الجمعة، 8 سبتمبر 2017

سلسلة الردود على سلسلة نظرية التطور للدكتور عدنان إبراهيم - الحلقة 12



(الدقيقة : 6 الثانية : 40) يتحدث الدكتور عن مجموعة من الاعتراضات التي واجهت نظرية التطور وداروين من قبل علماء عصره سيطرحها في هذه الحلقة كما قال. أول هذه الاعتراضات هو اعتراض عالم الحيوان الانجليزي سانت جورج ميفرت (والذي كان معارضا لآلية الانتخاب الطبيعي) ، حيث قال : إن الإنتخاب الطبيعي يمكن نظريا أن يفسّر لنا العمل على واستبقاء التغيرات التكيّفية ذات الامتياز، أي الناجحة والتي تتلائم مع البيئة وشروطها، ولكن لا يمكن للانتخاب الطبيعي أن يفسّر لنا المراحل الأولى أو الأوليّة لنشوء وتطوّر هذه التغيرات، فما الذي يدعو الانتخاب الطبيعي لاستبقاء هذه المراحل الاولية من التغيرات؟ فهي غير مفيدة الآن، إلا إذا سلّمنا بأن لدى الانتخاب الطبيعي خطة مسبقة تُرغم هذه التغيرات أن تتراكم لتنتهي في الأخير إلى تأكيد غاية محددة، وهذه بالضبط هي وجهة نظر التكوينيين (الخلقويين). ويبدو ان منطق الانتخاب الطبيعي يفشل هنا. ويذكر الدكتور أن من مبادئ نظرية التطور : التدرج، فلا شيء يحدث دفعة واحدة، بل شيئا فشيئا على هيئة تراكمية. ويذكر أيضا ان التطور نظرية كافرة بالتصميم والتخطيط المسبق، وكان جواب داروين على ذلك الاعتراض بأنه قد ينشأ تغير ما ، هذا التغير من الواضح أنه لا يخدم الهدف الذي سينتهي إليه بعد ذلك، إنما يخدم في إتجاه ما، ثم يحدث بعد ذلك تغيّر في وظيفة هذا التغيّر، فيخدم في اتجاه آخر. مثلاً الريش الذي يظهر على كائن لأول مرة، بالطبع سيصبح لاحقا جناحين، ولكن عندما نبت هذا الريش لأول مرة يستحيل انه كان يخدم في اتجاه الطيران، لكن هذا الريش ربما كان يؤدي وظيفة اخرى، كعازل حراري، فيستبقيه الانتخاب الطبيعي، وحين يتكامل هذا التغير (الريش) بتغيرات أخرى ليصبح جناحا، أيضا سيستبقي الانتخاب الطبيعي الريش.

الرد : جواب داروين على اعتراض ميفرت غير منطقي ، فهو كمن يدّعي أن وجود رزمة من الطوب المرصوص بعناية في أرض خالية لم يكن يخدم مسألة بناء بيت في بادئ الأمر، إنما كان يفيد في تثبيت الأرض مثلاً، ولذلك استبقاها المقاول، ثم جاءت بعد مدة تغيرات لاحقة مثل وجود اسمنت ووجود أخشاب وغيرها من المواد والتي أسهمت لاحقا في بناء البيت، وبالتالي تغيرت وظيفة الطوب من تثبيت الأرض إلى تدعيم جدران البيت، واستبقى المقاول الطوب في الحالتين لأنه كان مفيدا فيهما! هذا غير معقول، هذا هو جواب داروين. إنه ينظر الى هذه التغيرات المعجزة ببساطة وكأنها شيء تافه تستطيع الصدف فعله، أعطها زمنا والزمن كاف لأن يخلق انواعا جديدة! هذه فكرة دهرية لا يثبتها واقع ولا عقل ولا تجارب. هي فكرة خارج المنطق أصلا، تماما كفكرة من يتصور أن السفينة انبنت بالصدفة، جاءت الاخشاب وضربت بعضها ببعض وحركة الموج جعلتها بشكل انسيابي عبر ملايين السنين، ثم جاءت جيفة ووقعت عليها ودهنت الخشب واصبح عازلا عبر ملايين السنين، والمسامير طبعا قطع خشبية أو أشواك جاءت بالصدفة عبر ملايين السنين، والرياح والموج والضغط والحرارة يفعلون الاعاجيب عبر ملايين السنين، ولا تسألنا عن مقود السفينة فهذه مرحلة لا داعي للكلام فيها، لكن دعنا في أساساتها أولا. وانتهى الأمر ! هكذا هم تماما : تبسيط وتسطيح وتحقير لخلق الله، والحقيقة انهم يحتقرون عقولهم وعقول من يسمع كلامهم. كل من لا ينظر الى الواقع سوف يحلق في الخيال، ولن يطير معه إلا عقل خفيف يستطيع الطيران. الخيال ليس فيه علم بقدر ما فيه من أهواء.

اعتراض ميفرت أقوى من رد داروين، فالتغيرات الأولية ليست فقط ريشا، بل تعني زوائد أو نواقص إما عظمية او جلدية او شعرية أو اجسام غريبة تنشأ في الجسم أو أو، ولك أن تتخيل بشاعة هذه الزوائد، كسحلية لها عظام تشبه عظام أجنحة الطائر ولكن ليس فيها ريش وليست للطيران، فقط للعبث، ثم تنتبه فيما بعد، ولا أدري من ينتبه، لكن يظهر هناك من ينتبه ودعنا من التدقيق الزائد، فيستخدم تلك الزائدة أو الناقصة للشيء مفيد وبطريقة مبدعة ولكن بلا مبدع! وهكذا صرح البروفسورات الذي افنوا اعمارهم في العلم والتجارب! واذهب واقرأ، وهكذا هي الحياة والواقع، تجد شجرة على شكل سفينة، وتجد حجارة عند البحر كتبت قصيدة لشكسبير، وتجد بيتا انهدم وصارت بقاياه على شكل كلمة "الدوام لله"، الصدف تفعل هذا بملايين السنين، وضغط وحرارة وانتهى الامر، هكذا يقول المجمع العلمي. وعليك ان تثق، فبدون الثقة لن تتعلم، سلّم لنا عقلك، سلّم لنا تسلم .. كلام داروين يشبه أن تربط حبلا على ملابسك ويسحب على الارض لسنوات، ثم تأتي بالصدفة وتجد أن له فائدة، فقد يتعلق فيه قطعة ذهبية ملقاة على الأرض وتدخل عالم الثراء، على اساس انها ان لم تنفع لن تضر، في الحقيقة كل شيء له نفع وله ضرر، فكل ما ينفع قد يضر، فلا تنس ان هذا الحبل قد يخنقك أيضا. هكذا نرى انها فكرة سخيفة جدا.

هكذا يكون الانتخاب الطبيعي يبقي ما لا فائدة منه، فيبقيه لملايين السنين كزوائد تتدلى لا فائدة منها، ونسي داروين أنها تضر الحيوان وتعيق حركته، وهذا عكس خطة النظرية، هذا غير أن الطيران لا يحتاج فقط الى ريش، فلكي يتحول زاحف الى طائر يحتاج إلى الكثير، فرئته يجب أن تكون رئة طائر تخزن الاكسجين، ويحتاج الى عظمة القص، وإلى عظام طويلة وهشة ومفرغة من الداخل وغير ذلك كثير. هذه الاجراءات يجب أن تكون سابقة على وجود الريش اصلا، لان الخفاش مثلا يطير بدون ريش، فليس الريش فقط هو المسؤول عن الطيران، وها هي النعامة لها ريش ولا تطير. 

التطوريون يناقضون أنفسهم, فيقولون أن الانتخاب الطبيعي يزيل ما لا داعي له لدرجة أنه أزال أنواعا من الكائنات الحية إلى عالم الفناء ولم ينفعها تناسلها وغرائزها من الانقراض, بل يزعمون أنه أزال أكثر من 90% من الأنواع الحية, مع أن كل النظرية مبنية على زوائد وطفرات لا داعي لها في بداية مراحلها, ولكنها أخذت تتطور حتى صارت مفيدة! كيف سمح لها أن تبقى وهي غير مفيدة؟ والزوائد غير مفيدة بل وتعيق الحركة وتسبب الفناء بالتالي, مع أنه قرضَ أنواعا مفيدة بكاملها ليس فيها (دروٌ) {بمعنى زائدة} دارويني تعيقها عن الحركة! وعجيب أن الذي اجتهد وتعب حتى يطوّر الديناصور يأتي و يقضي على الديناصور لأنه أصبح لا داعي له! اذن من البداية لماذا ظهر؟ هذا الإله البديل (الانتخاب الطبيعي) ربٌ بديل مجنون! ما الفائدة من تكون بدايات رئة مثلا عند كائن بحري وهو ما يزال في البحر؟ هل هي مفيدة في التدفئة أيضا كما يبرر داروين في حالة بدايات تكون الريش؟

داروين لم يرد بقانون على اعتراض العالِم ميفرت حين قال أن التغيرات المفيدة كانت في بدايتها غير مفيدة وبالتالي لن يبقيها الانتخاب الطبيعي, داروين فقط وجد مخرجا على طريقة المحامين لبعض الأمثلة فقط، كالجناح أو العين, لكن لنستعرض كل أعضاء الأحياء : هل كلها كان لها فائدة في بداياتها؟ هذه نظرية "عنز لو طارت" يريدها داروين والتطوريون أن تبقى بأي ثمن، بعوج المنطق و عوج الحقائق والقبول بما لا يُعقل لأجل أن تبقى النظرية خدمة للإلحاد.

وهنا أتساءل : لماذا لا يُعمّم التطور والانتخاب الطبيعي على كل شيء في الكون وليس على الأحياء فقط؟ فما دامت الصدف هي التي تعمل على الجميع، لماذا يدرسونها في الأحياء ولا تدرّس في الباقي؟ لا يحب التطوريون أن نعمّم نظريتهم وانتخابهم الطبيعي على غير الأحياء وعلى ما قبل الخلية الأولى، مع أنهم في الحقيقة يعمّمونهما، لكن بدون استخدام لفظة التطور، لأنها هي الفكرة البديلة عن وجود اله، الصدفة هي بديل الاله، لكن نتيجتها فقدان العقل. الفكرة الصحيحة هي القابلة للتعميم، فلماذا لا يعمّمون؟

وهذا ما يفسر تركيزهم على داروين في أي كلام عن التطور، التطور عبارة عن مجال من مجالات الدراسة، وداروين واحد من الدارسين، فلماذا وقفوا عند داروين؟ لأن داروين درس حتى وقف عند الخلية الأولى، وقال : ما قبلها لا علاقة لي به، ووقفوا معه. لماذا؟ حتى يستطيعوا أن يخدعوا المؤمنين. أهم ما لديهم هو تطبيقها على الأحياء فقط، وأن يُصدّق بها ، لأن المهمة صعبة أن تحوّل مؤمنا إلى ملحد بالكامل، ولكن هذه النظرية تجعل الشخص نصف مؤمن ويأخذ طريقه إلى الإلحاد كلما فكّر، مثلها مثل فكرة الليبرالية والعلمانية والرأسمالية والعلموية، كلها تصبّ في بحر واحد هو الإلحاد. لو عَرَضوا كل بضاعتهم دفعة واحدة لما قُبِلَت. فطالما قبلت واحدة من هذه النظريات الملحدة يكفيهم ذلك، فالبقية تتبع لاحقا، اذن داروين عبارة عن تاجر تجزئة، و هم يرون أن هذا هو الأسلوب الناجح : تحويل الشعوب جزئيا وتدريجيا إلى عالم الإلحاد والمادية، عن طريق إبعادهم عن الله بإسم العلم والعصرنة والتحضر والحرية. وهذا شيء مطبَّق، كما تجده في الطب مثلا الذي لا ينظر الا الى المادة والعلاج من خلال المادة، وما سوى ذلك هو غير علمي وشعوذات. مع انهم يقرون ان الانسان له مشاعر ايضا، و لها علاقة بجسمه.

اذا قلت الانتخاب الطبيعي، فأنت تتكلم عن الطبيعة كلها، وليس فقط عن الاحياء، فالكيمياء والفيزياء وغيرها من العلوم كلها من الطبيعة. أين الانتخاب الطبيعي فيها؟ هل فقط موجود في الأحياء وبالذات في الانسان والقرد والطيور والديناصورات؟ هذا سر تجزئة داروين التي يعتبرونها ناجحة، وكل هذا لكي يصلوا الى هدفهم وهو إثبات حيوانية الانسان، فالعنوان المُضمَر لكتاب داروين هو أصل الانسان وليس أصل الانواع. لأنه لم يهتم كثيرا بعالم النبات مع أن النبات هو أكثر الأحياء، ولم يهتم ايضا بعالم الحشرات. 

وعودا على مسألة تعميم الانتخاب الطبيعي على الطبيعة كلها ، الحية والجامدة، تجدهم يقولون أن الأرض تكونت بالصدف العمياء, فكيف صارت هي الأفضل من بين الكواكب الميتة والتي لا يمكن مقارنتها بالأرض أبدا؟ هنا لا بد أن انتخابهم الطبيعي موجود في تكوين الأرض. وحين تقول أن الانتخاب الطبيعي هو ما يَحُل محل الإله ويُبقي ويُزيل بطريقة غائية ويبحث عن الافضل, فيجب أن نعرف بقية أعماله في غير الأحياء. فالصحراء بحاجة إلى ماء, فلماذا لم يُكثِر المطر عليها؟ وإن كان قلبه على الأحياء، فهم بحاجة للماء بدل أن يتكوّموا على حالهم ويتحرشفون! ولماذا لم يوازِن بين المناطق المتجمدة والمناطق الحارة؟ لماذا الانتخاب الطبيعي يطوّر الأحياء وينتقي الأفضل ولا يطوّر غير الأحياء وينتقي الأفضل منها؟

نظرية التطور يصوّرها الماديون أنها خاصة بالأحياء فقط، لكنها في الحقيقة نظرية كل شيء عندهم, مع أنهم لا يحبّون أن يقولوا هذا، والسبب لأنها ستُظهر تناقضهم, لأن المواد الجامدة ليس فيها طفرات جينية، والانتخاب الطبيعي ليس له مجال، لأن الطبيعة لم تتكون بعد حتى يكون لها انتخاب. يقولون أنه في البداية كان هناك الهيدروجين والهيليوم، ولا شيء آخر، فمن أين تكونت كل هذه العناصر التي كلها مفيدة وضرورية للحياة؟ ومن أفنى العناصر غير المفيدة وأبقى الافضل؟ وأي العنصرين الإثنين (الهيدروجين والهيليوم) انتخب الآخر؟ وأين الانتخاب الطبيعي حتى يختار من بينهما ويشقّق لبقية العناصر ويحذف الفاسد ويقرض ما ليس له حاجة؟ وهل كان هناك صراع بين العناصر وبقي الأقوى منها؟ طبعا الجمادات ليس فيها طفرات حتى يقول احد انه خرجت طفرة بالصدفة، وليس لها دي ان اي ولا جينات. هكذا نرى ان انتخابهم الطبيعي لا يستطيع أن يعمل اذا اُخرِج عن مجاله الذي حصروه حصراً غير منطقي، فما دام انه يعمل ويطور في الاحياء بعناية ووعي، فأيضا لدينا طبيعة مادية مجهزة ومنتقاة بوعي ومحفوظة من الاشعة الضارة وقابلة تماما للحياة مثلها مثل الاحياء، فهي ليست فوضوية، فهناك نهار وليل محسوبان بدقة وفصول أربعة متكررة ورياح وهواء وغلاف جوي يحفظ الارض من الشهب والاشعة وقارتين قطبيتين لحماية الارض من ارتفاع الحرارة، ليمر الهواء عبرهما كمكيّف، وهناك توازن في المياه وتوازن في الغازات واشياء معقدة جدا، وكلها غائية لخدمة الحياة، هذا غير المطر واختلاف الاسطح والبحار الخ، وكأن الحياة وُجدت في شقة مفروشة ومعدة لاستقبال هذا الجنين، من أعدّ هذه الشقة التي لو اختل شيء واحد فيها لانعدمت الحياة؟ اذا تكلمت عن الحياة فتكلم عن شروط الحياة ولا تفصلهما، فالذي أوجدها هو من اعد لها الشروط والبيئة المناسبة.

هم بالطبع لا يؤمنون بإله، اذن الصدف العمياء هي الجواب، ولكن بعد تهذيبها تصبح انتخابا طبيعي. اذن هي فكرة تقدَّم كبديل منطقي عن وجود اله مبدع. اذن هي المسؤولة ايضا عن الطبيعة، وليس عندهم فكرة بديلة عنها، إذن لماذا لا يُجرونها ويُعمّمونها؟ مثلما عمموها على الاحياء فليعمموها على شروط الاحياء وهي البيئة. لن يفعلوا ذلك، لأن الفشل والاختناق لهذا المبدأ سيكون هناك، لهذا يقولون الانتخاب الطبيعي فقط على الأحياء، وهذا تقييد بدون مقيّد، لو قيل ان الانتخاب الطبيعي مبدأ خاص بالأحياء فقط، ولا يجوز إقحامه في مجالات اخرى كالجيولوجيا والفلك وغيرها، وأن هذا العمل مثل إقحام قانون الطفو الفيزيائي في الفلك والكيمياء أو علوم الانسان الخ، نقول : على أي اساس تم اغلاق هذا القانون او المبدأ وحصره في الاحياء فقط؟ لو كان الكلام تشريحيا لجاز ان يكون خاصا بالأحياء، لكنه تفسيري لحدوث غائيات محكمة وبعضها معتمد على بعض لكي تقدّم هذا الكائن الحي أو الطائر او السمكة، عن طريق الصدف وما يسمى بالانتخاب الطبيعي، هذا الكلام ليس مغلقا، لأنه لدينا أيضا أمور اخرى غائية ومعقدة وخادمة للحياة، وموزونة بشكل دقيق، وتنتظر نظرية الحادية تفسرها، ترى من اين جاءت؟ الملحد لن يقول لك ان الله هو من خلق الأرض والانتخاب الطبيعي هو من خلق الأحياء وجهزها، لأنه لا يؤمن بوجود اله، فعليه اذن ان يمرّر ويعمم هذا المبدأ (الانتخاب الطبيعي) ليفسر لنا الغائيات الغير حية التي يسميها البيئة، لأنه لولا وجودها بهذا التوازن لما وُجدت الحياة، الانتخاب الطبيعي هو ليس قانون أحيائي فقط، هو قانون لتفسير وجود الغايات المحكمة والعمل المبدع بدون اله، هو استُخدِم في مجال الاحياء فقط، وإلا فهو قانون عام.

هو في الاخير نفس قانون الصدفة التي تستطيع ان تخلق الابداع عبر ملايين السنين. لو كان قانونا في التشريح او الطب او الوقاية لكان خاصا بالاحياء فعلا، لكن هذا الإلصاق والحصر بالأحياء فقط غير منطقي، فهو من باب تضييق الواسع، فهذا يشبه ان تقول أن قضية (اليمين عكس اليسار) خاصة بالأمريكيين فقط ! بينما هي عامة لكل شيء، فكل يمين عكسه يسار، سواء عند الامريكان او غيرهم. وهذا ما يفسّر لجوء أي تطوري للحديث عن داروين، كأنه يريد ان يقصر علم التطور على داروين والمحاور التي ناقشها داروين فقط حتى لا تخرج إلى طرق غير ممهدة، وهذا ما لا نجده في العلوم الاخرى، كالرياضيات والفيزياء والطب، اذ يتكلم عنها المتكلم وليس هناك شخصية محورية يدور حولها الكلام، لأنه علم حقيقي وليس خاصا بأحد، والدكتور واحد منهم، اذ ان أكثر شيء تكلم عنه في اكثر هذه الحلقات هو عن شخصية داروين أكثر من الاحياء، واكثر اسم تكرر هو اسم تشارلز داروين، وهذا شيء عجيب، مع انه يقول ان التطور تطوّر عن داروين، هذا مشابه لان يتكلم احد عن الفيزياء ولا يخرج عن شخصية نيوتن أو يتحدث عن التاريخ ويدور حول شخصية هيروديت، ويفرد حلقات كاملة له أو لابن خلدون.

