الخميس، 14 مارس 2013

فقدان البركة : بين عدم شكر النعم و الاصابة بالعين ..

إن عدم شكر النعم في وقت ذكرها في اعتقادي هو الذي يسبب فقدان البركة وحصول المشاكل أكثر من أعين الناس ، فاشكر النعمة حين تذكرها, قال تعالى { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّـهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّـهِ إِن تَرَ‌نِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا } ﴿الكهف: ٣٩﴾ ..

وقارون لم يشكر النعمة ونسبها إلى علمه، وكلاهما (قارون وصاحب الجنة) محقت البركة من ممتلكاتهما، وإلا فما أكثر حساد قارون .. و ربما هذا ما يقصده الحديث الذي أمرنا عندما نرى شيئاً يعجبنا أن نقول: ما شاء الله تبارك الله ، لأنه أمر بذكر الله, وكلمة "ما شاء الله" الأولى أن يقولها صاحب النعمة أو من يهمه أمرها ، لأن شكر الله هو الذي يديم النعم ..

لاحظ قوله تعالى {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْ‌نَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْ‌جُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٨﴾ قَالُوا طَائِرُ‌كُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْ‌تُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِ‌فُونَ ﴿١٩﴾ } ، قف هنا و ضع معها آية : { ما أصاب من مصيبة فبما كسبت أيديكم } ، و من هنا نفهم أن الإنسان مسؤول عما يصيبه من نقص البركة و ليس الآخرون. 


هذا الكلام على هدي القرآن ، من شاء أخذه و من شاء تركه ، ولا نور غير نور القرآن..

إن عدم شكرنا للنعمة حينما ننتبه لها فيه جفاء مع الله وغرور بالنفس قد يجعل الله يغضب منا وينزع البركة عنا ، و هذا ما جربته أنا بنفسي وعانيت منه ، أي أني عانيت من عيني أنا و ليس من عيون الناس الذين أتحداهم دائماً أن يصيبوني بأعينهم ولم يستطيعوا بحفظ الله ..

تذكر في حياتك.. ستجد ما يشير إلى ذلك . حتى آليت على نفسي ألا أنتبه إلى نعمة إلا وأشكر الله عليها في حينها ولو بيني وبين نفسي خوفاً من زوالها. 


صديقي حصل له حادث سيارة في الشهر الماضي كان يقول بنفس اليوم بينه وبين نفسه: "كل يوم أذهب من هذا الطريق الخطر ولم يصبني حادث" ولم يشكر الله , و في طريق العودة في نفس ذلك اليوم وقع له حادث فظيع لولا رحمة الله لزهقت روحه.

حتى موسى -عليه السلام- عندما سـُئـِل : هل يوجد من هو أعلم منك على الأرض؟ قال: لا, وهنا امتحنه الله بالخضر الذي أوتي علماً لم يؤته موسى .

ولقد لاحظت بقاء النعم التي أستمرُّ في شكر الله عليها, قال تعالى : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله} حتى لا ننسى الله ونذكر أنفسنا ومجهودنا فقط .. وكل شيء عندنا هو من الله وليس من أنفسنا, إنما نحن وغيرنا أسباب ، وهكذا نكون عبيداً لله فالعبد لا ينسى مولاه .

إذا تذكرت أنك تبصر فاحمد الله في نفس اللحظة, إذا رأيت أطفالك بصحة جيدة فاحمد الله فوراً, إذا قمت معافى من نومك فاحمد الله الذي أحياك بعد موتك, قال صلى الله عليه وسلم : (يا غلام احفظ الله يحفظك) ، ولم يقل: انتبه من أعين الناس؛ لأنه ما من خير إلا برعاية الله وهو القادر على إزالته..


  وتذكر صاحب الجنة وقارون و { قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} ، وتذكر قول اليهود : {ربنا باعد بين أسفارنا} , كل هذه المصائب أتتهم بسبب أنفسهم, لا بسبب حسد غيرهم ..

و تذكر وعد الله وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, فنحن الذين نزيل نعمنا عنا و ليس الآخرون, نحن من نضر أنفسنا أكثر مما يضرنا الآخرون . ولو أن قارون سمع النصيحة ونسب النعمة إلى صاحبها وأحسن كما أحسن الله إليه لما زالت نعمته, أيّة عين ستصيب قارون مثل لعنة كفر النعمة التي جعلته يُخسف به وبداره وكنوزه ؟!

