الخميس، 9 يونيو، 2011

الأخلاق و المادية "مفهوم الأخلاق .."

لنفرض اننا اتينا بشخص ما ، و ألقينا به في كوكب ، ومعه من الطعام ما يكفيه لفترة معينة . ذلك الكوكب فارغ ولا يوجد على سطحه اي أحد غير هذا الشخص و ما يكفيه من طعام  .ربما يتساءل البعض في امكانية وصف هذا الشخص بأنه كان على درجة عالية من الأخلاق طوال هذه المدة أم لا ، ويفترض البعض أنه لو قلنا عنه أنه أخلاقي ، فلن يكون لكلامنا اي معنى ، لأن هذا الشخص لم يتعامل مع احد طوال هذه الفترة .أي أنه لا معنى للأخلاق خارج إطار المجتمع على حد قول هؤلاء .

ولكن : ألا يكون هذا الشخص ممتنا لمن أعطاه الطعام ؟ وهذا الامتنان عنده ، اليس شعورا ؟ وهذا الشعور أليس خُلُقاً ؟ كان بإمكاننا الا نزوده بالطعام ، ونلقيه في الكوكب الفارغ . أليس لخالقه حق الشكر والعبادة وهو بمفرده ؟ اليس هذا خُلُقاً مع الخالق ؟ قد تكون لوحدك : انت والبيئة ، و تستطيع ان تلوثها وايضا تستطيع ان تتعامل معها باخلاق . ايضا المخلوقات والحيوانات تستطيع ان تكون اخلاقيا معها وتستطيع ان تكون قاسيا فظاً معها و تقتل اطفالها وتخرب أعشاشها ، كل هذه الصور من الاخلاق تجري ولا وجود للمجتمع ، اليس الرفق بالحيوان عمل اخلاقي ؟ وتوجد له جمعيات إنسانية في المجتمع البشري ؟ فكيف يتم ادعاء ان الاخلاق فقط في المجتمع وعندما يخرج الانسان عن المجتمع تتوقف ؟ وكأنها مكنسة كهربائية لا تعمل خارج المدن !

بل حتى الشخص مع نفسه يمارس الاخلاق ويمارس سوء الاخلاق ، السنا نسمع عمن يخجل من نفسه ؟ طبعا ليس في داخله مجتمع حتى يمارس اخلاقا ! إذا اتفقنا ان الاخلاق هي شعور خيّر ، وطبعا فالخير لا يحتاجه الناس فقط ، بل تحتاجه النفس والحيوانات والبيئة .. إلخ . فلماذا يكون محصورا بإطار المجتمع ؟ الانسان يعمل بمفرده اعمالا يكره نفسه بسببها ، ويفكر افكارا ينفر من نفسه بسببها ، وهو ليس معه احد !!

الاخلاق عالم ، وليست هي المجتمع فقط ، الأخلاق خط متواصل لا ينقطع ، وهي قصد ونيّة للخير, بعد معرفة الخير أو لمعرفة الخير من خلال الحقيقة. 

ولو عدنا لهذا الجالس بمفرده في الكوكب ، أليس يفكر مثلاً ؟ إن كان يفكر افكارا خيرة ، فهو يمارس اخلاقا في الكوكب ، وإن كان يخطط وينوي للأنانية والمصلحة والشر والانتقام ويضع الخطط الشريرة قيد التنفيذ ، فهو يمارس سوء الاخلاق وهو بمفرده في الكوكب : {بل الإنسان على نفسه بصيرة} , والتخطيط جزء اساسي في العمل ، وقبل ان تقوم البناية يوضع المخطط لها . أليست الاخلاق تبدأ بنيّة ؟ اليس يستطيع صاحبنا ان ينوي وهو في الكوكب؟ إذاً هو يمارس الاخلاق او سوء الاخلاق وهو في الكوكب لوحده . وبهذا تكون سقطت بفعل المنطق فكرة إنسان الكوكب اللا أخلاقي .

والاخلاق تكون مع الخالق والخلق والمخلوقات ، وليست مع المجتمع فقط . وكل شي يبدأ بفكرة و نيّة . وربما كان صاحبنا هذا يخطط و يعد العدة للانتقام ممن وضعوه في هذا الكوكب الفارغ ، بدلاً من أن يشكرهم على ما قدموه له . واختيار الاخلاق الخيرة او الشريرة امر مفسوح بحرية مطلقة. فهل نقول انه لم يكن يفعل شيئا من الشر على ظهر الكوكب؟ ثم اين شكره للنعم التي يعيش بها في كوكبه؟ وحياته في هذا الكوكب, ألا يدخله اليأس أو التفاؤل ؟ الكسل أو النشاط؟ الرضى عن الذات أو السخط؟ إضمار الخير أو إضمار الشر؟ البحث عن الحقيقة او البهيمية والبحث عن الملذات - دون الرغبة حتى في معرفة الحقيقة - ؟ الرغبة في إفساد بيئة الكوكب أو إصلاحها؟ كل هذه من الأخلاقيات مع النفس , فلنا أخلاق مع أنفسنا تبعا للحقائق عن أنفسنا .