ما دام الانتخاب الطبيعي وُصف بأنه غير واعي ولا عاقل، ومع ذلك فعال وذو نتائج عاقلة، إذن امامنا ايضا الارض، هي مهيأة للحياة، من هيأها للحياة وجعلها تختلف بهذا الاختلاف العجيب الوفير عن بقية الكواكب المجدبة الفقيرة؟ وها هو القمر امامنا، مع العلم انه ليس هناك اله كما يقولون، وليس علميا أن تقول ان هناك اله كما يعتقدون، فمن لها؟ هناك أشياء منظمة أخرى بلا منظِّم، فكيف صار هذا التنظيم؟ بالصدف العمياء؟ حسنا كذلك التطور يقولون عنه انه كذلك، الصدف تنتج أشياء خاطئة، فمن يحذف الخطأ ويبقي الصواب بحيث يتراكب مع الصواب الآخر بدون تناقض؟ اذن لا بد أن يقولوا أن هناك انتخابا طبيعيا حدث على مستوى العناصر، بحتمية الإلحاد، فإما أن يقول انها مجرد صدف، وإن اراد ان يكون اقرب علمية وتمويها فسيقول انه انتخاب طبيعي. اذن لا بد أن يكون هذا الانتخاب انتخابا طبيعيا كونيا، ليس فقط في الاحياء، بل حتى يشمل الكون بما فيه من شموس وكواكب، لا بد أنه كانت هناك شمس محرقة فأزالها الانتخاب الطبيعي الكوني وأبقى هذه الشمس الوادعة التي تخدم الحياة، كذلك هذا الانتخاب الكوني سكب كل المياه التي عنده في الأرض فقط دون بقية الكواكب، وكذلك الهواء أيضا، هو الذي ضبط نسبة الاكسجين في الغلاف الجوي، فلو قلتّ لتدهورت ولو زادت لاحترقت، كل هذا يحتاج إلى دراسة ونظريات بدون إله، فلماذا يقفون هنا عند الاحياء؟

الفكرة اذا كانت منطقية فهي صالحة للتعميم، ونحن رأينا التطور في علم الاجتماع وعلم النفس والأدب وغيرها، اذ يدخلون التطور ويقحمونه فيها، فأين هو التطور في الجيولوجيا والفلك وغيرها من العلوم الطبيعية؟ ذلك لأن الانتخاب الطبيعي سيختنق ويتصادم مع فكرتهم الذرية السفسطائية أن كل شيء يرجع إلى شيء واحد، والشيء الواحد لا يستطيع ان ينتخب.

النظرية يجب أن تفسر كل شيء. طبعا هم يخجلون من هذا لأنها ستكون مضحكة، حكاية وجود انتخاب طبيعي في ظل وجود عنصرين فقط، وليست هناك شروط بيئية ولا صراع ولا بقاء للأقوى ولا انقراض، لأن البيئة نفسها تُصنع. هنا تفلس النظرية وانتخابها الطبيعي عندما تخرج عن مجال القرد والانسان. ما دام ان الانتخاب الطبيعي يفعل كل هذه الأفاعيل وحل محل الاله وهو غير واعي، اذن من أوجد الليل والنهار والشمس والقمر والهواء والحرارة والبرودة والقوانين؟ لأنها هي أيضا شروط للحياة؟ كذلك الخلية الأولى لا بد ان الانتخاب الطبيعي انتخبها بدل تلك الجمادات التي لا حياة فيها، ولماذا ينتخب الحياة ويجعلها مربوطة بالضعف في بدايتها ثم تقوى ثم ترجع للضعف والموت؟ لا ندري. اين انتخاب الافضل؟ أليس الشباب هو الأفضل؟ هكذا نرى انها نظرية لصيقة وليست اصيلة، لأنها منطقيا تسقط بالتعميم بعد أن تم إجراء التعميم كما سبق. وقديما قالوا : اذا اردت التأكد من صحة اي فكرة عمّمها. لذلك هم لا يريدون تعميمها ويقفون حراسا عند هذا التعميم.

هم يفسرون بالانتخاب الطبيعي هذا الابداع الغائي في الطبيعة الحياتية، فلماذا لا يفسرون بها الابداع في الطبيعة الجامدة ايضا؟ فهناك ابداع اكبر، قال تعالى (لخلق السموات والارض اكبر من خلق الناس). وكيف ينجح الانتخاب الطبيعي في الكائنات المادية الحية المركبة المعقدة ولا ينجح في الموجودات المادية العادية البسيطة التركيب كالماء والهواء والحجارة والتربة؟ أين هي نظرية الجمادات الغائية المقابلة والموازية لنظرية الأحياء الغائية حتى يسقط الإله نهائيا؟ هكذا نرى ان الانتخاب الطبيعي اذا عممناه وجعلناه قانونا وجوديا كونيا ينتهي في الأخير إلى لا شيء، مجرد عنصر واحد او عنصرين. وهكذا يموت مخنوقا في الاخير.

بالنسبة للحياة التطوريون يرمون كل شيء على البيئة الجاهزة، لكن من صمم هذه البيئة لتناسب الحياة أصلا؟ هم لا يقولون بوجود اله، اذن كيف؟ بالانتخاب الطبيعي؟ سيموت في الآخر، لان البيئة نفسها تتقلص وتتناقص كلما رجعنا للوراء حتى نصل الى عنصر واحد او عنصرين وُجد منهما كل شيء كما يقولون. اذن هم خنقوا انتخابهم بأنفسهم، ربما لأنهم سيصطدمون بأفكار ونظريات الحادية اخرى، ويزعل الفريق الاخر. هنا اصطدام بين نظرية الاصل الواحد الذرية مع نظرية التطور التي تعتمد على عمل المجموع لإيجاد الجديد، لأننا كلما نُرجع نظرية التطور للوراء ستضعف هذه النظرية، لأن المجموع يقل أكثر، والابداع موجود. هنا تصادمت حربتان من حراب الفكر المادي.

بالتالي فالفصل بين النظريات من صالحهم ويستريحون له كثيرا, لكن المُشاهد والمُراقب سوف يُحرجهم لأنه سيدمج نظرياتهم كلها في إطار تطوري واحد.

من واقع نظريات الملاحدة التفسيرية, فالتطور هو نظرية كل شيء. لماذا لا يقولون : نظرية التطور الجيولوجي، ونظرية التطور الفلكي، ونظرية التطور الأحيائي؟ وبالتالي يقولون : الانتخاب الطبيعي الجيولوجي، والانتخاب الطبيعي الفلكي، والانتخاب الطبيعي الأحيائي؟ بحيث نفهم أن الانتخاب الطبيعي هو الذي انتخب مرور القمر بالصدفة حول الأرض وأبقاه لكي ينير الأرض في الليل! هذا سيحرجهم ويكثر عليهم الأسئلة. منطق الانفجار الكبير وتكوّن العناصر هو نفس منطق التطور الأحيائي, فهي صدف وانتخاب وكل شيء كان في الماضي اردأ وأقل، هذه هي نظرية التطور, لكنهم يخافون من الإحراج، ففي مجال الاحياء لديهم مخارج كثيرة، منها الطفرة والبيئة والانعزال الخ، لكن في الطبيعة الجامدة لا طفرات ولا جينات ولا انعزال ولا ولا .. لكن من انتخب العناصر؟ من انتخب الأكسجين مثلا وجعل نسبته 21% فقط؟ ولو زادت احترقت الأرض ولو نقصت ماتت الأحياء؟ هل هو انتخاب طبيعي وجينات؟

ما داموا يقولون أن كل شيء تكوّن بالصدف من السحاب إلى أنوف الكلاب, فلماذا التفسيرات مختلفة؟ لماذا أنف الكلب أبقاه الانتخاب الطبيعي وليس الصدف بينما المطر صنعته وأبقته الصدف؟ والكلب محتاج للمطر! هنا التناقضات المحبطة التي لا يرغبون بتذوقها, فقالوا لنا : علم الأحياء للأحياء، والجيولوجيا للجيولوجيا، والفلك للفلك، ولا تداخل بينها، مع أنهم يفسرونها كلها بتفسير واحد : تطوّر من خلال الصدف العمياء عبر ملايين السنين تحت إدارة الانتخاب الطبيعي في الأحياء فقط! وبقية المساكين من أدار تطورهم وانتخب الأفضل فيها؟ هنا تشعر بالضعف والعبثية وأنك لست أمام علماء حقيقيين, لأن المنطق يجب أن يُكمّل ويُعمّم لا أن يُجتزأ بشيء معين فقط, فإذا كانت الفكرة منطقية فهي قابلة للتعميم (قانون).

من الذي انتخب الأرض وجعلها خضراء ومليئة بالمياه؟ هل هي الكواكب المجاورة وهي كلها جافة وميتة؟ هنا خوفهم من تعميم نظريتهم السقيمة, والشيء إذا لم يُجدِ في مجال أبسط فمن باب أولى ألا يكون مجديا في مجال أعمق وأدق وأعقد. نظرية التطور لا تجدي في تفسير تكون التربة, فكيف تجدي في تفسير تكون النبات؟ هذا أسلوب علماني يعتمد على فصل العلوم عن بعضها بحيث يكون لكل علم معيارية حتى لا يستطيع الإنسان أن يفهم بشكل عام، بل يقبل و حسْب ثقةً بالمختصين. والانسان لا يفهم إلا بشكل عام، فهل يريدون للانسان ان يحفظ ويثق ولا يفهم؟ هذا ما يبدو. 

على هذا ليس لديهم نظريات متعددة كما يقولون لنا، بل هي نظرية واحدة يفسرون بها كل شيء : تطوّر من خلال الصدف وانتخاب الأفضل. هم يخافون أن يُسألوا : من الذي انتخب والطبيعة لم تتكون بعد؟ منطقيا : إما أن تسيّر الانتخاب الطبيعي على الفلك والجيولوجيا أو تلغيه من الأحياء!

هي فكرة واحدة يريدون أن يفسّرون بها كل ما كان يُفسَّر بالإله, وهي التطور البنّاء الأعمى، أي الصدف, فبالصدف يريدون تفسير كل هذا التعقيد والنظام. وبالصدفة الماء يتمدد إذا تجمد لكي تحيا الأحياء تحته, وبالصدفة توجد العينان لكي يبصر الكائن الحي, وبالصدفة تتعادل الغازات ويوجد الأكسجين بنفس النسبة الدقيقة, وبالصدفة يتبادل النبات مع الحيوان الأكسجين وثاني أكسيد الكربون, وبالصدفة تُغلَّف الأرض بغلاف يحميها من الأشعة القاتلة للأحياء, وبالصدفة تتنوع صور الحياة، وبالصدفة تتوازن مع بعضها, لأنه بالصدفة وُجد الكون كله من بيضة جاءت بالصدفة, وبالتالي صيوان الأذن جاء بالصدفة مثلما جاء الكون كله بالصدفة! هذا باختصار نظرية الملاحدة التي يسمونها علما!

يجب النظر للنظريات المادية التفسيرية على أنها نظرية واحدة، لأن منطقها واحد, وبما أنها نظرية واحدة فيجب أن تكون تبريراتها واحدة. وكل نظرية مادية فقط هي نظرية ملحدة، فأي تفكير مادي فقط في عالم الإنسان بالذات هو تفكير ملحد.

المفترض أن تستمر النظريات بنفس هذا التبرير، فالتناقض يعيب النظرية, لهذا جزّءوها, فإذا كان الكلام عن الفلك أو الأرض لا نجد ذكر للانتخاب الطبيعي, نجده فقط في الأحياء, المفترض أن يكون قاعدة عامة, و في الأحياء نجد شمّاعة الطفرات، لكن في الجيولوجيا : ما هي الشمّاعة؟ هل تصلح الطفرات ايضا؟

فكرة الانتخاب الطبيعي أوقعتهم في فكرة الإله رغما عنهم, فالانتخاب شيء عاقل مشرف على الجميع ويراعي مصالح الجميع حتى تكون هناك حياة, فهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من فكرة وجود مُنظِّم, فمن يقول بوجود انتخاب طبيعي هو لم يتخلص من الإله كما يظن, لأنه يؤمن بضرورة وجود منظم يراعي مصلحة الكل، فيراعي مصلحة الشجرة والنمل والطيور والتراب والرياح..إلخ. هي فكرة إله منظم, لكنهم سمّوه انتخاب طبيعي. تماما مثل شخص يبيع عبوات من الماء وكتب عليها : احذر ! هذا ليس ماء ! هذه مجموعة من جزيئات الـ H2O ولا تمت للماء بصلة! فهي لا تروي العطش ولا تجعل النبات ينمو! كذلك يدّعون بالنسبة للانتخاب الطبيعي بأنه لا تصميم لديه ولا تخطيط مسبق، وهو يقوم بنفس ما يقوم به الإله تماما. وبالتالي نفهم لماذا كل البشر باختلاف أجناسهم يقرّون بوجود إله, والآن حتى الملحد يقر بوجود إله, هذا الإله الخيّر الذي يختار الأفضل ويراعي مصالح الجميع, ولاحظ أن إلههم في منتهى العدل حتى أنه يُنصف الفيل من الفأر! إذن الإله مثبت علميا, فعلمياً يجب وجود منظم يراعي مصلحة الجميع, هناك من سماه إله وهناك من سماه انتخاب طبيعي, وكلاهما لا يُرى لكن الفرق أن الإله يُعقل وقابل للوجود والانتخاب الطبيعي لا يُعقل وغير قابل للوجود.

(الدقيقة : 8 الثانية : 30) يذكر الدكتور أن هكسلي نبّه داروين إلى أنه بافتراض ان الانتخاب الطبيعي موجود، إلا أنه لا يمكن رؤيته، اذ انه يعمل على زمنية طويلة جدا، ولذا يرجو هكسلي من داروين أن لا يصرّ على هذه الآلية (الانتخاب الطبيعي) بينما داروين لا يستطيع أن يلغيه لأن الانتخاب الطبيعي هو روح التطور وماكينته ومحركه الحقيقي، فإذا تخلى عنه ماذا سيبقى في النظرية؟ وإذا تخلى عنه فقد تخلى عن إضافته وعن أصالته.

الرد : إصرار داروين على الانتخاب الطبيعي والتطوريون معه - وهو الاضافة التي أضافها داروين على فكرة التطور - ما سرّه؟ سرّه أنه يقدّم شيئا قابلا للعقل, شيئا من الغائية والإدارة حتى يُقنع الناس, أي شيء من صفات الله لكي يكون مقنعا. وهذا دليل على تهافت الإلحاد وضعفه هو و صدفه, فالانتخاب الطبيعي لا يعمل بالصدف بل بالغائية, لكنه لا يقول : لا تسرق، ولا تقتل، ولا شيئا من هذا. إذن هذا هو المطلوب لأصحاب الأهواء! أن يكونوا مُقنِعِين وبنفس الوقت أن يتخلّصوا من تبعات الدين. لكن السؤال لأهل العقول: هل يتحمل الانتخاب الطبيعي أن يكون بديلاً عن الله؟ هل فعلا الانتخاب الطبيعي شيء موجود؟ وإذا هو موجود في الأحياء، يجب أن يكون موجودا في كل الكون ويُفسَّر به. لقد وضعوا أنفسهم في ورطة, لكن مع العقلاء وليس مع السذج. وبما ان السذج هم الاكثرية، اذن لا يعبأون بالعقلاء و "طز" بهم.

(الدقيقة : 13 الثانية : 10) يذكر الدكتور الاعتراض الثاني من جملة الاعتراضات على نظرية التطور لداروين، وهي الحلقات الوسيطة، اذ دائما ما كان يُسأل داروين بعرض هذه الحلقات الوسيطة المفقودة، وكان داروين يعترف أن هذا الاعتراض من أقوى الاعتراضات التي كان يُواجه بها، وكان جواب داروين أنه ربما الكوارث الطبيعية هي التي تسببت في فقدانها او ضياعها، مع أن هذا التبرير غير معتبر به، فلماذا توجد احافير للكائنات الأساسية المعروفة ولا توجد أحافير للحلقات الوسيطة؟ وكان داروين يأمل في المستقبل وبتقدم العلم والتقنية أن يجتهد الباحثون والعلماء في التنقيب والبحث عن هذه الحلقات الوسيطة، ويقول الدكتور أنه الآن لدينا سجل أحفوري مذهل لكثير من الحلقات الانتقالية، ولم يعد هناك شيء اسمه حلقات مفقودة، بل هي موجودة، ولا يمكن لشخص يتابع الابحاث العلمية ويحترم نفسه أن يقول بوجود حلقات مفقودة.

الرد : هكذا هو تفكير الداروينيين مدفوعاً بالهوى, فما دام يستطيع أن يرد بأي رد فسيرد، مع أنه يعرف أنه غير مقنع, فيأتي أصحاب الأهواء الجدد وينبشون في ثغرات النظرية ليرقّعوها ويتركون الرد الأول إلى محاولة الإثبات بأدلة. داروين يقول أن أقوى الأسئلة في وجه النظرية هو : أين هي حلقاتك الوسيطة؟ وكان جوابه أن كوارث طبيعية ربما أزالتها! وكان الداروينيون يتعاطون بهذا الرد, لكن يبقى في أنفسهم أنه غير مقنع حتى لو لم يقولوا أنه غير مقنع، لكي تأتي عمليات الترقيع والتلفيق والتزوير القادمة من خلال الاعتماد على الأحافير, أو أعضاء لم يصل العلم إلى تفسير فائدة وجودها. ودائما يكون الهروب من الكذبة إلى الأمام بكذبة أكبر أو بمجموعة أكاذيب. هذا بالإضافة إلى أن الاحافير بحد ذاتها لا يمكن ان تعتبر دليلا علميا قاطعا على شيء، راجع موضوع : (الاحافير والأثريات ليست دليلا علميا كافيا) في المدونة عبر الرابط : http://alwarraq0.blogspot.com/2015/04/blog-post_50.html


(الدقيقة : 19 الثانية : 15) يذكر الدكتور الاعتراض الثالث من جملة الاعتراضات التي ووجه بها داروين، وكان هذه المرة مقدما من عالم الفيزياء الانجليزي اللورد كالفن، والاعتراض تم تقديمه في مختصرين، الأول حول تفنيد مبدأ الإتساق الجيولوجي الذي طرحه تشارلز لايل، والثاني حول نظرية التطور لداروين، يقول كالفن : أنه قام بحساب عمر الارض فيزيائيا، واستنتج ان عمر الارض تقريبا 100 مليون سنة، وهذه المدة غير كافية للاتساق الذي يقول به لايل وغير كافية للانتخاب الطبيعي والتطور الذي يطرحه داروين، وقد صرّح للجمهور في احد محاضراته انه اخطأ في حساب عمر الارض، بسبب اشياء لم يأخذها بالاعتبار في الحساب، وعندها ثبت لديه أن عمر الارض يقدر بحوالي 30 مليون سنة، وربما يمكن أن يقل، فقد يصل إلى 10 ملايين سنة فقط، وهذه مدد غير كافية بالمرة لنشوء وتطور داروين عبر ملايين السنين. ويذكر الدكتور ان داروين قد أسرّ لألفريد راسل والاس مرة بأنه أصبح يزعجني شبح كالفن الكريه.

