الخميس، 31 مايو، 2012

فهم السماء بين إفهام القران وتصورات القدماء (رد على @iAdilo )

@iAdilo

لو تطلع البر بتشوف امتداد الارض والسماء على مرمى البصر، من هنا أتت فكرة انهما كانا متلاصقين ففتقناهما ..

الآيات الاخرى تكمل المعنى بأنها سقف مرفوع سيسقط لولا ان هناك من يمسك به! هل لاحظت التصور البدائي؟


رد الوراق @alwarraq0 :


عفواً عزيزي .. وماذا تقول عن قوله تعالى: ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ) ، فهل هذا فهم بدائي ؟ مع انه يتفق مع احدث نظرية (الانفجار الكبير) ؟ و يدل على ان السماء ليس المقصود بها الفراغ ذو اللون الازرق فقط .

والاعجاز القرآني في موضوع السماء أكبر من ان يوصف بأنه فهم بدائي ، لاحظ (اذا الشمس كورت) ، اي صغر حجمها بعد انفجارها وصارت كرة اصغر . و لاحظ (اذا الكواكب انتثرت) أي تقطعت روابط الجاذبية . و لاحظ (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) .. دليل على كروية الارض و دورانها . فالتكوير هو الدوران بحركة دائرية ، و منه الكرة . ولاحظ (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) ، دليل على دوران الارض . صنعة الله الذي احسن كل شيء خلقه ..

ولاحظ (فلا اقسم بمواقع النجوم ، وانه لقسم لو تعلمون عظيم) كان القدماء يحسبون ان مواقع النجوم والكواكب بمستوى واحد ، لكن القران بين ان لها مواقع و ليس موقعا واحدا ، و لماذا يقسم بالمواقع اذا كان موقعا واحدا ؟ هذا دليل على المسافات الشاسعة العظيمة بملايين السنوات الضوئية بين موقع و موقع .

لاحظ (فاذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) و انظر الى انفجار النجوم ، ترى كيف تكون الانشقاقات التي تصنع منها ما يشبه شكل الوردة الحمراء ، كما صورها المنظار هابل . هذا رابط لصورة ..

 http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3146/03.jpg

يا اخي انظر الى الافهام البدائية التي كانت عند القدماء ، وقارن بينها وبين هذا الفهم حتى تكون منصفا ، كان القدماء في اوروبا يظنون ان السماء ستارة مثقبة ، كان اليونانيون يرون ان النجوم هي الالهة تطل من خلال الثقوب ، و ان النجوم هي عالم المثل ، فالزهرة هي الهة الجمال تطل عليهم (فينوس) ، وجوبيتير (المشتري) اله الحرب ، وهكذا .. وعند الفايكينج صوت الرعد هو صوت مطرقة الاله ثور يضرب بها خصومه من الالهة ..

والفراعنة يظنون ان الالهة "نوت": إلهة السماء المصرية القديمة ، يشكّل جسدها كل الفضاء ، والشمس هي الاله الاكبر . و بطليموس اليوناني الاسكندري يرى ان الارض هي مركز الكون و ثابتة ومسطحة و لا تمر مر السحاب ، واعتمدت الكنيسة في العصور الوسطى نظرية بطليموس . هذه افهام القدماء اهل الحضارات عن السماء ، فكيف ببدوي في جزيرة العرب ؟ لو ان يونانيا قدم هذا التصور الذي قدمه القران لاعتبرتموه اساس العلم . 

بينما القرآن يقسم بمواقع النجوم ، ويخبرنا انها تسبح في افلاك و حبك و مدارات . كان القدماء يحسبون ان كل النجوم و القمر بمستوى واحد حول الارض ، و الارض ثابتة ومسطحة ، لكن القرآن يخبرنا عن دحي الارض ، و دحي الكيس يجعله كالكرة . و يخبرنا عن نزول الحديد الى الارض : قال تعالى (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) ، على شكل نيازك كما يقول العلم .


 و فرّق بين الشمس والقمر ، فقال عن الشمس انها سراج متوهج ، اي مصدر نور ، والقمر نور ، اي عاكس لنور ، ( وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا) ، (سراجا وهاجا) . إن صُور الشمس تبرز ألسنة اللهب التي تثور و تنطفئ ، اي تتوهج ، و ليس نورها ثابت كما تصور القدماء ، بدليل العواصف الشمسية التي اكتشفها علم الفلك الحديث .

من ادرى محمد ان سطح الشمس متوهج وغير ثابت النور ؟ لان هذا لا يتضح للعين المجردة ، بدليل ان رؤية الشمس وقت الشروق والغروب لا تـُبين اي شيء من هذا التوهج . و "وهاج" صيغة مبالغة ، اي شديد التوهج ، مما يدل على الانفجارات التي تكون في الشمس . انظر الصورة ..

http://www.adiga.org/forum/imgcache/adiga.org-5643.jpg

هذا كله ليس فهما بدائيا ، بينما كان يعتقد القدماء ان الارض مسطحة ، و أن لها حافة تقع وراء الصين .و قوله تعالى ( يجعل ضدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) ، هذا ليس فهما بدائيا يعبر عن نقص الاكسجين اثناء الارتفاع الى مناطق عليا في الجو . من أدرى محمدا ان الصعود في السماء يسبب ضيق التنفس بسبب نقص الاكسجين الذي يزداد تواجده كلما اقتربنا من سطح الارض ، وانخفاض الضغط الجوي ؟

(والسماء ذات الحبك) ، هل هذا فهم بدائي ؟ والحبكة هي الشيء الدائري ، وجمعها حبك اي مدارات ، ومنه حبكة القصة والرواية . و كلامه عن العروج في السماء والمعارج ، و هو الارتفاع المائل لمن يراه ، مثلما ترى الصواريخ وهي تنطلق من الارض الى السماء بميول ، مع انها تسير بطريق مستقيم .