كل حقيقة تنتج موقفين : أخلاقي أوغير أخلاقي , فواجبك في وقاية نفسك من الأمراض أو إهمالها مثلاً ، يُحسب لك كموقف اخلاقي أو يحسب عليك كموقف لا أخلاقي , وعندما تتكاسل في العناية بأسنانك مثلا ، أنت الآن تمارس سوء اخلاق مع نفسك ؛ لأن هناك حقيقة انتجت واجباً أخلاقيا وأنت لم تكترث لهذا الواجب , فاين المجتمع هنا ؟ كذلك الأمر يحصل لصديقنا إنسان الكوكب الفارغ , فلا بد من أن له أسنان, والدليل على وجود الأخلاق مع النفس هو أنك تكره نفسك وانت تقصر في حق نفسك مثلما تكره نفسك وأنت تقصر في حق غيرك , ومن هنا نفهم سرّ تحريم الانتحار في الإسلام ، لأنه غير أخلاقي مع الذات ومن يرتبطون بها.

 ومن هنا نفهم ان كل شيء في حياتنا يضعنا بين طرفي ثنائية, وهذا يدلنا على الاختبار الكبير الذي يضعه الخالق لنا في كل لحظة ، سواء كنا مؤمنين به أو غير مؤمنين, فهذه اختباراته امام الجميع على شكل ثنائيات لا تنقطع إلا بانقطاع الحياة ، وهي دالة على وجوده , وإلا فلماذا الثنائيات لو كانت الحياة عبثية ؟ وهذا ايضاً يدل على وجود الإرادة الحرة , فوجود حجر ملقى في الطريق ينتج ثنائية : أخلاقية أو غير أخلاقية , فإما أن تزيله عن طريق الناس أو تتركه دون أن تنبّه على وجوده حتى . وشجرة ظامئة مع إمكانية سقيها تنتج ثنائية , وأي حقيقة تعرفها تنتج ثنائية تصديقها أو تكذيبها , وهكذا.

وموقف موسى مع الخضر المذكور في القرآن يكشف لنا ان الأخلاق مبنية على : (المعرفة + إرادة الخير) , أي الطرف الإيجابي من الثنائيات : {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} أي الإيجابي من الثنائيتين , فلم يكن تصرف موسى أخلاقيا في الحالات الثلاثة التي مروا بها معاً , مع أنه يملك نية الخير, بينما كان تصرف الخضر اخلاقيا لأنه يملك نية الخير+المعرفة . ولهذا نقول عن موسى انه أخلاقي لكن مواقفه من المشكلات الثلاثة كانت غير أخلاقية بسبب جهله بالحقائق التي يعرفها الخضر, ولا يُلام أحد أخلاقيا إلا بعد معرفة الثنائية .

وكون الأخلاق محصورة بالمجتمع فقط ، هذا يعتبر اتهام للإنسان بالنفاق الاخلاقي ، حيث أنه يمارسها مع المجتمع ويتحرر منها اذا كان بمفرده . يجب الا ننسى ان الاخلاق فكرة و نية قبل ان تكون عملاً ، وليس كل ما نفعله من أجل المجتمع نكون مقتنعين به , وإلا فبناء على ما سبق وبموجب منطق من يقولون ان الاخلاق محصورة بالمجتمع فقط ، نستنتج أننا نفعل الاخلاق ونحن غير مقتنعين بها دائما من أجل الناس !! ويالتالي فمن يعمل الاخلاق لاجل المجتمع هو غير اخلاقي .

وينصرف التركيز في اذهان البعض على الفعل الاخلاقي وحده ، ناسين او متناسين انه لا فعل بدون نية ، فالمتهم يُدان إذا كان عن سبق اصرار و ترصد ، اي بنيّته ، ولا يُدان من اضرّ بالآخرين بدون قصد . إذاً هذا القصد يقصده الانسان ، سواء كان بمفرده او مع الناس . واذا كانت الاخلاق منشؤها المجتمع كما يزعم البعض ، فلماذا جميع افراد المجتمع نفسه ينتقدون هذه الاخلاقيات وهي منهم أصلاً ؟ ثم لماذا اجتمع المجتمع اساسا وكوّن القرى والمدن ؟ هل لأجل صنع الاخلاق ؟ أم لأجل صنع الرفاهية والوفرة بدافع اناني شخصي مصلحي وليس لاجل المجتمع ؟

كل افراد المجتمع متضايقين من اخلاق المجتمع ، بل ومن وجوده وزحمته وتنافسه ؛ وهذا لانه مجتمع مصلحي ، إذاً فمن الذي صنع اخلاق المجتمع حتى يصبوا لومهم كله عليه ؟ إن المجتمعات تصنع المصلحة وتجتمع عليها ، ولا تصنع ولا تجتمع على الاخلاق ، باستثناء نوعيات لا تطيعهم رؤوس المصالح و هم في صراع مستمر معهم .