تخيل أنك تصنع معروفاً لأحد تلاميذك في صدر مجلسك ثم ينسبه لنفسه ولا يذكر دورك, ألا يسخطك هذا؟! وقد تقطع عنه معروفك؟ يجب أن نتعامل مع الله بأخلاق مثلما تعامل معنا بأخلاق, وهو أهل الذكر والشكر, والفضل للمتقدم.

إن هذه هي العين الحقيقية التي يجب اتقاؤها, كل له نصيب من سخط المنعم بسبب كفره, تذكر غرق التايتنك التي أكدوا أنها السفينة التي لا يمكن أن تغرق, وتذكر انفجار مكوك الفضاء "تشالنجر" ومعناه"المتحدي".

كل نظرة مبنية على الغرور يلاحقها سخط الله وتمحق البركة بسببها عاجلاً أو آجلاً, لأن الكون لله يديره كما يشاء, ولا يستطيع أحد أن يثبـّته كما يشاء. هذه ما يمكن تسميتها بـ "إصابة الجحود" أو "لعنة كفر النعمة" بدلاً من "إصابة العين" ..

والخوف من إصابة الجحود يزيد الإيمان ويقوي العلاقة بالله ويثبت النعمة ويبارك فيها ولا يضر المجتمع في شيء ولا ينشئ العداوات ويسبب القناعة وحسن الأخلاق ، أما الخوف من إصابة العين فيقلل الثقة بالله ويجعل الخوف ينصرف إلى غيره بعد أن يعطَ ما ليس له ولا يستطيعه ..
وهكذا يعلمنا القرآن العظيم ورسوله الكريم الذي يأمرنا في أحاديث كثيرة بالتوكل على الله وحده {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}, وقال تعالى : {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً} ، أي أن خوفهم من غير الله واستعاذتهم بهم زادت قلقهم وخوفهم ولا تطمئنهم ، لأن القلوب تطمئن بذكر الله وحده.

الثلاثاء، 12 مارس 2013

عن الذوق ..

الذوق في اساسه لا يتغير ، الذوق يبحث عن الافضل ، كلما اكتشفه تبناه ، ليس الذوق عشوائيا و مجنونا كما تصوره الفلسفة المادية ؛ بدليل انه لا يرجع الى الوراء ، الا اذا اكتشف ان في ذلك الوراء شيئا لم يكتشفه من قبل ..

الذوق عام في كل الامور .. لماذا سميناه ذوقا و لم نسمّه حقيقة عقلية ؟ السبب بكل بساطة هو : ان الانسان غير قادر على تحويل كل شعوره الى منطق عقلي ..

الذوق يعني شعور الانسان ، والفن مثله تماما ، لماذا سميناه "فن الرسم" و لم نسمه "علم الرسم" كما قد تتمنى المادية ان يكون ؟ لنفس السبب : شعور غير قادرين على تأطيره بالعقل ..

الشعور اذن هو مصدر العقل وهو اوسع من العقل ، اذن الشعور ليس مجنونا او عشوائيا او متقلبا كما تتصور المادية، فمرة يحب البطاطا ومرة يحب الزبدة ! انه عقل كامل ، وهو اساس العقل ، انه يسير معنا في الحياة ، يبحث ويتذوق ويرمي ، باحثا عن الحالة المثالية ، وهو المسؤول عن الكآبة والقلق اذا نحن اخطأنا الطريق او وقفنا في طريقه ..

فكرة وتعليق - هل الاهداف السامية تمارس لاجل مصلحة الحماعة والفرد ؟

يزعم الماديون أن الأهداف السامية يمارسها الأفراد لصالح المجتمع والجماعة التي يعيشون فيها ، وأنه لا يوجد هدف سامي إلا وهو يخدم الجماعة ، وأن كل هدف سامي إنا يخدم مصالحنا كأفراد أو مصالحنا كجماعة ..

والرد هو : الاهداف السامية قد تكون ضد المصلحة المادية للفرد والجماعة .. صحيح أن القيم هي في صالح الجميع ، لكن المادية تشترط فوائدها المادية (فقط) ولا ترى غيرها . و من هم بالمقابل - الغير ماديين - يرون المصلحة المعنوية هي مصلحة بحد ذاتها ، و هو ما يسمى بالخير ..

