالفلسفة تدور حول المنطق ، والنقاش دائما يدور حول المنطق ، و فكرهم له تصادمات كبيرة مع المنطق ، ربما يكون هذا من الاسباب في عدم رغبتهم في اطالة النقاش ، واكتفاؤهم بأسلوب البلاغ على طريقة المانفيست الالحادي . و هم يعرفون ان من سيقبل فكرهم سيقبله من اول مرة ، لأنه يوافق هواه ، اما من يدقق النقاش فيعتقدون انه لا يريد ان يقبل ، لهذا يعتبرون الوقت ضائعا معه ، على اساس ان الحقيقة مفروغ منها .

وغالب نقاشهم يدور حول الاقناع بالحقيقة وليس حول البحث عنها .. تماما كأسلوب المسوق الراسمالي ، اما الحوارات الطويلة ، فيحبها عادة من لا يدعون امتلاك الحقيقة و يبحثون عنها ، او من يريدون الاستزادة منها ، أو على الاقل من يريدون الاثراء الثقافي من خلال الاطروحات المتناقضة ، و هلاء موجودون رغم قلتهم ، سواء ممن ينتمون إلى المادية والإلحاد ، او ممن ينتمون إلى الدين ، و هؤلاء هم الاهم دائما من اصحاب الحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش ولا تحب الزيادة .

هدف الموضوع اذن تغيير نظرتنا العربية الى فكرة الحوار و النقاش .. من صراع الى اثراء .. اما القبول من عدمه فهو موضوع شخصي بحت لا يحق لاحد ان يتدخل فيه ..

وشكرا للجميع مع الاعتذار لمن فهم الموضوع بصورة مختلفة .. والعتب على التعبير وليس عليهم ..

هناك تعليق واحد :

  1. جميل جداً فقط اود للتنويه ان الدعوة الالحادية واللادينية باطلة لعدة اسباب ..
    ابرزها ان هي تعتمد هي المادية ولا يمكن اثبات اي قانون بما عدا المبادئ الفلسفية الاربعة ..
    فما يصورونه في وجوبية الالتقاء بالموجود في الواقع وفي عالم الماديات امر باطل .. :)
    وشكراً على الموضوع الجميل جداً ..

    ردحذف