السبت، 20 مايو، 2017

مصطلح المثالية العقلية

يتفق دارسي الفلسفة على تقسيم الفلسفة إلى مثالية و إلى مادية واقعية، وهذا التقسيم يتعلق باتجاه التنظير أو كيفية التناول، ولفظة المثالية هنا لا تعني الأفضل والأرقى، بل من أصل كلمة idea التي تعني فكرة، أي فكرة من عالم المثل والتي أصلها يوناني، حيث كان اليونان يعتقدون بوجود عالم المثل، وأن كل شيء موجود على الأرض توجد منه نسخة مثالية في عالم المثل، أي عالم الآلهة المتعددة ، ومصطلح المثالية العقلية يقصدون به في هذا الزمن من يتبعون النسق العقلي المنطقي دون الرجوع للواقع

إن المثالية العقلية - بمعنى فكرة واحدة يرتبط بها كل شيء بالنسبة للإنسان - ويحاول تطبيقها على الواقع ولكنه لا يستطيع لأنها لا تنسجم معه. هذا النوع من المثالية متطرف، وله عدة أشكال وتطبيقات تتسع باتساع الحياة ومجالاتها، فهناك المثالية الدينية (المثالية التطهُّرية ؛ كاليهودية التلموديّة وبعض المذاهب المتطرفة سواء في الإسلام او المسيحية) ، وأيضا المثالية العلمانية، والمثالية العلْمَويّة، والمثالية الفلسفية، والمثالية الاقتصادية كالشيوعية، والمثالية الفردية كالاعتماد على الذات فقط والعصامية وعدم الاعتماد على الآخرين، وغيرها كثير .. بل حتى البراجماتية والنفعية فلسفة مثالية، لأنها مبنية على المصلحة البحتة ولا شيء آخر .. كذلك المثالية الليبرالية فلسفة مثالية أيضا، لأنها تنادي بالتحرر المفرط، وهذه فكرة متطرفة وغير واقعية، بالذات لأن الإنسان لا يكتسب معناه ولا يرتاح إلا بالارتباط. كل هذه الإيديولوجيات المثالية لا يمكن أن يطبقها الإنسان بسبب تطرفها. وهي التي تتصارع على ارض الواقع.