الرد : هذا رجل يخاف على نفسه وليس يخاف على الحقيقة! أين حب العلم؟ داروين الذي يقول "أصبح يزعجني شبح كالفن الكريه" .. شبح كريه .. تُقال لعالِم!  أليس كالفن عالم ومتخصص ؟ لماذا لم يسمع كلامه وهو من يحترم العلم؟ و والاس حين قال أن النظرية لا تفسّر تكوّن عقل الإنسان غضب داروين وكتب على كل مقاله "nooooooo" وأرسل له رسالة خاصة يقول : أنت تريد أن تقتل مولودنا! مع أنه تطوري مثله! هنا نشعر بأن داروين كأن له نوع من السلطة الخفية عليهم. أسألك بالله : هل هذا كلام باحث عن حقيقة، سواء معه أو مع غيره؟ أم كلام شخص يريد أن يسوّق لأيديولوجية معينة ويحارب من يعارضها ويخاف منهم؟ أين هو التهذيب والادب الجم والتواضع في شخصية داروين كما طرحا الدكتور في الحلقات الأولى؟

الدكتور يروي هذا الكلام عن داروين بعد أن أشبعه مدحا بعلميته وأخلاقيته وموضوعيته ولا يربط بين هذا وذاك! كيف تخاف من شبح كالفن الكريه؟ ولماذا وأنت تبحث عن الحقيقة؟ افترض أن الحقيقة مع كالفن, لماذا يصبح شبحا كريها ومخيفا؟ هل هكذا يتعامل العلماء مع بعضهم؟ ويقول داروين "بدأ يزعجني" وكأنه كلام سياسي ضد معارض أو كلام زعيم عصابة, لم يبق إلا أن يقول : يجب أن نتخلص منه!

(الدقيقة :20 الثانية : 55) يذكر الدكتور أن العلماء ليسوا آلهة ولا أنبياء، ولا ينبغي أن يُتَّخذوا كهّانا. هم بشر ونواياهم طيبة ويريدون خدمة العلم ولكنهم يخطئون ويصيبون، وها هو كالفن أكبر فيزيائيي عصره وقد اخطأ خطأ فاحشا في تحديد عمر الارض بخطأ متضاعف 500 ضعف، فعمر الارض الآن حسب العلم الحديث هو 5 آلاف مليون سنة، بينما إيمان داروين العميق بنظريته التطورية جعلته أصح استبصاراً، اذ قال انه يشك في حسابات كالفن، واعتقد انه في المستقبل سيثبت خطأ كالفن.

الرد : يقول الدكتور أن العلماء ليسوا آلهة, وأقول : إلا إذا وقفوا مع نظرية داروين, حينها يكون عالما دقيقا وعظيما وكبيرا و "لا فِيْ أكبَر منه" إلا من كان مثله! فتنفتح لهم الأسارير, أما خصومهم فلهم التكشيرة والاحتقار. وهذا ما يبدو على تعابير الدكتور أثناء استعراضه للخصوم والمؤيدين, فمن هنا بسمة ونظرة إعجاب، ومن هناك تقطيب حواجب وتكشير ثم بسمة صفراء. لا كالفن ولا غيره يستطيعون تقدير عمر الارض أصلا، يقول تعالى (ما اشهدتهم خلق السموات والارض ولا خلق انفسهم)، ولهذا الدراونة حريصون على اطالة عمر الارض، وأولهم داروين، لكي ينفسح المجال لملايين السنين يوزعونها كما يشاؤون.

(الدقيقة : 21 الثانية : 40) يذكر الدكتور ان الحياة ظهرت على الارض من 4.6 مليار إلى 4.8 مليار سنة ، هذه بداية حياة اول خلية حية على وجه الارض، وهذه المدة مدة طويلة جدا.

الرد : بالله كيف يعرفون هذا الزمن الدقيق لوجود الخلية الأولى على الارض؟ هل رأوا الخلية الأولى ؟ انها من افتراضاتهم ليس الا، فكيف تفترض شيئا وتعرف زمنه بالضبط أيضا؟ هذا شيء عجيب، كذب مركب، انه مجرد رقم من رأس عالم لقضية فلسفية اصلا.

(الدقيقة : 22 الثانية : 28) يذكر الدكتور أن داروين وتحت تأثير ضربات كالفن، غيّر في الطبعات اللاحقة لكتابه وصفه لمدة الحياة على الارض، الذي كان (الفترة الزمنية الضخمة جدا جدا)، إلى (الفترة الزمنية الضخمة)، وحذف (جدا جدا)، كنوع من الحل الوسط.

الرد : هذه الـ (جدا جدا) ترجمها الدراونة اللاحقون بـ 5 مليارات سنة. ما دام الدراونة عرفوا حتى عمر الكون أنه 14.3 مليار سنة (لاحظ الفاصلة، علامة الدقة والجودة وإبراء الذمة) ماذا بقي أن نسألهم لكي نعجزهم؟ نسألهم عن عمر ماذا؟

(الدقيقة : 23 الثانية : 10) يذكر الدكتور أن التطوريون يرون أن الطبعة السادسة والاخيرة من كتاب اصل الانواع لداروين الذي طبع في حياته، من اسوأ الطبعات، ولا ينصحون بها ولا يحبونها، لأن فيها إشارات ودلالات كثيرة لتردد داروين، وتراجع داروين الذي أثبت التقدم العلمي خطأه، فهو قد تراجع عن أهم شيء في نظريته، شيء يتعلق بالانتخاب الطبيعي، وارتد إلى اللاماركية.

الرد : لاحظ الانتخاب الغير طبيعي يعمل هذه المرة على داروين نفسه، حتى نعرف ان داروين ليس إلا وسيلة لغايات في أنفسهم. داروين في الطبعة الأولى عظيم، لكنه في الطبعة السادسة والأخيرة اقل عظمة، يبدو أنه حصل له تطور تدهوري، وهذا مخالف لفكرة التطور أصلا، لأنه في الطبعة الأخيرة يكون مظنة النضج أكثر من الطبعة الأولى التي تكون في العادة مندفعة. هذا لكي نعرف ان اتِّباع الهوى ليس له صديق دائم ولا عدو دائم ولا تجري عليه نظرية التطور، فالمفترض ان داروين في الطبعة السادسة أكثر تطورا منه في الأولى، لكن هذا لا يهمهم.

(الدقيقة : 26 الثانية : 10) يذكر الدكتور أن داروين كتب في طبعة كتابه الأخيرة انه من الصعب ان نحدد الفترة التي يستلزمها تطور نوع من الأنواع، ويضرب الدكتور أمثلة فيقول ان السلاحف عاشت لـ 175 مليون سنة وهي هي تقريبا لم تتغير، بينما الإنسان وأنواعه الإنسانية تطورت في نصف مليون سنة (خمسمائة ألف سنة) فقط، ظهرت فيها أنواع وبادت أنواع وأخرى ظهرت وهكذا. ففي أنواع الإنسان حصلت أحداث دراماتيكية فقط في نصف مليون سنة، بينما في السلاحف 175 مليون سنة ولم يحدث شيء، وسمكة السيلاكنث تعتبر أحفورة حية، فهي بنفس الشكل والتركيب الذي كانت عليه أسلافها منذ مئات ملايين السنين، ويمكن أن يأتي أحد ويقول : هذا ضد التطور، ولكنه ليس كذلك، فالتطور لا يعمل بوتيرة واحدة، ففي السلاحف 175 مليون سنة لم تحدث تغييرا، بينما في نصف مليون سنة ظهرت أنواع إنسانية وبادت أنواع وظهرت أنواع أخرى. ويذكر الدكتور أن السيلاكنث عندما صورت لأول مرة، أنتج فيلم وثائقي عنها بعنوان (السمكة التي نسيها الزمن)، يتحدث الفيلم عن دلالاتها التطورية، اذ كانت هذه السمكة فتحا في عالم العلم وعالم نظرية التطور.

الرد : هذا يسقط قيمة ملايين السنين التي يتبجحون بها علينا في الداخلة والخارجة. 175 مليون سنة لم تفعل اي شيء في السلاحف، هذا بحسب زعمهم، وإلا فنحن لا نصدق بكل أبحاثهم وأرقامهم وافكارهم حتى. 175 مليون سنة فترة زمنية مليئة بالظروف والاحداث والتقلبات التي يزعمونها هم أنفسهم بأنها ظروف ضاغطة ومتحكمة، فكيف لا تفعل أي شيء على السلاحف؟ بينما نصف مليون سنة جعلت القرد انسانا! القرد يتحول في نصف مليون سنة إلى إنسان، و 175 مليون سنة لم تغير ولا حرشفة في السلحفاة! ألا يجعل هذا العاقل يقف ويتشكك في هذه النظرية التي تعتمد على الظروف البيئية وتغيراتها المربوطة دائما بملايين السنين معتمدين على كثرة تلك الملايين؟ ما بالها لا تفعل شيئا في السلاحف؟ بينما نصف مليون سنة عملت الاعاجيب في مخلوق آخر، بل غيرته عن تكوينه الاول، بل قدمت له هذا العقل المميز عن كل الاحياء، وجعلته سيد الارض! ما الوسيلة التي حدثت بها كل هذه التغيرات؟ انها ملايين السنين، بل نصف مليون سنة! بينما الفترة الطويلة الهائلة لم تفعل شيئا في السلاحف! والبيئة التي يعيش فيها الانسان هي نفس البيئة التي تعيش فيها السلاحف، وما يجري على هؤلاء يجري على هؤلاء. هذا التناقض الحاد يجعل العاقل يشك مباشرة بتأثير ملايين السنين المزعوم، وبالتالي يشك بتأثير البيئة، وبالتالي يشك بالنظرية كلها، لكن ماذا تفعل لهذه النظرية التي لا تعير العقل أية اهتمام؟

هذا كلام غير علمي أبدا, لماذا الإنسان يتطور ويتعقد كل هذا التعقيد في نصف مليون سنة بينما سمكة السيلاكنث على حالها منذ ملايين السنين؟ أين دور الانتخاب الطبيعي وأين الطفرات المفيدة؟ هذه السمكة بحد ذاتها تبطل نظرية التطور كلها. اكتشافها حية بعد 70 مليون سنة ولم تتغير اصبح لأول مرة اكتشافا يثير السخط. ألم تخرج ولا طفرة واحدة في هذا النوع من السمك - مع أنه أكثر تناسلا من البشر - خلال مئات الملايين من السنين، بينما تجمعت في الإنسان في نصف مليون سنة؟ أين عمل الصدف والظروف والانتخاب الطبيعي؟ يتكلمون عن جهاز لا يعمل لمدة 175 مليون سنة، وفجأة يعمل كل العمل! هذا الجهاز يثير الضحك. الجواب هو الصدف, وهذا جواب غير مقنع في أي قضية, بل هو تهرب. لأن 175 مليون سنة فترة مليئة بالصدف، أين عملها؟ أليسوا يرجعون الأمور للصدف وملاين السنين؟ ها هي ملايين السنين لم تعمل شيئا على السلاحف ولا الكولاكنث.

وسمكة السيلاكنث لم يذكر الدكتور حتى الآن أن التطوريون كانوا يعتقدون أنها انقرضت من 70 مليون سنة وأنها حلقة مفقودة لأنها تحتوي على رئة بدائية، والتي تطورت إلى رئة الكائنات البرية، وأنها تحوي على مخ, وأنها كانت تعيش بالقرب من سطح الماء، إذ ان هذا الافتراض سيسهل مهمة الإقناع بأنها انتقلت من البر إلى البحر, بينما اكتشفوا أنها موجودة ولم تنقرض, حيث تم اصطيادها في عام 1938م لأول مرة، وتم اصطيادها مع تطور أساليب وتقنيات الصيد، حيث انها كانت تعيش على انخفاض 180 متر تحت سطح الماء وليست تعيش قريبا من سطح الماء كما زعموا، وأن ما تكلموا عنه بأنه بداية رئة ليس إلا كيسا دهنيا ولا وجود لشيء يسمى مخ فيها! وهي سمكة كغيرها.

(الدقيقة : 34 , الثانية : 40) يذكر الدكتور الاعتراض الرابع الذي وجه لداروين، وهذه المرة من عالم الفيزياء الاسكتلندي فيلمنج جنكن، وكان هذا الاعتراض بخصوص النظرية المزجية في الوراثة. النظرية المزجية هي باختصار تفيد بأنه عندما يتزاوج فردين من النوع الواحد، فإنها تتمازج الصفات بين الذكر والانثى بحيث يكون المولود متوسطاً بين صفتي أبيه وأمه، مثلا : زهرة مذكرة لونها أحمر، وزهرة مؤنثة لونها أبيض، سيكون الناتج زهرة زهرية اللون، وسطاُ بين الأحمر والأبيض، مثال آخر : أوز مذكر طويل الرقبة، وأوز مؤنث قصير الرقبة، سيكون الناتج أوز متوسط طول الرقبة، وهكذا. وكان داروين من المؤمنين بهذه النظرية. اعتراض فيلمنج جنكن كان كالتالي : إذا حصل أن احد أفراد النوع حصل له تغير مقبول واستبقاه الانتخاب الطبيعي، فعندما يتزاوج مع احد افراد نوعه (والذين لم يحصلوا على هذا التغير مثله) فإن هذه الصفة تتلاشى إلى النصف (حسب النظرية المزجية) وفي الجيل القادم ستتلاشى إلى الربع، وهكذا حتى تختفي وتصبح غير موجودة.

الرد : الدراونة طبعا تركوا استاذهم داروين في هذه النقطة التي أثارها جنكن، ولم يتبعوه، لأنهم يتبعون الهوى وليس داروين أو غير داروين، فهم يعدّلون في داروين مع أنه أستاذهم، وهكذا يكون التلميذ صاحب الهوى يعدّل في أساتذته، وبالتالي يكون هو الأستاذ وليسوا هم، لأن الذي ينتقي ويختار هو الأعلم، فهربوا عنها إلى مندل ونظريته التي تقول أن الصفة إما تظهر أو لا تظهر، ولا تمتزج. وكل هذا خوفا على الطفرة التي تأتي بالصدفة ليس حبا في العلم، وهي أساس نظريتهم في التطور، لأنه تبعا للمزجية التي يؤمن بها أستاذهم داروين سوف تضعف الطفرة وتتلاشى، و هم لا يريدون هذا، لأن هذا منافي للتطور، و قد انتبهوا لهذا الخطأ الذي لم ينتبه إليه داروين، لهذا أصبح مندل العالم الوراثي العظيم، مع أن المزجية شيء مشاهد في الحقيقةً، فالأطفال الخلاسيين يكون احد والديهم ابيض والآخر اسود، فيأتون وسطا، فلماذا لم يصبحوا بيضا فقط أو سودا فقط تبعا لمندل؟ هم رفضوا نظرية المزج مع أن لها في الواقع شواهد، خوفا على طفرتهم. اذا وضعت خروفا ذكر ابيض اللون، مع قطيع اسود اللون، فمع توالي الاجيال سيتلاشى هذا البياض تدريجيا وسينقطع، فالجيل الأول قد يكون فيه خروف واحد ابيض، ومع توالي الاجيال ستزول، وهذا شيء مشاهد. وقس ذلك على فكرتهم حول الطفرة، اذن لن تتطور الطفرة، بل سوف تُبتلع في الكثرة، هذا لو وُجدت طفرة جديدة مفيدة اصلا، مع انه لم ترصد ولا طفرة مثل ذلك، فلا زلنا في عالم الافتراض، فكل الطفرات مَرَضيَّة، ومع ذلك سوف تُبتلع، تبتلعها الصفات السائدة. وهذا ما يفسر لماذا كل حيوانات الغابة بنفس اللون والحجم، وهذا ما يفسر سبب قزامة الاستراليين الاصليين. البيئات المنعزلة المتشابهة في الانسان او الحيوان تزيل أي صفة جديدة، وهي دليل على هذا الابتلاع للصفات الجديدة. اذن لا طفرة تدوم، اذن لا تطور. وهذا بالجمع بين نظريتي مندل والمزجية، وهو الأقرب للواقع. لأن نظرية مندل تؤمن بالصفات السائدة. وهذه إحدى مدافن نظرية التطور. هذا يثبته توحد ألوان كل الحيوانات البرية، فكلها ألوانها مثل بعض، فالذئاب تشبه بعضها في كل منطقة، وحمير الوحش تشبه بعض، والغربان تشبه بعض، والحمام البري يشبه بعض، والأُسُود بنفس اللون وتشبه بعض، وهذا يثبت أنه لا يوجد تطور صغروي حتى في الطبيعة. دائما نجد التنوع والاختلاف في حيوانات الإنسان فقط. أما الحيوانات والطيور البرية فكل نوع منها له نفس الألوان والأشكال بدون أدنى اختلاف، وهذا شيء عجيب لم ينتبه له داروين.  