(و كل في فلك يسبحون) ، والفلك هو المجرى ، اي المدارات .. فالقمر يجري في مدار ، والشمس ايضا تجري في مدار حول المجرة . و الفلك في المعاجم : تل مستدير من الرمل حوله فضاء ، و ايضا يعني مدارات النجوم ، و فلك ثدي الفتاة ، اي استدار ..

فهل بعد هذا كله ، يقدم القران فهما بدائيا عن السماء ينقله أمي في جزيرة العرب وليس في مركز من مراكز الحضارة ؟ ستقول : لماذا لم يبين هذه المعلومات بتفصيل علمي ! تخيل لو ان هذا الشيء حصل ، سوف يوصف قائله بالكذب ، ويخرج الموضوع عن قضية ايمان بالله والاخلاق الى قضايا علمية ليست هي الهدف من بعث الرسول .

لو قال لهم محمد : الارض تدور حول الشمس وليس العكس ، لتركوا كل القران ، واتخذوا من هذا دليللا على كذبه , ومع ذلك قدم القران اشارات اعجازية فهمنا اعجازها ولميفهم القدماء اعجازها ، وسوف يستمر الامر ، كل زمان يكتشف اهله اعجازا مفي القران لم يكشتفه من قبلهم .

فهل يعقل ان شخصا اميا يستيع ان يؤلف كلاما اعجز العرب عن تقليده ، وأعجز العلم الحديث ان يخطئه بعد 1400 سنة ؟ القران قدم فهما لم يكن يفهمه من قبله ولا من بعده ، حتى جاء العلم الحديث فوضح بعضه .

الأربعاء، 30 مايو، 2012

حول القراءة (قراءة التلقـّي) ....


قراءة التلقـّي المستمرة آفة ، ولكن ليس هذا طلبٌ لعدم القراءة ، و لكن فكر ثم اقرأ ، أو اقرأ ثم فكر .

 الاكتفاء بالقراءة المستمرة أو المشاهدة المستمرة (كالأفلام) فقط ، يسبب الأدلجة . وأعتقد أن الذي يقرأ كثيراً سوف يفكر قليلاً ، و من يفكر كثيراً سوف يقرا قليلاً .. بحيث يكون التفكير هو المسيطر و ليست القراءة المسيطرة عليك ، ويكون الشخص سيد نفسه ..

 و مصداقاً لهذا الكلام  لننظر إلى الأمم التي ألفت القراءة و أدمنتها يومياً ، كأمم الغرب على سبيل المثال، سوف نجد أن الناس أصبحوا هم الإعلام والإعلام هم الناس من كتب و تلفاز.. إلخ ، مع أنهم يدعون حرية التفكير .

هذا التلقي الدائم ، يجعل الحس الذاتي والنقد العقلي يختفيان عن القيادة في الشخص و يتبلدان . و النتيجة : عملية غسل دماغ جماعي على نار هادئة من خلال الكتب و الصحافة و القنوات ..الخ ؛ لأنها غالباً مملوكة لأصحاب توجهات معينة .

 و كمثال على عمليات الغسل المستمرة و الناجحة التي يملكها عدد قليل تخدم مصالحه : أن تلك الشعوب التبست عليها أبسط الحقائق الواضحة، و أصبحت قضايا معقدة . فكيف يكون التلقي المستمر مغيـِّبا للحس الأخلاقي والنقدي إلى هذا الحد؟  مثل قضية الاستعمار والفصل العنصري ، رغم بساطة فكرتها ووضوح الظلم فيها ، إلا أن بشاعتها لم تتضح لهم إلا عندما أراد الإعلام ذلك ، تبعاً لتغير مصالح مُلاكه ، حينها عرفوها بوضوح .

و مثل قضية الشعب الفلسطيني العادلة والواضحة ، أصبحت قضية شائكة و معقدة لدى المتلقي الغربي ، مع أنك لو عرضت القضية على شخص أمي ولا يعرف شيئا عن الحضارة لعرفها ببساطة : أفراد و جماعات تركوا جنسياتهم في بلادهم ، وتآمروا على شعب آمن وطردوه من أرضه وهدموا بيوته ، ليقيموا دولة لهم بعد أن مسحوا هوية ذلك الشعب و أسكنوه في الخيام وشوهوا سمعته في العالم ، وليس لهم أي مستند سوى أوراق دينية عمرها أكثر من 5000 سنة تستطيع كل أمة أن تقدم مستندات مثلها !! هذا مع المعاملة السيئة لأولئك الضحايا وعدم تعويضهم عن نهب بلدهم و منازلهم .

تلك الأمم القارئة يومياً لا تستطيع أن تقرأ هذه الفكرة بوضوح رؤية ذلك الشخص الأمي!

وحتى لا نصاب بمثل هذا المرض الإدراكي الخطير ، علينا ألا نمتدح القراءة و المتابعة وحدها ، لأنها تؤدي إلى غسيل الدماغ و الأدلجة .

القارئ الحر من الأدلجة دائماً قراءته من نوع القراءة الناقدة، التي تعرف المحاسن والعيوب، وهذا القارئ هو من يستحق التشجيع على كثرة القراءة والاطلاع .

 من يقول لك: "اذهب واقرأ" ، فهو يريد لك هذه الغاية: التنويم المغناطيسي ، إن لم تكن ناقداً و مستقل الرأي .
فلو قال لك: "اذهب فكر واقرأ" لكان ينصح لصالحك . أما من يقول : "اذهب واقرأ" فقط فهو يريد أن تتأدلج كما هو متأدلج من خلال القراءة غير الناقدة، القائمة على التعظيم والتقديس للكاتب والمكتوب .

من يقرأ أكثر من أن يفكر هو شخص مُغيـّب وغير موجود .

ولا يـُفهم من هذا أنني معادٍ للقراءة، بل أنا أحبها ، و لكني أحب العقل والتفكير أكثر . لأن التفكير يصنع الذاتية ، أما إدمان القراءة فقط يصنع المسخيـّة . التفكير يجعلنا نعي ما نقرأ و نتذكره في مواضعه ، ونولِّد منه أفكاراً جديدة ، فلا يضيع المجهود سدى . 

الشخص المدمن على القراءة أو المشاهدة أكثر من التفكير ، يتعرض للإحراج من الآخرين الذين يفكرون أكثر من كونهم يقرؤون ، وبالتالي يضطر إلى العزلة والابتعاد عن الحوار و رمي الناس بالجهل لأنهم لم يقرؤوا ما قرأ بنفس عينه المبجـِّلة ، و هذا باختصار هو وهم الثقافة و المعرفة ..

 وعلى هذا فلا يكون سبب عزلة بعض المثقفين أو إحجامهم عن النقاش أن مستواهم أعلى من غيرهم، فيضطرون إلى العزلة والبروج العاجية ،لا ، بل إن تعرضهم للإحراج من قـِبـَل من يفكرون أكثر مما يقرؤون هو السبب الحقيقي لعزلتهم ، أو ربما تهجمه أو اتهامه الآخرين بعدم القراءة والتثقف والجهل ، و يعتقدون أن مجتمعاتهم لا تستطيع أن تفهمهم ، مع أن الحقيقة هي أنه هو من لم يستطع أن يفهم و يوصِّل ما عنده للمجتمع ، خصوصاً إلى من يفكرون أكثر مما يقرؤون من أفراد المجتمع . إنهم هم المشكلة في طريق من يقرأ أكثر من كونه يفكر .

و لأجل هذا تنتشر كلمة مشهورة : "اذهب و اقرأ قبل أن تجادلني" . أي: اغسل عقلك بماء الكتب والجرائد والإعلانات والدعايات ثم تعال جادلني !!

وكثيراً ما يقال عن العرب إنهم لم يعرفوا كيف يوصلوا قضاياهم إعلامياً إلى الأمم الغربية القارئة المثقفة ، و العجب الذي يطرح نفسه : لماذا تكون القضية الواضحة جداً محتاجة إلى تفوق إعلامي وأساليب مبتكرة وكتب منتشرة ومنمقة ؟؟ لماذا لا يعرف الفرد الغربي بنفسه و بدون إعلام ، مثلاً أن الشعب الفلسطيني ضحية ، وان الاستعمار أمر خاطئ مشين في حق الشعوب التي لم تعتدي عليهم ؟!

 إن مثل هذا الوضع لا يشير إلى أن تلك الشعوب حرة في تفكيرها كما تزعم، إنها تنتظر الإعلام أن يقول لها أن قضية فلسطين عادلة، و إلا فلن تفهمها من نفسها. وهذا أكبر دليل على نجاح غسل الدماغ هناك ، و قراءاتهم الكثيرة لا قيمة لها حقيقية ما دام الشخص لا يستطيع أن يميز بين الحق والباطل إلى هذه الدرجة .

و كيف تكون أمم بهذا الشكل هي القائد لبقية شعوب العالم ؟ و هي لا تستطيع أن تميز بين الحق و الباطل؟ ووصل بها عمى الألوان إلى هذا الحد بحيث يصبح المعتدي صاحب حق وصاحب الحق معتدي!

إنهم يفخرون بأنهم يقرؤون حتى في المترو! حسناً : هل هم يتثقفون أم يتأدلجون حتى في المترو؟ لسنا ندري! ما دام أسهل الأمور المنطقية أصبحت أكثرها صعوبة و تحتاج إلى لوبي إعلامي ضخم لكي يوضحها .

و هذا الإدمان المرضي يبدأ من منطلق خاطئ يـُراد نشره بين الناس ، وهو : "كل ما تقرأ أكثر كلما أصبحت ذكياً أكثر و قادراً أكثر و حراً أكثر" ، لكنهم لم يتكلموا بكلمة عن التقييم أو الحكم  أو حتى التفكير بما نقرأ .

شعارهم : "اقرأ و اقرأ ، تفهم تفهم"  . والشعار الأنسب هو : "فكر اقرأ ، اقرأ فكر" . هذا الشعار هو الذي يجعلنا نستفيد مما نقرؤه ومن عقولنا أيضا . فهي أيضا تحتاج من يقرؤها ..

الثلاثاء، 22 مايو، 2012

إضاءات 2

المعرفة والفهم : 


هناك معرفة بدائية: وهي معرفة الشيء بلا ربط ، فهي مجرد جمع معلومات ..
أما ربط هذه المعرفة بالأشياء الأخرى فهو الفهم ..

والفهم على درجتين: أن تفهم الشيء كما هو، وهذا فهم بدائي .. والثاني هو أن تفهم علاقته مع ما حوله، وهذا فهم متقدم ..

إذا لم يهتم الناس بالربط فلن يستطيعوا اكتشاف الأخطاء والتنافر .


ــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمــــــــال : 

أي حقيقة هي جميلة (قانون) . والإنسان باحث عن الجمال . والجمال يؤثر فيه العيب الواحد .  
مثل أن يكون لامراة جسم جميل وشعر ناعم ولكن فيها بهاق ، فهنا ينخدش الجمال , لأن الجمال من أساساته التكامل ..
 

العيب الواحد يقضي على التكامل . والعيب الواحد وجوده يؤثر على الكمال ، ولكن الكمال غير موجود ، بينما الناس تبحث عن الكمال!! فهذا من الخيوط التي تدل على وجود الله كامل الجمال والجلال..!

السبت، 19 مايو، 2012

بشرية الأنبياء كما ذكرها القرآن ..

النسيان و الشك و الخطأ والعاطفة والضعف وارد عند الانبياء والرسل ، (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ) ، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ، وهذا يعني حرص ابراهيم على ان يطمئن قلبه بالكامل ، مع انه مؤمن ، حتى لا يزعجه الشيطان بوسوسته التي لا تقف عند حد .. (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ, وقال تعالى عن موسى ورفيقه: { نسيا حوتهما...}

لكن الله لا يسمح لذلك ان يؤثر في صفاء وعصمة رسالاتهم ، فالله ارادهم ان يكونوا بشرا ، و اراد لرسالاته ان تكون معصومة حتى يبلغوها للناس صافية . أي : رسالة صافية يقدمها بشر وليس ملاكا ، حتى يتم الاقتداء بهم ..  

وكلمة شك تعني الوسوسة المزعجة ، وليس بمعنى الشك الذي يصل الى حيز الفعل والتنفيذ , الأنبياء أرفع من هذا المستوى.. اي انها شكوك غير مقبولة ولا مرغوبة من صاحبها ، يثيرها الشيطان .. ولا يؤيدها من تمر بباله ، و ليس المقصود الشك المحيـّر الذي يحرف العقيدة .. أرجو مراعاة الفارق ..

انهم غير معصومين من الشيطان ، بدليل الآية الجامعة لكل الانبياء : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ..) و ورود الشيطان عليهم لا يعني انه يذكّرهم بالخير طبعا .. لكن بقية الآية تثبت ان الله ينقّي رسالته من عيوب بشريتهم : (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) لاحظ قوله : يحكم آياته .. يعني : يصفـّي رسالته رغم بشرية الرسل وتعرضهم كغيرهم لوسوسة الشيطان .. وقال تعالى لنبيه : (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ) .

و ورود الشيطان على ابراهيم ليوسوس له مثبتٌ بالجمرات التي يرمي الحجاج فيها ، حيث انها مكان ظهور الشيطان لابراهيم و وسوسته له .. و ابليس وسوس لآدم و حواء في الجنة من قبل ..  

و كون الرسول يـُخاطـَب بعبارة شرطية قوية تشبه التهديد في القران : ( ولو تقول علينا بعض الاقاويل ، لأخذنا منه باليمين ، ثم لقطعنا منه الوتين) ، هذا يعني وجود احتمالية ، فإذا جردنا الرسول من ايمانه بالغيب رغم كيد الشيطان ، فنحن نقلل من شأنه و لا نرفعه . اي اذا اعتبرناه مجبرا على اختيار الخير ولم يكلف نفسه في ذلك ..

فالرسول بشر مؤمن و مسلم ، ولولا ذلك لم يصلح لان يكون قدوة ، فإذا صار له طبيعة ملائكية ، فكيف نقتدي بملائكة ونحن بشر ؟ الله امرنا ان نقتدي بالانبياء ، فكيف يقتدي المُخيّر بالمُجبر على النزاهة والمعصوم من اي خطأ ومن اي شيطان ؟ بينما نحن غير معصومين وغير مجبولين على اختيار الخير ؟  

الانبياء نموذج للبشر ، و ليسوا نموذجا للملائكة . والايات كثيرة من مثل (إنما انا بشر مثلكم يوحى الي ..) ، ومثلكم تعني المماثلة في الطبيعة ومتطلبات الحياة وعوارضها ، و الوحي يؤكد له ان ما ياتيه حق ، (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) ، لو لم يكن له فرصة للشك أو الرفض ، لما قيل له هذا ، مع وجود الوحي ، فالشيطان يدخل في كل شيء ..

لاحظ ان القران نهى الرسول عن تحريك اللسان في القران : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به) ، لأن القران سوف يحفظه الله في صدره وعلى الارض الى قيام الساعة ، بدليل ما بعدها : (إن علينا جمعه وقرآنه) ، و قوله تعالى : (سنقرؤك فلا تنسى) .. وقوله تعالى : (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) ، هذا يعني امكانية حضور الشيطان . وقال تعالى : (واعوذ بك رب ان يحضرون) .

من هنا نرى عظمة رسول الله وبقية الرسل .. كيف استطاعوا ان يزكوا انفسهم كل هذه التزكية وأن يصبروا كل هذا الصبر ، رغم ان شياطين الجن والانس تحاول ان تثنيهم وتؤثر فيهم وتخيفهم .. وهكذا يفهم المؤمن عظمة انبياء الله ويجعل طريقتهم نبراسا له في حياته ، وصبرهم شاهدا له ، قال تعالى (فاصبر كما صبر اولو العزم من الرسل) . قال تعالى : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) ..   

نحن احوج لأن يكون قدوتنا بشرا مثلنا ، يخطئ و يصيب ويتوب كما كان ايوب ، ويبحث عن الحقيقة كما فعل ابراهيم و محمد عليهم السلام ، حتى نحاول ان نقلدهم .. نحن لسنا محتاجين لملائكة ، لاننا لا نستطيع ان نكون مثلهم و لا قريبين منهم ، لهذا أكد الله سبحانه على بشرية الرسول عليه الصلاة والسلام و كل الانبياء ، ولم يذكر لهم خاصية اخرى يتميزون بها عن البشر ، إلا ما اعطاهم الله من علم لم يعطه غيرهم ، و بحثهم و حبهم لله وما والاه ، وتفضيلهم للآخرة على الدنيا ..

فيوسف مع انه صديق نبي و ابن انبياء ، ذكر القرآن انه همت به و هم بها ، و قال عن نفسه ( ولا ابرء نفسي ان النفس لأمّارة بالسوء) ، إنه بشر مثلنا ، و تأتيه نوازع النفس التي يؤثر بها الشيطان ، و لكنه اراد ان يتزكى و يتطهر . اذن نستطيع ان نفعل مثل فعله لو وقعنا في نفس الظرف ، لانه بشر و ليس مَلَك ، ونحن بشر ايضا ، فما الذي يجعلنا لا نفعل مثله ونستعصم بالله كما استعصم ؟ هكذا يكون قدوة ً لنا في رفض الفاحشة و الخيانة ..  

ان الله تعهد بحفظ كتابه ، ولم يكل حفظه الى الرسول فقط ، فإذا كان الانبياء لا يخطئون ولا ينسون ولا يغضبون ولا تأتيهم نوازع النفس او الشيطان ، كيف نستفيد منهم و نقتدي بهم ؟ بل كيف يكونون افضل من الشخص الذي قاوم هذه النوازع و تحمّل حتى يطهّر نفسه ؟ نحن نقتدي بصبرهم ، و الصبر يعني المقاومة ، قال تعالى : (والله يعصمك من الناس) ، ولم يقل من الشيطان ولا من الخطأ ولا من البشرية .. و لهذا مدح الله انبياؤه بسرعة التوبة عند الخطأ : (نعم العبد انه اواب) ..

البشرية تقتضي كل مقتضيات البشرية ، لذلك قال عن عيسى و امه عليهما السلام : (كانا يأكلان الطعام ويمشيان في الاسواق) و اكل الطعام يعني قضاء الحاجة ، مثل بقية البشر .

محاولة جعل الانبياء ذوو تكوين خاص مختلف عن بقية البشر ومجبولين على الخير والفضيلة ، يجعلهم نموذجا فوق البشر ، اي لا يستطيع البشر ان يقلدوهم ويحاكوهم ، وهذا عكس ما جاء الانبياء لأجله ، لم يأتوا لكي يقدّسوا ويمجدّوا ويعظَّموا ، ولم يأتوا ليُعجّزوا البشر بنماذج جـِبـِليّة لا يمكن ان نكون مثلها ، بل جاءوا لتقديم النموذج القائم على الصبر واختيار الافضل .. قال تعالى (فبهداهم اقتده) ، والله لم يصفهم باوصاف التقديس والتمجيد التي يبالغ بها البعض ، بل وصفهم بأنهم بشر و عباد لله ، و مدح فيهم صفاتا انسانية كالحلم والرجوع عند الخطأ والصبر و بر الوالدين وعدم الكبر ، لأننا بحاجة الى مثل هذه الاخلاق ..

وكونهم مصطفين ومهديين ومخلـَصين لا يتعارض مع بشريتهم ، فالله هداهم لانهم استحبوا الهدى على الضلال ، واصطفاهم لانهم اصطفوه ورغبوا فيه وبحثوا عنه ، كذلك يفعل الله مع المؤمنين ايضا ، فالله يهدي من يشاء ، ويضل الذين استحبوا العمى على الهداية ، بل و يزيدهم ضلالا .

انهم رسل الينا و ليسوا كيانا مستقلا يقدّس لوحده .. و هذا يعني ان لنا قيمة عند الله ، و الا لم يرسلهم الينا .. وهذا لا يعني انقاصا لقدرهم العظيم ، بل على العكس ، بل يجعلنا نتصور معاناتهم و مقاومتهم للشيطان ولأنفسهم ومقاومتهم للخوف والحزن والشك والنظرات الحاقدة ، كل هذا لأجل اعلاء كلمة الله ، هكذا نستفيد من هذه النماذج البشرية التي اختارت ان تكون حياتها لخدمة كلمة ربها . فعظمتهم وقيمتهم من عظمة الله وعظمة كلمة الله ، و هم مثلنا في اختبار ، حتى بعد نبوتهم ، ان قلت ان عيسى هداه الله وهو في المهد ، و قال اني عبد الله ، هذا لا يعني انه لن يكون بشرا يتعرض لكل النوازع التي يتعرض لها البشر فيما بعد .

كل الانبياء صابرون ، و هذا يعني انهم بشر ..

(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، ابتلاه الله بعدم تصديق قومه له ، و لولا ان سبح و تاب ، للبث في بطن الحوت ، و الله عاتب نوحا عندما قال لابنه الكافر : (ان ابني من اهلي وان وعدك الحق) لأن الله قال له (اركب انت واهلك) ، وهو يعلم كفر ابنه ، عندما تحركت عند نوح عاطفة الابوة ، ثم تاب بعد العتاب . فقال تعالى لنوح : (اني اعظك ان تكون من الجاهلين) . انها طبيعة بشرية ، و توبة سريعة صادقة جميلة ، احرى بنا ان نحتذيها .

وفي الحديث ان الرسول عليه الصلاة والسلام : (لا تطروني كما اطرت النصارى عيسى ابن مريم ، ولكن قولوا عبد الله ورسوله ) .. وها نحن نقول انه كان حقا عبد الله ورسوله .. واكثر انحرافات الاديان اتت من فكرة عدم بشرية الانبياء ، وجعلهم نماذج نورانية مختلفة عن البشر ، كذلك انحرفت اديان بتقليل شأن الأنبياء وشأن ايمانهم واعتبارهم بشرا من النوع الآثم ، كما تجد صورة الانبياء في التوراة الموجودة و وصفهم باوصاف وافعال لا تليق بانبياء . كلا التطرفين مذموم ، فالمسيحية جعلت من المسيح الها ، واليهودية جعلت من لوط زانيا وسليمان ساحرا وداوود خائنا ومنتهكا لعرض صديقه ، و ما الى ذلك ..

على المسلم الا يتطرف في اي تصور ، فنحن امة وسط ، لا نكرم النبوة على حساب الالوهية ، ولا نكرم البشرية على حساب النبوة ..


هذه وجهة نظر قابلة للاخذ والرد والاستدراك ..

مفهوم الأخلاق 2 ..


الأطفال عندهم مشاعر طيبة, ويختلفون مثل الكبار في اخلاقيتهم وطيبتهم, فكما أن الكبار ليسوا سواء في أخلاقهم ، كذلك الأطفال أيضا, هناك أطفال يفرحون لتعذيب حيوان وأطفال يبكون من هذا المنظر.  إذن ليست الأخلاق مكتسبة من المجتمع كما يتوهم الماديون ، لأن تفاوتها موجود عند الصغار حتى في الطفولة المبكرة .