هذه محاولة للخلط بين الفلسفة المادية والمثالية الاخلاقية ، وهكذا تكون لا هنا ولا هناك ! هي محاولة لتجميل وجه المادية القبيح .. لكنه كسرٌ لمنطقها .. كمن اراد ان يكحل العين فعماها ..

المادي لا يعترف بوجود سمو او نبل او قيم او فضائل او اخلاق . يعترف فقط بتبادل منافع مادية ، هذا هو المادي .. يفسر كل شيء من خلال المادة , بما فيها العلاقات الانسانية .. ماذا يقول المادي عن شخص وعظ شخصا و انتقده و جعله يبكي ، و عاد ذاك ليشكره : اين المصلحة المادية المباشرة هنا ؟ و نتيجة لهذه الموعظة ، ارجع كل امواله المشكوك فيها الى اهلها ، و الآن هو خسر ماديا ! ومع هذا يشكر ! فاين المنفعة المادية ؟ هل هو يشكره لانه جعله يخدم المجتمع ، وهو يكرهه ؟ ام لأنه دله على طريق الخير وابعده عن المادية ؟ إنه تخلى عن مصالحه المادية و عاد يشكر و يحب ذلك الشخص ! مع انه خسر ماديا !

ويدعي الماديون : أن كل شيء يفعله الفرد من اخلاق هو لاجل المجتمع ، في حين ينظمون المجتمع في شكل صراع : كلٌ ينافس غيره ليسبقه ، ولا ادل على هذا من الرأسمالية ، أي ان الفرد عدوه المجتمع !! و يجعلونه يفعل الاخلاق لاجل عدوه ! هذا تفسير ضعيف و متهالك من الضعف والتناقض !

كل هذا اللف والدوران ولا ان يعترفوا بوجود الاخلاق المستقلة عن المنفعة !! و التي تجعل الانسان يرحم حتى عدوه .. و تجعله يعفو و هو قادر على الانتقام .. و تجعله يضحي بحقوقه و مصالحه المادية لاجل ان يكسب المحبة ، وهي امر غير مادي ..

ام انهم سيقولون انه يريد ان يضحي بامواله ليكسب المحبة ، ثم بعدها تبدأ المحبة تدر عليه الاموال بشكل اكبر !! التاجر المادي لا يضحي بالمضمون القريب مقابل غير المضمون البعيد ، والا فهو تاجر مجنون ! هذا يشبه التاجر الذي يوزع بضائعه بالمجان ، على امل ان الناس سوف يحبونه ، فإذا هم احبوه ، عادوا ليملئوا دكانه بالبضائع من جديد و بالمجان !! هذا هو تفسير الفلسفة المادية للاخلاق ، و هو تفسير يثير الضحك ..

رد ادعاء الفلسفة المادية ان الاخذ والعطاء لأجل الرضا عن الذات ..

يقول بعض الماديون ان بعض الناس يأخذ لكي يرضى عن ذاته مثل الطماع ، والبعض الآخر يعطي لكي يرضى عن ذاته أيضا ، مثل الكريم ..

والرد هو : كيف يكون لفعلين متناقضين (الأخذ والعطاء) نفس النتيجة (الرضا عن الذات) ؟ هذا كلام غير منطقي ، ام ان المنطق نفسه غير مهم في الفلسفة المادية ؟ كيف ترضى عن ذاتك و أنت تفعل فعل غير مادي ؟

الفلسفة المادية تقول : ان رضا الذات يتحقق في الاخذ المادي والمصلحة !! اذن تناقضت النظرية هنا ! والناس لا تستطيع ان تثق بنظرية متناقضة مع نفسها .

الادعاء المادي يقول ايضا عن الرضا عن الذات : انه يتحقق بعد العطاء ! بينما المنطق هو ان يتحقق بعد ان يكافئه المجتمع وليس بعد العطاء ؛ لأنه  هو الغاية من العطاء من وجهة النظر المادية ! فكيف يعطي و يفرح وهو لم ياخذ مقابلا حتى الان ؟ المفترض ان يكون قلقا وليس مبتهجا و ليس راضيا في هذا الموقف ! مثل عملية البيع و الشراء : يظل البائع قلقا حتى يستلم نقوده ! و يبتهج اذا عدها ودسها في جيبه ..