المنطق يجب أن يتعانق مع الواقع، بحيث يكون هناك تبادل بينهما، حوار، (ديالوج)، كالضفيرة المكونة من حزمتين، تدخل هذه في تلك، وهذه في تلك. لا أن ينفرد الإنسان بأحدهما دون الآخر. إذن من يتبع فلسفة عقلية فقط سيصطدم بالواقع، ومن يتبع الواقع فقط سيصطدم بالعقل، والانحراف الذي حصل في فلسفة العلم الحديث هي الاكتفاء بالعلم دون العقل، وهذا جرّد كل طرحهم من القدرة العقلية والإقناع، فصار العلم يؤخذ بالثقة لا بالعقل. والاكتفاء بالعقل دون الواقع هو ما أنتج فلسفات غير قابلة للواقع ولا تهتم له، كفلسفات أفلاطون و هيجل و كانط، بل حتى دخلت المثالية العقلية في أنواع من العلوم مثل ما دخلت في العلوم التفسيرية، كعلم نفس فرويد التحليلي ونظرية داروين للتطور، حيث نجد نسبة الطرح العقلي واستحلاب الأدلة أكثر من الواقعية والتجريبية فيهما. وغالبا ما تكون الفلسفة المثالية ذات فكرة واحدة وتريد تعميمها على كل شيء، مثل فكرة الجنس عند فرويد والاقتصاد عند ماركس، حيث يفسران من خلالهما كل مجريات التاريخ، كذلك التطور أصبحت نظرية لكل شيء، فالحضارة تطور والاجتماع تطور والاقتصاد تطور، وطبقات الأرض تطور، ونشوء الكون تطور، أيضا إرادة القوة عند نيتشه هي نظرية لكل شيء، ويفسر من خلالها صراع الطبقات و وجود الأديان ، مثل فكرته عن السوبرمان. نجدها موغلة في المثالية، لأنها تقتضي أن يقضي الابن على أبيه العجوز لأنه ضعيف ويعيق التنمية، وكذلك ابنه المعاق لأنه لا ينتج، و كل قوي سيصبح يوما ما ضعيف، إذن سيخاف الجميع من الجميع. وهكذا نجد أن الأيديولوجيات المثالية هي أسباب الصراع، و أن أغلب الأيديولوجيات تندرج تحت هذا النمط. وهذه هي نهاية فلسفة الإنسان الوضعية : يحتاج إلى وحي الهي يخرجه من هذا التخبط والجزئية، بل حتى ما يسمى بالفلسفات المادية والواقعية هي في الحقيقة والتدقيق فلسفات مثالية أيضا، لأنها تستنطق الواقع وتجعله يؤيدها، بالطيب أو بالغصب، كما تفعل الداروينية في تزوير الواقع كما حصل عدة حوادث تزوير تم ضبطها، ما الذي دعا للتزوير؟ إنه المثال والرؤية العقلية التي تريد أن تنزل للواقع والواقع يرفضها فاضطرت للتزوير، اذن هي فلسفة مثالية. أما تقسيم الفلسفة إلى قسمين فهو مجرد تقسيم شكلي، لكن الجوهر واحد. فالداروينية مثلا لا تختلف بأي شكل عن أي مذهب ديني تطهيري، لأنهم يطهّرون الجامعات من أي مشكّك بنظرية التطور أو مؤيد لنظريات غير التطور، كذلك العلمانية مثلها مثل أي مذهب ديني. وجود متطرفين في المذاهب يعني ان المذاهب كلها متشابهة و تطهيرية ولا تقبل الآخر، ووجود امرأة عارية حدث فظيع عند المذهب الديني، ووجودها متحجبة حدث فظيع عند المذهب العلماني، إذن كلاهما سواء. كذلك الشيوعية مذهب تطهيري وحيد النظرة ومعمِّم للنظرة الوحيدة، وهكذا كل ما تنتجه عقول البشر سيقع تحت هذا الحكم : مُنطَلَق جزئي يجب تطبيقه على كل شيء، ويوجد فيه متطرفين، هذه سمات مذاهب البشر كلها، حتى الوطنية والقومية والعرقية، لا يمكن وجود التوازن إلا بوحي من الله سالم من تحريفات البشر وتأويلاتهم، وهذا ما نجده فقط في القرآن العظيم، والقرآن يشير إلى صراط مستقيم واحد، لأن الحق واحد لا يمكن أن يتعدد، أما الباطل فيمكن أن يتعدد، قال تعالى (لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). فالنور واحد والظلمات متعددة، وقال تعالى (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ)، وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا) .

إن الإسلام الحقيقي المبني على القران وما والاه، هو المنهج الوحيد المثالي الواقعي في نفس الوقت، فهو ينادي بأحسن الأخلاق ويربطها بالواقع، ويحترم العلم ويحترم الأخلاق أيضا، ويدعو للتعامل الأخلاقي بين البشر والتعامل الأخلاقي مع الله والجمع بينهما، مع الحفاظ على المصلحة، قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) وقال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) لأن التوسط في أغلب الحالات هو الفضيلة ، كالتوسُّط بين التهور والجبن، وبين البخل والتبذير. قال تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) . أيضا وقف موقفا وسطا بين تطرف الرأسمالية وتطرف الشيوعية، فهو أراد أن يكافح تَعمْلُق الرأسمالية، وبنفس الوقت أبقى حرية الامتلاك لتفاوت الناس في قدراتهم. كذلك فعل مع موضوع الرقيق، وقدم توازن جميل بين الفكرة و الواقع، فهو لم يمنع الرقيق نهائيا لأنه يوجد من يريدون أن يبقوا أرِقَّاء، لكنه رغّب بإعتاق الرقيق، وكفل حق العبد في أن يتحرر إذا شاء ولو من بيت مال المسلمين

ويقول تعالى لمن قتل له قتيل (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ) فهو ربط بين الفضيلة وبين المصلحة والواقع، ويقول تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ، وهو لا يغالي في أمر معين دون غيره، إذ قال تعالى (لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ) .

