قد تظن أن الشخص
المنطلق في الكلام شخص جذاب ومؤنس بشكل عام وخصوصاً المرأة, ولكن في الحقيقة أن الثرثرة
على نوعين وليست نوعاً واحداً: نوع يشعرك بالضيق و تتمنى أن يسكت صاحبه, ونوع تتمنى
ألا يسكت صاحبه أبداً.. وهذان النوعان أتيا أصلاً من ثنائية الاختيار, فمختار الطبيعي
(أو الخير والحق) يختار من الكلام ما يناسب اختياره, فيتكلم عن الطبيعة والحيوانات
والتأمل والآخرة ..إلخ, كأنه يبحث عما يناسب اختياره، حتى عندما يتكلم عن الناس
والأمنيات والذكريات..., يصبغها بصبغة خيّرة وإيجابية وجمالية أو على الأقل تميل
إلى ذلك.. أما مختار التفكير غير الطبيعي (أو المادي المصلحي) تجد ثرثرته عن المشاكل
و السرقات و الاغتصابات والبحث عن العيوب والتشكي واستعراض المطالب وتكبير الذات
وانتقاص الآخرين..., وكأن ثرثرته مطالب ثقيلة غير مباشرة تنصب في خدمة أنانيته أو
أنانيتها.. فالكلام واحد ولكن اختلاف الاختيار سبب هذا الاختلاف في اختيار الكلام
وفي قيمته و جاذبيته. الكلام واحد ولكن من المتكلمين من تود أن يسكت ومنهم من تود
أن يستمر..
السبت، 6 أكتوبر 2012
الثلاثاء، 2 أكتوبر 2012
حول الرؤيا الصادقة والاحلام و تعبيرها عن شعور الانسان ..
أعتقد أنه ليس كل ما يراه الناس في الأحلام ، حتى السعيدة منها ، عبارة عن رؤى خاصة من الله ، أو جزءاً من أربعين جزء من النبوة كما ورد في بعض الأحاديث ، أعتقد أن الرسالة الخاصة يجب أن تكون خاصة ومختلفة عن بقية الأحلام بطريقتها ، كأن تتكرر بنفسها دون أي تغيير ، و هذا بلا شك سيميِّزها عن بقية الأحلام التي لا تتكرر أبداً لأن الشعور لا يتكرر ، فكونها تكررت فهذا يعني أن لها وضع خاص .
و هذه إحدى السمات المهمة في التمييز بين الرؤيا والحلم العادي الذي
غالباً ما يعبّـر عن حاجات الشعور كرسالة من مشاعر مكبوتة أثناء اليقظة ، وليست فقط
رغبات كما يذكر فرويد ، بل أكثرها يعبـّر عن قلق ومخاوف تـُعبر عن القلق العام على
مسيرة الشخص في رحلته الشعورية إلى الله . و منه نفهم قوله تعالى: {يا أيها
الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه} ، و كلمة "الإنسان" لا تعني
المسلم فقط ..
و للأحلام فوائد كثيرة ، منها أن الإنسان لا يستطيع أن ينام إلا بحلم ولا
يستيقظ إلا بحلم ، حتى لو لم يتذكره ، لاحظ عندما يوقظك أحد بسرعة وتتصور أنه شخص آخر آو شيء آخر ، فهذا حلم ..!
أنا أعتقد أن كل دوافع الشعور هي في رحلة إلى الله ، لكننا نستطيع أن
نتحكم فيها ونحرفها عن طريقها تبعاً لاختيارنا . لاحظ حب المعرفة في الإنسان ،
لماذا وجدت ؟؟ سيقول الماديون : لأجل المنفعة المادية ، وهذا جواب غير كافٍ ؛ لأننا نحب أن
نتعلم أشياء نعلم أنها لن تفيدنا في حياتنا المادية ، بل هناك ما هو أولى منها ،
ومع ذلك نحب أن نعرف التاريخ ، مع أن معرفة الحاضر تفيدنا أكثر في الكسب المادي!
إذاً حاجة المعرفة هي بدافع شعوري يريد أن يصل إلى الحقيقة و بالتالي إلى ربه .
