النظرة الشائعة والتي يدعمها الماديون ، تـُضخـِّم من حجم منطقة العقل على حساب منطقة الشعور . و أنا ارى العكس ..
إن العاطفة جزء من الشعور ، و الشعور هو الأشمل .. أما العقل فمن وجهة نظري هو شيء جامد و خالٍ من الأحاسيس بحد ذاته .. لهذا فالشعور هو الذي يسيـّرنا و ليس العقل ، والعقل يكتسب الحياة من الشعور ، فالعقل موظـّف عند الشعور ، و هو من إنتاجه أصلاً وإن كان (العقل) يتلوث أحيانا كثيرة بالأفكار الخاطئة إذا تركنا بنائه خارج رقابة الشعور ..
والعقل متعلّق بالعالم الخارجي بصورة أكبر ، بسبب ارتباطه القوي بالحواس .. و كل معلومة في ذاكرتنا تتكون من جزئين : جزء جامد و مرتبط بالعالم الخارجي ، و جزء عاطفي، أي شعوري ، و هو الذي جعلنا نحتفظ بهذه المعلومة لقيمتها الشعورية أو المعنوية عندنا ..
والشعور هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، و كأنها الكاتالوج المثالي للحياة المثالية ، لكنه غير مـُلـزِم ، إنه منظار يقدّم إنعكاساته على الروح التي تتألم و تتلذذ بموجب خريطته ، فإذا سارت عليها سعدت ، و إن خالفـتها تألمت ، بطريقة تلقائية .. أي أن ألمها وسعادتها من خلال الشعور ، لأنها فـُطـِرَت عليه .. وهو (أي الشعور) بموقع الملاك المقابل للشيطان المؤثر في الإنسان . و هو الذي نتذكر من خلاله إن نفعت الذكرى ، أي إذا اخترنا تذكيره ..
يحصل لنا كثيراً أن نتردد بين أمرين ، و هذا يعني تناقضاً في الرؤية بين الشعور و العقل ، ثم نغلـّب أحدهما على الآخر ، و لا شك أن أحدهما أفضل من الآخر ، و هنا نتذكر الآية : {فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها} ..
أحياناً نتذكر أننا نريد أن نقول شيئاً ، ولكننا لا ندري ما هو ، وبعد أن نفكر ، نكتشفه .. أو نعرف شخصاً ولكننا لا نعرف اسمه .. هذين المثالين يوضحان لنا عمل الشعور وعمل العقل .. فالشعور أعجمي لا يعرف العالم الخارجي ولا اللغة حتى ، لهذا يحتاج الشعور إلى العقل فيما يتعلق بخارج ذواتنا ، والشعور لا ينسى ولا يتعب ولا يكل ، بينما العقل هو الذي يتعب بسبب اعتماده على الطاقة المادية ..
إن الشخص المتعب أو كبير السن أو المريض يعاني من ضعف الذاكرة ، وهو يعرف ذلك ! ما الذي جعله يعرف ؟ إنه عدم قدرة عقله على مجاراة شعوره .. فهو يعرف أشخاصاً أو أشياء لكنه لا يستحضر أسماءها بسهولة .. هذا الفصل بين العقل والشعور ، هذه العُجمة الشعورية نعمة من الله جعلت هذا الشعور (كبرنامج فطري) محفوظاً و سالماً من التغيير ..
العقل دائماً مرتبط بالخارج ، أي بعالم المادة ، و مرتبط بالآخرين (المجتمع) ، و لو سار الإنسان على العقل المادي فقط لأصبح ملحداً وغير مؤمن بأي قيمة مثالية ، وهذه مشكلة الماديين .. و ربما يفعل أشياء سيئة بناءً على المصلحة المادية و المجتمع ..
العقل عبارة عن : مقاييس (منطق) + معلومات محفوظة متعلقة بكل الحواس + رموز للاختصار والنقل (هي اللغة) . و ما سوى ذلك فهو شعور .
الشعور مشترك بين الجميع ، لا يزداد و لا ينمو و لا يكبر ولا يصغر ، ولا فرق بين شعور الطفل وشعور الكبير ، لكن الفرق هو في القدرة العقلية على الوصف و التعبير .. و الشعور طاقته مطلقة ، أما العقل فطاقته محدودة و مرتبطة بالقدرة و بالمادة .. لو لم يكن هذا المشترك بين الناس ( الذي هو الشعور) ، لما حصل تفاهم بينهم ، بسبب اختلاف بيئاتهم ومعلوماتهم ، وبالتالي عقولهم ..