الأربعاء، 10 مايو، 2017

مراحل حياة الانسان المعنوية

الدين هو الذي يبعث على التفكير ، بل هو محرك التفكير عند الإنسان. انظر ذلك عند الطفل عندما يبدأ بالتأمل والتساؤل ، إذ تبدأ لديه بواكير التفلسف والأسئلة الكبيرة عن الموت وسر الوجود والهدف منه وعن الآخرة والجنة والنار، هنا انتقل الطفل من مرحلة الطفل الذي يلعب ويمص الحلوى إلى مرحلة الطفل المتأمل، وإن كانت بدايات بسيطة.

لكن القمع باسم الدين هو الذي يقمع التفكير الذي حرّكه الدين أصلا. وهذا ليس طرحاً بدون أدلة، فتاريخ الحضارة كله يشهد بهذا، فلا توجد حضارة إلا في رحاب دين، والعرب أحسن مثال، فقد تحوّلوا من أمة جاهلية لا تقرأ ولا تكتب إلى أن امتلأت بيوتهم بالكتب والمكتبات، فصاروا مصدّرين للحضارة إلى الغرب وغيرهم، وصاروا أمة متحضرة تترجم كتب الحضارات وتنقلها إلى غيرهم بعد أن وضعت عليها سماتها الذهبية. هذا حصل بعد قدوم الدين، أما قبل الدين فقد كانوا قبائل علمانية متحاربة تعيش على السلب والنهب.

يبدو أن كل إنسان مرَّ بفترة من حياته - وبالذات طفولته – بفترة نسميها الفترة الدينية أو الفترة المثالية –سواء كانت واضحة أو غير واضحة لدى الطفل- والتي يبدأ معها التفكير بالحب والبحث عنه، مما يدل على أن الحب الخالص ناتج من الفضيلة وليس دافعه جنسيا، لأنه يبدأ بمراحل مبكرة جدا من حياة الإنسان قبل النضج الجنسي حتى. ويبدو أن هذه المرحلة الدينية اللازمة التي تكلمنا عنها تليها مرحلة التصادم بين مرحلة البلوغ الجنسي وبين المثالية، في ظل التخويف من موضوع الجنس المنطقي أحيانا والمغالي أحيانا، فتحصل اختراقات، فيشعر الطفل المثالي أن ثوب الفضيلة بدأ يتمزق، وتنتابه نوبات من الكآبة تكون بالعادة هي المسؤولة عن ظهور حب الشباب، ويشعر أن شخصيته الواثقة بدأت تهتز، وهذه ما تسمى بمرحلة المراهقة، إضافة إلى تأثير جماعة الرفاق والزملاء الجدد, والاطلاع على عالم أوسع من عالم الأسرة. بعدها تحصل الاختلافات بين البعض، فإما أن يستمر على الفضيلة أو أن يبتعد، وقد يبتعد و يعود، أو قد لا يعود أبدا. وهذا هو سر المراهقة التي يقولون أنها صراع بين شخصية الطفل وشخصية الكبير في المراهق، لكن هذا الكلام تفصيل لأهم ما يجري في هذه المرحلة الحساسة الأليمة. وكذلك الحب وتشويهه باسم المحافظة يسبب انكسارا لتلك الشخصية المستقرة قبل البلوغ الجنسي.

تلي هذه المرحلة مرحلة التشكك وعدم قبول أي كلام بمجرد أن يقال، وهذه تعتبر بداية سن الرشد في الإنسان، فيبدأ يميز بين الأمور الهامة والاقل أهمية. بعدها تأتي مرحلة الكهولة التي يظهر فيها التنظير والتفلسف والميل للربط والمنطق، وتأتي بعدها مرحلة الجمود و رفض أي جديد، و هي مرحلة الشيخوخة المتقدمة.

وهذا الكلام بشكل عام لا يعني انه ينطبق على الجميع دائما بدون اية اختراقات او حالات شاذة، لكنها محاولة لرسم خط عام لحياة الانسان المعنوية.