(الدقيقة : 36 الثانية : 18) يذكر الدكتور أن الجميل في العلم انه عمل علني، والآن أصبح عملاً مؤسساتياً، فأي بحث علمي ينشر في مجلات محكمة حول العالم، وينقد ويعلق على هذه الورقة مئات ألوف العلماء حول العالم، ولا أحد يُمنع من فعل هذا، إذا كان معترفا به وعضوا في جمعية علمية معينة، فلا يستثنى أو يستبعد بحجة أنه عربي أو أسود أو أو ..  فالكل يُقبل، من هنا قوة العلم ومن هنا "عباطة" البعض الذي يحاول ان يتنطع لنقد العلوم ويصف التطور بالكذبة، وهو لا يفهم شيئا. يقول الدكتور : {فمن أنت يا حبيبي ؟ مئات ألوف العلماء حول العالم ! أنت ماذا ؟ يقول : "أنا مهندس !" مهندس إيش؟ صباح الخير! "أنا حافظ لكتاب الله!" "أنا طبيب!" أحدثك عن مئات ألوف العلماء ! وألوف يحملون جائزة نوبل! في التشريح والهستولوجي والأناتومي والتطور والبيولوجيا الجزيئية والوراثة الجزيئية، شيء عجيب مخيف! وهذه الأشياء درسها ملايين من العلماء ووافقوا عليها، من أنت ومن أنا؟ يجب أن نحترم أنفسنا ونكون متواضعين ونتحرك بمعقولية، حتى لا نصبح مسخرة عند أنفسنا وعند العالم.}

الرد : حجة "من أنت" و"هؤلاء مئات الألوف من العلماء وهؤلاء حاصلون على نوبل..." إلخ, هذه ليست حجة, لأنه في كل عصر يوجد مئات الألوف من العلماء ولهم اتفاقات وتقارب في وجهات النظر لكن كثير منها ثبت خطؤها في أجيال لاحقة, فهي ليست حجة لقمع التفكير, وقد يعرف الواحد ما لا يعرفه الكل، وتاريخ العلم يشهد بذلك، كم من عالم هاج عليه المجتمع العلمي في زمنه، وسخروا منه، وبعد موته أصبح أشهر منهم، هذا شيء معروف، فلا تأخذك الزمانية، (كل حزبٍ بما لديهم فرحون). العلم ثابت، والزمان والملأ متغيرات. لكل زمان دولة ورجال, و كل زمان يضحك على الزمان السابق! وليس شرطا أن يكون النقد منشورا في مجلة علمية معينة، لأن هذه الصحف والمجلات والجامعات لها شروطها في قبول ما تنشره، لاحظ ان الدكتور يشترط ان يكون الشخص عضوا في جمعية علمية حتى يكتب ردا أو نقدا، لماذا شرط العضوية هنا؟ وهل سيقبلون عضوا فيهم إلا على شروطهم الزمانية وأن يؤمن بكذا وكذا؟ هذا تقييد للعلم، المفترض ان يكون الباب مفتوحا للجميع. فالعلم ليس وسطا دينيا لا يتكلم فيه إلا اهل الكهنوت، مع ان هذا خطأ ايضا، لكن الكهنوتية لم تعد خاصة بالدين، فحتى العلم اصبحت لديه كهنوتية فلا بد ان تحمل شهادة دكتوراة، وتحمل عضوية وتزكية في جمعية، وان تنقد بلا أسلوب تقريري ولا أوصاف جارحة وأن يكون نقدك جزئيا في نقاط معينة، مع احترام كامل للعلماء السابقين وأنهم كلهم على حق، وأن لا توحي بأي فكرة مؤامرة، هكذا كيف ستنقد وماذا ستقول؟ هذه كلها محاصرة لحرية الرأي والتعبير. فعليك أن تصف داروين بالعظيم أولا ثم تنقد داروين! كيف ذلك؟ ماذا لو لم أر ما قاله داروين صحيحا وعظيما كله؟ وماذا إن كانت المؤامرة واضحة وعليها أدلة مثل الشمس؟ هذا كأنه إلجام للآخرين لكنه بأسلوب لطيف وعصري وحضاري جدا، وكأنهم يقولون اترك التقرير لنا. المفترض أن يكون كلامه مدعم بأدلة من الواقع والتجربة، قدم دليلك وقل ما تشاء، هكذا حرية الرأي، على الاقل في مجال العلم. هذه شروط ليست لحماية العلم بل لإماتة العلم، لأنه استقر على هيئةٍ تعجبهم. إذا قلت أن بعض التطوريين كاذبون ومُزوِّرُون، لهاجوا وقالوا هذا تقرير وتجريح وقلة أدب، مع أنك لم تقل كلهم، ومع أن أدلة التزوير موجودة. هنا تدخل الأخلاق وبقوة في الموضوع. هم لا يطبقون هذا، هم ينتقدون علماء التصميم الذكي بأبشع الأوصاف، بل ويطردونهم من الجامعات، فما ينطبق عليهم لا ينطبق على غيرهم. لو كان هذا الكلام مطبقا على كل مفكر وكل عالم لكان جميلا وإن كان سوف يخنق العلم بالأدب والذوق، ولكنهم يكيلون بمكيالين. لكن اذا هم شاءوا اصبح العلم هو المقدَّم على كل شيء، على الدين والاخلاق والاعراف الاجتماعية وكل شيء، لكن اذا ارادوه ان يتوقـّف شغّلوا سمفونية الادب والذوق والاخلاق وقل ولا تقل، لحصار تقدم العلم، أي كشف الحقيقة. وهم سائرون على أسلوب التناقضات والكيل بمكيالين ومعجبون فيه، كسمة عامة للفكر الغربي.

إذا لم يكن العقل والمنطق هو الحكم وصار التحكيم إلى أمور أخرى و وجاهات و "من أنت" و "من يعرفك" و "من يرشحك" و "أين درست" و "أين تخرجت" و "ما توجهك الفكري" ..., فهنا ضاع العلم! اتفاق العلماء لا علاقة له بالعلم, وأنتم تربطون العلم بالعلماء، وهنا المشكلة, بهذه الطريقة يصبح العلم زمانيا ومرتبطا بعصره و وقته و معاصريه من العلماء وثقة بمشاهير عصره. العلم لا يربط بالعلماء، والدين لا يربط برجال الدين، هكذا يجب ان يكون. لكن العلمانية، سواء الدينية او العلمية، تقدّس هذا الربط وتحبه وتدافع عنه، ومنذ القدم.

وهذا من الرجعية التي أًصابت العلم بسبب اقتحام الملاحدة والماديين بأيديولوجيتهم له. كان الناس العاديون قبل هجمة الملاحدة على العلم يعرفون العلم أكثر من العلماء, وبعدهم صاروا يعرفون العلماء أكثر من العلم! ويرددون أسماء علمية لم تخترع شيئا ولم تبتكر شيئا ولم تكتشف شيئا, رغم هالتها العظيمة. إذن نحن في زمن رجعية العلم وليس تقدم العلم. وإذا استنكر الإنسان اللا معقول في طرحهم هاجموه وقالوا : من أنت حتى تتحدث؟ هل حصلت على نوبل؟ هل نشرت لك مجلة علمية مرموقة؟ إذن اخرس! حتى لو كان العقل والمنطق والواقع يؤيد كلامه. مع أن هذه المجلات والجامعات ومراكز الأبحاث مملوكة أصلا، و كل مملوك يمثل وجهة نظر مالكه, فتقبل ما يناسبه وترفض ما لا يناسبه. مراكز أبحاث التطوريين لن تنشر أبحاث الخلقيين, ومراكز أبحاث الخلقيين لن تنشر أبحاث التطوريين. بل إن من العلماء الخلقيين من ألف كتابا عن محاولاته للنشر في المجلات العلمية المرموقة "الملحدة" ولم يستطع. هذا هو الواقع الحقيقي للبيئة العلمية في هذا الزمن. وهكذا تسقط قيمة ربط العلم بالعلماء والاوساط والمجلات العلمية، مثلما سقطت قيمة الاحافير العلمية.

(الدقيقة : 36 الثانية : 35) يذكر الدكتور أن عالم النبات جوزيف هوكر انقلب تطوريا واقتنع بالتطور، حيث أنه كان في الأول خلقويّا تكوينيا، وبعد قراءته لأصل الأنواع أيّد التطور.

الرد : يبدو أن هوكر كان تطوريا من قبل قراءة أصل الانواع ولم يكن خلقويا بالأصل، لأن هوكر كان من اعضاء نادي X الذي يدعو إلى فصل المعتقدات الدينية عن العلم، وهو مؤسس مجلة Nature العلمية المعروفة بتوجهاتها. كما أن هوكر قد وجّه داروين نفسه ليقوم ببعض الدراسات والبحوث لكي يدعم بها نظريته للتطور، ولذلك قام داروين بدراسة هدبيات الارجل (البرنقيل) ونشرها في كتاب ضخم بناء على توجيه هوكر.

(الدقيقة : 36 الثانية : 45) يذكر الدكتور أن داروين أسرّ إلى جوزيف هوكر أن فيلمنج جنكن سبب له إزعاجا كبيرا.

الرد : لماذا كل هذه الحساسيات الشديدة من الاعتراضات عند داروين؟ هل كان يعتقد أن أبحاثه ونظريته ستستقبل بالورود والتصفيق؟ ولماذا يشتكي من الأشخاص وأنهم مزعجين أكثر من الافكار والاعتراضات التي يواجهونه بها؟ هل هذه عقلية رجل علم؟ لا بد انه سيتضايق من هذا الكلام، لأنه سيقضي على فكرة التطور، وفعلا قضى عليها  لكنه لم يعترف، لأن الكثرة تغلب الشجاعة، فوجود صفة في وسط مختلف عنها سيجعلها تزول تدريجيا، مثل ما بيّنا سابقا. ولن يكون هناك تطور.

(الدقيقة : 39 الثانية : 50) يذكر الدكتور أن كلمة Genetic (جيني) مأخوذة من كلمة Genesis والتي تعني التكوين، و أن كلمة التكوين أدق من كلمة الخلق، وأن الخلق ليس هو التكوين، حتى قرآنيا، قال تعالى ("خلقه" من تراب ثم قال له "كن" فيكون) فأن يوجد الكائن هذا ليس خلقا، بل تكوينا، لكن أن توضع الخطة (البلو برينت – المخطط) للمخلوق، هذا هو الخلق. فالخطة الأولى هي المعلومات، وهذا هو الخلق، والتكوين هو الإظهار إلى حيز الوجود.

الرد : قال تعالى (وبدأ خلق الإنسان من طين) أي صمم كل شيء في هذا الطين، ثم قال له : كن فيكون، أي دبت الروح  والحياة فيه، وهذا يبين لك أن الأحياء كلها عبارة عن جسم مادي وروح معنوية من أمر الله. لاحظ الآية (ثم نفختُ فيه من روحي). وحسب ما طرح الدكتور، فقوله تعالى أنه خلق السموات والأراضين السبع يعني أنه وضع مخططاتها، وهذا الفهم خاطئ، لأنه لم يقل : كوني سموات أو كوني أراضين، وهذا أيضا ممرٌ لتمرير نظرية الانفجار الكبير وهي من النظريات المساندة لنظرية التطور، بل هي التطور ذاتها لكن في إطار الفلك والجيولوجيا والمادة، فكأن الله لم يخلق سوى نقطتين فقط : هما البيضة الكونية والخلية الاولى، وترك الباقي لداروين وجماعته وغادر الكون. هذا تحجيم وتقزيم لدور الخالق الذي يكلؤكم في الليل والنهار والذي ما تسقط من ورقة الا يعلمها والذي يقدّر ويوفّق من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويبعث الانبياء والكتب للناس، كلما شوهوا دينا جدّده، وهو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء، وليس كما تشاء الجينات.

فكرة الكون المغلق الذي يعمل بآلية فكرة خاطئة، ولكنهم يتبنونها، وفكرة الجينات من تطبيقات فكرة الكون المغلق، فانظر لولادة الأطفال لا تستطيع ان تقول انها على طريقة مندل او النظرية المزجية، احيانا يأتي حسب تفسير هذه وأخرى حسب تفسير الأخرى، فتجد ولدا وسطا بين لون الام ولون الاب، ومرة يشبه الاب ومرة يشبه الأم. قال تعالى (وظنوا انهم قادرون عليها) اي استطاعوا إخراج الاله ودوره في كونه. وعلى هذا الفهم لا يوجد إله، او كان هناك اله رمى بيضتين وغادر. وهذا ما يؤمن به تماما اللادينيون، فعمليا الإله غير موجود، لكن في الأساس ربما يكون هناك إله. لكن لا يفيد أن تدعوه او لا تدعوه، لأنه غادر، وبالتالي البقاء للأقوى والجينات الاقوى لها حق السيادة ولا وجود لفكرة ظلم ولا عدل، لأن إلهها غادر، أي خذ راحتك. يريدون أن يُغادر الله ملكوته، لكنهم لا يريدون أن يُخرَجوا من بيوتهم ومنازلهم، يرضون لله ما لا يرضون لأنفسهم، ولا يريدون لأحد ان يتصرف بشؤونهم بدون علمهم، لكن الله يرضون عليه ذلك. المهم أن يكون الله غير موجود في ملكوته، بحسب الملاحدة او بحسب اللادينيين، المهم الا يكون موجودا.

ليست المشكلة في العلم نفسه، المشكلة في المنطلقات، في التصورات المبدئية عن أي توجه يتوجهه الانسان، بمجرد التوجه الذي يتحكم فيه الاختيار تتكون التصورات، (راجع مواضيع نظرية الاختيار في المدونة عبر الروابط) :


فمثلا يقال أن الدين قال كذا، أو قال العلم كذا، وهذا غير صحيح، بل لأن الإنسان أراد أن يتوجه لذلك التوجه فنسبَ توجهه للدين او للعلم.

في كل فكرة توجد تصورات مخفية بنيت تحت الفكرة، اي انها مثل الأساس للمنزل لا يُرى، مع أنها تحمل المنزل كله. ولا يمكن فهم الفكرة وترابطاتها الا من خلال فهم التصورات الجذرية لها. فالحكم على الشيء فرعٌ من تصوره، أي أن التصور هو الأساس والفكرة هي الفرع. والاختيار (الاختيار الخيّر او الاختيار الغير خيّر،  والذي ينقسم كل البشر إليهما كما يخبر القرآن ونشاهد في الواقع) يأتي ومعه تصوراته وبالتالي افكاره. فالتصورات مرتبطة بالاختيار. والتصورات لا تتغير حتى يتغير الاختيار. الاختيار يحدّد التصورات التي تناسبه، لذلك اصحاب الاختيار المختلفين لا يفهمون بعضهم بعضا بسبب اختلاف تصوراتهم. وعلى هذا فكل النظريات مبنية على تصورات مبنية على الاختيار. وكأنه لا يوجد احد يفهم شيئا سوى اختياره.

في البداية اختيار (خير او انانية)، ثم تصورات تتبع الاختيار، ثم انتقاء لصالح هذه التصورات، هذا ما يحدث في كل العلوم الظنية والتي هي الأهم في حياة الانسان، لأن الإنسان علمه قليل، فأكثر حياته تعمل على الظن وفي نقاطها المهمة ايضا. اما ما يثبته العلم بالتجربة فهو قليل، وليس مهما لحياة الإنسان ولمصيره وسعادته، فالإنسان عاش وسَعِد وشَقِي قبل أن يكتشف هذه العلوم التجريبية.

اذن الاختيار والعقل شرطان أساسيان لاي نشاط بشري، فلا يمكن إخراج العقل من اي مجال يهتم به الانسان، لأن العقل يقدم التصورات والأفكار قبل الدخول لذلك المجال اصلا، فحين تقول انك مسلم مثلا، فأنت قد حملت افكارا وتصورات جعلتك تقرر ان تكون مسلما، اي عَمِل عقلك قبل أن تسلم ثم أسلمت. أو حين تدرس ظاهرة معينة، فأنت تحمل تصورات وأفكار عنها بدافع الاختيار، إما خيّر او غير خيّر، وغير الخيّر لا يعني شريرا، فلا يوجد احد يختار الشر للشر نفسه، اذ نقصد بالاختيار الغير خيّر هو عدم الاهتمام بالخير وتقديم المصلحة عليه، إلا إذا وافقت المصلحة الخير فحينها يعمله. لا يوجد احد موضوعي ونزيه 100% لأن هذا سيكون آلة وليس إنسانا. 

حسب هذه النظرة لديهم فحتى الكون لم يخلقه الله، بل جاء بالصدف والاصطدامات والانفجارات. وكل مرة في السنة او مرتين يخيفوننا من اصطدام هائل لكويكب او حتى كوكب بالأرض، ليثبتوا الفوضى في هذا الكون المجنون، لكن لم نر شيئا، وهذا من عدة سنوات وعدة تهديدات وبعضها من وكالات فضاء كناسا. تبارك الله احسن الخالقين. 

أي كأن الله خطّط فقط ودفع هذه الكرة الكونية التي وزنها صفر لتنفجر الانفجار الكبير مخرجة الاكوان والكواكب والنجوم، هذا لا يوجد ولا في قصص ألف ليلة وليلة.

قال تعالى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) ولم يقل : كوّناكم، ولاحظ انه سمّى الخلق بالإخراج، وقال تعالى (خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث) ولم يقل : تكوينا من بعد خلق، وقال تعالى (هو الله الخالق البارئ المصور) ولم يذكر صفة التكوين. الدكتور يريد أن يواءم أو يساير طرح داروين، لكن نسي أن هذا يتم على حساب القرآن.

تعظيم أمر الجينات هو أمر كعادة الماديين في تعظيم شأن ما عرفوه حديثا، لأنهم لا يعرفون الله ولكن يعرفون الجينات، فنسبوا لها كل شيء، وهذا غير صحيح، وهذه النسبة تدل على حاجة لوجود أحد يُنسب له كل شيء. تجدهم ينسبون الأشياء الغير مفسّرة إلى الماديات دائما، فينسبون إلى الأعصاب كما كان وقت فرويد، وينسبون إلى المخ وينسبون الى الجينات في هذا الزمن، مع أن النبات بلا مخ، وكذلك البكتريا وغيرها تقوم بعملها من أحسن ما يكون وتتحرك وتتغذى وتتكاثر وهي بلا مخ، بل حتى بعض الأسماك ليس لها مخ، كالكولاكنث. من جهة أخرى، الأرز أكثر جينات من الإنسان ومع ذلك لا يوجد فيه أي تمايز ولا يقوم بأي عمل مما يقوم به الإنسان. يقولون أن جينات القرد والانسان تتشابه بنسبة 98% لكن الاختلاف بينهما قد يصل الى 98% تقريبا، فما فائدة تشابه او اختلاف الجينات؟ يريدون أن يفسروا بها اختلاف البشر وظهور الأمراض، ناسين وضع النبات وأن لديه جينات ايضا وقابلة للتأثر والطفرات، لكن لا نجد اختلافات في حقل البرسيم أو الذرة، مع انها نتيجة تزاوج وجينات وكروموسومات، مثلها مثل الإنسان. هل نحن نتعرض لخدعة كبيرة في هذا الزمن كما قدموا خدعات في الأزمنة السابقة؟ سر خدعة هذا الزمن هي الجينات والوراثة. السلاحف لأكثر من 170 مليون سنة لم يتغير فيها شيء كما يقولون هم، بينما نحن تغيرنا تغيرات كثيرة وانقرضت بعض انواعنا في ظرف 500 ألف سنة فقط! والمسؤول هو الجينات الموجودة ايضا عند السلاحف التي لم تتغير.          

(الدقيقة : 42 الثانية : 25) يذكر الدكتور أن داروين نشر كتابه عن الوراثة، والذي فيه الرد على اعتراض فيلمنج جنكن، واستعان داروين بنظرية قديمة لأبوقراط تدعى "التكوينية الشاملة" وقام بتطويرها، ومفادها أن كل خلية من خلايا الأب والأم لها مفوضين أو ممثلين عنها، وهؤلاء المفوضين (الممثلين) ترسلهم الخلايا الى الجهاز التناسلي، سواء عند المرأة أو الرجل ليمثلوها، وعند التزاوج، سيكون هناك مزج بين صفات الاب المكتسبة وصفات الام المكتسبة في الجنين، فلو كان الرجل ذا عضلات قوية بالتمرين أو ذا صوت جميل بالتمرين أو اي صفة من الصفات المكتسبة، فهذه الصفة المكتسبة ستنتقل إلى الابناء ويصبحون نفس والديهم، وبالتالي تنتقل صفات الآباء المكتسبة إلى الأبناء. ويذكر الدكتور ان هذه النظرية بتعديلات داروين خطوة لتبرير النزعة اللاماركية. (وكان الدكتور يشرح النظرية وهو يضحك مبتسما كما هو ظاهر في الفيديو).

الرد : الدكتور هنا يضحك على نظرية كانت هي السائدة في عصرها عن الوراثة في القرن التاسع عشر, أنت تضحك يا دكتور على كبار علماء العالم في ذلك العصر! لو كنت في زمنهم هل ستضحك هذه الضحكة؟ و كيف سيكون موقفك من أحد يضحك مثل ضحكتك في ذلك الزمن؟ إذن لا يُستبعد أن يأتي زمن لاحق ويُضحك فيه على كل هذا السحر الذي تتحدث عنه وتسميه علما.

والعجيب أن الدكتور في الحلقة اللاحقة لهذه الحلقة (الحلقة 13) سيقول أن منطق "من أنت حتى تتكلم في العلم وتنتقد العلماء"، لو طبقناه "لن يجعلنا نكتشف شيئا ولا نخترع شيئا ولا نفهم شيئا"!