إذاً حاجة المعرفة هي بدافع شعوري يريد أن يصل إلى الحقيقة و بالتالي إلى ربه .
و ربما يكون من سمات الرؤيا الصادقة أن تكون مرتبطة بمستويات عليا و بعيدة
عن الحاجات الجسدية ، و بالتالي تكون مختلفة عن بقية الأحلام ، كذلك من سماتها
والله أعلم : الصفاء و الوضوح ، لأن بعض الأحلام صافية و بعضها مضطربة. وربما من
سماتها : عدم اختلاطها بأحلام أخرى ، أي تكون وحدها ، وربما من سماتها أيضاً أن
تكون بالصوت والصورة ، لان أكثر الاحلام عبارة عن مشاهد و أحداث و صور أكثر من أصوات ، و أكثر الناس يعبر عن حلمه بكلمة "رأيت" ، و إذا اجتمعت هذه
المميزات ، فهي الأقرب انها رؤيا من الله.
لكن ليس كل ما نراه في أحلامنا عبارة عن رؤى إلهية ، ولكنها رسائل شعورية مهمة يجب أن نستفيد منها ونحللها ، لأنها تكشف عن مشاكلنا الداخلية و ما يريد شعورنا أن نكون ، والخوف أكبر تاثيراً من الرغبة في شعور الإنسان ، لهذا أكثر الأحلام تعبر عن خوف وقلق ، مثل أحلام الرسوب في امتحان أو السقوط من مكان عالي... إلخ .
لكن ليس كل ما نراه في أحلامنا عبارة عن رؤى إلهية ، ولكنها رسائل شعورية مهمة يجب أن نستفيد منها ونحللها ، لأنها تكشف عن مشاكلنا الداخلية و ما يريد شعورنا أن نكون ، والخوف أكبر تاثيراً من الرغبة في شعور الإنسان ، لهذا أكثر الأحلام تعبر عن خوف وقلق ، مثل أحلام الرسوب في امتحان أو السقوط من مكان عالي... إلخ .
اعرف أحلامك تعرِف من أنت .. و لهذا أنا أعتبر زيادة نسبة الأحلام
السعيدة الآمنة علامة على رضا شعورنا عنا ، و هي من سمات النفس المطمئنة التي عرفت
ربها و أمسكت بعروته الوثقى و سلـّمت نفسها له لا لهواها .
حول التفكير الكلي والتفكير الجزئي (2)
أحيانا يتجه التفكير من الكل الى الجزء ، وأحيانا من الجزء الى الكل ،
لكن ادراك الجزء لا يتم الا من خلال الكلّ ، فقيمة الصفر لوحده هي صفر ، لكن اذا
كان في ارقام فهنا تتحدد قيمته ، و هكذا ..
فالجزء المفرد لوحده لا يمكن ادراكه الا من خلال ارتباطاته ، و هذا الجزء وارتباطاته يمكن تسميتها بكلية صغرى ، يجري ربطها بكلية اكبر وهكذا ، فلو غطيت خريطة بقطعة قماش مثقوبة ، وكان الثقب على مدينة القاهرة مثلا ، لا تستطيع من خلال هذا الثقب ان تعرف ما هي هذه المدينة ، لكن كلما نوسع في الثقب كلما يتم تحديدها اكثر ، وهكذا نعرف ان الجزء لوحده غير مُحدَّد ، و هذه المعرفة تمت من خلال كلية صغرى ، اذ لا بد ان يكون عندنا تصور للعالم و الكرة الارضية والشمال والجنوب والقارات ، ثم ندخل بالتفصيل الى المدن والاقاليم , وهكذا ..
