النسيان و الشك و الخطأ والعاطفة والضعف وارد عند
الانبياء والرسل ، (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ
يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ) ، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي
كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ
قَلْبِي) ، وهذا يعني حرص ابراهيم على ان يطمئن قلبه بالكامل ، مع انه مؤمن ، حتى
لا يزعجه الشيطان بوسوسته التي لا تقف عند حد .. (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا
وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ, وقال تعالى عن موسى ورفيقه: { نسيا حوتهما...}
لكن الله لا يسمح لذلك ان يؤثر في صفاء وعصمة
رسالاتهم ، فالله ارادهم ان يكونوا بشرا ، و اراد لرسالاته ان تكون معصومة حتى
يبلغوها للناس صافية . أي : رسالة صافية يقدمها بشر وليس ملاكا ، حتى يتم
الاقتداء بهم ..
وكلمة شك تعني الوسوسة المزعجة ، وليس بمعنى الشك
الذي يصل الى حيز الفعل والتنفيذ , الأنبياء أرفع من هذا المستوى.. اي انها شكوك غير مقبولة ولا مرغوبة من صاحبها
، يثيرها الشيطان .. ولا يؤيدها من تمر بباله ، و ليس المقصود الشك المحيـّر الذي
يحرف العقيدة .. أرجو مراعاة الفارق ..
انهم غير معصومين من الشيطان ، بدليل الآية
الجامعة لكل الانبياء : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ
إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ..) و ورود الشيطان
عليهم لا يعني انه يذكّرهم بالخير طبعا .. لكن بقية الآية تثبت ان الله ينقّي
رسالته من عيوب بشريتهم : (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ
اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) لاحظ قوله : يحكم آياته .. يعني :
يصفـّي رسالته رغم بشرية الرسل وتعرضهم كغيرهم لوسوسة الشيطان .. وقال تعالى لنبيه
: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ) .
و ورود الشيطان على ابراهيم ليوسوس له مثبتٌ
بالجمرات التي يرمي الحجاج فيها ، حيث انها مكان ظهور الشيطان لابراهيم و وسوسته
له .. و ابليس وسوس لآدم و حواء في الجنة من قبل ..
و كون الرسول يـُخاطـَب بعبارة شرطية قوية تشبه
التهديد في القران : ( ولو تقول علينا بعض الاقاويل ، لأخذنا منه باليمين ، ثم
لقطعنا منه الوتين) ، هذا يعني وجود احتمالية ، فإذا جردنا الرسول من ايمانه
بالغيب رغم كيد الشيطان ، فنحن نقلل من شأنه و لا نرفعه . اي اذا اعتبرناه مجبرا
على اختيار الخير ولم يكلف نفسه في ذلك ..
فالرسول بشر مؤمن و مسلم ، ولولا ذلك لم يصلح لان
يكون قدوة ، فإذا صار له طبيعة ملائكية ، فكيف نقتدي بملائكة ونحن بشر ؟ الله
امرنا ان نقتدي بالانبياء ، فكيف يقتدي المُخيّر بالمُجبر على النزاهة والمعصوم من
اي خطأ ومن اي شيطان ؟ بينما نحن غير معصومين وغير مجبولين على اختيار الخير ؟
الانبياء نموذج للبشر ، و ليسوا نموذجا للملائكة .
والايات كثيرة من مثل (إنما انا بشر مثلكم يوحى الي ..) ، ومثلكم تعني المماثلة في
الطبيعة ومتطلبات الحياة وعوارضها ، و الوحي يؤكد له ان ما ياتيه حق ، (الحق من
ربك فلا تكونن من الممترين) ، لو لم يكن له فرصة للشك أو الرفض ، لما قيل له هذا ،
مع وجود الوحي ، فالشيطان يدخل في كل شيء ..
لاحظ ان القران نهى الرسول عن تحريك اللسان في
القران : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به) ، لأن القران سوف يحفظه الله في صدره وعلى
الارض الى قيام الساعة ، بدليل ما بعدها : (إن علينا جمعه وقرآنه) ، و قوله تعالى :
(سنقرؤك فلا تنسى) .. وقوله تعالى : (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) ، هذا يعني
امكانية حضور الشيطان . وقال تعالى : (واعوذ بك رب ان يحضرون) .