(حتى نهاية الحلقة) يذكر الدكتور الاعتراض الخامس الذي وجه لداروين، وهو بخصوص التوزيع الجغرافي للكائنات الحية على الارض، يقول الاعتراض : طالما أن كل الأحياء نشأت من خلية واحدة في البداية، فكيف توجد حيوانات في شرق الأطلسي يوجد مثلها على غرب الأطلسي؟ كالضفادع، فهي موجودة في أوروبا وأفريقيا، وأيضا موجودة في أمريكا الجنوبية. وأجاب داروين عن هذا الاعتراض بجوابين ، الأول : انه ربما جاءت على أسطح عائمة، كقطعة خشب أو غيرها، عبرت المحيط ووصلت للضفة الأخرى. والجواب الثاني : انه ربما كانت في الماضي جسور برية تربط بين القارات وعبرت عليها من هنا إلى هناك. ويذكر الدكتور أن العلم اثبت صحة حدس داروين بعد ثلاثين سنة تقريبا، بعد ان جاء الألماني ألفرد فيجنر صاحب نظرية نزوح القارات، والتي قوبلت في البداية بالسخرية بها وبصاحبها، والان اثبت العلم صحتها مع بعض التعديلات.

الرد : كيف يتساهل الدكتور بكلمة "ثابت علميا" ويقول أن نظرية الانجراف القاري نظرية ثبتت وهي صحيحة 100% وانتهى كل شيء؟ الثابت عند العلماء شيء والثابت علميا شيء آخر, ونظرية الانجراف القاري هي نظرية وعليها انتقادات كثيرة و قوية.

نظرية التطور لا تقوم لوحدها بل محتاجة للعديد من النظريات لتسندها, مثلما الكذبة تحتاج إلى مزيد من الكذبات والكُذَيبات وتجرّ إلى كذبات, كذلك الإيمان بنظرية التطور جرّ إلى نظريات لابد أن تعتمد عليها. لكن الكل على بعضه ليس إلا نظريات بعضها فوق بعض. العلم يؤسَّس على حقائق ثابتة وليس على نظريات متراكبة على بعضها كالملابس. الدكتور يقول أن العلم جاء بعد داروين وأثبت حدسه, بينما في الحقيقة أنه جاء علماء تطوّريون وضعوا نظريات أو اختاروها لتسدّ ثغرات عند داروين لكي تسير العجلة التطورية الإلحادية.

ومثل هذا الحماس والإصرار ليس شرطا أن يكون نتيجة لوضوح الرؤية, بل إن الشيطان يؤزّ أتباعه أزا, لأن نتيجتها جميلة بعيون الملاحدة وهي أنه لا يوجد إله خالق ومدبر, وهذه أقوى النقاط التي ينافح عنها الملاحدة ويتحمّسون لها حتى في حياتهم العادية ونقاشاتهم. والبسطاء من الناس صاروا ضحية لهذا الحماس والإصرار والتكرار, بناء على أنه لم يُكرَّر هذا التكرار إلا لأنه حقيقي.

الأحد، 20 أغسطس 2017

سلسلة الردود على سلسلة نظرية التطور للدكتور عدنان إبراهيم - الحلقة 11


 
(الدقيقة : 3 الثانية : 30) يذكر الدكتور مسألة التوزيع الجغرافي للكائنات الحية، والذي كتب داروين بخصوصه التالي : (أي شخص حين يلاحظ هذا التوزيع الجغرافي للحيوانات والنباتات في البيئات المختلفة، لا بد أن يكون مذهولاً من أنماط الأشكال المتماثلة التي تحتشد في أماكن بعينها). أي : لماذا توجد هذه الأشكال والأنواع في هذا المكان دون بقية الأماكن على وجه الأرض؟ ويضرب داروين امثلة عديدة، منها : أنواع عديدة من الزيبرا (الحمار الوحشي) توجد في أفريقيا، وأفريقيا وحدها، ولا توجد في مكان آخر. وقردة العالم القديم سفلية المنخرين توجد فقط في شرق الأطلسي، وقردة العالم الجديد علوية المنخرين توجد فقط غرب الاطلسي. ويذكر داروين أنه في البيئات التي ظروفها مناسبة لكائن حي لكنه غير موجود فيها، نجد كائنا آخر يحل محله، فالبيئة التي ظروفها تسمح بوجود الليمور ولكنه غير موجود، نجد فيها نوعاً آخر من القرود، و في البيئات التي ظروفها تسمح بوجود طيور الطوقان لكنها غير موجودة، نجد فيها طيور أبو قرن. ويقول الدكتور انه لو كانت نظرية الخلق الخاص تفسِّر، فقد يكون من المناسب أن الله تبارك وتعالى يبث هذه المخلوقات في كل مكان في الارض، لكي تكون آية على قدرته وبداعته وصنعته لكل البشر الموجودين في كل مكان في الارض، أما ان يكون الحمار الوحشي فقط موجود في افريقيا وافريقيا وحدها ! وليس في غير افريقيا، فهذا يبعث على الذهول والتساؤل.

الرد : الله وضع مخلوقاته في بيئات, تجد نباتات في أفريقيا لا تجدها إلا فيها, وهذا له حكمة, ولو كانت الأرض متماثلة لما سافر أحد ولما قامت تجارة ولما تواصلت الأمم ولما انتشر أي دين, فالله الذي وضع هذه الأنواع الغريبة والنادرة بالنسبة لمن يشاهدها والمأهولة والمعروفة عند من يعيش في أرضها, هذا يحرك التجارة والتواصل بين الأمم ومن خلال البحار أيضا التي هي شبكة طرق واسعة توصل بين القارات والجزر، لهذا قال تعالى :{قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق}, وهي مصدر للدخل والثروة, لكن لو كانت موجودة في كل مكان في العالم لما استفاد أحد منها, ولكان عالَما مُمِلا. إن ما يشوّق الإنسان للسياحة والسفر هو هذه الانواع الغريبة, سواء من تضاريس أو نباتات أو حيوانات, فيجد أشياء لم يشاهدها من قبل ولم يتعود عليها, لهذا يقول الله {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}, فهذه مغريات للتدافع والحركة.

داروين يقول أنه لا يوجد تفسير ديني لهذه الظاهرة, لكن نحن كمؤمنين نجد لها تفسيرا منطقيا جدا, أما أن تكون بالتطور العشوائي من خلال صدف عمياء فهذه فكرة غير قابلة للعقل وتنقض نفسها بنفسها, لو كانت البيئة هي التي تتحكم لجعلت نفس الأحياء في نفس البيئات المناسبة, فلا تترك البيئة حيوانا دون أن تضغط عليه ليتطور ويكون مناسبا لها.

وإذن كان الأولى أن يكون الأكثر عددا هو الأكثر تطورا, وبالتالي تكون فصائل النمل أو النحل أو البكتيريا أكثر تطورا وأكثر تنوعا من فصائل الحمير أو الخيول أو الأغنام, لكن هذا ليس حاصلاً وليس هو الموجود في الواقع, خذ النمل السليماني مثلاً، تجده نوعاً واحداً بينما أعداده بالتريليونات و في قارات مختلفة من العالم وتعاقب الأجيال فيها قصير, هل معنى هذا ان النمل صالح لكل بيئة بينما حمار الوحش لا يصلح إلا لبيئة افريقيا؟ إذن منطقيا يجب أن تكون أنواع هذا النمل أكثر بكثير مما هي عليه الآن, لو كان هناك تطور وطفرات مفيدة. والطيور تنتقل وتسافر، لذا من المفترض أن تتطور أكثر من غيرها وتحوي أنواعا أكثر لأنها تتعرض لظروف أكثر مما يتعرض لها من هو مقيمٌ في مكانه, ومع ذلك تجد أنواعها ثابتة ومحدودة.

لماذا نجد هذه الاختلافات في الحيوان؟ الجواب أن لهذا علاقة مباشرة بالإنسان, فكل الأحياء القريبة من الإنسان هي الأكثر تنوّعا, فالإنسان لن يسافر لأجل نوع نادر من النمل, لكنه سيسافر لأجل نوع من الغزلان أو من الخيول, فهذه نعمة للبشر. هذا نفس منطق توزيع المعادن والبترول على الأرض ونفس منطق توزيع التضاريس, لماذا الماس موجود فقط في أفريقيا وليس موجوداً في العراق أو في اليمن؟ لماذا البترول في هذه المواضع من العالم فقط؟ ونفس هذه الأسئلة : لماذا حمار الوحش موجود في أفريقيا؟ ففي أفريقيا الكثير من الأشياء الأخرى التي لا توجد إلا في أفريقيا, فعلى من يسأل هذا السؤال أن يوسّع مداركه ولا يتوقف عند الحيوانات فقط. هذه ظاهرة ليست حكرا على الأحياء حتى تـُفسَّر بنظرية بيولوجية.

إذا كان حمار الوحش نتيجة للتطور في أفريقيا، فوجود الماس فيها أو أكثر من غيرها أيضا : هل هو بسبب التطور؟ الاختلاف هو من سنن الله، ومن عدالة الله، ومن آيات الله، فكثيرا ما يربط الله في القرآن بين الآيات والاختلاف وليس التشابه، فالتشابه لا يقدّم آيات، بل الاختلاف هو ما يقدم آيات، والإبداع هو في الاختلاف، والجديد مختلف. إذن هذه الظاهرة مع الله ووجوده وليست ضد الله كما تخيّل داروين بعقليته الملحدة التي تريد أن تُعاجِز الله في خلقه، والله غالب على أمره. الله في القرآن يتكلم عن الاختلاف ويقدّمه كآيات تدل على وجوده وليست تنفي وجوده كما يتخيل داروين : كاختلاف ألوان الجبال، واختلاف الليل والنهار، واختلاف ألسنتكم وألوانكم. لهذا دائما العقلية الملحدة تعتمد على التشابه، لأن التشابه يقتضي المرجعية المشتركة، فهذا يشبه هذا : اذن هما أبناء جد واحد! عقلية التشابه تفضي إلى الإلحاد، فنظرية التطور أرادت أن تجعل كل الكائنات متشابهة، وفرحت بتشابه الأجنة في مراحلها الأولى، فيقولون لك : انظر : هذه خلية أسد وخلية إنسان وخلية فأر! متشابهات! إذن أصلهم واحد ونشأوا من خلية واحدة ومن خلال التطور ظهرت الأنواع، وأن القرد يشبه الإنسان إذن أصلهما واحد! والحمار يشبه الحصان إذن أصلهما واحد! وهكذا، مع أنهم لم يقولوا أن القرد يختلف عن الإنسان، مع أن التشابه والاختلاف بينهما موجودان، والاختلاف أكثر من التشابه، لكن العاقل ينطلق من الاختلاف وليس من التشابه، فالتشابه يدمج المختلفَين بشكل متقارب، إذ عند تقريبهما لبعض لا تعرف الفرق بينهما، بينما العالِم هو من يرى الاختلافات، والجاهل هو من يرى التشابهات، والعلم ينطلق من الاختلافات وليس من التشابهات، لكن الدراونة عكسوا ونكّسوا رأس العلم من دراسة الاختلافات إلى دراسة التشابهات.

توأمان يراهم كل الناس أنهما متشابهان، لكن أمهما تعرف أن هذا محمود وهذا حامد، أي تعرف الفرق والاختلاف بينهما، إذن هي عالمة بهما أكثر من بقية الناس الذين يعرفون تشابههما. قالوا (إن البقر تشابه علينا) فحتى البقر يمكن أن يتشابه! الجاهل بالناس يراهم متشابهين، لكن من يعرفهم واحدا واحدا يدرك الاختلافات بينهم. حتى الأرض من يجهلها يراها نفس بعضها، فكلها تلال متشابهة، بينما ابن الأرض هو من يدرك الاختلافات والفروق، وكذلك البحار، والطبيب الجاهل لا يعرف الفرق بين الأمراض، بينما الطبيب العالم يعرف الفرق بين الأمراض. العارف هو من يعرف الاختلافات. إذا كان الدين أصبح متشابها والناس متشابهين والأفكار متشابهة، ماذا يكون حالك؟ ستكون أبعد ما تكون عن المعرفة. العاقل هو من يميّز الاختلافات. معرفة الاختلافات نحتاجها أكثر من معرفة التشابهات (قانون). ألا ترى شعار (احذروا التقليد) التجاري؟ أي احذروا المنتج المُقلَّد، وإن كنت أفهمها وأنا صغير : إحذر أن تقلِّد منتجنا. المفترض أن يكتبوا (إحذروا المقلَّد) أدق من (إحذروا التقليد) .. أي لا تعتمدوا على التشابه، بل على الاختلاف، لان التشابه ينتج جهل. والاختلاف هو فَرْقُ العلم، الناس يرون الأشياء كلها مسطحة مثل بعضها، بينما العالِم بالاختلافات يعرف أكثر، لماذا سجد سحرة فرعون لموسى؟ لأنهم عرفوا أن معجزته مختلفة عن حيلهم وسحرهم، بينما عند فرعون وملأه يرون كليهما سحراً، إذن العاقل هو من يفرّق وليس من يدمِج ويُشابه أو ينطلق من التشابه.. الأشياء المتشابهة من السهل استخراجها، بينما الاختلافات فيها صعوبة، في صفحة التسالي بالمجلات ، يضعون مسابقة أوجد الفروقات السبع وليس التشابهات السبع.

القرآن يدلّل على آيات الله بالاختلاف وليس بالتشابه، لأن الاختلاف هو ما يشغل العقل ويجذب التمييز، لهذا أصحاب العقول التي يعتمدون عليها يجدون مُتعاً لا يجدها العوام، لأنهم يرون الاختلافات، بينما العوام يستمتعون بالتشابه. قال تعالى (لتعارفوا)، فالتعارف لا يأتي إلا بالاختلاف، فلو تشابه الناس 100% لما تعارفوا. الله يسمي الجهل تشابها (إن البقر تشابه علينا) أي لا ندري ما البقرة التي تقصدها، فالجهل بالشيء اسماه القرآن تشابها، وهذا من الإعجاز اللغوي في القرآن. قال تعالى (فيتّبعون ما تشابه منه) أي ما جَهُل مقصوده أو احتمل عدة احتمالات، لابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، تماما كما تفعل نظرية التطور، لابتغاء الفتنة والالحاد وابتغاء تأويله، فبما أن القرد يشبه الإنسان فهما ذا أصل واحد وانتهى الأمر، بينما الفروق هائلة جدا بين القرد والإنسان ولا لها قيمة عندهم، من يتبع التشابه فسوف يوقفه على الجهل (قانون). فكرة العنصرية مبنية على التشابه والجهل، لأنها قائمة على التعميم، والتعميم قائم على التشابه، وهكذا كل معرفة تأتي عن طريق التشابه هي شبهة، ولماذا سميت الشبهة شبهة؟ بسبب التشابه.

لاحظ البترول أكثر ما يوجد في صحارى قاحلة، هذا الذهب الأسود، بينما لا يوجد في اوروبا والهند الخصيبتان، انها نعمة التسخير والعدالة، فلماذا فقط يقف داروين وغيره عند اختلاف توزيع الحيوانات؟ كل شيء فيه اختلاف وتوزيع. والندرة تعطي قيمة إضافية للشيء، وهذا شيء معروف،

وانعزال التجمعات البشرية أنتج حضارات وثقافات مختلفة تستلفت الانتباه وتحرك التجارة والسياحة, حتى ينتشر بينهم الدين الإلهي. وانظر في الإسلام مثلا : ثلاثة أرباع المسلمين دخلوا الإسلام عن طريق التجارة, ولماذا التجارة؟ لوجود نباتات وحيوانات وموارد طبيعية مختلفة عن الموجود في بلادهم، فتمّت التجارة واستحق الأمر المغامرة. إذن كلام داروين خطأ عندما قال أن الدين يعجز أن يفسر لماذا توجد حيوانات في منطقة ولا توجد في أخرى مع أنها تشبهها في المناخ.

داروين يقول أن اختلاف الأحياء الموجودة في بيئات معينة عن أحياء أخرى في بيئات مشابهة لتلك البيئات هو دليل على صحة نظريته، تبعا لفكرته عن الانعزال والانتواع, وبنفس الوقت يقول أن تشابه الأحياء في البيئات المختلفة دليل على صحة نظريته بأن الأحياء من أصل واحد! كيف يكون الشيء ونقيضه دليلان على صحة نظرية واحدة؟ لو سألته عن القردة علوية المنخرين لماذا هي فقط غرب الأطلسي، لقال أنها انعزلت وتطورت, لكن لماذا الخيول في أمريكا تشابه الخيول الأخرى؟ سيقول أنها باقية على الأصل! إذن لم يعد الانعزال في أمريكا ذا قيمة بالنسبة للخيول، ولا للبعوض ولا للنمل ولا للنحل، لكن بالنسبة للقردة علوية المنخرين هو كل القيمة! كيف يكون الشيء له قيمة وليس له قيمة بنفس الوقت؟ هذه عقلية الاجتزاء، المفترض أن كل الأحياء في غرب الاطلسي تختلف تماما عن غيرها، لأنها منعزلة، وقوانين البيئة صارمة كما يقول. وهنا نقطة : أن مثل هذه الحشرات لا داعي لأن تختلف، لأن الانسان لا يعبأ بها ولا يستفيد من اختلافها، لكن القردة والحيوانات الكبيرة تشكل قيمة عند الانسان ثقافية وتجارية ووظيفتها الطبيعية واحدة. اذن كل شيء مسخر للإنسان، من خلال أدلة داروين نفسه. قال تعالى (سخّر لكم ما في السموات والارض جميعا منه). بالتالي نظريته يجب أن تكون صحيحة سواء اختلفت الأحياء بسبب الانعزال أو لم تختلف بسبب الأصل الواحد! إذن هي نظرية لم تقم على الأدلة، بل قامت على انتقاء الأدلة, وبينهما فرق.

وما مدى دقة داروين واحاطته بهذه الاحكام التي تشبه الجزاف عندما يقول ان في البيئة التي تصلح لكائن معين ولكن لا نجده فيها نجد فيها كائنا آخرً يحل محله؟ ثم كيف عرف ما لم تعرفه البيئة أنها تصلح لفلان ولكن سكن فيها علان؟ اذن البيئة تصلح للطوقان وتصلح لابي قرن، اذن لا يوجد حدود بيئية ضاغطة ومستحكمة كما يحب أن يصوّر لنا، وإلا لما عاش فيها أبو قرن بدلا من الطوقان. اذن هو وقع في نقض كلامه السابق في استحكام البيئة وشروطها. داروين ينقض نفسه بنفسه لكي يثبت ان أبا قرن متطور عن طوقان. ربما قصد داروين بهذا التساؤل أن يحرج الكهنوت الديني المسيحي الذي يقتضي بالمساواة بين المتماثلين، وأيضا قصد أن يعزز نظرية التطور بحيث تفترض أن ابا قرن تطور من الطوقان، لكنه افلت من شرطه باستحكام البيئة، لأن بيئة الطوقان عاش فيها كائن غير الطوقان ولم يعش فيها الطوقان، فأين الإغلاق؟ داروين أصبح مثل من يريد أن يمسك عتبتين من السلم بيديه فإذا بها تنكسر العتبة الثالثة التي يقف عليها أصلا .