إذن اساس الأخلاق فطري، وإلا ما الذي يجعل المجتمع يهتم بالأخلاق لو لم يكن لها اساس فطري؟ بل كيف يعرفها المجتمع و هي ليس لها أساس فطري؟ هل يعقل انه اختلقها من العدم؟ إذن لماذا لم يختلق غيرها و هي موجودة في كل المجتمعات ؟ لماذا لا يكون مجتمعا ما اختلق أخلاقا و مجتمع اختلق شيئا آخر ؟ من الذي دل المجتمعات كلها رغم اختلاف مواقعهم الجغرافية على الأخلاق؟

وإذا كانت الاخلاق إلى هذه الدرجة مهمة لحماية المصلحة ، فلماذا لم تتحول إلى قوانين رسمية مثل قوانين الحقوق و تدخل في المحاكم كما دخلت عند كل تلك المجتمعات ؟

كل هذا وغيره يثبت أن النظرة المادية للإنسان نظرة بعيدة عن الصواب و لا تلامس أرض الواقع الإنساني, و تعتمد على التعسفات البعيدة, والتي لا تسلم من النقد بحد ذاتها ، رغم بعدها الفاحش والملتوي .

عن النقد 2 (الحوار اليميني) ..


يريد البعض اثناء نقاشه و نقده ، ان يتم تهميش التفاصيل ، مع ان الكل ينبني من التفاصيل ، و صدق من قال : الشيطان في التفاصيل .

انه يريد ان تبقى الصورة التي قدمها على حالها ، دون اعادة ترتيب ، مع ان هذا الترتيب قد يكون هو الحقيقي ، و ليس شرطا ان ترتيب الصورة كما قدمه هو الترتيب السليم ، ثم بعد هذا والاسوا منه ، أنه لا يريد ولا مناقشة التفاصيل ! كأنه يقول : اقبل كل شيء اقوله كما هو جملة وتفصيلا ! فلا تمس الترتيبة التي اقدمها وايضا لا تدخل في تفاصيلها !! اذن كيف يكون الحوار ؟

هذا الاسلوب ، اسميه اسلوب الصخرة الملساء المصمتة . فـ"اقبلها كما هي او ابتعد عنها ، فأجزاءها ممنوعة ، وكتلتها ممنوعة من باب اولى " .. و لا شك ان هذه الفكرة استعلائية وهي في مضمونها ترفض الحوار جملة و تفصيلا ، و ان كانت تقبله بالظاهر ، ما دام يتزحلق على اطرافها ولا يمس داخلها ..

هذه النظرة للحوار ، اسميها بالنظرة اليمينية ، طريقة الحوار اليميني ، حيث يبدو الاشمئزاز منذ اللحظة التي يمس فيها تركيب الصورة كما يريدون . و يمكن تسميته ايضا بحوار المزاج . او حوار : "اتفق معي ثم حاورني" .. او يسمى : حوار القوة .

و مع احترامي لوجهة نظرهم ، انا اعتبر هذا النوع (الحوار اليميني) هو اسوأ انواع الحوار و الابعد عن البحث عن الحقيقة ؛ لانه يرى ان الحقيقة هي ما يقدمه هو ليس الا ، على انها مسلمات ، فالحوار مثلا حول محنة الشعب الفلسطيني و قضية الشرق الاوسط ، تبدأ عند الغرب اليميني بمسلمات ، و هي حق اسرائيل في البقاء ، وأن الشعب الفلسطيني عربي ، والعرب لهم بلاد كثيرة ، و رفض فكرة الارهاب - ليدخلوا فيها اي نوع من المقاومة - ، و الاعتراف بآلام اليهود واحراق 6 ملايين في المانيا ..

اقبل هذه المسلمات ثم ناقش الغرب اليميني في القضية ، مع ان كل المشاكل هي في هذه المسلمات الخاطئة .. لكن اي مساس لهذه المسلمات يعتبر الحوار لاغي من جهتهم .

حوار الاقوياء هذا ، يحوّل الحوار الى تفاوض ولا يجعله حوارا . و عالم الافكار لا معنى للقوة فيه ، فهو ليس مثل عالم الاقتصاد او السياسة ..

في عالم الافكار لا توجد مسلمات ، الا ما يتفق عليه الطرفان بموجب العقل المشترك . نعم لي الحق في تفكيك الصورة واعادة تركيبها ، و للطرف الاخر الحق ايضا في ذلك ، فيفكك الصورة التي ركـّبتها و يعيد ترتيبها ، والحوار مستمر دون التعرض لحق اي احد من المتحاورين في ابداء رايه .. يستطيع غيري ان يسمي حواري بالحوار الراديكالي ان شاء ، كل هذا لا يهم ، المهم ألاّ اقبل مسلـّمة مفروضة علي دون اقتنع و احس بها انا . هذا هو الحوار الاكثر حرية ..

نعم أنا ارفض طريقة الحوار اليميني .. و كل حر في تفكيره يرفض هذه الطريقة . لانها تحمل املاءات في داخلها ..

اللادينيون والملاحدة : اتجاه معاكس بلا صدام ..


انكار وجود الاله هو كل ما فعله الملحد .. و الانكار لا يحتاج الى بحث .. إن الوجود هو الذي يحتاج الى بحث في العادة .. اي ان طلب الراحة يناسب من ينكر وجود الشيء اكثر من مناسبته لمن يثبت وجود الشيء .. فأن تقول : لا يوجد شيء في تلك الغرفة ، اسهل من ان تقول : يوجد فيها كذا و كذا و كذا .. النفي اسهل من الاثبات ، والملحد اختار الاسهل في البحث والتفكير ..