فالجزء المفرد لوحده لا يمكن ادراكه الا من خلال ارتباطاته ، و هذا الجزء وارتباطاته يمكن تسميتها بكلية صغرى ، يجري ربطها بكلية اكبر وهكذا ، فلو غطيت خريطة بقطعة قماش مثقوبة ، وكان الثقب على مدينة القاهرة مثلا ، لا تستطيع من خلال هذا الثقب ان تعرف ما هي هذه المدينة ، لكن كلما نوسع في الثقب كلما يتم تحديدها اكثر ، وهكذا نعرف ان الجزء لوحده غير مُحدَّد ، و هذه المعرفة تمت من خلال كلية صغرى ، اذ لا بد ان يكون عندنا تصور للعالم و الكرة الارضية والشمال والجنوب والقارات ، ثم ندخل بالتفصيل الى المدن والاقاليم , وهكذا ..
أنا شخصيا أفضّل الانطلاق من الكليات الى الجزئيات ، الا اذا اضطرتني جزئية
، و سوف اجدني احتاج الى كلية صغرى لأفهم
تلك الجزئية ايضا ، فالثقافة العامة تسهّل الثقافة الخاصة ، و الافضل ان يعرف
التلميذ معنى كلمة لغة بشكل عام ، وفائدتها للانسان ، ثم يعرف مستويات اللغة
الدلالية والصوتية والتركيبية ، ثم يدرس النحو والصرف .. هذا افضل من ان يـُدرّس
التلميذ النحو والصرف مباشرة ..
تذكر قيمة الصفر لوحده ..
المعلومة الجزئية غير المربوطة قيمتها ضئيلة . وتزداد قيمة المعلومة كلما اتجهنا
اليها من الكل الى الجزء ، لسبب بسيط وهو
ان روابطها متكاملة ، فالقدوم من الكل الى الجزء هو قدوم بالروابط و من خلالها الى
الجزء ، وبالتالي تكون المعلومة الجزئية مربوطة بالكليات ، اما البداية من الجزء
الى الكل ، فقد لا يستطيع الشخص ان يتمم روابطها في الكليات الاوسع ..
العلاقة بين الكليات و الجزئيات هو الذي أنتج الفهم بالنسبية ، فعندما
نعرف مساحة المنزل و نحيط بها ، نستطيع ان نحدد هل المطبخ مثلا كبير الحجم او صغير
، أي نسبنا الجزء الى الكل ، لكن لو لم نعرف الكل لفقدنا القدرة على تقييم الجزء ،
وصرنا لا نعرف هل المطبخ كبير ام صغير ، ونحن نخطط لمطبخ في منزل مثلا .
لهذا انا اشجع على معرفة الكليات والتركيز عليها اكثر قبل الدخول الى
الجزئيات ، لان الربط يسهل حينها ، وبالتالي الفهم بالنسبية . و أكثر شيء ضرّ
ثقافتنا وتعليمنا هو المعلومات المفردة ، و جمعها والتركيز عليها ، لدرجة انه لا
تـُعرف كلياتها احيانا ..
ولاحظ متعة الفهم دائما تتم من خلال الربط بين الجزء والكل ، وبالتالي
الفهم عبارة عن ربط . و الشعور الانساني في رحلة لا تتوقف نحو الربط والارتباط ،
وهذا يذكرنا بسخافة فكرة الليبرالية والحرية كشعار عام ؛ فالمعرفة ارتباط و ليست
حرية ، والمحبة ارتباط وليست حرية ، والحياة ارتباط وليست حرية ، الموت هو الحرية
، حيث التحرر من قيود الحاجة والطاقة والامن والغذاء الخ .
وهنا نعرف من الكليات العظمى هدف الشعور في الارتباط الاكبر بخالق هذا
الشعور وهذا الكون وهذه الحياة وهذا الجمال وهذا الحق والخير ، حيث يتم الاستقرار
والاطمئنان ، {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية}.
قيمة معرفة شيء تؤخذ من مدى سعة دوائر الكليات التي تصل إليها تلك
المعرفة ، ومن هنا نفهم سخافة فكرة الماديين بالاكتفاء بالعلم المادي المجرب فقط
كغاية نهائية للمعرفة ؛ لان هذا يقلل من عدد الكليات التي يجب ان ترتبط بها
المعلومة ، اذ يريدوننا ان نعرف كيف يتكون الليل والنهار علميا ثم نقف ! أي يريدون
ايقاف استكمال الكليات ورفض التأمل والتدبر ، و فصل المصنوع عن الصانع..!