(الدقيقة : 15) يذكر الدكتور انه بعد نشر أصل الأنواع بسنتين او ثلاث سنوات، ولحسن الحظ ، يشتري خصم داروين اللدود ريتشارد أوين مدير المتحف الطبيعي، احفورة، بمبلغ كبير من المال، وتعتبر من أنفس مقتنيات المتحف، وهي احفورة الزاحف-الطائر : الأركيوبتركس.

الرد : كيف يكون ريتشارد أوين عدو للنظرية وهو من أسس متحف التاريخ الطبيعي وأثبت وجود الديناصورات واشترى الأحفورة التي تمثـّل حلقة داروين المفقودة التي كان يحتاجها كثيرا في هذا الوقت، والتي ظهرت فجأة بعد نشر كتاب داروين بسنتين او ثلاث! هذا صديق في ثياب عدو وليس عدوٌ في ثياب صديق!

ألم يقف الشيخ الدكتور عند نقطة حماس الملاحدة لهذه النظرية ويجعله ذلك يتشكك بها وبأحافيرها ولو قليلا؟ إنها نظرية ليست بين علماء فقط, إنها داخلة في صراع اجتماعي بين مؤمنين وملاحدة, وهذا يفتح باب التزوير والأكاذيب, ونحن مؤمنون ومأمورون بالتثبت, و وجود فئة اجتماعية كبيرة متحمسة لدرجة التزوير في مجال علمي بحت، هذا يطرح بظلال الشك على كل ما يقدمونه.

(الدقيقة : 21 الثانية : 10) يذكر الدكتور ما استدل به داروين على نظريته من علم الأجنة، حيث تسائل داروين : (لماذا جنين الإنسان في مرحلة معينة من تطوره الجنيني يشبه أجنة كائنات حية أخرى، أقصد جنين الزواحف؟) ويذكر الدكتور أن التطوري الملحد الألماني ارنست هيكل قد وضع رسوما للأجنة فيها بعض المبالغة. وذكر الدكتور أن هذا شيء لم يبتدعه داروين، فهذا شيء معروف، ويسمى ما يحدث للجنين بنظرية التلخيص، اذ يُبرز الجنين في احد مراحل نموه الجنيني ما يشبه الشقوق والخياشيم، وكأنه جنين سمكة، ثم تزول. وهذا فحوى نظرية التلخيص، كأن الجنين وهو يعبر هذه المراحل يعيد التذكير بأسلافه القدماء.

الرد : هذا تطبيق على فكرة التشابه المنتج للجهل. ويقول الدكتور عن إرنست هيكل الملحد أنه رسم الأجنة "مع بعض المبالغة", مع أن هيكل زوّرها واعترف هو بتزويره وتعريفه مسجّل! ولم يكتف بالاعتراف على نفسه، بل اعترف على غيره، وأستغربَ هو نفسه من هذه الضجة عليه لوحده دون بقية التطوريين المزوّرين الآخرين! فهُم إلى الآن يزوّرون, بل صار صنع الأحافير صنعة و تجارة رائجة، لأنه لا يمكن الاستدلال على عدم صحتها إلا من بعض الأخطاء التي يقع فيها الصانع, فإذا كانت صنعة المثّال ممتازة بدون أخطاء فهذا يعني أنه نجح في تغيير التاريخ العلمي! إذن العلم متوقف على براعة المزوّر ليس إلا. لهذا أقول أنه يجب أن يُبعَد موضوع الأحافير من البحث العلمي نهائيا اذا كنا نحترم العلم اكثر من الالحاد ويرجع لمكانه الطبيعي كعمل فني أو يُؤخذ من باب الاستئناس إذا اتفق مع ثوابت العلم، وليست كدليل علمي بحد ذاته يحرف مسار العلم بالكامل! لأنك بهذه الطريقة تعلّق مصير العلم على براعة مزوّر في عدم كشف تزويره! وذلك التزوير قد يضلل مسار العلم لسنين طويلة وتخسر البشرية الكثير، فكلما انحرف العلم خسرت البشرية الكثير. فالشيء الذي لا يمكن إثباته علميا يجب ألا يُتخذ كدليل علمي. يجب الحزم في مجال العلم حتى لا ينحرف إلى الخرافة. وحتى تصحيح جماعة من العلماء لأحفورة لا يكفي دليلا على صحتها، كل ما في الامر أنهم لم يجدوا ما يثبت التزوير، أي لم يجدوا أخطاء، وهذا الشيء يحدده براعة المزوّر كما قلنا، والعلم لا يقوم على طريقة اكتشاف أخطاء المزوّر، فإذا أمكن الإكتشاف فهي مزوّرة وإلا فهي صحيحة! وهذا هو واقعهم مع الأسف، وقد تأتي فترة لاحقة تتطور فيها أجهزة الكشف، فماذا سيكون موقفك وقد قلت أنها صحيحة 100% ؟ نفس ما حصل لاحفورة انسان بلتداون والدراسات والشهادات العلمية التي منحت عليها ولمدة خمسين سنة، وفي الاخير اكتشف انها احفورة مزورة. لهذا يجب على العلماء ان ينأوا بأنفسهم عن إقحام الاحافير في مجال العلم، وتكون فقط للإستئناس بها كأدلة إضافية وليست أساسية كما يفعل الدراونة، بسبب تكرر التزوير في هذا المجال وصعوبة اكتشافه. والعجيب أن الجيولوجيين التطوريين يقيسون عمر الصخور من عمر الاحافير فيها، ويقيس الاحيائيين التطوريين عمر الاحافير بعمر الصخور التي تحويها، أي بالعكس ، وبالمنطق الدائري. لهذا قد تختلف الارقام اختلافات هائلة مع أنهم علماء وكلهم يتمتعون بالدقة، ودعك من اختلاف الارقام.

والعجب العجاب انهم كلما طرحوا موضوعا وجدوا عليه احافير في الوقت المناسب والمكان المناسب ! إن من أصعب الاشياء أن تبحث عن شيء معين حتى ولو في بيتك، فما بالك أن تبحث عن شيء في خيالك ثم تجده في الواقع بعملية حفر بسيطة لا تتجاوز المترين؟ وقريبا من داروين، إما في بلتداون او في ألمانيا الجارة. لاحظ أن الأحافير المبكرة للديناصورات ظهرت قبل نشر كتاب داروين بفترة بسيطة وبعدها بفترة بسيطة، أي في الوقت الذي كانت النظرية فيه تختمر وتُجهّز، كانت الاحافير تجهّز ايضا، هذا الديناصور الذي لم يُكتشف عبر القرون الماضية، وفقط عندما كان كتاب داروين يعدّ للمطبعة ظهرت الاحافير! ثم كيف يقال أن جسم وعظام وشعر الماموث باقية بحفظ الثلج، بينما لو بحثنا عن قبور وعظام أهل المنطقة ستجدها متحللة لم يحفظها الثلج؟ مع أنها في عمر اقصر من عمر الماموث، لأنه توجد بكتريا محلِّلة تعيش في الثلج. فكرة الأحافير بحد ذاتها مضادة لقوانين التحلل في الطبيعة.

أما بخصوص نظرية التلخيص الجنيني، فالكلام عن الأجنة ونظرية التلخيص دليل سخيف, فقط لأن شكل الجنين البشري يشبه حيوانا معينا فصار هذا دليلاً على أن أصله كان حيوانا! أًصلا التحول المورفولوجي من شكل الخلية الملقحة إلى شكل الجنين متكامل النمو يتطلب المرور بأشكال هندسية يجب المرور بها من أجل الوصول للشكل المطلوب, فلن تتحول الخلية الملقحة إلى جنين متكامل فجأة, بل لا بد أن تزداد في الطول قليلا ثم تتقوس ثم تكبر من جهة الرأس وهكذا. والعمود الفقري لا بد ان يبنى دفعة واحدة لأنه خرزات مثل بعضه، وهو الهيكل الأساسي والعمود الفقري كما يسمى، فيكون على شكل ذنب. وحتى الزواحف يظهر عمودها الفقري أولا، لأنه سيبنى عليه الباقي. تماما مثلما تريد ان تصنع سيارة، فيُصنع الشاصيه أولا، والذي هو قضيبين معدنيين بطول السيارة، ثم تركّب عليه بقية قطع السيارة، لأنه هو الحامل لها. 

داروين ينظر للأجنة وهي في طور المضغة فيقول : انظر! إنها تتشابه! إذن نظرية التطور تحدث كل يوم! و كأن المرأة الحامل متحف للتاريخ الطبيعي متنقل! وهذا ما سمّوه بنظرية التلخيص. طبيعي أن تتشابه الأجنة في بداية تكوينها كما تراها العين، لأنك تحكم على المَبنى قبل أن يكتمل المخطط! وبالتالي كل البيوت تتشابه عندك في بداية تنفيذها، إذن هي تحمل نفس المخطط لكن طرأ التعديل عليها لاحقا، فما علاقة هذا بفكرة التطور؟ داروين يتصادم مع المنطق كثيرا دون أن يدري. وهكذا كل من يتبع التشابه، فالتشابه لا يؤدي إلى علم بل يؤدي الى جهل. في الحقيقة أن بيتي يختلف عن بيت جاري حتى وهو في مراحله الجنينية، لأن مخططي يختلف عن مخططه, لكننا نتشابه في مراحل التكوين الأولى, إذن وقعنا في مشكلة التشابه السطحية التي عودتنا نظرية التطور أن تنظر للأحياء من خلالها، مثلما عودتنا أن تنظر لتشابه الإنسان مع القرد. ومن يبني على تشابه يبني على الجهل.

(الدقيقة : 22 الثانية : 5) يذكر الدكتور أن التطوري الملحد ارنست هيكل عندما طرح السؤال : من أنا ؟ ومن أنت ايها الإنسان؟ أجاب : أنا قرد ، أنا تمساح ، أنا سمكة ، وأنا الخلية البدائية الأولى.

الرد : أنا قرد .. ثم أنا تمساح .. ثم أنا السمكة.. ثم أنا الخلية الأولى.. لم يبق إلا أن يكمل البقية : أنا قادم من لا شيء بصدف عمياء ولا يوجد إله! هذا معنى كلامي أن الإيمان بنظرية التطور هي نصف الإلحاد, لأنه لا يدفعك لأن تقول : سبحان الخالق، بل تقول : ما أعجب الصدف العمياء، وهذه كلمة ملحد. في كل مسلسل التطور هل تستطيع أن تقول : سبحان الخالق؟ إن قلتها فأنت غير منطقي مع نفسك, وأنت تؤمن أنها جاءت بأخطاء وصدف عمياء وانتخاب طبيعي. إذن متى نقول : سبحان الخالق، حسب نظرية الدكتور؟ فقط عند الخلية الأولى التي يؤمن بأن الله خلقها, وبعدها مفيش "سبحان الخالق" .. حتى خلق الإنسان لا فضل للإله فيه بموجب كلامه، لأنه لم يفعل شيئا، بل الانتخاب الطبيعي والصدف العمياء والأخطاء الجينية هي التي صنعت الإنسان كما هو الآن. إذن السؤال نوجهه للدكتور نفسه الآن : الله ماذا خلق؟ خلية أولى فقط؟ مثلما خلق البيضة الكونية الأولى فقط؟ هل في هذا تعظيم للخالق أم تقليل من شأنه؟ هذا ما يفعله الإيمان بالنظريات الملحدة الغربية : التقليل من شأن الخالق وتهيئة الإنسان للتخلي عنه, فيكون الله لم يخلق إلا بيضتين : البيضة الكونية الأولى، وبيضة الخلية الأولى! على المؤمن أن ينتبه ولا ينساق وراء نظرياتهم المؤدلجة والمغرضة لهدف الإلحاد. (وما قدروا الله حق قدره) (تبارك الله أحسن الخالقين).

الله يقول في القرآن : (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) وقال تعالى (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير). والدكتور يقول أنه خلق بيضة أو خلية أولى ! إذن نظرية التطور ضد الإيمان وتسقطه وتنحي الخالق إلى مناطق لم تصلها نظرياتهم فقط. الإيمان بالداروينية يجعل إيمان المؤمن ضعيفا وهزيلا, وتُظهِر الله كأنه لم يفعل شيئا ذا بال, فالقارات هي التي نزحت بنفسها، بل الأرض هي التي تكونت بنفسها، والشموس تكونت من نفسها، والحياة تكونت من نفسها وتطورت من نفسها, ماذا بقي للإله؟ بقي له أصل البيضتين : بيضة الوجود وبيضة الحياة, بيضة الوجود هي تلك البيضة التي وزنها صفر وأنتجت هذا الانفجار الكبير, وبيضة الحياة هي تلك الخلية البسيطة التي خلقها الله ونشأت وترعرعت في مستنقع آسن وتعقّدت وتطورت ثم خرجت مقدمةً لنا كل هذه الضروب الهائلة من تنوع الحياة، منها ما يمشي على رجلين ومنها ما يمشي على أربع ومنها ما يطير ومنها ما يغوص في الماء. أي أن الله له الخلق البسيط ولغيره الخلق المعقد! تلك إذن قسمة ضيزى! هل هذا تكريم أم احتقار لله تعالى الله و جلّ قدره؟

الإيمان بالانتخاب الطبيعي نصف الوثنية، لأنه يجعل من الطبيعة والجمادات خالقة ومطوِّرة وهي التي نوّعت تلك الخلية البسيطة التي خلقها الله, وبالتالي الإيمان بالتطور نصف الشرك, لأنه ينسب الأجزاء المهمة في الخلق لغير الله من جمادات أو أحياء لا تضر ولا تنفع, وبالتالي الله له شريك بالخلق, بينما الله يقول {ألا له الخلق والأمر}، وهنا نصف شرك، لأنه تم اعطاء صفات الله لأحد آخر غيره مع إنكاره هو، وايضا فيه تكذيب لخبر القرآن أن الله هو الخلاق، ونظرية التطور لا تظهر أنه خلاّق، أي تنكر صفة الخلق وتكفرها. إذا كنت مؤمنا بالتطور فكل هذا الإبداع والجمال لم يخلقه الله، بل جاء بالصدف العمياء. وفي هذا تكذيب لخبر القرآن أنه وحده الخالق ولا شريك له ولم يذكر شريكا له في الخلق، لكن الإيمان بالتطور يفضي إلى الإيمان بشريك له عاقل أيضا هو الانتخاب الطبيعي، أي أن الطبيعة تعمل بدون أمر الله، لذلك هي تخطئ وتصيب وتـُفني ما لا يصلح وتـُبقي ما يصلح، وهكذا يظهر كأن الله يخطئ ويصيب في خلقه وليس أمره كن فيكون، أي كأنه يجرّب. ومن يجرّب ليس كامل العلم، تعالى الله.

نصوص القرآن كثيرة وواضحة جداً في نسبة الخلق إلى الله وحده, قال تعالى (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) وقال (ألا له الخلق والأمر) وقال (يخلق الله ما يشاء) وقال (هو الله الخالق البارئ المصور) وقال (أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) وقال (إن ربك هو الخلاّق العليم) وقال تعالى (أولم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شيء) وقال (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار) وقال (أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل) وقال (قال ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى) وقال (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين) وغيرها كثير من الآيات التي تثبت ذلك. والتطور والانتخاب الطبيعي ضد هذه الفكرة القرآنية, فهل نؤمن بالقرآن أو نؤمن بداروين الملحد؟ هنا يجب أن نختار, وأن نُعمِل عقولنا ولا نقدّس أحدا ولا نثق بأي أحد حتى نتأكد بأنفسنا، لأن المسألة مسألة عقيدة.

اعتقاد تراجع الإله في الخلق و في التدبير يجعله متراجعا وبعيدا في التشريع و في الحضور, والبعيد لا يدري عن تفاصيل حياتنا، وبالتالي لا يوجد عقاب ولا ثواب, وهذا ما تريده الليبرالية والعلمانية, وهو إفساحٌ للظلم - حسب المصالح - أن يكون سيد الموقف وتتراجع الأخلاق مع تراجع الإله ويصير البقاء للأقوى حقا طبيعيا ويكون له الحق أن يظلم متى شاءت مصلحته دون أن يشعر بالذنب، والرأٍسمالية هي أقوى الجميع, لأن الإله غائب منذ ملايين السنين .. فهو فقط ألقى الخلية الأولى وغادر! وكأن الرسالة هي : "أبعد الله عن وجودك، لا يكن قيدا عليك، فهو غائب منذ ملايين السنين، والحياة تسير بآلية وتتنوع بآلية بعيدا عن الإله كما يقول داروين العظيم إلحاداً وليس علماً".

هذا يجعل المؤمن بالله والذي يمشي بتشريعه وكلامه يتحول إلى لاديني يؤمن بإله بعيد عن الأحياء والكون ولا يتابعه ولا يعرف عنه شيئا لأنه أعظم منه شأنا, وهكذا يخرج الإله من الساحة، وهذا ما يريده الملاحدة, فسواء آمنت بوجوده أو لم تؤمن فالمهم أن يخرج وأن يتحول المؤمن به إلى مؤمن لاديني أو ملحد, والثاني أفضل و في كلٍّ خير - حسبما يريدون - .

(الدقيقة : 29 الثانية : 20) يقدّم الدكتور تلخيصا لما تحدث عنه حول الاجنة، ويذكر أن داروين يقول أن الجنين هو الحيوان نفسه لكن في أقل حالة معدّلة له، وبعد ذلك يجري التعديل عليه، اذ أن التطور كما يعبر عنه داروين، هو الانحدار (انحدار السلالة) مع التعديلات، لذلك فالجنين في أقل حالة معدّلة له سيعيدنا إلى أصله القديم، بمعنى أننا سوف نرى تشابها بين أجنة الحيوانات المختلفة، فهي اذا كبرت ستختلف، ولكنها في هذا الطور لا تختلف، وهذا يعني التطور.

الرد : كلام داروين هذا يجعلك تقول أن كل النطف في الأحياء متشابهة ثم تبدأ تختلف عن بعضها, وهذا غير صحيح علميا, فجينات نطفة الإنسان ليست مثل جينات نطفة السمكة أو التمساح, إذن هي لا تتشابه إلا شكليا فقط, فخلية الإنسان الملقّحة فيها الإنسان نفسه وليس فيها سمك، لكنّه لم يُنفّذ و سوف ينفّذ بالتدريج, وخلية السمكة الملقحة فيها سمكة بتفاصيلها لكنها لم تنفذ بعد, وأثناء التحولات لا بد أن تمر بعدة أشكال لكي تصل إلى الشكل المطلوب, هذا يشبه من ينظر إلى كتابين على أنهما متشابهين شكلا، لكن المضمون مختلف. هذا منطق هندسي يوجد في كل شيء وليس فقط في الأجنة, فلو تريد أن تحني قضيبا حديديا لتجعل أطرافه تتلامس لا بد أن تمرّ بزاوية 45 درجة مثلا و تمر بزوايا كثيرة, وإلا فكيف ستصل إلى هذا الشكل؟ عند تشكيل أي شكل فأنت تُخرجه عن التشابه من شيء إلى شيء آخر في كل مرحلة, فلا بد في مراحل تكوين أي شكل أن يمر بحالة تشابه مع غيره, حتى لو تريد أن ترسم قطا مثلا ومن يراقبك يخمن ماذا تريد أن ترسم, أنت لن ترسم القط دفعة واحدة سترسم دائرة مثلا ثم تضع فيها عينان، وهذا الشكل يشبه كل الحيوانات وليس فقط القط! ثم ترسم له أذنان وأقدام وذيلا مستقيما واقفا فيتبين أنه قط بعد أن مرّ بمراحل تشبه القط والإنسان والكلب والأسد والنمر..إلخ. مثل برعم النبتة الابيض الذي يخرج من التربة، لا تستطيع أن تحدد نوع نبتته إلا في مراحل متقدمة. لهذا قلت في البداية أن هذا دليل سخيف ومتكلف. 