ومراعاة المصلحة العامة لا تعدّ أخلاقا ، بل من باب المصلحة الخاصة النامية المنتفخة . ووعي اي مجتمع بالمصلحة العامة دليل على شدة وعيه بالمصلحة الخاصة وخوفه عليها أكثر من غيره ، وليست دليل رقي اخلاقي ؛ بدليل أن المصلحة العامة لاي مجتمع تكون على حساب مجتمعات اخرى في اكثر الاحيان ولا يعبأ أفراد المجتمع الأول بذلك ، مثل الاستعمار والعولمة والتحكم بمصائر الشعوب والتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد الاخرى ، هذه اعمال غير اخلاقية يقرّها المجتمع لمراعاة المصلحة العامة ، مما يدل على ان المصلحة العامة ليست إلا مصلحة خاصة متضخمة . وإلا فلو كان الوعي بالمصلحة العامة بدافع اخلاقي سامي ، لما رَضِيَت تلك الشعوب الحرة في الغرب مثلا بتسليم اراضي الناس لغيرهم والسماح بتشريد شعوب عن اوطانها والسيطرة الاقتصادية والسياسية والتدخل في مصائر الشعوب والراسمالية العالمية .. إلخ من الاعمال اللا اخلاقية التي يعرفون أنها كذلك . ولكنها تدعم المصلحة العامة والخاصة ، مما يعني انهم ما زالوا في سياق المصلحة ولم  يخرجوا إلى نطاق الاخلاق . ولن يصل احد إلى الاخلاق عن طريق تضخّم المصلحة : (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) ، فقلب على الاخلاق ، وقلب على المصالح !! وماذا يفعل اذا تعارضا ؟

الأخلاق ليست عملا فقط ، الفعل هو الصورة النهائية للأخلاق ، ولكنه ليس كل شيء عن الاخلاق , تصوّروا معي جثتين : أحداهما مقتولة عمداً بأداة معينة ، والأخرى مقتولة بالخطأ و بنفس الأداة . قاتل الجثة الأولى يُلام ويجرّم ، وقاتل الثانية يُعزَّى ويوقف بجانبه , والفعل واحد ! هذا المثال يُسقط تعريف الأخلاق بأنها مجرد فعل لاجل تنمية المصلحة أو لحماية المصلحة , وإلا فأين فكرة المصلحة المصاحبة للأخلاق كما يدّعي البعض ؟ فكلاهما قد أضرّ بالمصلحة وأتلف حياة , إذا فلو كان المحكّ هو المصالح ، لعوقب من يقتل دون قصد مثل من يقتل بقصد ، ولتساوى الإثنان بناء على الإضرار بالمصلحة .

وزعم البعض ان المفهوم الاخلاقي تطور ليُدخل مصلحة البيئة في إطار الأخلاق ، والصحيح هو أن الأخلاق مع البيئة موجودة من الاساس وتفرضها الاخلاق عند كل شخص يعرف الاخلاق على قدر معرفته بالبيئة . وليست مفهوما جديداً مبتكرا كما يتصورون . والأخلاق مع البيئة هي أخلاق انتبهت لها الاديان - خصوصا الإسلام - الذي يحرّم أن تقطع شجرة أو تحرق الارض حتى بدافع عسكري, والإسلام مثلا حرّم الإسراف في كل شيء حتى الماء والصيد بدون حاجة .
 .

وزعم البعض انه لكي يكون العمل اخلاقيا فلا بد ان يكون مرتبطا بالمصلحة . سواء مصلحة الفرد او المجتمع او البيئة . و أنها تتمثل بأخذ مصالح الاخرين بعين الاعتبار. ولكن ما الدافع لاخذ مصالح الاخرين بعين الاعتبار من شخص مصلحي ؟ فاذا كان الفعل بدافع المصلحة فهو ليس بأخلاق ، وإنما مجرد تنمية مصالح . والنية لا تجمع شيئين مع بعضهما ، مثل أن تُجمَع نية الاخلاق مع نية المصالح . لا يستطيع احد ان ينوي شيئين في ذات الوقت . و كيف ينجح التاجر الراسمالي اذا اخذ مصلحة الاخرين بعين الاعتبار؟ هل المقصود انه يكون اخلاقيا عندما يتركهم احياء بعد أن نظف جيوبهم في نظر هؤلاء ، وبالتالي يكون اخذ مصلحتهم بعين الاعتبار ؟

الكسب والتكسب من وراء الناس باي شكل من الاشكال هو ضد مصالحهم ، واغراؤهم بالشراء عن طريق الدعاية وترويجها للاطفال والنساء والحاجات والاحتكار والتجارة وانتهاز الفرص والربا والراسمالية ، إلخ ، هذه كلها غير اخلاقية لانها تمس مصالح الناس ، وهي عماد المجتمع المادي ، والراسمالية غير اخلاقية لانها تجمع مصالح الناس عند شخص واحد ، طالما ان مقياس الاخلاق هو مضرة المصلحة . والراسمالي الذي يريد ان يجمع المال من مصالح الناس وجيوبهم ليكوّن بهذا ثروته ، ولا يهتم لاي مدى من الفقر يصل اليه الناس طالما لم يسرق ، فهو لا يضع حدا للمبلغ الذي يريد أن يكسبه من الناس ثم يتوقف عن جمع المال , اي يريد أن يأخذ كل ما معهم ان امكن ! هل يكون هذا العمل اخلاقي او غير اخلاقي في منظور المصلحة ؟ اذا كان اخلاقيا فيجب ان يُمدح .