ونحن عرفنا أن الغباء يرتبط بنقص الكليات التي تحيط بالمعلومة ، أي يدعوننا الى الغباء باسم العلم ، بينما العلم كلمة منطلقة و ممتدة بامتداد المنطق .. هم يريدون ايقاف المنطق عند الحد الذي يخدم مصالحهم باسم المنهج العلمي . والعلم لا يحب التوقف .
ونحن عرفنا أن الغباء يرتبط بنقص الكليات التي تحيط بالمعلومة ، أي يدعوننا الى الغباء باسم العلم ، بينما العلم كلمة منطلقة و ممتدة بامتداد المنطق .. هم يريدون ايقاف المنطق عند الحد الذي يخدم مصالحهم باسم المنهج العلمي . والعلم لا يحب التوقف .
إن التفكير بالجزء هو بداية ، ولكنها تشبه حمل الشجرة من أحد أغصانها ! و
قد لا ينجح في توصيلها بالكليات بالطريق الصحيح رغم الثقل ، قال تعالى {يؤتي
الحكمة من يشاء} والحكمة تعني الإحاطة والشمولية ، أي كليات وعموميات . تخيل شخصاً
في متاهة و دخل من احد الفتحات ، فسوف يبذل مجهودا حتى يخرج الى الجهة الاخرى ،
لكن شخصاً آخر يرى من أعلى المتاهة و يحيط بأجزائها ، سوف يدله على الطريق بسهولة ،
مثل المطاردات من خلال سيارة الشرطة أصعب من المطاردة بطائرة هيلوكوبتر ؛ لأنها
تقدم رؤية عامة للموقع .. أي أن ربط الكل بالجزء اسهل من ربط الجزء بالكل ، او
بعبارة أخرى : فهم الجزء من خلال الكل أسهل من فهم الكل من خلال الجزء ، و تذكر
الخريطة والقماش المثقوب .
حول التفكير الكلي والتفكير الجزئي (1)
التفكير عبارة عن مستويات ، ولا احد يستطيع ان يعيش بدون تفكير ، التفكير
هو إما توليد أفكار ، او فهم افكار ، او تطبيق افكار ، او ربط افكار ، او شرح افكار
، أو تحليل افكار ، او تركيب افكار ، او تقييم افكار ، وبالتالي فهناك تفكير كلي وشمولي
، وهناك تفكير جزئي أو آني أو مرحلي ، وكل العمليات هذه تجري على مستوى التفكير الجزئي
او الكلي ، أو نسمّيه التفكير العام و التفكير الخاص ، من توليد افكار او ربط افكار
، او تحليل افكار ، الخ .
التفكير العام هو الذي تدور حوله الاسئلة الصعبة وهو الذي يمكن تسميته بالفلسفة ، لانها تبحث في الكليات اكثر من الجزئيات ، وهذا التفكير منزلقاته - اذا وجدت - تكون خطيرة ، والنجاح فيه يوصل الى الاهداف العليا للحياة حتى لو كان هناك اخطاء في التفكير الجزئي ، فإجادة التفكير الكلي والنجاح فيه ، رغم اخطاء او عدم دقة في التفكير الجزئي ، افضل من العكس ؛ كتفكير جزئي دقيق ومجوّد ، ولكنه على وجهة خاطئة ! هذا ما يقع فيه اكثر الناس ، خصوصا المُوجّهين منهم للمجتمع ، فدقة جزئية و فوضى كلية !
الدقة الجزئية تبهر الناس وتجعلهم يثقون ، و لكن لا يجدون ريح الغايات التي يسعون نحوها ، وانظر الى ضلالات الفلسفات والمذاهب حتى في داخل الاديان نفسها ، تعود لمشكلة التفكير الكلي ؛ حيث يـُربط الجزء بالكل وكل انسان يعرف علاقته بالاثنين ، و مدى قوته في احدهما ، و كلٌ ميسر لما خلق له .