ثم من ناحية منطقية : الشريط الوراثي يعمل لبناء إنسان, فكيف يبني تمساح أو يبني سمكة ثم يتراجع؟ هل يوجد في الجينات مخطط سمكة ثم يلغى ثم يتحول لتمساح ثم يلغى ثم يتحول لقرد ثم يلغى ثم يتحول لإنسان؟ كم يحتاج لشريط وراثي حتى يقوم بهذه العملية التي لا فائدة منها؟ ألم نقل أنها نظرية مبنية على التشابهات أصلا؟ فلو أن القرد له ريش و يطير لما جعلوه سلفا للإنسان ولَسَلِم من هذه المؤامرة. لكن مشكلته أنه يشبه الإنسان من ناحية أجزاء في الشكل وليس كل شكله، فوقع في مصيدة التطور. الخنزير يشبه الإنسان في ندرة الشعر على جسمه لكنه يمشي على أربع, إذن لا يصلح, والببغاء يستطيع أن يتكلم مثل الإنسان لكنه طائر صغير, إذن لا يصلح سلفا مشتركا, إذن لم يبق إلا القرد. والذي في حقيقته يشبه القوارض أكثر من شبهه بالإنسان في سلوك حياته وطبيعة معيشته وسرعة حركاته وصوته وفروه ويتغذى بنفس غذاء القوارض ويعيش في المناخات التي تعيش فيها, وعيونه تشبه عيون القوارض وليست تشبه عيون الإنسان وصوته وصراخه الحاد يشبه صوتها, والتي بدورها لها خمسة أصابع مثل القرد والإنسان وتعيش في الأشجار والغابات، وبعض انواع القرود الصغيرة الحجم تشبه الفئران.

(الدقيقة : 30 الثانية : 12) يذكر الدكتور ضمن حديثه عن علم المورفولوجيا، أن داروين يقول عن هذا العلم : أنه روح التاريخ الطبيعي، لكي تفهم تاريخ الكائنات وتطور الكائنات وتقارن بينها.

الرد : هذا إقرار واضح وصريح من صاحب النظرية نفسه أن التطور مبني على فكرة سطحية وهي التشابه في الشكل الخارجي. ودائما المضمون أهم من الشكل، وكيف تبني علما من الشكل إلا من خلال التشابه الشكلي.

(الدقيقة : 33 الثانية : 20) يذكر الدكتور تفسير أصحاب نظرية الخلق الخاص في وحدة النمط المشتركة مع بعض الكائنات الحية المختلفة، مثل الاصابع الخمسة واشكالها المختلفة لدى الانسان والخلد والخفاش وغيرها، أن الخالق يميل إلى الإقتصاد، فهو يصمم شكلاً أساسياً ثم يُخرِج منه أنواعاً مختلفة ناتجة من الشكل الاساسي، وهذا يعتبر تنويعا وليس انتواعاً.

الرد : تفسير ذلك بأن الله يميل إلى الاقتصاد يلمح إلى أن الله يعجز أن يبدع أشياء جديدة، فيقتصر على الموجود ولكن يبدع فيه بتنويعه، وهذا يجرح العقيدة بكمال الله وقدرته اللامحدودة على خلق ما يشاء وكيفما شاء. إن دلت هذه التراكيب المتشابهة على شيء فإنما تدل على وحدة المصمم وهو الله سبحانه. وهذا خلاف ما أظن، فأنا لا اتفق مع هذه الفكرة وإن كانت من أفكار مناوئين للتطور، لأن التشابه في الأشكال يقتضيه التشابه في الوظائف أو حتمية الوظيفة، ولا يعني هذا أن الخالق يريد الاقتصاد كما يفعل الرأسماليون. شكل الغزال يشبه شكل الغنم وقريب من شكل البقر والوعول وبقر الوحش والمها، كل هذه وظيفتها أصلا متشابهة، وهي رعي الحشائش، ولكنها ليست موحدة، فالأغنام لا تستطيع أن تأكل نباتات المستنقعات، لكن البقر تستطيع ذلك، والضأن لا تحب أن تتسلق الأشجار والجبال الوعرة، لكن الماعز ترى جنتها في هذه الأشياء، لذلك يختلف هيكل الماعز عن هيكل الضأن، فالماعز لا يربي شحما على جسمه، لأن هذا سيعيقه عن القفز، أما الضأن فهو يربي شحم الإلية والظهر لأنه لا يحتاج لتسلق الجبال والاشجار، بل حتى وجه العنز نحيف مع الجانبين ويشبه الفأس، ليدخل بين الأغصان ويلتقط الأوراق من بين الاشواك، لكنها كلها في الأخير وظيفتها الرعي، لكن الرعي نفسه أنواع وليس شيئا واحدا، ففيه تخصصات، وكل تخصص يضع بصماته على الشكل. ولهذا تجد لها أكثر من معدة وتجتر، وأكلها اكثر من اكل غيرها، بل اكل المواشي يعتبر اكثر من اكل مفترساتها، لماذا؟ لأن عملها كثير، فوظيفتها تقتضي الاكل الكثير وليس بسبب قلة الغذاء فيما تأكل كما يتوقعون، وسمادها لا يُقارن كثرة بسماد الذئب او الكلب او القط مثلا، فهذا السماد يحتاجه النبات.

الأصابع الخمسة أنسب ما تكون للإحاطة بشيء كروي الشكل أو شبه كروي، فالأصابع الخمسة للخفاش تساعده على فرد جناحيه، خصوصا وأن جناحيه بلا ريش، وكذلك يصنع كورة حول نفسه باستخدام أجنحته، لأنه يغطي نفسه بجناحيه عند المطر وعند النوم. كذلك الإنسان يحتاج الأصابع الخمسة لكي يقبض على شيء مكوّر، ولا تستطيع أقل من خمسة اصابع ان تحيط بشيء كروي. لهذا الوظيفة تحدد أماكن الأصابع وطولها، خصوصا الإبهام، فإبهام القرد مبتعد عن الأربعة بشكل واضح، لذلك لا يستطيع أن يستخدم يديه كما يستخدمها الانسان، لكنه يستطيع استخدام الإبهام لمهام أخرى تتعلق بالتسلق أو الصراع، مثل مخلب القط الخامس المتراجع أكثر من إبهام القرد، وهذا يفيده كثيرا في القتال والدفاع عن النفس، لأنه لا القرد ولا القط وظيفتهما القبض والإمساك، إن يداهما لم تخلقا لكي تعملان، لكن الإنسان لأن له عقل ناسب له أن تتشكل يده على شكل كرة لكي تمسك الأشياء من كل الجهات وتتحرك وتتشكل بأشكال كثيرة، هذه اليد البشرية هي التي بنت الحضارة، لكن لا قيمة لها بدون العقل.

القرد لا يستطيع ان يقبض على المطرقة، بينما الإنسان بأبعاد يده المتناسبة يستطيع أن يمسك بالمطرقة وبالقلم بل وبأشياء أدق منهما، لأن لديه عقلا وتمييزا، فتخيل أن يده لا تستطيع أن تقبض على الأشياء، ماذا سيستفيد من عقله؟ لو ابتعد إبهامه قليلا لما صنعت حضارة ولا شيء من هذا القبيل. وتخيل أن القرد يستطيع القبض على الأشياء، ماذا سيستفيد وهو ليس له عقل كعقل الإنسان؟ هناك توزيع دقيق وعاقل لا يأتي عبثا.

لاحظ التشابه في المفترسات مثلا، كلها بأنياب ومخالب معقوفة حادة، وهيكل انسيابي وشعر ناعم خفيف وقصير وأملس حتى لا يتعلق بالأشياء وينزلق منها، وبطانة أقدامها ليس لها حافر حتى لا تنتج صوتا. كل هذا مهيأ للإفتراس، لكنهم يختلفون عن بعضهم في نوع الافتراس، مثلما اختلفت المواشي في نوع الرعي، فهناك شيء يدعى وظيفة (عامة)، وهناك شيء يدعى نوع وظيفة (تخصص). فالفهد بشكل عام مفترس، لكن تخصصه بالافتراس في المساحات الواسعة وأغلب طرائده من الغزلان، لأنها هي أسرع المواشي، فأصبح هو أسرع المفترسين، وجسم الفهد ينبيك أنه حيوان سريع ويستطيع المراوغة والالتفاف بسبب طول ذيله الذي يعادل جسمه أثناء المراوغة، ويستخدم يديه في الافتراس، لأن طريدته سريعة وقافزة، فبيده يستطيع أن يخل توازنها أثناء الجري فتسقط من الخلف، وبما أنه يستخدم يديه اشتغل قانون القصر، وهو من القوانين التي أرى أنها مهمة في هذه النظرية البديلة في تحديد التوازن وعدم الطغيان، فلأن فمه قصير فلا يستطيع أن يستخدم أسنانه في الافتراس إلا بعد تثبيت الضحية، فلو أن خطمه طويلا كالذئب وهو يملك كل هذه البراعة والسرعة لضرّ في التوازن.

قانون القصر هو السر في التوازن البيئي، فكل شيء مقصور وبنفس الوقت متمدد، فكل شيء له ميزة لكن له قصر يقف عنده، فالكلب والذئب يستخدمان خطمهما الطويل للافتراس، لكنهما لا يستخدمان أيديهما إلا للحفر، ففائدة الأظافر الحفر. وخطم الذئب أطول من خطم الكلب، وذيل الذئب أطول وأكثر شعرا من الكلب، حتى يوازنه في المراوغة، وهذا غير ذيل الكلب. والعُقاب يستطيع أن يصيد الذئب بإدخال مخالبه في فمه حتى يموت، لأن الذئب لا يستطيع استخدام يديه في الدفاع عن نفسه، مستغلا قانون القصر عند الذئب، ومخالب العُقاب قد دخلت في داخل فم الذئب ولا يستطيع العض، لكن هل هذا العُقاب يستطيع أن يصيد نمرا أو أسدا؟ لا يستطيع، لأنهما يستخدمان يديهما في القتال، فالعُقاب يعرف نقطة ضعف الذئب، وبشكل أدق يعرف نقطة القصر لديه.

قانون القصر عمل في الكلب والذئب فأضعف عمل يديهما، بينما في القط والفهد صغّر خطم رأسهما. البقرة لا يمكن أن تعضّ أحداً لأن ليس لديها أسنان في فكها العلوي، لكن خطورتها في النطح، بينما الحمار والحصان قد يعضّان. البقر بيئتها الطبيعية حول الأنهار و في المستنقعات، لأنها تتغذى على النباتات التي تنمو حول الأنهار والمستنقعات وتفضلها كثيرا، وهذه وظيفتها. حوافر البقرة غير حوافر الغنم، فحوافرها مشقوقة لكنها طويلة وآخذة بالشكل الأفقي الهلالي حتى تمشي في الوحول، بينما الماعز على شكل مثلث وقصيرة، لكي تقف على حافة الصخر، أما الضأن فبيئتها الرعي في السهوب،

التشابه بالأصابع الخمسة بين الانسان والخفاش تشابُه عددي وليس شكلي. والوظيفة هي التي شكلت الخمسة أصابع تشكيلا مختلفا، لأن كل الخلق غائي وظيفي وليس عبثي ولا صدفا عمياء. فالخفاش يحتاج أن يفرد جناحيه لكي يغطي كامل جسمه، وهذا تقوم به الخمسة أصابع أفضل مما تقوم به أقل من ذلك. وجناح الخفاش لديه وظائف أكثر من وظائف جناح الطيور ذات الريش، فهو فراشه وغطاؤه المضاد للتبلل، وجناحه الجلدي هذا يحتاج للفرد وإلا فلن يطير. و أي فَرْد يقوم على أساس الدائرة، حتى لو لم يكن دائرة تامة هندسيا، مثل أوراق الشجر بعضها يأخذ شكل دائرة وبعضها يأخذ شكل مخروطي، على حسب الوظيفة، لكن كل ورقة شجرة مؤسَّسة لكي تكون دائرة. مثل العجينة التي تفردها على أساس أنها دائرة، لكنك تشكلها بأشكال أخرى لا تخرج عن الدائرة في أساسها، كأن تكون على شكل قطع ناقص مثلا أو غيرها من الأشكال الدائرية. فجناح الخفاش جلدي رقيق، فيحتاج للفرد، ولهذا احتاج لخمسة عظام.

هؤلاء يقولون أن الله يوفّر مجهوده، وداروين يقول أن أصلهم واحد، ونحن نقول أن الوظيفة تحتم ذلك، والقارئ يختار ما يراه اقرب للواقع والعقل.

(الدقيقة : 38 الثانية : 52) يذكر الدكتور كيف أجاب داروين والتطوريون من بعده على سؤال : كيف يستبقي الانتخاب الطبيعي عضواً لم تظهر فائدته للكائن بعد؟ مثلاً العين، يقول التطوريون أنها تطورت في أربعين مرة، وهذا يعني أنها في مراحلها الاولى لم تكن عيناً، بل أصبحت كذلك بعد مئات ألوف أو ملايين السنين، فما فائدة الشيء الذي لم يكن عيناً؟ فالانتخاب الطبيعي يستبقي أي شيء مفيد يعطي تكيفاً للكائن، وهذه الميزة التكيّفية غير ظاهرة! ولتكن أول ما بدأت به العين عبارة عن خلايا حساسة للضوء، هذه الخلايا الحساسة للضوء لا تَرى، أي كأنها عبارة عن عُشُر عين وليست عينا مكتملة. أجاب داروين ومن بعده من التطوريين عن هذا بأنه لا توجد مشكلة، فعُشُر عين أفضل من لا شيء. فعلى الاقل هذه الخلايا الحساسة للضوء تجعل الكائن يشعر بالضوء، وهذا يكفيه. والجواب النهائي على هذه المسألة أنه توجد إثباتات - لدى أنواع من الرخويات لا تزال حية وموجودة - لهذه المراحل المختلفة لتطور العين عند كل رخوي منها، وكلها نافعة، فبعضها يحوي على عُشُر عين، وبعضها على أكثر من عُشُر، وبعضها على نصف عين، وبعضها على ثلاثة أرباع عين، وبعضها على عين كاملة.

الرد : كل مخلوق هو على أحسن أحواله ولا يوجد حيوان قاصر, ألسنا نعيش في مرحلة من مراحل التطور المستمر؟ هات حيوانا يفتقر لعضو معين حتى نصدق بهذه النظرية الخرافية. هذا ليس جوابا مقنعا على سؤال معضل بالنسبة للداروينية وهو كيف نشأت العين. وجود الحياة أكثر تعقيدا من العين نفسها! كيف صار الكائن حيا؟ يقولون أن الأحياء بدأت من البسيط إلى  الصعب, وأصعب شيء إلى الآن هو الحياة نفسها! نظرية سطحية فعلا! ما دام أن الأصعب وُجد أولاً، إذن من باب أولى أن تكون معه توابعه كالعين والأذن وغيرها, وهذا ينسف التطور كله، لأن الأهم وُجد أولا وهو الحياة, فليست هذه الأعضاء هي المعضلة، بل المعضلة هي الحياة! فالحياة هي الشيء العجيب ومعلومات الإنسان صفر في هذا المجال البسيط جدا عند الملاحدة الذين يكفرون بالأمور العظيمة وكأنها لا شيء. يحيّرهم موضوع العين ولا يحيّرهم موضوع الحياة! وهي لغز الألغاز والتي تحدى القرآن فيها الناس وعلومهم أن يعرفوا مقدار ذرة فيها أو أن يخلقوا ذبابة أو أن يُرجعوا روح أحد بعد أن خرجت, يقول تعالى : {فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين} وقال {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}.

وما دام أن الأهم والأصعب والأعقد والأخطر وُجد أولا وهو الحياة، إذن الباقي لا مشكلة! أوجدها اللطيف الخبير الذي على كل شيء قدير. ما كان الله ليخلق حياة عمياء تتخبط, وهو الذي خلق وقدّر وهدى، قال تعالى {ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} دفعة واحدة {قليلا ما تشكرون}, وإلا فما فائدة أن نُخلَق ونحن بلا سمع ولا بصر ولا أعضاء ولا حركة؟ الله رحيم بمخلوقاته لا يتركها عبثا بأيدي الصدف وهو القادر على كل شيء.

يقول التطوريون أن عُشُر عين ينفع, لكن ينفع من؟ عُشُر عين لا ينفع طائر مثلا, هناك أحياء تعيش في التربة وأعماق المحيطات بعضها أعمى وبعضها عنده قليل من البصر ليتحسس الضوء فقط, أي يبصر على قدر حاجته، والنسر يبصر على قدر حاجته، مثل اختلاف الأحياء في السرعة مثلا، فالسرعة على قدر الحاجة، فسرعة الحلزون هي المناسبة له، وسرعة الغزال هي المناسبة له. فربع عين : بالنسبة لمن؟ بالنسبة لعين الانسان؟ أم بالنسبة لهذا المخلوق وحياته؟ إذن لا تسمى ربع عين. اذن قل عن الانسان أنه يملك ربع عين بالنسبة لعيون الصقور، وسوف تتطور إلى أن يبصر الانسان أكثر من الصقر! على طريقة أحلام الدجاج. لماذا تُسمّى عشر عين؟ هذه تسميات غير علمية، العشُر بالنسبة لمن؟ مخلوقات تعيش مندسة في التراب : ما حاجتها لعين صقر؟ أما أن يُعطى الحيوان المندس في التراب عين صقر وهو يعيش مندسّا تحت التراب فما فائدتها له؟ إذن العلم نفسه ضد نظرية التطور، لأنه يثبت لأحياء يقولون عنها بسيطة قدرات هائلة لا توجد عند الأحياء المتطورة, مثلما عند الحشرات أساليب وقدرات ليست عند الأحياء الأكثر تطورا, لماذا لا تستخدم القرود الكهرباء كبعض الأسماك؟ أو سوائل مغليّة يقذفها على خصومه كبعض الخنافس؟

إذن كلمة "تطور" تحتاج إلى خط نهائي لتصل إليه, ما هو الحد النهائي للتطور؟ لا يوجد، وما هي أكثر الأحياء تطورا؟ هل هو الإنسان؟ عين النسر أفضل من عين الإنسان، وهو يطير والإنسان لا يطير, هل الإنسان يعدو مثل الغزال أو يسبح مثل السمكة؟ من المتطور أكثر؟ إذن هي نظرية عائمة بلا منطق. كلمة "تطور" تشبه كلمة سباق لكن بلا نهاية, هل يسمّى سباقا؟ لا يكون السباق سباقا حتى يحدّد مكان وزمان لنهايته، وإلا لا تُستعمل الكلمة، ونفس الأمر للتطور, فالتطور سباق إلى غاية محددة, ما هي غاية التطور؟ إذن التطور خرافة في خرافة. ونحن نعيش في مرحلة تطورية, لا نستطيع أن نثبت أن مخلوقاً سواء صغيراً أو كبيراً بحاجة لشيء معين, فهل اكتمل التطور وأنتم تقولون أنه لم يكتمل؟ إذن كيف يكون هذا التكامل في فترة معينة مع أنها ليست نهائية في التطور؟

ما هو الحيوان المحتاج للتطور الآن؟ ألسنا في مرحلة من مراحل التطور؟ المفترض أن كل الحيوانات المهددة بالانقراض إما أن تتطور أو أن تهلك، عليها أن تتدبر وضعها في جحيم الصراع هذا، ولم يثبت أن شيئا منها تطوّر، فقط يضعونها في محميات، ويقدمون لها نفس أكلها ونفس نمط حياتها او بيئتها حتى لا تنقرض.