واذا جارينا هذا الزعم بان الاخلاق مصالح ، سيكون من المفترض ان تكون المصالح سامية ، وبالتالي اكثر شخص حريص على المصالح هو الشخص الاكثر جمالا في المجتمع واثارة لمحبة المجتمع له واخلاقه ، لأنه (يموت في دباديب القرش) ، ويزدرد المصالح ازدرادا ولا يفرّط بشيء منها ، فياله من شخص عظيم تخجل الناس حين تراه لسمو اخلاقه الموظفة للمصالح ! هذه هي صورة الاخلاقي كما رسمتها ريشة المادية. وفي المصالح وسباقها لا بد من متضرر ، وهذا التضرر ليس عملا اخلاقيا ، اذا المصلحة تنافي الاخلاق .

الراسمالي والتاجر والسمسار يتمنى ويحاول ان ياخذ ما بايدي الناس بغير طريقة السطو او السرقة لانها تضره ، فاذا غَبنك التاجر في صفقة مستغلا جهلك ، فهو مثل من سطى عليك ، والقانون لا يحمي المغفلين ، هو نفّذ الصفقة وهو يعلم انه سيضرك,  فهل يكون هذا العمل اخلاقيا ؟ اذا المصالح تُناقض الاخلاق بالضرورة ، والمصالح اذا لا تحمي المصالح ؛ ومصائب قوم عند قوم فوائد ، فكلما استمريت في تتبع المصالح كلما عارضت الاخلاق اكثر (قانون) . وربما لو طلبت النصيحة من التاجر لنصحك باتمام الصفقة التي يعلم انها تضرك ، ويبرز لك ميزاتها ويخفي عيوبها ، وهو بهذا الشكل يحافظ على مصلحته . اليست المصلحة تعتمد على الاخرين اصلاً ؟ فحتى تكون ناجحا فلا بد ان يفشل الكثيرون ، اذا المصالح قائمة على مضرة الاخرين ، اي ان المصلحة قائمة على اللا اخلاق ، باشكال متعددة ودرجات متفاوتة ، وبقدر فشل الآخرين يكون نجاحك متحققا ، ورجل الاعمال الناجح هو من يجعل الناس يفشلون في جمع المال بينما تتطاير الاموال الى جيبه هو خارجة ً من جيوبهم وليس من الارض بالطبع . اذا كيف يُنتج الشيء ضده ؟ ففاقد الشيء لا يعطيه : كيف تنتج المصلحة اخلاقاً ؟ بينما المصلحة لا بد لها من طرف متضرر حتى تسمى مصلحة. لا توجد صفقة يكون فيها الجميع رابح بنفس الدرجة. إذا المجتمع المصلحي تجمعوا لافتراس بعضهم البعض .

فالمصنع لا يحسب تكاليفه ثم يبيع منتجه بسعر التكاليف فقط . وسباق المصالح غير محدود ، فلو استطاع المصنع ان يبيع المنتج بمئة ضعف تكلفته لما ساءه ذلك ولو كان على حساب المستهلك, واعتبر ذلك نجاحا على حساب الآخرين من مصانع ومستهلكين , وهكذا نرى ان المصالح ليست اخلاقية : (انك لا تجني من الشوك العنب) .

في الوضع الاخلاقي الحقيقي ، يضحي الانسان بمصلحة مادية مقابل مكسب معنوي ، مما يتفق مع ثنائية الانسان : الروح والجسد ، التي تتمثل بالحياة المعنوية والحياة المادية للانسان ايضا ، فالجميع اذا مستفيد والمحبة موجودة ، تقف وتساعد إنسان متعطل وتخسر من وقتك ومجهودك وتلوث ملابسك ثم تذهب وانت مسرور مع أنك لم تكسب شيء بل خسرت, هذا السرور يعني أنك كسبت معنويا, وهذا السرور لا يتحقق لو أنك كسبت ماديا ما خسرته ماديا ، مما يثبت أن المعنوي أثمن من المادي ، ويثبت ايضا ان الاخلاق غير قائمة على المصالح . ولكن في حمّى المصالح يكون الاعتماد على غالب ومغلوب ، وبالتالي لا توجد محبة بينهما . وبالتالي المجتمع لا يحب بعضه البعض ، وما الذي أقام الشيوعية إلا حمى المصالح الرأسمالية .

المصالح تابعة لحياة الانسان المادية، والاخلاق تابعة لحياة الانسان المعنوية، و كلاهما من عالمين مختلفين قدر اختلاف الروح عن الجسد .

وذكر أحدهم أن من يعطي الفقراء ويساعدهم يكون بذلك قد افاد مصلحة المجتمع ! لكن المعطي للفقراء تتضرر مصلحته هو ، فهو من المجتمع ايضاً ! فكيف يفيد المجتمع على حساب مصلحته الخاصة التي طالما تعب على تجميعها ؟ وبدلا من هذا كان عليه أن يترك للناس أموالهم من الأساس بدلا من أن يجمعها منهم ثم يتبرع بها لهم ! (من خيره كفاية شره) ،  واذا كان المعطي قلبه على مصلحة المجتمع ، كان الاولى عليه الا يكسب من وراءهم من الاصل ، الا ان كان خائفا من الحسد !

ويدّعي البعض ان القتل المتعمد عادة يعتبر فعلا إجراميا يعاقب عليه الفاعل و هو مرفوض من المجتمع في الظروف الطبيعية .لكن نفس هذا المجتمع يبارك لجنوده حين يقتلون من الأعداء في حالة الحرب ، و يرتقي القتل ليصبح عملا بطوليا. ومن هذا المثال عن تغير النظرة إلى فعل (القتل) يزعم القائلون بنسبية الاخلاق . ولكن هل كل دول العالم ومجتمعاته تقر للمجتمع الذي يبارك لجنوده القتل ؟ طبعا لا . يجب توسيع كلمة (مجتمع) هذه حتى تتضح الصورة . فاذا كانت المجتمعات الاخرى المحايدة تؤيد هذا العمل فسيكون عملا بطوليا ولا شك .

الاخلاق والعقل : يبرزان بوضوح اذا غابت المصلحة ، فإذا حضرت المصلحة اختلّت موازين الاخلاق والعقل ، وكما قالوا : آفة الراي الهوى . وهذا يدل على العداء الشديد بين المصلحة من جهة والاخلاق والعقل من جهة ، ومدى الارتباط الشديد بين العقل والأخلاق . وكما قال المتنبي :

ولو حيز الحفاظ بغير عقل*** لفارق عنق صيقله الحسام ..

والجمع بين الثلاثة مستحيل ، فلا بد من التضحية بأحدهم.

ومن يساعد المحتاجين وذوي الاحتياجات الخاصة بدافع المصلحة من شهرة او غيره ، لا يكون اخلاقيا ، بل لا يزال في اطار المصلحة ، ولو علم الفقير أن ذاك الشخص ساعده لاجل مصلحته الخاصة لاشمئز منه ، جرّب ذلك : ساعد انسانا وقل له : اني عملت هذا العمل من اجل مصلحتي المادية الخاصة والعامة وليس رحمة بك ولا حبا فيك ، فماذا سيرد لك ؟ هذا يكشف مدى الزيف الكبير في الفلسفة المادية ، فالواقع كفيل بان يكشف هذا الزيف ، مادام المنطق غير كافي . لان اضعف نقطة في الفلسفة المادية هي الانسان ، فهي تملك نظرة احادية مادية للانسان ، ومن هنا اصابها الخلل, كما ذكر الأستاذ عبدالوهاب المسيري.

اريد ممن يدعي أن الأخلاق دافعها المصالح ان يفسر لي سوء الاخلاق بناء على فكرة المصالح ذاتها ، إن من يمارس سوء الاخلاق سيقال عنه أنه فعل سوء الأخلاق من اجل مصلحته ، في نفس الوقت الذي يكون فيه حسن الاخلاق بدافع المصلحة أيضاً ! فكيف يكون للضدين دافعٌ واحد ؟

ثم اذا كان عدم الاضرار بالمصالح هو مبدأ الأخلاق ، فهذا يعني أن الصبر والحلم ومساعدة الآخرين هي سوء أخلاق لأنها إضرار بالمصلحة الشخصية !! وهذا من ضمن التناقضات اللانهائية في الفكر المادي الخاطئ . وما بني على خطأ فكل نتائجه خطأ .  

السؤال هو : مادامت الاخلاق في سلك المصلحة كما هو مزعوم ، فلماذا امتازت عنها بالشرف والسمو ؟ فالمليونير لا يكون له قيمة وهو يجمع الاموال ويقيم المرافق ، لكن يذكره الناس عند تبرعه او عند موقف فيه تواضع فقط ، وان لم يتبرع بشيء . وتظل عائلته تفتخر بهذا الموقف الأخلاقي الذي يعارض المصلحة ولو بعد مئة سنة من موته , ونحن نعرف اناسا ماتوا من الاجداد والاباء لا يذكرهم الناس الا بمواقفهم الاخلاقية ولو كانت صغيرة . اي أن تاريخنا هو ما نعاكس به مصالحنا . وليس ما نساير به مصالحنا .

ومن يغامر لينقذ اطفالا ليخرجهم  من خطر مثلاً ، ففي أي حوض تصب المصلحة هنا : حوض الفرد أم في حوض المجتمع ؟ عملية الانقاذ هذه خدمت من ؟ اذا قيل انها خدمت المجتمع ، فلماذا خُلِّد المنقِذ (الفاعل) ولم يخلَّد المُنْقَذ ؟ وإذا قيل أنه يصب في مصلحة الفدائي (المضحي) فأين هي المصلحة بالنسبة له ؟ فهو قد قارب من الموت ، وتعرض لاضرار جسدية جراء عملية الانقاذ . فاين مصلحتك في ان تنقذ اطفالاً من خطر وانت لا تعرفهم ، غير ما لحقك من ضرر واصابات ؟

ربما قال البعض : لو كنت تقف على طابور لأداء غرض ما ( مصلحة حكومية ، عيادة ، مخبز ، إلخ ) و جاء شخص و اخذ دورك بالاكراه دون اي اكتراث لكونك قبله أو أي اكتراث بنظام الطابور ....ماذا سيكون موقفك ؟؟
ببساطة سيكون الموقف - بعيدا عن الإيمان و الإلحاد - ان هذا الشخص تصرف بشكل غير اخلاقي لأنه لم يكترث بمصلحتك و مصلحة الناس بخرق نظام الطابور .