التفكير العام هو الذي تدور حوله الاسئلة الصعبة وهو الذي يمكن تسميته بالفلسفة ، لانها تبحث في الكليات اكثر من الجزئيات ، وهذا التفكير منزلقاته - اذا وجدت - تكون خطيرة ، والنجاح فيه يوصل الى الاهداف العليا للحياة حتى لو كان هناك اخطاء في التفكير الجزئي ، فإجادة التفكير الكلي والنجاح فيه ، رغم اخطاء او عدم دقة في التفكير الجزئي ، افضل من العكس ؛ كتفكير جزئي دقيق ومجوّد ، ولكنه على وجهة خاطئة ! هذا ما يقع فيه اكثر الناس ، خصوصا المُوجّهين منهم للمجتمع ، فدقة جزئية و فوضى كلية !
الدقة الجزئية تبهر الناس وتجعلهم يثقون ، و لكن لا يجدون ريح الغايات التي يسعون نحوها ، وانظر الى ضلالات الفلسفات والمذاهب حتى في داخل الاديان نفسها ، تعود لمشكلة التفكير الكلي ؛ حيث يـُربط الجزء بالكل وكل انسان يعرف علاقته بالاثنين ، و مدى قوته في احدهما ، و كلٌ ميسر لما خلق له .
كثير من اهل الثقافة والمعرفة والعلم يقود النقاش الى الجزء بينما صاحب التفكير
الكلي دائما ينطلق من الجزء الى الكل ، والحقيقة ان كلاهما محتاج للآخر ومكمل له ،
بل لا ينفع بدونه ، ومن هنا برزت فكرة الادوار الطبيعية ..
و في كل مجتمع تجد القليل من المفكرين الكليين ، و الكثير من المفكرين الجزئيين
، وخطأ هؤلاء يتضح عند هؤلاء ، و بين التفكير الجزئي و الكلي تناسب مطّرد ، أقصد نسبية
، فأصل الحياة هو مسألة تفكير كلي ، و يكون علم الاحياء تفكير جزئي مقابله ، وعلم الاحياء
كلي مقابل علم الطفيليات ، وعلم الطفيليات كلي عند دراسة الدودة الكبدية مثلا ..
التفكير الكلي يحتاج الإحاطة بالاجزاء والإلمام بها ، لهذا عادة يكون الفيلسوف
في مرحلة بعد مرحلة المثقف ، لان الفيلسوف يخرج من مجموع الجزئيات الى الكليات ، او
يـُسقط الكليات على مجموع الجزئيات ، فكل مثقف متعلم وليس العكس ، و كل فيلسوف مثقف
و ليس شرطا العكس ..
لاحظ الخلل الكبير في الكليات عندما يتولاها المتخصص في شيء معين ، مثل فلسفة
علماء البيولوجيا والفيزياء ، فالعالم مكان ابداعه في تخصصه وليس في العموميات ، مثل
تخبط هاريس وداوكينز وغيرهم . حتى بعض المتخصصين في الدين لا يمنعون انفسهم عن الكلام
في كليات لا يعرفون جزئياتها ولا حتى إلماماً .. فالخروج من حزمة جزئية ضيقة الى الكليات
دون اعتبار للاجزاء الاخرى سوف ينتج خللا في الوجهة العامة ؛ فتحديد موقع في مدينة
يحتاج الى مخطط المدينة كاملا ، وربطه بالاتجاهات العامة على الارض (شمال جنوب شرق
غرب) ، و كل هذا حتى نحدد موقعا واحدا ..!
العلاقة الفكرية مستمرة ما بين الخاص والعام ، بل لا نستطيع ان نفكر بدون
هذا الديالكتيك .. اذن كل انسان عنده افكار عامة بالضرورة ، سواء كانت منه او من غيره
، و اذا كان تركيزه واعادة نظره و تقليبه و ابداعه في الجانب العام في التفكير ، كان
فيلسوفا ، و ان كان العكس كان متخصصا او عالما ، مع التحفظ على الكلمة ؛ لانهم استعملوها
لذوي الاهتمام الجزئي ، مع ان القرآن استعملها لذوي الاهتمام العام كقولهم : عالم في
البكتيريا ، و البكتريا بالنسبة لغيرها جزء . و كلمة "علم" تشير الى المعرفة
العامة التي مدحها القران : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) ، مما يعني
ان التفكير الكلي اهم من التفكير الجزئي ، و الوضع السليم هو ان نأتي من الكليات الى
الجزئيات . لا نستطيع ان نعرف ما هي تلك الخطوط على ذلك الشيء الاحمر حتى نعرف انه
مقعد في مجلس ، كمثال ..
الانسان اين يجد نفسه ، لا اين يريد ان يضع نفسه ، وبينهما فرق .. قال عليه
الصلاة والسلام (اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له) ، و ليس أريح ولا اجمل ولا ابدع من ان
نعرف ما فـُطرنا عليه ، لاننا حينها سنكون مبدعين وطاقاتنا لا تنتهي في ذلك المجال
، وهذا احسن من ان نعسف انفسنا على ما لا نحس انه لنا ، و كل شخص يستطيع ان يتبين هل
هو قريب من مجاله ام بعيد ، بل إن من حوله يلاحظون براعته في ذلك المجال وهو لا يصدقهم
لشدة السهولة التي ينطلق بها ..
انا لست اقمع او اقيد التفكير ، لكن انا مؤمن بالادوار الطبيعية ، و انه من
غير المنطقي ان يكون الانسان قادراً على الاستغناء عن كل انسان ، حتى في المجال العقلي
..
ليس في الطبيعة عبث .. تخيل قافلة تسير : إن تحديد الطريق و الهدف ، هذا تفكير
كلي ، و ليس في القافلة الا دليل واحد ، بينما فيها الكثير من ذوي الاهتمامات الجزئية
، كالحراس والمعالجين والطباخين والمساعدين والعمال... الخ ، لكن خطأ واحداً من الدليل
قد يهلك القافلة كلها في عمق الصحراء ، و لا شك ان هذا الخطأ اكبر من خطأ الطباخ في
وضع الملح في الطعام ، او الحارس في فقدان بعض الامتعة! و من هنا ندرك خطورة و اهمية
من يتصدى للتفكير العام و أنها ليست مسألة تشريفية بقدر ما هي تكليف ومسؤولية ؛ فخطأ
هذا الدليل ضيّع القافلة بكاملها ، اما خطأ اي واحد فيهم فهو اهون بكثير ، لان القافلة
باقية ..
المشكلة ان اكثر مجال يتهاون به الجميع هو مجال التفكير العام ، بينما يجري
تعظيم واحترام المجالات المتخصصة كما هو في الغرب وفي كل مكان ، مما يعني ان البشرية
في طريقها الى هاوية ، لكثرة الأدلاّء واختلافهم ، ثم لاحظ ان ذلك الدليل لا يستطيع
ان يقوم و يتقن ادوار الآخرين ، فهو محتاج لهم و هم محتاجون له..
فدليل القافلة يستطيع ان يعلـّم من كان يُحب و يجد اهتماما في داخله لان يكون
دليلا مثله عندما يحترم هذه المهمة ، ولا يأخذها باللطش كما يفعل اكثر الناس ، فوجهة
الحياة و اجزاء الحياة هي اخطر شيء في الحياة . قال تعالى {الذين ضل سعيهم في الحياة
الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً} ، و كلما كان الانسان في مكانه المناسب كلما أتاح
الفرصة لغيره ليتعلم منه .
الوجهة الصحيحة للحياة بكلياتها وجزئياتها ان تكون نحو الله ، وهذا هو الصراط
المستقيم ، فاذا كنت متجها الى الله مباشرة ، فانت على الصراط المستقيم ، وان كنت ترى أنك متجه الى الله و لكن ليس مباشرة بل من خلال غيره ، فلن تكون على صراط مستقيم ،
بل على الطريق العوج . والدليل أو الفيلسوف أو المفكر الحقيقي هو من يضع حياتنا جملة
وتفصيلا على طريق الله مباشرة .
الاشتراك في:
الرسائل
(
Atom
)