الاثنين، 8 مايو، 2017

خرافة الإنسان البدائي وحقيقة نشوء الحضارة

القبائل التي توصف بالبدائية ليست بدائية كما يتوهم عنهم، وأيضا سكان الصحراء ليسوا بدائيين، وليس في المسألة أي تطور، إنما هي ظروف بيئية ومتطلباتها، وهذا يعني ان الانسان من ذرية آدم بدأوا بالخروج والانتشار من جزيرة العرب التي هبط فيها آدم كما يبدو من ظاهر القرآن، حيث أن اول بيت وضع للناس هو الذي ببكة، و وجود أول بيت يعني وجود أول تجمع بشري، وهذا منطقي ، لأن الله حرمه من الجنة، فكيف ينزل من جنة إلى جنة ارضية؟ لذلك نزل في ارض صحراء. اذن الله عاقبه عند خروجه من الجنة فأنزله في وادي غير ذي زرع. وحتى قبر حواء يقال انه في جدة، ولذلك سميت بهذا الإسم. وحتى عرفات يقال انها سميت بذلك لان آدم وحواء تعارفا فيها بعد الهبوط. وحتى الكثير من المؤرخين يشيرون إلى جزيرة العرب كأصل ومنبع للإنسان وهجراته كما يقول ويل ديورانت. مستشهدا بأن اقدم الحضارات كلها تقع على تخوم شبه جزيرة العرب، كحضارات الشام والعراق واليمن ومصر القديمة. – بل حتى التطوريين انفسهم – يعتقدون بهذا، أن الإنسان الاول تطور في شرق افريقيا ثم بسبب الجفاف هاجر شرقا إلى الحجاز.  

بعد ان انتشرت ذرية آدم في الارض، منهم من عاش حول الانهار، ومنهم من تبع الابل والحيوانات وعاش في الصحراء، ومنهم من عاش في مناطق الغابات الدافئة او الباردة، فكان لكل بيئة حتمياتها على سكانها، وكان من حتميات بيئة الانهار التي تجري في السهول، أنها ألزمت سكانها بأن يبتكروا أساسات الحضارة، لأجل أن يعيشوا، لا ترفا، لأنهم ليسوا في غابات كي يعيشوا على الجمع والالتقاط والصيد، وليسوا رعاة ابل وحيوانات كي يعيشوا عليها ويتبعونها. لذلك هم يحتاجون للزراعة لكي لا يموتوا جوعا، والزراعة تحتاج الى صناعة و إلى ترويض حيوانات، وإلى هندسة مائية، ومعرفة أوقات، وهذا يحتاج لكتابة، وأمور كثيرة أخرى سيأتي ذكرها. لذلك الزراعة هي اساس الحضارة، و أهل الأنهار والعيون هم الذين أسسوا للزراعة وليس كما يقول التطوريون ان امراة الانسان القديم هي التي اكتشفت الزراعة من خلال تنظيفها لأمعاء ما يصيدون، حيث تنبت البذور، فقامت بالزراعة حول كوخها. هذا كلام يفتقر للمنطقية كثيرا. وأظن ما سبق ذكره اكثر منطقية، لأنه يوضح الدافعية للزراعة.

إن هذين الإثنين (البادية وسكان الغابات) يُتهمان بأنهما بدائيان لأن الحضارة لم تنشأ عندهما ولم يقيما حضارة مقارنة بالحضارات التي قامت على ضفاف الأنهار. هذا يدل على ان الحضارة لا تقوم إلا على الحاجة للزراعة، فأهل الصحراء لا يستطيعون الزراعة لقلة الماء ولكثرة التنقل، والزراعة تحتاج الى استقرار، و أهل الغابات ليسوا محتاجين للزراعة أصلا لتوفر مصادر الرزق من خلال الصيد والالتقاط.

إذن من المحتاج ؟ إنهم سكان الأنهار، لأن لديهم ماء عذب يجري، ولكن كيف يستفيدون منه؟ أما ما حوله فشبه جاف، إلا في موسم الربيع، وهذا الماء لا ينبت اشجار الغابات، بسبب جريانه في مسار واحد نحو البحر، فمن أين يأكلون ؟ لا بد أن يطوّروا فكرة السدود و شق الترع ويخترعوا رافعات للماء وأن يزرعوا على هذا الماء لكي يعيشوا ويعرفوا مواعيد البذور ويصنعوا تقويمات ليعرفوا وقت الجزر والمد والفيضانات ويحتاجون لمخازن وصوامع وتربية طيور ودواجن، ويعرفوا طرق الزراعة و جني المحصول وصنع الأدوات المناسبة للزراعة والحرث واستخدام الحيوانات له ولرفع الماء والنقل، وصنع العجلات والعربات، ويخترعوا القوارب والمراكب للتنقل عبر الماء ونقل الصخور والاخشاب والمنتجات الزراعية، و هم محتاجون ليفكروا في بناء المباني لقلة الغابات والكهوف، وابتكار أساليب لتخزين الطعام، لأنه غير متوفر طوال العام. وهكذا نشأت الحضارة.

إن الصناعة عالة على الزراعة، و من اجل خدمتها. والتجارة عالة على الاثنتين، فهي نقل الفائض من الانتاج ومبادلته بسلع أخرى. لذلك الصناعة تدور حول المنتجات الزراعية وطرق تطوير الزراعة والاستفادة من المنتجات الزراعية كالكتان والقطن غيرها وصناعة النسيج. هكذا الصناعة اول ما قامت كانت تدور حول هذا الأمر : صناعة الادوات الزراعية وتصنيع الانتاج الزراعي أي تحويلها واستخراج الزيوت منها وصناعة النسيج من الكتان والقطن، والحبال من القنب، وتجفيف الفواكه وتحويلها الى مربيات الخ، ثم تطورت للتعدين وصنع المخترعات الخ ، أي انها استقلت عن ارتباطها بالزراعة، ودخلت في المجالات الكيماوية وغيرها من المجالات..

طبيعة العقل الغربي تركيبية ، يأخذ مواد أولية ويركب منها، فهو مهندس بطبعه، وهذا راجع لكونه من اهل الغابات الباردة والمعتدلة ذات الاشجار مستقيمة الاخشاب، و لديه الخشب جاهز، لكن يحتاج للقياسات الدقيقة، ويحتاج للهندسة، لأن الطبيعة تضغط عليه بسبب تساقط الثلوج وما يمكن ان تؤثر به على منزله. الغربي يمكن أن نقول عن بداياته أنه كان حجّارا ونجّارا، فهم يبنون بيوتهم من الحجارة ويحتاجون الخشب كثيرا، سواء في صنع المراكب والسفن، بل حتى لصنع المقاعد والاسرة، لأن الارض رطبة عندهم ويصعب الجلوس والنوم عليها، لهذا كثرة النجارة عندهم.

من هنا نعرف ان الحاجة هي التي دفعت سكان الانهار للإبتكار ، لأنهم محتاجون للزراعة، والزراعة هي ام المهن، كالصناعة والتجارة. اما سكان الغابات الدافئة فأمطارهم دائمة تقريبا، والاشجار متنوعة الثمار والمياه مليئة بالاسماك، والجو دافئ ومعتدل طول العام، لذلك ليسوا بحاجة ملحة للابتكار، لهذا تكثر عندهم الفنون والاحتفالية والطبخ ، وحتى الدين عندهم عبارة عن طقوس موسمية متكررة احتفالية ايضا. والكهوف متوفرة ويستظلون بأغصان الاشجار ايضا وليسوا محتاجين للملابس كثيرا. ان الابتكار عندهم ليس حاجة متعلقة بالمعيشة ومسألة حياة او موت.

وكذلك البدو سكان الصحراء، لأنهم يرعون مواشيهم على ما تنبت الارض ويتنقلون من مكان لآخر بحثا عن الكلأ والماء. فهم ليسوا بحاجة لصناعة ادوات او ابتكار، بقدر ما هم بحاجة لمعرفة الدروب وقص الأثر والفراسة، والحذر من الاعداء والذئاب، و لديهم النباهة الآنية، و كل هذه متوفرة فيهم، لهذا تقل عندهم الفنون والاحتفالية، لكثرة الصراعات حول الماء والمرعى وجفاف الصحراء وخشونتها، لأن قلة الأمان تقلل الابداع الفني بشكل عام، ويحلبون من الابل والمواشي ويأكلون لحومها ويصنعون منها السمن ومن جلودها وشعورها و فروها يصنعون بيوتهم وفرشهم، هكذا حياتهم فقط. ايضا التنقل يسبب صعوبة في نقل مبتكرات وأدوات تحتاج الى تحميل، لذا دائما اثاث البدوي خفيف بسبب كثرة التنقل، وينقل الضروري فقط.  

اذن لا سكان الغابات الدافئة والباردة والصحراء متخلفين، ولا سكان الانهار متقدمين بحد ذاتهم، لكن الظروف مختلفة بينهما. وبالتالي فكرة الإنسان البدائي الذي تعتمد عليه نظرية التطور فكرة سقيمة.

من هنا نفهم لماذا أقدم حضارة تظهر على ضفاف الانهار في منطقة الشرق الأوسط، مثل السومرية والمصرية والبابلية والحميرية والسبئية وغيرها كثير، وحول الانهار في الصين والهند وجنوب اوروبا. وهذا يفسر لنا حزام الحضارة الذي يبدأ من الصين على العراق وبلاد فارس ومصر واليونان وجنوب أوروبا.

الزراعة هي أم التجارة و أم الصناعة، لأن الزراعة لا تقوم إلا بأدوات مصنوعة، كالمحراث والفأس وادوات الحفر والزنابيل والمخالب وادوات استخراج الماء والحبال والبكرات، الخ. الزراعة قدمت الفائض الذي دفع للتجارة، والتجارة كسبت أكثر مما هو متوقع، لأنها نقلت هذه السلع إلى اراضي لا يملكون أهلها مثلها، فاشتروا بهذا المال منتجات لا تُنتج في أرضهم وباعوها في بلادهم بأسعار مضاعفة، فاستقلت مهنة التجارة عن الزراعة والصناعة.

مهنة الرعي ليست بدائية، فهي لها أصولها وتعليماتها، وكذلك مهنة الجمع والالتقاط والصيد، فهي تابعة للظروف البيئية. المزارع لا يمكن ان يزرع فقط لحاجة بيته، لكن الصياد يصطاد لحاجة بيته فقط، وإلا يتلف الصيد. وأيضا سكان الغابات ليسوا محتاجين كثيرا لوسائل تبريد أو تدفئة، لأن الجو دافئ طول العام. وهذا يجعلهم أكثر أمانا، وحتى بالعادة يلبسون مؤتزرين، والنصف العلوي من الجسم مكشوف، ولهذا السبب (الأمان بالذات) نجد عند الأفارقة نزعة للفن أكثر من البادية، كالرقص والألعاب الرياضية، فهم ناجحون فيها، وحتى في الطبخ والتفنن فيه. ولا زالت هذه النزعات موجودة فيهم حتى بعد النزوح إلى الشمال، فتجد لديهم حب الاحتفالية.

إن البيئة تؤثر حتى على فنون الناس وعقولهم، وتصبغ فنونهم.

ما هو الظلم؟

الظلم هو فعل الباطل عن هوى. قال تعالى (وقد خاب من حمل ظلما) وقال (إن الشرك لظلم عظيم) بمعنى أن الشرك نوع من الظلم وليس هو الظلم فقط، قال تعالى (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) وقال (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) وقال (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) وقال (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) ..

لكي يكون قلب المؤمن سليما، لا بد أن يخلو من الظلم، و إن كان ولا بد، فالمؤمن يرضى أن يكون مظلوما أفضل من أن يكون ظالما.

الإسلام أخلاق مع الخالق والمخلوقين والمخلوقات، والله لا يليق به أن يكون مظلوما، قال تعالى (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). لذلك يسمى العاصي لله ظالما لنفسه، والظلم هو الذنب المقصود وليس الخطأ.

الله تكلم عن الظلم كثيرا، وما يهتم به القرآن هو المهم، وما لم يهتم به يكون درجة ثانية.

الشرك ظلم لله وهو ظلم للنفس وللعباد ولكل شيء. ولماذا هو ظلم عظيم؟ لأنه يعمّ الجميع ويشمل كل مناحي الحياة.

علينا أن نتوجه للقرآن وما يريده وما ركز عليه وما أهمله. والمتَّبع للقرآن تهمه مثل هذه القضايا. فإذا مال القرآن عن شيء أو اهتم بشيء فهو دليله، لو كنت تتبع شخص بسيارته ليدلّك إلى مكان معين، اذن سيكون أي شارع يتركه ليس مهما، و معنى الدليل ان تترك ما يترك وتهتم بما يهتم حتى تصل إلى الغاية. الله سمى القرآن العروة الوثقى وسماه النور المبين، اذن دور القرآن هو القيادة، ويسلط لنا النور لكي نرى الباقي، وهذان هدفان.