(الدقيقة : 41 الثانية : 6) يذكر الدكتور أن داروين يقول : لو أن ريشا يوجد في زاحف لم يصبح طائرا بعد، فهذا لا يعني أن الريش وُجِد ليكون موجودا في الجناح، خلافا لما يقوله اصحاب نظرية التصميم والخلق، بل لأجل التدفئة وعزل الهواء.

الرد : قبل أن ينبت الريش، كيف كانت تحمي نفسها وتدفئ نفسها؟ ولماذا لم تنقرض قبل ذلك؟ أليست القوانين حتمية؟ قليل من المنطق. هل عاشت كل هذه القرون وتناسلت وهي بلا ريش؟ ولم تتأثر حياتها؟ وعندها نقص في التدفئة؟ اذن ما الذي كان يحميها من البرد قبل أن ينبت لها الريش؟ سؤال منطقي. إذا عندها شيء يحميها، والمنطق يقول ذلك لأنها لم تنقرض، إذن ما فائدة ان ينبت لها ريش لكي يدفئها؟

كلام داروين غير صحيح, الريش خفيف وعازل للهواء, كان بإمكانه أن يدفئ نفسه بالشعر والشحم، وهو أفضل من الريش للتدفئة, والانتخاب الطبيعي ينتخب الأفضل ويُسقط ما لا فائدة منه، والصوف أفضل من الريش، لدرجة أنه قَرَضَ أنواعاً بكاملها من الوجود لأنها غير صالحة! فكيف يُبقي ريشا لا فائدة منه؟ والانتخاب الطبيعي يحارب ما لا فائدة منه بسيفه الصارم. وجود ريش يعني وجود طيران, كأن داروين يقول أن الأشياء الغائية توجد لكن بدون غاية, أي قد توجد الأشياء المصمَّمة ولكن دون تصميم ولا مصمّم, وهذه شطحة تُذهب العقل وليست شطحة عقلية فقط.

(الدقيقة : 42 الثانية : 30) يذكر الدكتور أن في المخلوقات عيوب، ففي الإنسان عيوب وفي غيره عيوب، ولم يثبت إلا أنها عيوب، أشياء غير تامة و في غير موضعها، وهذا ما يجعل التطوريين يثبتون أن الانتخاب الطبيعي هو الذي اشتغل وليس مصمّم عاقل مختار.

الرد : كلا، لا يوجد في خلق الإنسان والحيوان عيوب, {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}, ومن نحن ونحن لا نعرف ولا حتى أنفسنا حتى نقيّم خلق الله ونكتشف أخطاء الله في طريقة خلقه؟ ومن يستطيع أن يكتشف العيوب في خلق الله عليه أن يدرك كل خلق الله ويفهم كل خلق الله، وهذا لا يدّعيه بشر, لكنها السطحية التي يتعاطى بها التطوريون بشكل دائم وكفر إعجاز الخالق ونعمته. منطقيا حتى تعرف عيوب الشيء لا بد أن تحيط بالشيء، فأين هم والإحاطة في هذا التخبط والتناقض؟ أليسوا هم من يقولون (الإنسان ذلك المجهول)؟ لكنهم لم يقولوا (عالم السيارات ذلك المجهول)! كيف تأتي وتقيّم هذا المجهول وتركيبه وعمله وأنسجته؟ هذا تغوُّل بلا علم. قال تعالى (ولا تقفُ ما ليس لك به علم).

سرّ الحياة لا يعرفون ما هو، ولماذا الكائن الحي يعيش ولماذا يموت، ولماذا تموت نفس الخلايا والانسجة التي كانت تعمل، بلحظة. من يحق له النقد هو الملمّ بالصنعة، والملم بالصنعة هو القادر على اعادتها. وأمامكم ذبابة ميتة، أعيدوا لها الحياة ما دمتم تعرفون كل شيء عنها بمختبراتكم العلمية والمتطورة والمتقدمة والحديثة جدا جدا. لو أن هذا الشيء من صنع البشر لجاز للبشر أن ينتقدوه، ويكون نقد المختصين منهم منطقيا جدا، مثل عيوب السيارات مثلا، يحق لأي انسان أن يجد العيوب في أي نوع من السيارات، ويكون كلامه غالبا معقولا، لأنها مصممة لأهداف محددة نعرفها، ونحن من صممناها، لكن أن تنتقد مخلوقات إعجازية عظيمة لكن لأنها أمامك ترى انها حقيرة .. هذه الذبابة فقط من يستطيع أن يعرف ما هي؟ حتى النفس البشرية لا يعرفونها ويتخبطون فيها، حتى يمكن أن يسأل الإنسان : ما الذي عرفوه فعلا عن الإنسان والأحياء والحياة غير الظواهر؟ ثم يأتي لينتقد! هذه والله هي المضحكة، أن تنتقد شيئا لا تعرف عنه شيئا ولا يمكن أن تعرف وتعترف أنت انك لا تعرف، وليس فقط لا يعرف عن الكائن الحي نفسه، بل لا يعرف عن علاقته بالأحياء الأخرى، ولا يعرف الغاية من وجوده ووجود الأحياء الأخرى، ولا الغاية من وجود الكون كله، من العبث أن تقيم شيئا وتقول أنه عبث! على أي أساس سوف يقيّم؟ لن يكون له إلا عقلية الرأسمالي يقيّم بها، لأنها هي الوحيدة المتبقية عنده، وهي المعيار، لكن المؤمن بالله هو الذي يقيّم، يقيّمها شكرا واعترافا بعظمة الخالق، لا انتقاصا واحتقارا فقط لأنها متوفرة وتتكاثر بسرعة.

لقد أشبعوا الطبيعة بإسقاطاتهم لحياتهم الرأسمالية الامبريالية العنصرية على الطبيعة، وذلك لأنهم لا يعرفون الطبيعة، بل يعرفون حياتهم، لأنهم يعرفون الصراع والبقاء للأقوى فطبقوها على الطبيعة، ولأنهم يقرّون بالشذوذ الجنسي ويرونه حسنا، ذهبوا لينقبوا في الطبيعة وجعلوها تمارس الشذوذ مثلهم، وهذا غير صحيح، وهكذا كل منطلقاتهم منهم هم وليست من الطبيعة نفسها، لسبب بسيط : لأنهم لا يعرفون الطبيعة، ولا يعترفون بالغائية، فإذا كنت لا تملك غاية، فعلى أي أساس ستقيِّم؟ وصدق ديكارت عندما قال أن العلم يبدأ من الله، فبدون إله لا يكون علما، لأنه سيكون على أساس حكم مسبق بالفوضى، أي تحكم على الصدف، والصدف ليست علما. الفوضى لا تُقيَّم، ولماذا فوضى؟ لأنهم لا يقرّون بالغائية، يقرّون بغائية الجزمة التي يلبسها الإنسان، والسيارة التي يركبها الإنسان، واللقمة التي يتناولها الإنسان، واللباس الذي يلبسه الإنسان، لكن الإنسان نفسه ليس له غاية! وما ليس له غاية ليس له قيمة ولا فائدة. اذن في نظر الملاحدة : الجزمة أثمن من الإنسان، هي لها غاية إذن لها قيمة، وهو بلا غاية إذن بلا قيمة. وأيضا بدون الله – نضيف لما قال ديكارت – لا توجد أخلاق، فما دام الانسان الجزمة اثمن منه، فمن السهولة ظلمه وقتله والتخلص منه، ولماذا الوفاء والإخلاص لإنسان الجزمة أثمن منه؟ لكن إذا عرفت الله وعرفت أن الله كرّم الإنسان، سواء كان مسلما او غير مسلم، هنا تتغير المعادلة.

في ظل المادية، صارت قيمة الإنسان هي بما يملك من مادة، بينما هو بلا قيمة. وهذه الفكرة هي التي أدت إلى فكرة ان الحياة صراع بين لابسي الجزم، ومن يملك ماديات أكثر فسوف ينتصر ويسحق أكثر لأن الجزمة أثمن منهم.

لا توجد معايير مع نفي الغائية (قانون). فكيف تأتي بعد أن نفيت الغائية لتقيّم؟ لهذا الناس يستغربون مثلا المبالغة في سعر شيء معين معروفة غايته، كنوع من الحيوانات المستأنسة، لأن العاقل سيقيمه بناء على الغاية منه، لهذا الرأسمالية تميل إلى التجريد والفصل بين الغاية والقيمة، وتعويض ذلك بالإعلان والشهرة والدعاية، حتى يستطيعوا أن يبيعوا قطعة بأسعار مبالغ فيها، لوحة بالملايين، منديل بكذا مليون، قلم بكذا مليون، شاة بمئات الآلاف، كلب بكذا مليون، وهكذا. يحاولون ربطها بأبهة إعلامية وشهرة، بحيث تتغلب على ربطها بالغائية، بدل أن تشتري هذه السلعة بألف، تشتريها بمليون.  

عندما تقيّم سيارة سباق فلديك الغاية، مثل أن تكون سريعة ومتوازنة وتتحمل المنعطفات، الخ. لا يمكن التقييم بدون غاية في الذهن (قانون)، وإلا فعلى أي أساس يتم التقييم؟ لأن كل تقييم مبني على أساسات، المفتش التعليمي مثلا  يقيّم المعلمين على أساس نقاط لديه. يستطيع من خلالها أن يعرف ميزاتهم وعيوبهم، ومن الأفضل ومن الأضعف.

الحياة عند الماديين والملاحدة عبث، فكيف يقيّم من يؤمن بعبثية الحياة؟ يقول لماذا هذا العصب طويل وملتف! هذا إسراف! يقيّم بعقلية رأسمالي يوفّر الأسلاك في مصنعه! لاحظ عقلية الرأسمالي البخيل هي المعيار والمقياس، لكن الخالق كريم. كيف تقيّم شيئا لا تعرف الحكمة منه ولا من أوجده ولا مدى قدرة ذلك المُوجد؟ تصرّ على أن الموجد رأسمالي مثلك؟ داوكينز يستغرب من الإسراف في وجود 200 نوع من الخنافس! وكأنه يتكلم من مصنعه! ما الفائدة من كثرة هذه الخنافس وما الجدوى منها؟ ناسيا أن لكل نوع منها عملٌ في التوازن الطبيعي الذي بناء عليه يستمتع الانسان بحياته. لقد فقدوا معيارية الطبيعة نفسها وغائيتها، لأنهم لا يؤمنون بالله، فلجؤوا إلى معيارية حياتهم المادية، وهذا يُفسد عقل أي إنسان لا يؤمن بالله، ويفقد روحه العلمية.   

المؤمن لا يقول أن في خلق الله أخطاء، وكيف يمكن أن ينتقد شيئا لا يعرفه بل ولا يستطيع أن يحيط به؟ المؤمن أخلاقي مع المخلوقات ولا يتجاوز علمه. هذا فيه انتقاص لقدرة الله الذي تحدى الإنسان أن يجد عيوبا في خلقه سبحانه واحتقار لهذه الكائنات الحية العجيبة. قال تعالى {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} ويقول تعالى {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}، بينما الشيخ الدكتور رجل الدين يقول : نعم في خلق الإنسان عيوب! لا يوجد في خلق الله عيوب كما أراد لها أن تكون و لا في طبيعة حياتها ولا في توازنها بين الأحياء، فكل مخلوقاته في أحسن تقويم وليس فقط الإنسان, وإلا فلكَ أن تعتبر الموت عيبا من العيوب, والغزال لا يطير، إذن هذا عيب! والسمكة لا تخرج إلى اليابسة، والتمساح لا يسبح في المحيط، والدجاجة صغيرة الحجم، والزرافة ليس لها جُحُر ... وهكذا تستمر. الله خلق السماوات والأرض بالحق, والقول أن في الأحياء أعضاء لا فائدة منها يعني أنها خلقٌ باطل, بينما الله قد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. {سبحانك ما خلقت هذا باطلا}. ثم منطقيا كيف يمكن وصف أعضاء جزئية بأنها لا فائدة منها في حين يقولون أن الحياة كلها لا غاية لها؟ هل توقفت الأمور على هذه الجزئية؟ كل شيء أصبح تافها لا فائدة منه عند نفي الغائية! هذا تناقض مع الأفكار العامة، اذ كأنه يُعرَض لنا أن هذا العضو غير مهم بينما غيره مهم ومفيد وله غاية، بينما هم انفسهم يقولون أن كل شيء عبث في عبث وفوضى وأن كل كائن عبثي وليس له غاية، اذن كل ما خلق الله تافه وبلا جدوى، وما صنعوه هم وما يحتاجونه هم هو المهم والغائي 100% ! (وما قدروا الله حق قدره).  

(الدقيقة : 45 الثانية : 5) يذكر الدكتور أن من العيوب في خلق الإنسان، الأسهر وهو القناة الناقلة للمني عند الرجال، الذي يصل ما بين الخصية والعضو الذكري، فهذا الأسهر يوجد ملتفا حول الحالب الذي يصل بين الكلية والمثانة، وهذا يراه التطوريون والدكتور عيبا، فمن المفترض أن يتصل الأسهر اتصالا عاديا بلا التفاف حول الحالب إلى العضو الذكري مثل حالب الكلية، ولكنه ليس كذلك، وأن هذا العيب يسبب مشاكل للذكور وله علاقة بالفتق الإربي الذي يسبب لكثير من الرجال الموت إن لم يدركوا انفسهم بعملية جراحية في وقتها، وهذا الالتفاف حول الحالب لا فائدة له ومتعب ويسبب مشاكلا للذكور، أما عن تفسير ذلك تطوريا، فهو عند تطور الانسان من القرد، وبعد أن اضطُر أن ينتصب واقفا بعد ان كان يمشي على اربع كالقرد، ولما كان لا بد للخصيتين أن تخرجا من الجسم لأن الحرارة تضر المني فيفسد ويموت، فلما انحدرتا الى الخارج على ملايين السنين وقع هذا الالتفاف الخاطئ. وهذا مما يثبت عمل وسمكرة الانتخاب الطبيعي.

الرد : عندما يصبح الإنسان متحفزا جنسيا فلا يستطيع أن يتبول، ربما أن هذا هو السر في الالتفاف، لأجل منع البول من الخروج في هذه الحالة. وربما أن الالتفاف هذا لكي لا ينزل المني مباشرة لتطول مدة الاستمتاع، أو لأسباب أخرى وقد أكون مخطئا، هذه مجرد اقتراحات، لكن الأكيد أن له غاية لم يعرفها العلم حتى الآن تمام المعرفة، وهذا خطأ علمي يقع فيه الدراونة، أي شيء غير علمي يسمونه عبثا، ثم يأتي العلم فيما بعد ويصفقهم على وجوههم ثم يبتسمون بكل بلاهة وكأنهم لم يفعلوا شيئا، مثلما صفعهم موضوع الكولاكنث وصفعهم موضوع بساطة الخلية وتفاهتها، بينما العلم اثبت أنها معقدة جدا، وغيرها من الصفعات، لكنهم لا يعرفون التراجع والخجل، يريدون الاستمرار. ونجاحهم هو أن يطول عمر نظريتهم رغم تطور العلم الذي يعمل ضدها وليس معها.

وما علاقة الفتق الإربي بالأسهر؟ الفتق قد يكون في الخصية وقد يكون في مواضع أخرى في البطن. مشكلة الفتق هي ضعف في جدار البطن الأمامي، وسمي إربيّا لأن جذع الفخذ يسمى بالإرْب، مما يؤدي إلى ظهور جزء من الأمعاء تحت الجلد، وإذا تقفّل سيتعفّن ويؤدي إلى الوفاة إذا لم يُنقذ بعملية جراحية. ومن أسبابها البدانة وحمل الأشياء الثقيلة والسعال المزمن وضخامة البروستاتا عند المسنين وحالة تجمع السوائل داخل البطن. هذه هي الأسباب الطبية لحدوث الفتق الإربي، ولم يذكر من بينها التفاف الأسهر على الحالب، هو قد يتأثر ولكن ليس له علاقة ولا يؤثِّر بالفتق. لو قال الدكتور أن العيب الخلقي هو في وجود الفتحة الإربية لكان أكثر منطقية من القول أن الأسهر هو المشكلة.

لا أستطيع أن أكتم ضحكي على هذا الدليل الأسهر! هذا العيب المدمر! الرجال يعانون من شدة الشبق الذي يستمر مع بعضهم أحيانا لسن الثمانين والتسعين، وإذا بهم يعملون بآلة عاجزة وفاسدة وتحمل عيبا خلقيا! أي عيب يُضعف, فما بالنا نرى كثيراً من الرجال يصابون بالإدمان الجنسي حتى؟ حتى إن الزوجات يشتكين من كثرة إزعاج أزواجهن! لو لم يكن فيهم عيب ماذا سيكونون؟ المني ينزل على شكل دفقات وليس مثل البول ينزل للمثانة مباشرة! وكونه ينزل من أعلى سيكون أسهل وأسرع وأبعد في قوة خروجه.

عند كل الثدييات ذوات الخصى، تكون الخصيتين خارج الجسم ومتدلية لأسفل, وليس فقط الإنسان لأنه منتصب خرجت خصيتيه عن جسمه! ذوات الأربع كلها تتدلى خصاها، في الغنم والخيل والحمير والكلاب والقطط وغيرها، وهي لم تقف على قدمين، لأن الخصية تحتاج لدرجة حرارة معينة، فتنكمش في حالة البرد وتتمدد في حالة الحر، لأن درجة حرارة الجسم ليست ثابتة، لأنه قد يبذل مجهودا فترتفع حرارته. إذن لماذا لا تقول : لمَ لمْ ترتفع الخصية فوق ظهره حتى يكون النزول مباشراً؟ لماذا تكون في الأٍسفل؟ هذا عيب! باب اكتشاف العيوب بهذه الطريقة السطحية والتافهة مفتوحٌ على مصراعيه, لماذا العين رقيقة وحساسة؟ لماذا لم تُصنع من مادة تتحمل الصدمات كالزجاج مثلا؟ هذا عيب! لماذا العظام لم تكن من الفولاذ وهو أقوى؟ واستمر بهذه الطريقة الصبيانية المصنعية الرأسمالية! ولماذا لم تكن الخصية من ضمن القضيب أوفر لتكاليف القسمة؟ فتصبح كلها جهازا واحدا وبغنى عن التبريد والتسخين حتى تكون اقرب للقذف وأوفر في الأسلاك مثل الضوء الكشاف حيث يباع وبطاريته مدمجة معه، إذ سيكون من الإسراف ان تجعل البطارية في مكان والمصباح في مكان آخر وتوصل بينهما بأسلاك؟ وهكذا تكون وفرت قيمة الصفن والبتاع كله. هكذا نقدهم بهذا الشكل، مثل طريقة أحد الملاحدة الذي يقول لماذا الطعام والتنفس يشتركون بفتحة واحدة؟ واعتبر هذا عيبا! مع أني ذكرت له فوائد جعلته لا يرد. وهذا الرابط : http://alwarraq0.blogspot.com/2014/08/blog-post_74.html