كل الشعوب و في كل الازمان تتفق على مشتركات شعورية أكثر من اتفاقها على مشتركات عقلية ، كالمحبة والسلام والفضيلة والجمال ووجود إله يرعى الفضيلة ومبدع للكون .. ولا تجد شعباً يفضل شخصية الشرير على شخصية البطل ، و لا تجد أحداً يفضل الروائح الكريهة على الروائح الطيبة ، و لا تجد أحداً يحب القبح أكثر من الجمال ، و يفضل الطيش على الحكمة ، إلخ .
و مع ذلك تجد الكثيرين ممن يضعون أنفسهم في شخصية الشرير ويتصرفون بطيش و يختارون فعل الرذيلة على الفضيلة و القبح على الجمال ، فهذا يدل على أن شعورهم أحب الفضائل المشتركة بين الناس ، لكن تغليبهم للأنانية و المصلحة العاجلة هو الذي حرفهم عن الفطرة (الشعور) ، أي دسّوا أنفسهم كما هو تعبير الآية : {وقد خاب من دساها} ، أي أخفى الفطرة من نفسه التي فيه ، أي أنهم غـَلـّبوا العقل الخارجي على العقل الداخلي..
إن كل البشر يحترمون الفضيلة ، و لكنهم يختلفون في تجسيدها ، و هنا يبرز دور العقل في الاختلاف و دور الشعور في الاتفاق ، فالكرم الكل يتفق عليه ، ولكن صور الكرم بين الشعوب والقبائل تختلف بل احيانا تتناقض ، و كذلك الجمال والفن و المحبة والوفاء ..
كذلك الشعور يتكون من دوائر (مجالات، أو أفلاك) ، من أعلى إلى أسفل ، فالدوائر العليا تدور حول القيم العليا ، والدوائر الدنيا تدور حول حاجات الجسد ، ويمكن تسميتها أيضا بغرائز شعورية عليا ، و غرائز شعورية دنيا ..
الماديون لا يعترفون بالغرائز العليا ، إنهم يعترفون بحاجة الانسان إلى الأخذ ، ولكن لا يعترفون بحاجته إلى العطاء .. يعترفون بحاجته للطعام ، لكن لا يعترفون بحاجته الى الفضيلة ، و يعتبرونها دخيلة جاء بها الفكر الديني والاجتماعي ، و يعترفون بحاجة الانسان إلى البقاء ، ولكن لا يعترفون بحاجته إلى الخضوع والعبودية والبحث عن موجدها .. لا يعترفون بها ، مع انهم يعترفون بالمشكلة الوجودية والفراغ الروحي .. وما هذا إلا لنقصان ذاك ..
النفس هي منطقة وسطى بين العقل و الشعور الصافي ، و هي التي يرتبط فيها الداخل بالخارج والخارج بالداخل ، وهذا العقل الوسيط او (النفس) هو الذي يجعلنا نقوم باعمالنا الآلية التلقائية ، وهي مكمن العادات .. و تزكية النفس تكون باحترام الغرائز العليا في الشعور ، وتفضيلها على الغرائز الدنيا اذا تعارضتا ، وهنا دور العقل السليم في توجيه دوائر الشعور ، فاحترام الشعور بكل دوائره قدر الإمكان يكوّن عقلا جيدا ، ومنهما (العقل و الشعور) تـُصنع نفس طاهرة زاكية ..
لا تستطيع ان تعلِّم أحدا إلا من خلال الشعور والعقل معا ، وكذلك نفسك تحتاج إلى نفس الشيء ، فالفقير مثلاً يرى مالا مغريا للسرقة ، وعنده غريزة الجوع ، وعنده غريزة الفضيلة ، فأيها سيختار ؟ إذا اختار الجانب العقلي فقط ، فسوف يسرق ، لأنه محتاج للمادة و هذه المادة امامه ويستطيع ان يَسْلـَم الى حد كبير ، وإذا اختار شعور الفضيلة فقط ، فقد يموت من الجوع اذا لم يفعل شيئا ، هنا دور العقل السليم بحيث يحل المشكلة دون ان يؤذي المشاعر العليا ، ويبدأ يـُعـمـِل إحساسه وعقله وذاكرته وتفكيره ليبحث عن حل سليم لا يؤذي اي جزء في شعوره .. فشعوره لم يقل له : اسرق ، ولكن قال له : كـُل .. و غرائزه العليا لم تقل له : لا تاكل ، بل قالت : لا تظلم ..
وهكذا نعرف ان الشعور هو الذي يصنع العقل السليم الذي سوف يشير على صاحبه بأن يعمل على ما اعطاه الله من قدرات و يطورها ولا يأخذ رزق غيره .
النفس مطلعة على المكون المادي وعلى المكون الشعوري ، والشيطان يحاول العزف على قيثارة النفس وعلى أوتارها المادية فقط ، ويحاول أن يحرفها إلى المادية على حساب الشعور لكي يجرّها الى فعل الشر . ليس شرطا ان يدخل الشيطان مباشرة الى النفس ، فقد تكون أفكاره وصلت إليه قبله من خلال الناس {الذي يوسوس في صدور الناس ، من الجنة والناس} ، فشخصٌ أخذ من الناس كلمات مثل : "ولّى زمن الأخلاق" ، "الأخلاق لا تؤكـّل صاحبها" ، "اللي اختشوا ماتوا" ، و صدّق بهذه الأفكار ، سوف تؤثر هذه الكلمة في سلوكياته ما دام مؤمناً بها ، وهي فكرة شريرة أساسها من الشيطان ، وتناقلها الناس .
بقيت المنطقة الرابعة في معرفة الداخل الانساني ، وهي الروح ، التي تـُعـرَض عليها معطيات الشعور ومعطيات العقل من خلال النفس ، و تختار بحرية كاملة من أيـّها ، وهي التي تتألم و تتلذذ وتشعر بالخوف وتشعر بالسعادة ، و هذه الروح لا يمكن معرفتها ، فنحن نتألم و لكننا لا نعرف ما هو الالم بحد ذاته ولا أين يوجد ..
الشعور و العقل ومادة اجسامنا ، كلها مُسخَّرة لهذه الروح التي لا يمكن دراستها ، و كل شيء حي يريد أن يحيا لكن لا يعرف لماذا ، لأن الروح لا يمكن معرفتها ، حتى الملحد إذا سألته هذا السؤال فسوف يتهرب عندما تقول له : مادمت عقلانيا فما الجدوى العقلية من استمرارك في الحياة و التي ألمها أكثر من سعادتها وأشد تأثيراً؟
بينما الشعور كعقل داخلي ، و العقل كعقل خارجي ، و النفس كمنطقة وسطى بينهما ، كلها قابلة للدراسة واستخراج القوانين .. {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} ..
العقل و النفس بالإمكان تغيير ما فيهما تبعاً للأفضل ، أما الشعور و الروح فلا يمكن تغييرهما .. لا بحذف ولا بإضافة ..
يضعون كلمة "عاطفة" في مقابل كلمة "عقل" ، و يفصلون بينهما فصلاً حاداً . ومن يقال عنه أنه إنسان عاطفي يعني أنه غير عقلاني و يـُلمز بالجنون ، هكذا يـُتصَوَّر .. و يبدو أنها من أفكار الماديين للتقليل من شأن الشعور وغرائزه العليا ، فالرحمة و حب الخير يصنفونهما كدوافع عاطفية ، مثلها مثل البكاء او الخوف ، و يعتبرونها علامات ضعف في الشخصية ، بينما يحددون العقلانية فقط بالمادية وما تقتضيه ..
يقولون للشخص : "فكر بمصالحك ولا تذهب بك العواطف بعيداً" ، بمعنى : أهمل مشاعرك العليا واحترم مشاعرك الدنيا؛ لأنها هي التي لها علاقة بالمادة ، بمعنى : خذ الأدنى و اترك الأعلى ، وهذا ما يريده الشيطان .. لاحظ أن عقلانيتهم لا تستطيع استيعاب العواطف مع أنها جزء لا يتجزأ من الإنسانية ، إذاً هي عقلانية ضيقة مرتبطة بالمادة فقط .. و هذا نقص في العقلانية ، إذ يجب أن تشمل عقلانيتنا عواطفنا ، ولا نخطط لحياتنا في معزل عن عواطفنا ومشاعرنا حبنا ، لأنه سيكون تخطيطا ناقصا ، تنفتح ثغراته فيما بعد . و لنا في قصيدة المتنبي في رثاء جدته عبرة ، فهي تدمي قلب من عايشها بوجدانه :
العقلانية الطبيعية والسليمة هي التي تعطي كل ذي حق حقه و تـُواءِم بين نوازع الانسان ، ولا ترمي جزءا مهما واساسيا في الانسان في سلة المهملات .. فمثلا شخص مادي سوف يستجيب لأي عرض عمل يقدم دخلا اكبر ، ولو على حساب ارتباطاته العاطفية والاخلاقية ، ويعتبر التفكير في هذا الجانب ضعفا واعاقة للطموح ، مع ان هذا التفكير الجزئي هو الضعف ، لأنه لم يشمل كل حاجاته والتي قد تثورعليه فيما بعد بشكل لم يتصوره ..
وبالنسبة للقلب، فالقلب هو الوعي، لذلك قد يفقد الإنسان وعيه بينما لم يفقد حياته، وهذا يدل على ان القلب هو الوعي، والوعي ليس هو كل الحياة، ففي حالة النوم مثلاً بدون أحلام يغيب حضور القلب، لكن الروح تعمل والشعور يعمل، لذلك قال تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) وهذا إعجاز من القرآن، لأن وعي الإنسان لا يستطيع أن يركز على شيئين في وقت واحد، فلا بد من انتقال، حتى ولو كان سريعا، فالقلب (الوعي) سمي بذلك لأنه يتقلب ويتنقل بين أجزاء الخارطة الداخلية، عندما تريد أن توزع قطعة حلوى على مجموعة أطفال بالتساوي، يريد القلب في هذه الحالة أن يعدل، أي أن القلب قد مر بمنطقة الشعور والفطرة، ثم سينتقل إلى العقل ليجري عملية حسابية للعقل، ثم ينتقل من التركيز على العقل إلى التركيز على الأشخاص الذين أمامه لينفذ التوزيع. في هذا المثال نجد القلب انتقل بين الشعور (إرادة العدل) والعقل (العملية الحسابية) والجسم (تنفيذ التوزيع). مثال آخر : تجد حيوانا تحت المطر، القلب يعرض المنظر على الشعور، النتيجة : شعور بالرحمة وطلب بفعل شيء ما، القلب ينتقل الآن إلى العقل لحل المشكلة ماديا، فيطرح العقل فكرة ويعيدها للذاكرة من أجل تصور هذا الحيوان تحت السقف الذي تريد ان تصنعه له بالمواد الموجودة، ثم ياخذ القلب الصورة الخيالية ليعرضها على الشعور، الشعور أعجمي لكن يعطي إشارة أو تضليل بالإيجاب أو بالرفض، سواء كليا أو جزئيا، إذا وافق عليها إنتقل القلب إلى العقل والحواس والجسم لأجل التنفيذ، ثم عرض المنظر مرة أخرى على الشعور بواسطة القلب. هذه العمليات تحصل بسرعة خاطفة أكثر بكثير، لكن هذا مثال تم عرضه بالحركة البطيئة.
هذا ملخص شديد الاختصار لرؤيتي حول خارطة الإنسان الداخلية .. وهو محاولة لوضع المصطلحات الداخلية في مكانها ، لأنه يجري الخلط بينها دائما ويعبر عن بعضها بالبعض ، فأحد يقول "نفسي" وآخر يقول "عقلي" ، وآخر يقول "إحساسي" ، وآخر يقول "شعوري" ، و ربما يستعملونها كلها لشيء واحد .. إنها محاولة لتحديد المصطلحات وهي محاولة قابلة للمداولة لوضع أسس ثابته لعلم نفس إسلامي قد تقدم للبشرية معطيات أكثر إصابة للحقيقة مما يقدمه علم النفس المادي المعتمد على فرويد ..
وهذه الأسس تستطيع أن تستوعب واقع النفس البشرية بكل صورها وبالتالي تقديم الحلول الحقيقية لإصلاح النفس على ضوء القرآن الكريم .
إن العاطفة جزء من الشعور ، و الشعور هو الأشمل .. أما العقل فمن وجهة نظري هو شيء جامد و خالٍ من الأحاسيس بحد ذاته .. لهذا فالشعور هو الذي يسيـّرنا و ليس العقل ، والعقل يكتسب الحياة من الشعور ، فالعقل موظـّف عند الشعور ، و هو من إنتاجه أصلاً وإن كان (العقل) يتلوث أحيانا كثيرة بالأفكار الخاطئة إذا تركنا بنائه خارج رقابة الشعور ..
والعقل متعلّق بالعالم الخارجي بصورة أكبر ، بسبب ارتباطه القوي بالحواس .. و كل معلومة في ذاكرتنا تتكون من جزئين : جزء جامد و مرتبط بالعالم الخارجي ، و جزء عاطفي، أي شعوري ، و هو الذي جعلنا نحتفظ بهذه المعلومة لقيمتها الشعورية أو المعنوية عندنا ..
والشعور هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، و كأنها الكاتالوج المثالي للحياة المثالية ، لكنه غير مـُلـزِم ، إنه منظار يقدّم إنعكاساته على الروح التي تتألم و تتلذذ بموجب خريطته ، فإذا سارت عليها سعدت ، و إن خالفـتها تألمت ، بطريقة تلقائية .. أي أن ألمها وسعادتها من خلال الشعور ، لأنها فـُطـِرَت عليه .. وهو (أي الشعور) بموقع الملاك المقابل للشيطان المؤثر في الإنسان . و هو الذي نتذكر من خلاله إن نفعت الذكرى ، أي إذا اخترنا تذكيره ..
يحصل لنا كثيراً أن نتردد بين أمرين ، و هذا يعني تناقضاً في الرؤية بين الشعور و العقل ، ثم نغلـّب أحدهما على الآخر ، و لا شك أن أحدهما أفضل من الآخر ، و هنا نتذكر الآية : {فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها} ..
أحياناً نتذكر أننا نريد أن نقول شيئاً ، ولكننا لا ندري ما هو ، وبعد أن نفكر ، نكتشفه .. أو نعرف شخصاً ولكننا لا نعرف اسمه .. هذين المثالين يوضحان لنا عمل الشعور وعمل العقل .. فالشعور أعجمي لا يعرف العالم الخارجي ولا اللغة حتى ، لهذا يحتاج الشعور إلى العقل فيما يتعلق بخارج ذواتنا ، والشعور لا ينسى ولا يتعب ولا يكل ، بينما العقل هو الذي يتعب بسبب اعتماده على الطاقة المادية ..
إن الشخص المتعب أو كبير السن أو المريض يعاني من ضعف الذاكرة ، وهو يعرف ذلك ! ما الذي جعله يعرف ؟ إنه عدم قدرة عقله على مجاراة شعوره .. فهو يعرف أشخاصاً أو أشياء لكنه لا يستحضر أسماءها بسهولة .. هذا الفصل بين العقل والشعور ، هذه العُجمة الشعورية نعمة من الله جعلت هذا الشعور (كبرنامج فطري) محفوظاً و سالماً من التغيير ..
العقل دائماً مرتبط بالخارج ، أي بعالم المادة ، و مرتبط بالآخرين (المجتمع) ، و لو سار الإنسان على العقل المادي فقط لأصبح ملحداً وغير مؤمن بأي قيمة مثالية ، وهذه مشكلة الماديين .. و ربما يفعل أشياء سيئة بناءً على المصلحة المادية و المجتمع ..
العقل عبارة عن : مقاييس (منطق) + معلومات محفوظة متعلقة بكل الحواس + رموز للاختصار والنقل (هي اللغة) . و ما سوى ذلك فهو شعور .
الشعور مشترك بين الجميع ، لا يزداد و لا ينمو و لا يكبر ولا يصغر ، ولا فرق بين شعور الطفل وشعور الكبير ، لكن الفرق هو في القدرة العقلية على الوصف و التعبير .. و الشعور طاقته مطلقة ، أما العقل فطاقته محدودة و مرتبطة بالقدرة و بالمادة .. لو لم يكن هذا المشترك بين الناس ( الذي هو الشعور) ، لما حصل تفاهم بينهم ، بسبب اختلاف بيئاتهم ومعلوماتهم ، وبالتالي عقولهم ..
كل الشعوب و في كل الازمان تتفق على مشتركات شعورية أكثر من اتفاقها على مشتركات عقلية ، كالمحبة والسلام والفضيلة والجمال ووجود إله يرعى الفضيلة ومبدع للكون .. ولا تجد شعباً يفضل شخصية الشرير على شخصية البطل ، و لا تجد أحداً يفضل الروائح الكريهة على الروائح الطيبة ، و لا تجد أحداً يحب القبح أكثر من الجمال ، و يفضل الطيش على الحكمة ، إلخ .
و مع ذلك تجد الكثيرين ممن يضعون أنفسهم في شخصية الشرير ويتصرفون بطيش و يختارون فعل الرذيلة على الفضيلة و القبح على الجمال ، فهذا يدل على أن شعورهم أحب الفضائل المشتركة بين الناس ، لكن تغليبهم للأنانية و المصلحة العاجلة هو الذي حرفهم عن الفطرة (الشعور) ، أي دسّوا أنفسهم كما هو تعبير الآية : {وقد خاب من دساها} ، أي أخفى الفطرة من نفسه التي فيه ، أي أنهم غـَلـّبوا العقل الخارجي على العقل الداخلي..
إن كل البشر يحترمون الفضيلة ، و لكنهم يختلفون في تجسيدها ، و هنا يبرز دور العقل في الاختلاف و دور الشعور في الاتفاق ، فالكرم الكل يتفق عليه ، ولكن صور الكرم بين الشعوب والقبائل تختلف بل احيانا تتناقض ، و كذلك الجمال والفن و المحبة والوفاء ..
كذلك الشعور يتكون من دوائر (مجالات، أو أفلاك) ، من أعلى إلى أسفل ، فالدوائر العليا تدور حول القيم العليا ، والدوائر الدنيا تدور حول حاجات الجسد ، ويمكن تسميتها أيضا بغرائز شعورية عليا ، و غرائز شعورية دنيا ..
الماديون لا يعترفون بالغرائز العليا ، إنهم يعترفون بحاجة الانسان إلى الأخذ ، ولكن لا يعترفون بحاجته إلى العطاء .. يعترفون بحاجته للطعام ، لكن لا يعترفون بحاجته الى الفضيلة ، و يعتبرونها دخيلة جاء بها الفكر الديني والاجتماعي ، و يعترفون بحاجة الانسان إلى البقاء ، ولكن لا يعترفون بحاجته إلى الخضوع والعبودية والبحث عن موجدها .. لا يعترفون بها ، مع انهم يعترفون بالمشكلة الوجودية والفراغ الروحي .. وما هذا إلا لنقصان ذاك ..
النفس هي منطقة وسطى بين العقل و الشعور الصافي ، و هي التي يرتبط فيها الداخل بالخارج والخارج بالداخل ، وهذا العقل الوسيط او (النفس) هو الذي يجعلنا نقوم باعمالنا الآلية التلقائية ، وهي مكمن العادات .. و تزكية النفس تكون باحترام الغرائز العليا في الشعور ، وتفضيلها على الغرائز الدنيا اذا تعارضتا ، وهنا دور العقل السليم في توجيه دوائر الشعور ، فاحترام الشعور بكل دوائره قدر الإمكان يكوّن عقلا جيدا ، ومنهما (العقل و الشعور) تـُصنع نفس طاهرة زاكية ..
لا تستطيع ان تعلِّم أحدا إلا من خلال الشعور والعقل معا ، وكذلك نفسك تحتاج إلى نفس الشيء ، فالفقير مثلاً يرى مالا مغريا للسرقة ، وعنده غريزة الجوع ، وعنده غريزة الفضيلة ، فأيها سيختار ؟ إذا اختار الجانب العقلي فقط ، فسوف يسرق ، لأنه محتاج للمادة و هذه المادة امامه ويستطيع ان يَسْلـَم الى حد كبير ، وإذا اختار شعور الفضيلة فقط ، فقد يموت من الجوع اذا لم يفعل شيئا ، هنا دور العقل السليم بحيث يحل المشكلة دون ان يؤذي المشاعر العليا ، ويبدأ يـُعـمـِل إحساسه وعقله وذاكرته وتفكيره ليبحث عن حل سليم لا يؤذي اي جزء في شعوره .. فشعوره لم يقل له : اسرق ، ولكن قال له : كـُل .. و غرائزه العليا لم تقل له : لا تاكل ، بل قالت : لا تظلم ..
وهكذا نعرف ان الشعور هو الذي يصنع العقل السليم الذي سوف يشير على صاحبه بأن يعمل على ما اعطاه الله من قدرات و يطورها ولا يأخذ رزق غيره .
النفس مطلعة على المكون المادي وعلى المكون الشعوري ، والشيطان يحاول العزف على قيثارة النفس وعلى أوتارها المادية فقط ، ويحاول أن يحرفها إلى المادية على حساب الشعور لكي يجرّها الى فعل الشر . ليس شرطا ان يدخل الشيطان مباشرة الى النفس ، فقد تكون أفكاره وصلت إليه قبله من خلال الناس {الذي يوسوس في صدور الناس ، من الجنة والناس} ، فشخصٌ أخذ من الناس كلمات مثل : "ولّى زمن الأخلاق" ، "الأخلاق لا تؤكـّل صاحبها" ، "اللي اختشوا ماتوا" ، و صدّق بهذه الأفكار ، سوف تؤثر هذه الكلمة في سلوكياته ما دام مؤمناً بها ، وهي فكرة شريرة أساسها من الشيطان ، وتناقلها الناس .
بقيت المنطقة الرابعة في معرفة الداخل الانساني ، وهي الروح ، التي تـُعـرَض عليها معطيات الشعور ومعطيات العقل من خلال النفس ، و تختار بحرية كاملة من أيـّها ، وهي التي تتألم و تتلذذ وتشعر بالخوف وتشعر بالسعادة ، و هذه الروح لا يمكن معرفتها ، فنحن نتألم و لكننا لا نعرف ما هو الالم بحد ذاته ولا أين يوجد ..
الشعور و العقل ومادة اجسامنا ، كلها مُسخَّرة لهذه الروح التي لا يمكن دراستها ، و كل شيء حي يريد أن يحيا لكن لا يعرف لماذا ، لأن الروح لا يمكن معرفتها ، حتى الملحد إذا سألته هذا السؤال فسوف يتهرب عندما تقول له : مادمت عقلانيا فما الجدوى العقلية من استمرارك في الحياة و التي ألمها أكثر من سعادتها وأشد تأثيراً؟
بينما الشعور كعقل داخلي ، و العقل كعقل خارجي ، و النفس كمنطقة وسطى بينهما ، كلها قابلة للدراسة واستخراج القوانين .. {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} ..
العقل و النفس بالإمكان تغيير ما فيهما تبعاً للأفضل ، أما الشعور و الروح فلا يمكن تغييرهما .. لا بحذف ولا بإضافة ..
يضعون كلمة "عاطفة" في مقابل كلمة "عقل" ، و يفصلون بينهما فصلاً حاداً . ومن يقال عنه أنه إنسان عاطفي يعني أنه غير عقلاني و يـُلمز بالجنون ، هكذا يـُتصَوَّر .. و يبدو أنها من أفكار الماديين للتقليل من شأن الشعور وغرائزه العليا ، فالرحمة و حب الخير يصنفونهما كدوافع عاطفية ، مثلها مثل البكاء او الخوف ، و يعتبرونها علامات ضعف في الشخصية ، بينما يحددون العقلانية فقط بالمادية وما تقتضيه ..
يقولون للشخص : "فكر بمصالحك ولا تذهب بك العواطف بعيداً" ، بمعنى : أهمل مشاعرك العليا واحترم مشاعرك الدنيا؛ لأنها هي التي لها علاقة بالمادة ، بمعنى : خذ الأدنى و اترك الأعلى ، وهذا ما يريده الشيطان .. لاحظ أن عقلانيتهم لا تستطيع استيعاب العواطف مع أنها جزء لا يتجزأ من الإنسانية ، إذاً هي عقلانية ضيقة مرتبطة بالمادة فقط .. و هذا نقص في العقلانية ، إذ يجب أن تشمل عقلانيتنا عواطفنا ، ولا نخطط لحياتنا في معزل عن عواطفنا ومشاعرنا حبنا ، لأنه سيكون تخطيطا ناقصا ، تنفتح ثغراته فيما بعد . و لنا في قصيدة المتنبي في رثاء جدته عبرة ، فهي تدمي قلب من عايشها بوجدانه :
لَكِ الله مِنْ مَفْجُوعَةٍ بحَبيبِها
قَتيلَةِ شَوْقٍ غَيرِ مُلحِقِها وَصْمَا
أحِنّ إلى الكأسِ التي شرِبَتْ بها
وأهوى لمَثواها التّرابَ وما ضَمّا
بَكَيْتُ عَلَيها خِيفَةً في حَياتِها
وذاقَ كِلانا ثُكْلَ صاحِبِهِ قِدْمَا
ولوْ قَتَلَ الهَجْرُ المُحبّينَ كُلَّهُمْ
مضَى بَلَدٌ باقٍ أجَدّتْ لَهُ صَرْمَا
عرَفْتُ اللّيالي قَبلَ ما صَنَعَتْ بنا
فلَمَا دَهَتْني لم تَزِدْني بها عِلْمَا
مَنافِعُها ما ضَرّ في نَفْعِ غَيرِها
تغذّى وتَرْوَى أن تجوعَ وأن تَظْمَا
أتاها كِتابي بَعدَ يأسٍ وتَرْحَةٍ
فَماتَتْ سُرُوراً بي فَمُتُّ بها غَمّا
حَرامٌ على قَلبي السّرُورُ فإنّني
أعُدّ الذي ماتَتْ بهِ بَعْدَها سُمّا
تَعَجَّبُ مِنْ لَفْظي وخَطّي كأنّما
ترَى بحُرُوفِ السّطرِ أغرِبةً عُصْمَا
وتَلْثِمُهُ حتى أصارَ مِدادُهُ
مَحاجِرَ عَيْنَيْها وأنْيابَها سُحْمَا
رَقَا دَمْعُها الجاري وجَفّتْ جفونها
وفارَقَ حُبّي قَلبَها بَعدمَا أدمَى
ولم يُسْلِها إلاّ المَنَايا وإنّمَا
أشَدُّ منَ السُّقمِ الذي أذهَبَ السُّقْما
طَلَبْتُ لها حَظّاً فَفاتَتْ وفاتَني
وقد رَضِيَتْ بي لو رَضيتُ بها قِسْمَا
العقلانية الطبيعية والسليمة هي التي تعطي كل ذي حق حقه و تـُواءِم بين نوازع الانسان ، ولا ترمي جزءا مهما واساسيا في الانسان في سلة المهملات .. فمثلا شخص مادي سوف يستجيب لأي عرض عمل يقدم دخلا اكبر ، ولو على حساب ارتباطاته العاطفية والاخلاقية ، ويعتبر التفكير في هذا الجانب ضعفا واعاقة للطموح ، مع ان هذا التفكير الجزئي هو الضعف ، لأنه لم يشمل كل حاجاته والتي قد تثورعليه فيما بعد بشكل لم يتصوره ..
وبالنسبة للقلب، فالقلب هو الوعي، لذلك قد يفقد الإنسان وعيه بينما لم يفقد حياته، وهذا يدل على ان القلب هو الوعي، والوعي ليس هو كل الحياة، ففي حالة النوم مثلاً بدون أحلام يغيب حضور القلب، لكن الروح تعمل والشعور يعمل، لذلك قال تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) وهذا إعجاز من القرآن، لأن وعي الإنسان لا يستطيع أن يركز على شيئين في وقت واحد، فلا بد من انتقال، حتى ولو كان سريعا، فالقلب (الوعي) سمي بذلك لأنه يتقلب ويتنقل بين أجزاء الخارطة الداخلية، عندما تريد أن توزع قطعة حلوى على مجموعة أطفال بالتساوي، يريد القلب في هذه الحالة أن يعدل، أي أن القلب قد مر بمنطقة الشعور والفطرة، ثم سينتقل إلى العقل ليجري عملية حسابية للعقل، ثم ينتقل من التركيز على العقل إلى التركيز على الأشخاص الذين أمامه لينفذ التوزيع. في هذا المثال نجد القلب انتقل بين الشعور (إرادة العدل) والعقل (العملية الحسابية) والجسم (تنفيذ التوزيع). مثال آخر : تجد حيوانا تحت المطر، القلب يعرض المنظر على الشعور، النتيجة : شعور بالرحمة وطلب بفعل شيء ما، القلب ينتقل الآن إلى العقل لحل المشكلة ماديا، فيطرح العقل فكرة ويعيدها للذاكرة من أجل تصور هذا الحيوان تحت السقف الذي تريد ان تصنعه له بالمواد الموجودة، ثم ياخذ القلب الصورة الخيالية ليعرضها على الشعور، الشعور أعجمي لكن يعطي إشارة أو تضليل بالإيجاب أو بالرفض، سواء كليا أو جزئيا، إذا وافق عليها إنتقل القلب إلى العقل والحواس والجسم لأجل التنفيذ، ثم عرض المنظر مرة أخرى على الشعور بواسطة القلب. هذه العمليات تحصل بسرعة خاطفة أكثر بكثير، لكن هذا مثال تم عرضه بالحركة البطيئة.
هذا ملخص شديد الاختصار لرؤيتي حول خارطة الإنسان الداخلية .. وهو محاولة لوضع المصطلحات الداخلية في مكانها ، لأنه يجري الخلط بينها دائما ويعبر عن بعضها بالبعض ، فأحد يقول "نفسي" وآخر يقول "عقلي" ، وآخر يقول "إحساسي" ، وآخر يقول "شعوري" ، و ربما يستعملونها كلها لشيء واحد .. إنها محاولة لتحديد المصطلحات وهي محاولة قابلة للمداولة لوضع أسس ثابته لعلم نفس إسلامي قد تقدم للبشرية معطيات أكثر إصابة للحقيقة مما يقدمه علم النفس المادي المعتمد على فرويد ..
وهذه الأسس تستطيع أن تستوعب واقع النفس البشرية بكل صورها وبالتالي تقديم الحلول الحقيقية لإصلاح النفس على ضوء القرآن الكريم .