والرد على هذا هو أن خرق نظام الطابور هنا يشبه لان تذهب الى اجتماع عمل بملابس الرياضة ، سيقال عنك نفس الشيء ، فهل ملابس الرياضة عمل غير اخلاقي ؟ هذا عٌرف اجتماعي ومن يخرق العرف يُنتقد ، احيانا يكون العرف مبني على اساس اخلاقي مثل الطابور لأنه مبني على الحق , واحيانا لا يكون ، كملابس اي شعب ليست مبنية على اساس اخلاقي ، ولكن الويل لمن يلعب بالزي الوطني ، وسيكون اضحوكة ومحلا لاستهجانهم . منتقصين من اخلاقك وعقلك .حتى وانت لم تضر احداً ولم تتعرض لمصالحهم!


ويقولون أن الأخلاق تتراوح قيمتها سلبا أو إيجابا على الضرر و المنفعة في التعامل مع هذه المصالح مهما كبرت او صغرت هذه المصالح.

حسنا ، واذا كان الطرف الاخر يرى ما تفعله انت ضررا وليس بمنفعة ، هل يعتبر تصرفك معه تصرف غير اخلاقي أو أخلاقي؟ مثل الاب الذي يفرض على ابنه الدراسة في مجال معين لا يحبه الابن ، فهل الولد يرى ان اباه في هذا الموقف يتصرف معه بلا اخلاقية ؟ ام انه يعذره لنيته الطيبة ولكنه غير فاهم لرغبات الفتى ومواهبه ؟ اذا ليس الضرر والمصلحة هما اساس الاخلاق . فماذا تُراها تكون ؟ الا الرغبة في عمل الخير ، والخير هو الحق . فاذا اردت الحق وقمت به فأنت قد عملت خيراً ، حتى لو كان يراه الاخر شرا ، وما الاخلاق الا نوع من الحق ، اذا صاحب الاخلاق هو من اراد ان يستقيم على الطريق الصحيح . من اخبرنا بالحقيقة حتى ولو كانت مخالفة لهوانا يكون قد تصرف معنا اخلاقيا . وهو قصد الحقيقة فوقع في الاخلاق . ومن اخبرنا بغير الحقيقة حتى ولو وافق هوانا وعاملنا بلطف فهو غير اخلاقي .

فالحق والاخلاق بينهما عموم وخصوص ، فما يسمى اخلاقا داخل في الحقائق . فالاخلاق مرتبطة بالحقائق وليس بالمصالح . وبشكل عام : نحن نستفيد من الحقائق وليس من الكذب ، فبعض الحقائق تتضح المصلحة فيها ، ولكن البعض لا تتضح فيها ، ولكنها موجودة ويجدها من أحب الحقائق اكثر من غيره ، لهذا القرآن نزل بالحق ، والله اسمى نفسه الحق ولم يسمي نفسه الخُلُق . الرحمة والعطاء والتضحية والعدالة تعمل في تماسك المجتمع تماسكا حقيقيا ، واذا جرّدنا المجتمع من الاخلاق فالوضع لا شك سيء اي خاطئ ، فبالتالي الوضع الاول هو الحق ، والآخر هو الباطل . والآخر سيكون مبنيا على المصالح والانانيات ، اذا المصالح تناقض الاخلاق ولا تصنعها .


و يقول من يقول انه برزت الحاجة لتطوير النظم و القوانين باستمرار مع ازدياد الادراك للمصالح وتشابكها مع مصالح الغير ، سواء على صعيد الفرد او المجتمع او البيئة ، ويقدم امثلة على ذلك : أن البشر لم يكونوا يدركوا أن دخان المصانع و التلوث المرافق خلال فترة الثورة الصناعية له اثار ضارة جدا على صحة المجتمع و على البيئة في المدى البعيد .... وانهم كانوا فقط يرون الجانب الإيجابي المتعلق بتقدم الانتاج الصناعي. مما ادى لاحقا لإصدار قوانين تجرم إقامة مصانع دون معايير بيئية محددة.

وهذا مما يؤيد كلامنا ان الاخلاق مبنية على الحقائق ، فلما اتضحت حقيقة التلوث صار من يفعله مسيء اخلاقيا ، اذا الاخلاق مرتبطة بمعرفة الحقيقة ، وهذا هو سر الاختلاف الشكلي للاخلاق الذي يعوّل عليه البعض كثيرا في تسطيحهم للاخلاق ، بين المجتمعات والافراد على حد سواء ، فالبعض عرف والتزم والبعض الآخر لم يعرف ، ولو عرف لالتزم أو لم يلتزم . اذا الاخلاق هي معرفة الحقيقة والالتزام بها أو طلب المعرفة لأجل الاخلاق ، هذا هو تعريف الاخلاق . وهذا يجري في كل ما يتعلق بالانسان ، كله يحتاج الى معرفة حقيقية ، في محور الوجود والخالق ، ومحور الآخرين ومحور البيئة والمخلوقات والنفس أيضا. وبناء عليه اي منطقة لا معرفة فيها تساوي عدم اخلاق . والملحد ينكر وجود الله اي عدم اخلاق في هذه الناحية الواسعة التي تسقط بظلالها على بقية الحياة ، لانه لا يملك معرفة بديلة ثابتة . ومن لا يعرف عن البيئة لن يكون اخلاقيا مع البيئة . ومن هنا نجد الترابط الوثيق بين الاخلاق والمعرفة . وطالب الاستقامة سوف يبحث اذا عن المعرفة ، لأن المعرفة مفترق طرق بين الاخلاق واللا اخلاق ، ومن لا يريد ان يعرف هو لا يريد ان يكون اخلاقيا . فالملحد الذي يقول لا اعرف ولا اريد ان اعرف ولا أبحث ، فهذا هل يكون اخلاقيا في هذه الناحية ؟ مثله مثل من يقول: لا اريد ان اعرف شيئا صائبا او خاطئا عن البيئة ، فهل نسمي هذا الشخص أخلاقيا مع البيئة ؟

(إنما يخشى الله من عباده العلماء) ، (وبالحق انزلناه وبالحق نزل ) ، ولم يقل : بالخلق ، لأن كلمة الخلق عادة تستعمل فيما يتعلق بما بين الناس من تعامل . فلا تجتمع الاخلاق مع الجهل . ومن هنا نفهم ارتباط الاخلاق بالايمان الحقيقي وحاجتها اليه ، فالحقائق احيانا تكون موجعة ، والاخلاق بنت للحقائق ، اذا من يتحمل الاخلاق هو من يتحمل الحقائق . وما البديل وما التعويض؟ هنا يأتي الدور المنطقي لوجود إله خيّر .

يضحي الإنسان حتى ولو لم يقدَّر من الناس ، فهو يعلم ان الله لا يضيع اجر من احسن عملا ، وأن هناك ما يعوضه من رضا الله وحياة اخرى عادلة اذا هو تحمل ظلم هذه الحياة . هنا يستطيع المرء ان يمارس الاخلاق .

اما ان يكون انانيا ماديا دنيويا فلن يستطيع ممارستها اذا عارضت المصالح, ويستطيع إذا لم تعارض, وهو المحك الذي تسمّى على اساسه اخلاقا ويكون الانسان مختارا للاخلاق ، أما اذا وافقت الاخلاق المصالح فإن الشخص مصلحي وليس اخلاقي هنا . ومن هنا جاء احترام العلماء واجلالهم لانه نابع من اجلال الاخلاق ، مثل اجلالنا لشخص مضحي ، وكل من ارتبط بالحقيقة سياخذ حقه من الاحترام والاجلال ، حتى احترام كبار المجتمعات من قادة او رجال اعمال او مشاهير كله اساسه على مظنة الاخلاق ، فاذا انكشف سوء اخلاقهم سقطوا ، والجميع يعرف ان اي خلق يقوم به هؤلاء سينتج محبة ملايين البشر ، وشخص تحبه الملايين ليس مثل شخص يحبه شخص واحد او شخصين . 

ويضرب البعض الامثلة الاخرى من مثل  السطو على الملكية الفكرية  وصيد الكائنات المهددة بالانقراض ...

ولكن هذا لا يعني تطورا للاخلاق ، بل تطور معرفي . فهل نستطيع تجريد هذه الاشياء من المعرفة ونسميها اخلاقا فقط ؟ اي : لو اكتشف العلم مثلا ان الملابس الزرقاء تؤثر سلبا على صحة الآخرين ، سيكون بعد هذه المعرفة موقف الناس اخلاقي او غير اخلاقي ، فالخياط الاخلاقي لن يخيط لك ثوبا أزرقا وخياطا اخر في السوق السوداء لا يرى باساً ، فهل هذا يعني ان الخُلُق تطور أم ان المعرفة تطورت ؟

مبدأ عدم الاضرار بالآخرين اخلاقي ولم يتغير ، بل تطورت المعرفة بأشياء جديدة تضر بالآخرين ، اضافة الى الاشياء القديمة المعروف مسبقا ضررها بانها تضر بالاخرين ، وهذا لا يسمى تطور اخلاقي ، بل تطور معرفة تحدد الاخلاق . ومع الزمن يكتشف الناس الجديد والجديد مما يجب ان يقف الناس منه موقفا اخلاقيا . وهذا يؤكد ما أقول عن ان ما لا معرفة فيه لا مجال للاخلاق فيه . ومن لا يملك اخلاقا لا يملك معرفة . والاخلاق هي معرفة + موقف متجرد من المصلحة احتراما لهذه المعرفة . اي للعلم ولو كان على حساب المصلحة , ولهذا الاخلاقي يحتاج الى المعرفة حتى يميز الخير من الشر في هذا المجال أو ذاك . ولعمري هذا هو احترام العلم الحقيقي وليس ما يدعيه الماديون ، لانه لا حاجة حقيقية لهم بالمعرفة ، ومن يتبع الرغبة والهوى لا يحتاج من المعرفة الا ما يخدم هذه الاشياء ، وبالتالي ستكون معرفة ناقصة وغير مترابطة ، أما المؤمن الاخلاقي فهو يحتاج إلى كل المعرفة ، لهذا فهو مضطر للفلسفة والعلم , فالعلم معرفة والملحد يدعي احترام العلم بينما هو يعيش لأجل المصلحة , فكيف يفعل إذا تعارضا ؟؟

سيكون موقف الملحد أجمل لو كان يقول أنا أحترم العلم ولو كان على حساب المصلحة. اذا المصلحي لا يحترم العلم ، بل يحترم المصلحة وما يتفق معها ومع هواه ، سواء من جهل او سوء اخلاق او من علم او من اخلاق او من اي شيء يخدمها ويغذيها ، وبالتالي يكون انسانا بلا مبدأ ، لهذا يحاول الماديون ان يقنعونا بان الاخلاق ليست ثابتة ، لان المبادئ ثابتة , لكي يفسحوا لانفسهم حرية التنقل بين الاضداد تبعا لاقتضاء المصالح .

والمعرفة والعلم لا يكفيان لصنع انسان اخلاقي ، كما توقع سقراط من أن الجهل هو سبب الشر ، والحقيقة أن الجهل نتيجة لعدم اختيار الخيرية ، بل المصلحة . واختيار الخيرية ينتج المعرفة الحقيقية . واختيار المصلحة ينتج الجهل .

المعرفة تأتي بعد الاختيار ، ولا يأتي الإختيار بعد المعرفة . لا بد ان تختار الخير حتى تتعلم ، لان اخلاقك ستدفعك لمعرفة الحقيقة . ومتعلم كبير لاجل المصلحة لا تنفعه معرفته اخلاقيا ، وشخص غير متعلم ولكنه اخلاقي ، يستفيد اخلاقيا من معرفته حتى ولو كانت قليلة .



الفضيلة ايضا فطرة ، والفضيلة اقرب الى الاخلاق من المصلحة ..



و الجنة مكافأة للمؤمنين ، و لكن رضوانٌ من الله اكبر من الجنة .. والأخلاق لا تـُكافأ بالمادة ، الأخلاق تـُكافأ بالأخلاق .. والرضوان غير مادي .. و الله يقول : (سارعوا الى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات والارض) .. اذاً الله يكافئ الأخلاق بأخلاق الهية ، والله وعد من يطيعه بعطاء بغير حساب .. و هذه هي الأخلاق : عطاء بلا حساب ..



كل من يفعل الخير والفضيلة وهو يرتقب الجائزة ، فهو يعمل لأجل الجائزة وليس لأجل الفضيلة .. و المؤمن يفعل الخير والفضيلة لأن الله يحب منـّا هذا الشيء ، و لأن الله فطر نفوسنا على حب الخير و لأننا نحب الله ، و لأن الخير هو الجمال ، والله فطر نفوسنا على حب الجمال ..



المؤمن الحقيقي يهمه رضا الله عنه ، لا أن يحسّب ماذا سيـُعطى إذا فعل كذا او كذا .. قال المؤمنون : (إنما نطعمكم لوجه الله) ، وهذا يدل على محبة الله أكثر من محبة ما عند الله ، فالوجه يرمز للمحبة ، و المؤمن الحقيقي يحب ربه أكثر من حبه للجنة أو البركة أو الرزق .. و هذا من تمام الاخلاق مع الله .. تصوّر ان احدا يحبك لاجل ما عندك ، وليس لاجلك ! هذا ينافي تمام الاخلاق ..



و هذا ليس زهدا فيما عند الله ، وإلا لكان تكبرا .. لكن المؤمن يعرف أن الله إذا رضي عنه فسوف يرضيه ، ولا اشتراط على كريم من كرم الاخلاق .. و الله يعرف كم هي حاجتنا اليه ، وهذا ايضا لا ينافي الدعاء ، وطلب العون والغوث من الله ، في الدنيا والاخرة .. لأن إبداء حاجتنا لله دليل على تواضعنا له ، لكن ان نقدم حاجتنا على حب الله ، فهنا يختل الميزان الاخلاقي ، اذ تكون حاجاتنا اهم من الله كما فعل بنو اسرائيل ..



الاخلاق مع الله باب عظيم ، يستحق الاهتمام ، لأن من لم يتعامل مع الله بأخلاق ، فلن يستطيع ان يتعامل مع الناس بأخلاق من باب اولى ..



يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة : 54]



وهذا يعني ان الاخلاق ليست سلوكا فقط ، بل هي نية وفكرة قبل ان تتحول الى سلوك .. وبعض النوايا والافكار قد لا يكون لها فرصة لان تتحول الى سلوك .. اذا تعريف الاخلاق بأنها سلوك فقط ، تعريف غير دقيق ، وقد يفعل المرء عملا حميدا ولكن بنية خبيثة ، أو العكس فيعمل عمل سيئا و لكن بنية حسنة .. اذا ليست الاخلاق مجرد سلوك ، فالاعمال بالنيات ..


تلك التعريفات الغربية للاخلاق ذات الاساس المادي ، تتناقض مع المفهوم الاسلامي الاصيل والراقي للاخلاق ..