من هنا نرى عظمة رسول الله وبقية الرسل .. كيف
استطاعوا ان يزكوا انفسهم كل هذه التزكية وأن يصبروا كل هذا الصبر ، رغم ان شياطين
الجن والانس تحاول ان تثنيهم وتؤثر فيهم وتخيفهم .. وهكذا يفهم المؤمن عظمة انبياء
الله ويجعل طريقتهم نبراسا له في حياته ، وصبرهم شاهدا له ، قال تعالى (فاصبر كما
صبر اولو العزم من الرسل) . قال تعالى : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ
بِمَا يَقُولُونَ) ..
نحن احوج لأن يكون قدوتنا بشرا مثلنا ، يخطئ و يصيب
ويتوب كما كان ايوب ، ويبحث عن الحقيقة كما فعل ابراهيم و محمد عليهم السلام ، حتى
نحاول ان نقلدهم .. نحن لسنا محتاجين لملائكة ، لاننا لا نستطيع ان نكون مثلهم و لا
قريبين منهم ، لهذا أكد الله سبحانه على بشرية الرسول عليه الصلاة والسلام و كل
الانبياء ، ولم يذكر لهم خاصية اخرى يتميزون بها عن البشر ، إلا ما اعطاهم الله من
علم لم يعطه غيرهم ، و بحثهم و حبهم لله وما والاه ، وتفضيلهم للآخرة على الدنيا
..
فيوسف مع انه صديق نبي و ابن انبياء ، ذكر القرآن
انه همت به و هم بها ، و قال عن نفسه ( ولا ابرء نفسي ان النفس لأمّارة بالسوء) ، إنه
بشر مثلنا ، و تأتيه نوازع النفس التي يؤثر بها الشيطان ، و لكنه اراد ان يتزكى و
يتطهر . اذن نستطيع ان نفعل مثل فعله لو وقعنا في نفس الظرف ، لانه بشر و ليس مَلَك
، ونحن بشر ايضا ، فما الذي يجعلنا لا نفعل مثله ونستعصم بالله كما استعصم ؟ هكذا
يكون قدوة ً لنا في رفض الفاحشة و الخيانة ..
ان الله تعهد بحفظ كتابه ، ولم يكل حفظه الى
الرسول فقط ، فإذا كان الانبياء لا يخطئون ولا ينسون ولا يغضبون ولا تأتيهم نوازع
النفس او الشيطان ، كيف نستفيد منهم و نقتدي بهم ؟ بل كيف يكونون افضل من الشخص
الذي قاوم هذه النوازع و تحمّل حتى يطهّر نفسه ؟ نحن نقتدي بصبرهم ، و الصبر يعني
المقاومة ، قال تعالى : (والله يعصمك من الناس) ، ولم يقل من الشيطان ولا من الخطأ
ولا من البشرية .. و لهذا مدح الله انبياؤه بسرعة التوبة عند الخطأ : (نعم العبد
انه اواب) ..
البشرية تقتضي كل مقتضيات البشرية ، لذلك قال عن
عيسى و امه عليهما السلام : (كانا يأكلان الطعام ويمشيان في الاسواق) و اكل الطعام
يعني قضاء الحاجة ، مثل بقية البشر .
محاولة جعل الانبياء ذوو تكوين خاص مختلف عن بقية
البشر ومجبولين على الخير والفضيلة ، يجعلهم نموذجا فوق البشر ، اي لا يستطيع
البشر ان يقلدوهم ويحاكوهم ، وهذا عكس ما جاء الانبياء لأجله ، لم يأتوا لكي يقدّسوا
ويمجدّوا ويعظَّموا ، ولم يأتوا ليُعجّزوا البشر بنماذج جـِبـِليّة لا يمكن ان
نكون مثلها ، بل جاءوا لتقديم النموذج القائم على الصبر واختيار الافضل .. قال
تعالى (فبهداهم اقتده) ، والله لم يصفهم باوصاف التقديس والتمجيد التي يبالغ بها
البعض ، بل وصفهم بأنهم بشر و عباد لله ، و مدح فيهم صفاتا انسانية كالحلم والرجوع
عند الخطأ والصبر و بر الوالدين وعدم الكبر ، لأننا بحاجة الى مثل هذه الاخلاق ..