و في كتاب انتوني فلو : يوجد اله .. تلك الرحلة العقلية قد بدأت من الإلحاد ، و قد كان إمام الملحدين في زمنه ، ثم وصلت رحلته الى اثبات وجود سبب للوجود .. اذن رحلته بدأت من الاسهل الى الاصعب .. تناميا مع زيادة علمه وعقله و خبرته .. و اللادينيين في العادة هم الاكثر علماء من الملاحدة .. و على راسهم اينشتاين الذي يقدمه الإعلام كأكبر عقلية زارت الكرة الارضية .. فهل هو لم يبحث ايضا و لم يبلغ مستوى بحثه ما وصل اليه الملاحدة ؟

و ما دام انتوني فلو ملحدا في الاصل ، فماذا يقول الملحد عن بحثه الطويل الذي توصل به لوجود اله ؟ المفترض ان العكس هو الذي يكون ، اي ان يبدأ بوجود اله ، الى ان يثبت عدم وجود اله .. و لكن ما حدث هو العكس .. و هذا مثال على سهولة كلمة : لا يوجد ، و صعوبة كلمة : يوجد .. و يقولون في الامثال : الكسلان يعلم الغيب ..

العلماء الذين بحثوا ليكتشفوا وجود الجراثيم او الفيروسات ، هم بدأوا من : " لا يوجد جراثيم"  .. اي بدأوا من الاسهل الى الاصعب .. و منهج ديكارت ، وهو اساس العلم ، يبدأ من الشك ، اي نقض الوجود ، ثم يبحث لكي يثبت الموجودات ..

اذن الالحاد يقف وراء خط بداية السباق – و ليس خط نهايته - في مجال العقل و العلم .. الالحاد نقطة بداية و ليس نقطة نهاية .. فلا توجد نقطة نهاية تنتهي بالعدم .. إن العدم يصلح نقطة بداية .. اذن الالحاد في منطقة بدائية و ليست متقدمة في سلم البحث العقلي .. 

لا يصلح ان تقول لأحد ، و ليس من المعتاد عقليا .. ان تقول : ابحث لكي تكتشف لا شيء !! .. اذن الالحاد ليس مجالا للسباق العقلي .. أم ان تقول له : ابحث لكي تكتشف شيئا ؟!! ايهما اصح و الاقرب لطبيعة العقل ؟؟

هذا هو الالحاد ببساطة تكوينه : بحثٌ عن اللاشيء .. و رحلة الى العدم .. وهذا ليس من مجال مغامرات العقل البشري اصلا الذي اعتاد ان يبحث عن موجودات و ليس عن معدومات .. اذن يُتـَوصَّل الى الالحاد بسهولة : اكره الدين و اخرج منه ، تكن ملحدا .. ولا داعي لرحلة عقلية طويلة ..

إن الاثبات هو الذي يحتاج الى مجهود ، اما النفي والانكار فلا يحتاج إلا الى اتباع هوى نفس .. و ان قال احد للملحد : يوجد اله ، يقول له : احضره لكي اراه .. فأنا لن ابحث عنه لأني لا اريد تعاليمه ، لانها ضد رغباتي ..

كل شيء يحتاج الى اثبات ، ولا يوقفنا عن طلب الاثبات الا معارضته للمنطق .. و وجود اله لا يعارض المنطق ، اذن هو مجال بحث ، بل يؤيده .. اذن الواجب على صاحب العقل ان يتأكد .. على الملحد ان يثبت ان فكرة وجود اله غير منطقية .. اذا فعل هذا ساغ له ان يقول : لا تبحث عن اله ، لان فكرة وجوده غير منطقية .. و ما دام العكس هو الموجود ، اذن التوقف عن البحث عن اله هو توقف عقلي بهذا الخصوص ، ولا يوقف العقل في بحثه عن الموجودات الا الهوى والرغبة ، التي يتعارض معها اثبات وجود ذلك الاله ..

و لو كان البحث عن مـُوجـِد غير منطقي ، لما اضطر الملاحدة الى فكرة الصدفة كتعويض عن الاله .. و هي فكرة غير منطقية ولا واقعية .. ولهذا بدأوا يتهربون منها مؤخرا ..

الحقيقة أن الملحد خالف المنطق ، و كل بحثه هو ان يرقـّع هذه المخالفات ، من خلال التحايل و الانتقال مرة ، والاهمال مرة ، و التركيز مرة .. لهذا اقول ان اثبات وجود اله ليس اثبات وجود اله فقط ، بل اثبات للعقلانية ، وهذا امر يتعلق بكل من يريد ان ينتسب الى العقل .. فمن يثبت وجود موجد عاقل ، سيثق الناس باحترامه للمنطق و يثقوا بعقلانيته .. لان هذا اكبر دليل على احترامه للعقل والمنطق ..

اما من يـُرجـِع الى الصدفة ما لا تحتمله ، فهذا لا يجعل الناس يثقون به ، لانه سيُرجع اشياء اخرى بنفس الطريقة الى مسببات لا تحتملها ..      

لو اراد شخص ان ينفي وجود شيء ، والآخر يريد اثبات ذلك الشيء الغير موجود ، فأيهما سينشدّ العقل اليه اكثر ؟ الناس يستطيعون ان يتحملوا متابعة من يريد ان يثبت وجود شيء ، و لكنهم لا يفعلون ذلك مع من يريد ان ينفي وجود شيء .. و الملحد أيضا يعلـّق آماله على العلم لكي يثبت له شيئا و ليس لينفيه ..

مشكلة الملحد الحقيقية هي مع الدين و ليست مع المنطق .. هذا في الاساس .. لكن المنطق صار يقف مع الدين ، فاضطر الى محاربة المنطق و التحايل عليه ، مثلما فعل مع الاخلاق عندما اتفقت مع الدين ، والان بدأ يحارب العلم لأنه بدأ يخون الملحدين و يقترب الى فكرة الدين ..

يستطيع الملحد ان يقول : يوجد اله ، ولكنه غير الهة الاديان ، كما يقول اللاديني . لكن سيـُقال له : انت اثبتّ إلها موجودا ، و نفيت الاديان كمعبـِّر عن الاله ، اذن انت تتفق مع الاديان في وجود اله ! و الملحد لا يريد اي اتفاق مع الدين ، لأن كل اتفاق يجر منطقيا الى اتفاق اخر .. و سيُسأل :  ما هو البديل اذن ؟ و لماذا توقف بحثك ؟؟  الملحد يريد ان يبتعد عن الفكرة من الاساس .. لشدة كراهيته للدين .. فهو لا يتحمل وجود اله غير الهة الاديان .. فالالحاد اكثر راديكالية من اللادينية ..

ثم هل يستطيع العقل ان يبحث مباشرة عن عدم وجود ؟ العقل لا يبحث الا عن موجود . و اذا قيل : كيف يتم النفي اذن ، و هو موجود في حياتنا ؟ اقول : انه يتحقق باثبات شيء موجود اخر .. 

الالحاد اذن بريء من العقل والعلم كبراءة الذئب من دم يوسف .. لأن كل علم يتعلق بالموجود ، و الالحاد يتعلق بالمعدوم ..

وعندما يقول الملحد ان الاديان هي الدليل الوحيد على وجود الالهة .. هنا الان اسقط كل اللادينيين وكأنهم ليسوا موجودين .. !! الا يعلم انهم اثبتوا وجود اله من خلال العقل والعلم ؟؟ وليضف الى معلوماته : ان اللادينيين دليل اخر - عدا المؤمنين - على وجود اله .. ولا يليق ان يهمَّش وجودهم و وجهة نظرهم .. هذه حقيقة يجب اخذها في الاعتبار .. لتكون عبارة الملحد : لا يوجد دليل على الايمان الا المؤمنين و اللادينيين .. إلا إن كان الملحد ينكر وجودهم ولا يعتبر وجهة نظرهم شيئا يستحق الذكر ..

قد يقول الملحد : اما اذا ما فرضوا (اللادينيين) سبباً اول للخلق الذي قد يكون اله ، فهو افتراض الكسالى، اما اذا اردنا الاخذ بكلامهم ، فكيف سيثبت المسلم ان هذا الاله هو الله ، و قد تم دحض الدين الذي يدل عليه ؟

نقول : طبعا هو تم عنده ، وما تم عنده لا يعني انه تم عند غيره .. فانا مثلا تم عندي دحض الالحاد من جذوره ، و اصبح شيئا من الماضي ، ولكن لا يعني هذا عدم وجود ملحدين مؤمنين بعقيدتهم ..

ثم هذه تهمة جديدة للادينيين ، فهم كسالى و لا يفكرون !! و لماذا لا تكون هذه التهمة للملحدين ، فهي الاقرب منطقيا ان تلبسهم ؟ لان الكسلان دائما يقول : لا اعلم .. و لا يوجد .. ! هم لم يفترضوا و هم كسالى كما يقول عنهم .. هم بحثوا بعقول حرة ، و ليسوا منتمين لاي دين حتى يقول ان الايمان هو الذي دفعهم ، اذن هم النموذج المثالي للرد على الملحد .. والله اوجدهم لدحض حجج الملاحدة .. فهم يخدمون الايمان و هم غير مؤمنين ..   


وقد يقول الملحد : لانجد صداماً بين الملحدين واللادينيين ، لان اللادينيين لايفترضون اله معّرفاً بمسمى وصفات ورسل وكتب وأوامر ونواهي ( مما يعني أن المحصلة هي : لا اله )، كما ان اللاديني قد دحض الاديان فكيف يكون دليلاً عليها ؟!

نقول : نحن نتكلم عن فكرة عدم وجود اله ، و لسنا نتكلم عن الاديان .. و الملحد همه دحض الاديان !! اللادينييون دحضوا فكرة الملاحدة ! فلماذا لا يصادموهم ؟ ام ان الفكرة لا تهمهم ؟ فقط ان يدحضوا الاديان هو ما يهمهم ؟؟ اذن الملاحدة ليسوا مهتمين بمجال الفكر .. و الا لصادموا اللادينيين ! فهم يتعرضون لفكرتهم الجوهرية ويخطئونهم بالكامل فيها .. !!

هذا اكبر دليل على ان المسألة مسألة هوى و عداء خاص للدين ، و ليست المسألة مسألة فلسفة او بحث عن الحقيقة .. نعم اللادينييون لا يقرون بصحة الاديان كلها ، ولهذا لم يـُسـَمّوا مؤمنين بالدين .. فهم كافرون به ، وهذا موضوع اخر ..

نحن في موضوع وجود اله من عدمه .. و لسنا في موضوع صحة الاديان الموجودة ، و ايهّا اصح كموضوع ثالث لرحلة العقل .. فهذا موضوع يتناقش به المؤمنون دائما مع اللادينيين .. انا ارى ان اللادينيين فكروا ، و لكنهم توقفوا بعد اثبات وجود الاله ، بينما الملحد يرى انهم لم يفكروا ابدا و انهم كسالى ..

اما من يريد ان يثبت العدم ، فلا مجهود حقيقي له سوى محاربة الموجود ..

هذا اكبر دليل على ان الالحاد دافعه الهوى وليس المنطق .. ولو كان دافعه المنطق لناقش الالحاد كل من يعارض منطقه ، و ليس فقط اهل الاديان .. وهذه فضيحة كبرى على العقلية الالحادية .. التي تبين انها ليست الا مجرد هوى نفس و رغبة في الانفلات من كل قيد .. حتى ولو كان ذلك المنطق .. و اي شيء يرتبط باللاشيء يكون لا شيء ..  

الملحد في ورطة مع اللاديني ، فإن ناقشه تورط في منطقيته ، و ان تركه تورط في عدم منطقيته هو ، و عدم دفاعه عن فكرته بعدم وجود اله التي يثبتها اللاديني .. فهما متعاكسان .. و لكن بدون حوار ..