وكونهم مصطفين ومهديين ومخلـَصين لا يتعارض مع
بشريتهم ، فالله هداهم لانهم استحبوا الهدى على الضلال ، واصطفاهم لانهم اصطفوه
ورغبوا فيه وبحثوا عنه ، كذلك يفعل الله مع المؤمنين ايضا ، فالله يهدي من يشاء ،
ويضل الذين استحبوا العمى على الهداية ، بل و يزيدهم ضلالا .
انهم رسل الينا و ليسوا كيانا مستقلا يقدّس لوحده
.. و هذا يعني ان لنا قيمة عند الله ، و الا لم يرسلهم الينا .. وهذا لا يعني
انقاصا لقدرهم العظيم ، بل على العكس ، بل يجعلنا نتصور معاناتهم و مقاومتهم
للشيطان ولأنفسهم ومقاومتهم للخوف والحزن والشك والنظرات الحاقدة ، كل هذا لأجل
اعلاء كلمة الله ، هكذا نستفيد من هذه النماذج البشرية التي اختارت ان تكون حياتها
لخدمة كلمة ربها . فعظمتهم وقيمتهم من عظمة الله وعظمة كلمة الله ، و هم مثلنا في
اختبار ، حتى بعد نبوتهم ، ان قلت ان عيسى هداه الله وهو في المهد ، و قال اني عبد
الله ، هذا لا يعني انه لن يكون بشرا يتعرض لكل النوازع التي يتعرض لها البشر فيما
بعد .
كل الانبياء صابرون ، و هذا يعني انهم بشر ..
(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن
لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ
إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، ابتلاه الله بعدم تصديق قومه له ، و لولا ان
سبح و تاب ، للبث في بطن الحوت ، و الله عاتب نوحا عندما قال لابنه الكافر : (ان
ابني من اهلي وان وعدك الحق) لأن الله قال له (اركب انت واهلك) ، وهو يعلم كفر
ابنه ، عندما تحركت عند نوح عاطفة الابوة ، ثم تاب بعد العتاب . فقال تعالى لنوح :
(اني اعظك ان تكون من الجاهلين) . انها طبيعة بشرية ، و توبة سريعة صادقة جميلة ،
احرى بنا ان نحتذيها .
وفي الحديث ان الرسول عليه الصلاة والسلام : (لا
تطروني كما اطرت النصارى عيسى ابن مريم ، ولكن قولوا عبد الله ورسوله ) .. وها نحن
نقول انه كان حقا عبد الله ورسوله .. واكثر انحرافات الاديان اتت من فكرة عدم
بشرية الانبياء ، وجعلهم نماذج نورانية مختلفة عن البشر ، كذلك انحرفت اديان
بتقليل شأن الأنبياء وشأن ايمانهم واعتبارهم بشرا من النوع الآثم ، كما تجد صورة
الانبياء في التوراة الموجودة و وصفهم باوصاف وافعال لا تليق بانبياء . كلا
التطرفين مذموم ، فالمسيحية جعلت من المسيح الها ، واليهودية جعلت من لوط زانيا
وسليمان ساحرا وداوود خائنا ومنتهكا لعرض صديقه ، و ما الى ذلك ..
على المسلم الا يتطرف في اي تصور ، فنحن امة وسط ،
لا نكرم النبوة على حساب الالوهية ، ولا نكرم البشرية على حساب النبوة ..
هذه وجهة نظر قابلة للاخذ والرد والاستدراك ..
هذه وجهة نظر قابلة للاخذ والرد والاستدراك ..
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق