الأربعاء، 12 أكتوبر، 2011

نيتشه و الفسلفة و إرادة القوة "آراء في أشهر الآراء : فريدريك نيتشه .."


ردود على بعض أفكار نيتشه.. 
مصدر الاقتباسات كتاب :
"فريدريك نيتشه : شيطان الفلسفة الأكبر"
 لمجدي كامل
* * *


* ص 14 – القطيعة بين نيتشه وفاجنر وأثرها على نقد القيم الأوروبية :
.. كانت القطيعة بينهما هي الشرارة التي اطلقت فكر نيتشه مثل العاصفة على القيم الاوروبية اذ رأى في المسيحية انحطاطا ، وأن النمط الأخلاقي الصائب هو النمط الإغريقي الذي كان يمجد القوة والفن ، ويستخف بالرقة والنعومة وطيبة القلب التي رآها من صفات المسيحية .

الرد: أليس الفن من الرقّة ؟

الفن يتعلق بالموضوع الذي يتناوله ، سواء ديني او عسكري او وطني أو يمجد قوة أو يمجد ضعف و رقة كما هو في شعر الغزل والاغاني العاطفية المليئة بالخضوع والتأوه ، فعلى اي اساس تم تحديد الفن بما يريده نيتشه فقط ؟ الا تعرف ان هناك فنون دينية في كل العالم ؟ بل ان اساس الفن – مثل العلم – هو الدين والآثار تشهد بذلك ، والفن يغطي كل مناحي حياة الانسان ...

وكيف الجمع بين تناسق الفن وجماله وعذوبته ، وبين الوحشية على الضعفاء والدموية والظلم والفوضوية التي يدعو اليها نيتشه ؟ تخيّل الانسان الذي يريده نيتشه : القاتل السفاح الفوضوي المدمر ، وفي نفس الوقت الذي يطرب للفن ويذوب امام اللوحات والقطع الموسيقية !! هذه شخصية مجنونة !

وما دام انه احتاج الفن كتعويض عن الدين ، فهذا يعني وجود حاجة للدين و اراد ان يسدها باقرب شيء اليها ، اي اخذ اجمل شيء – وهو الفن – ليسد به ثغرة الدين ، والشيء الذي تسد مكانه بأجمل شيء في الوجود ، لا شك انه "اجمل" من ذلك الشيء ..

الفنان انسان حساس ، والحساس رقيق المشاعر ، مع أن الموضوع الذي يعبر عنه قد يكون انفعالي وغاضب ، على قدر رقة احساس الفنان يكون الابداع . المتنبي مثلا له شعر صلب ، لكن في داخله انسان مرهف الاحساس وسريع التاثر بما يجري حوله ربما اكثر من اي شخص اخر حوله . والفنان يجب ان يكون هكذا ، ذو مرآة حساسة وتستجيب بسرعة للمؤثرات . الا نلاحظ ان الفنان المبدع ينتبه لاشياء دقيقة لا ينتبه لها الشخص العادي ؟ هذا يدل على رهافة احساس الشاعر او الفنان . ولهذا لا نستغرب انه لا يوجد فن خالي من العاطفة ، و بدون عاطفة لا يكون فنا ، والعاطفة من الرقة .



العقلانية الجامدة التي يتبناها الماديون لا تنتج فنا ، اذا الرقة من اهم اساسات الفن . و كل فنان قوي في فنه ،  فعلى قدر قوته على قدر رقته من الداخل و رهافة احساسه وسرعة تأثره ، فالفنان كالشمعة الرقيقة التي تحرق نفسها لتضيء ما حولها . كذلك متلقي الفن ، اذا لم يرهف احساسه وعواطفه ، سيغدو الفن عنده عبارة عن كلام مصفوف او خربشة الوان على ورق او قماش ، فليس العقل الذي يعطي الفن قيمته وإنما الاحساس والشعور المرهف والمشاعر ، و يكون العقل في الدرجة الثانية . ولهذا احب الناس الفن لان العقل فيه يتبع الشعور وليس العكس .



وهذا ما يجب ان يكون في كل الحياة ، على خلاف الفلسفة المادية . فالعقل المجرد مرتبط بالمادة وليس بالانسان . وعلى هذا لا يمكن الجمع بين الفن بتناغمه و رقة مصدره ، مع العقلانية المفرطة والنفعية الجشعة واللااخلاقية التي يدعو اليها نيتشه . سيكون المنظر متناقضا جدا . ان ترى رجلا يقطر سيفه من دماء الضعفاء ، ويتأمل قطعة موسيقية بكل رقة وانسانية واحساس بالجمال !!


كيف الجمع بين القبح والجمال في نفس الوقت ؟ والجمال شرط في الفن ، والصراع و ظلم الضعفاء ليس فيه جمال . هذا التناقض يصور لنا نفسية نيتشه المتناقضة . حتى بدا تناقضها للجميع ، خصوصا في اواخر حياته .

الفن لا علاقة له بارادة القوة ، كان على نيتشه ان يمجد الابداع الذي يخدم ارادة القوة ، كاختراع اسلحة تفتك بالضعفاء بطريقة اسرع أو اسلحة دمار شامل لا تبقي الا على الاقوياء في الارض بطريقة سهلة وغير مكلفة . 

الرابط بعيد بين الادب والفن وارادة القوة ونشوة الجبروت وسحق الآخرين . 

أو كان عليه على الاقل ان يحدد الفن الذي يمجد القوة والتفوق على الاخرين ، رغم عدم وجود هذا الفن مع الاسف ولحسن الحظ في آن واحد ، فكل الفنون مبنية على الفضيلة ولو من بعيد ، بما فيها المارشات العسكرية واهازيج الحرب ، فهي تعزف على نغمة الفضيلة ولو مؤوّلة كالكرامة وحماية الحمى والشجاعة والصبر وإباء الضيم .. إلخ . 

ولا نستطيع ان نجد فنا يسمى فنا وهو يمجد الظلم لانه ظلم ، وقتل الضعفاء لانهم ضعفاء ، فالرذيلة لا تقيم فنا ، اي ان الفن الذي يريده نيتشه غير موجود ، ولو وجد فلن يكون له عمر و ستمجّه الاذواق ، لأن الفضيلة من اساساتها الفن ، وهي ما يرفضه نيتشه ، كما ان الجمال من اساسات الفن ، والرقة في الشعور ، والعاطفة من اساسات الفن ، والخيال ايضا . 

وكذلك المنطق من اساسات الفن  ، وهو يرفض سقراط ومن بعده بسبب المنطق ، والنظام والتناسق ، وهو لا يحبها بل يحب الفوضى . والإرتباط بالطبيعة وعدم مخالفتها من اساسات الفن . وهي اساسات النقد الفني الصحيح .

* ص 21 – فهم نيتشه للفلسفة :
.. ثم يصل إلى الفلسفة وكيف يفهمها ويمارسها ، ويقول : "الفلسفة كما كنت قد فهمتها دائما وعشتها ، تعني أن تعيش في الصقيع فوق القمم .. إنها تعني أن تبحث في الوجود عن كل ما يجعلك تغترب عن نفسك وتطرح اسئلة عن ذاتك ويقينياتك الحميمة ، إنها تعني البحث عن كل ما حُذِف من قِبَل الأخلاق التقليدية . لقد اكتسبت تجربة طويلة من خلال اقتحامي للمناطق الممنوعة المحرمة ، من خلال توغلي في الأعماق والأقاصي ، هناك حيث لا يذهب أحد ولا يغامر مخلوق قط .. وعندئذ اكتشفت الاسباب التي دفعت بالناس وعلى مدار العصور ، إلى تقديس هذا او ذاك ،


الرد: هذا بحث عن الذات وليس بحث عن الحقيقة . هذا التعريف يصلح لشاب طموح يبحث عن الشهرة, وليس تعريفا للفلسفة, الفلسفة هي بحث عن الحقيقة.

نيتشه مريض بروح المغامرة لأجل المغامرة ، وهو مرض غربي . حيث ان المغامرة بحد ذاتها فضيلة في الفكر الغربي ، وتكرست بعد نيتشه ، مع أنها ليست فضيلة بحد ذاتها . بل المغامرة لاجل الفضيلة هي الفضيلة .

* ص23 – عن البحث عن الحقيقة :
.. يقول نيتشه : " البحث عن الحقيقة هو مسألة جرأة او عدم جرأة ، بقدر ما هو مسألة معرفة أو ربما اكثر ."

الرد: لا توجد علاقة بين الحقيقة والجرأة مستمرة على طول الخط كما يقرر نيتشه ، هو يتكلم بروح الشاب المغامر الأوروبي التي تعجبه كثيرا ، كنتيجة لشعوره بالنقص وفشله عسكريا وضعف بصره من وقت مبكر في حياته . وهذا يفسر اعجابه بالاخلاق الاسبارطية اليونانية ذات الصرامة التي تختلف عن اثينا المتحضرة اكثر منها .

هو واضح الإندفاع في فلسفته ، والإندفاع دائما مؤشر على وجود ردة فعل ، وروح القوة والصلابة من سمات الشعب الالماني وهو الماني ، وكما وصف المؤلف الجيش الالماني بأنه يتميز بالصرامة والقوة . فلهذا اعفوه من الخدمة العسكرية لانه ضعيف .

ونشأت عنده عقدة نقص اراد ان يعوضها بالكلام بدل الفعل ، ومنها تبنى فلسفة إرادة القوة منطلقا من نفسه التي تريد القوة بسبب ظروفه ، وكأن نفسه بمشاكلها الخاصة صارت هي الحقيقة الكونية العامة . وإظهار عقدة النقص بالكلام دون الفعل لا يحتاج إلى مغامرة خطيرة كما يصف ، بل الخطورة كانت في سقوطه من الحصان ، فما بالك بمبارزة الفرسان ؟

معرفة الحقيقة تحتاج الى هدوء اكثر من الاندفاع العاطفي . والمتحمسون هم اكثر الناس مروقاً من الحقيقة ، وذلك لفقدهم الحكمة ، والحكمة تعني الاحاطة بجميع الجوانب .

وصار عند الاوروبيين عرف خاطئ بتمجيد كل مغامر ، والذي غالبا يكون من هذا النوع ، ويسوء الامر عندما يكون في مجال الفكر والمعرفة ، حيث ما زال يعجبهم كل متهور بافكاره ، ولهذا اشتهر عندهم المتهورون والمغامرون الذين هم متطرفون في افكارهم ، حتى في عالم الفن ، مثل نيتشه وفرويد ودالي وفان جوخ وبيكاسو وهمنجواي ، إلخ القائمة التي ليس لها آخر  .

وهذا العرف يوحي لهم بأن هؤلاء سيأتون بالجديد ، لأنهم يصدّقون مثل نيتشه ان الحقيقة مرتبطة بالمغامرة . ناسين ان التطرف والسفه والأمراض النفسية مرتبطة ايضا بالمغامرة ، ويشتد تعلقهم بهذه الفكرة إلى درجة تدخِل المرضى النفسيين والمهووسين في سجل العظماء لديهم .

قد يدرك المتأني بعض حاجته .. وقد يكون مع المستعجل الزلل ..

الحكمة تحتاج للهدوء والنظرة المتوازنة من كل الجهات ، وليس الإندفاع من ثقب واحد .

ان وصفنا نيتشه بأنه ذكي ، فلن نصفه بانه حكيم باي حال من الاحوال ، الذكاء غير الحكمة . خصوصا في امور تتعلق بالانسان والمجتمع . حيث يكون اي مندفع منطلق من زاوية ضيقة ، مثلما يخرج الماء مندفعا من فتحة ضيقة . والحماس والاندفاع يشير الى تدخل قوي للعاطفة الخاصة ، بينما العقل هو وسيلة المعرفة الحقيقية وليست العاطفة الخاصة وردود الافعال .  

كأنه يقول : كل ما يمنعه المجتمع ويستهجنه هو الحقيقة ، ولذلك يحتاج إلى مغامرة . وهكذا يكون قد ركز على المغامرة اكثر من الحقيقة ، لكنها قد تكون مع ما يريد المجتمع في بعض الحالات .


* ص 26 – غاستون باشلار عن الحقيقة :
.. وبالتالي لا توجد حقائق مطلقة في العلوم الإنسانية وإنما حقائق قابلة للتصحيح والتعديل والتدقيق . بل ووصل الأمر بغاستون باشلار ، أحد كبار علماء الابستمولوجيا المعاصرين ، إلى حد القول بأن : " الحقيقة هي خطأ مصحّح بإستمرار " ..

الرد: عدم معرفة الشيء لا تعني عدم وجوده على الاطلاق ، فقبل ان تنكر وجود الشيء الذي تبحث عنه . عليك ان تقر انك لم تستطع العثور عليه اولا .

المدرسة النتشوية وأتباعها حاربت الحقيقة المطلقة من أجل اسقاط فكرة الله ، حتى لا يكون حقيقة مطلقة . وفي طريق الهدم هذا ، أزالوا فيما ازالوا الخير كحقيقة مطلقة ايضا ، والخير كحقيقة مطلقة هو اساس الاخلاق . اذا بالتالي تضررت الاخلاق بسبب انكار وجود الله . وهكذا ، كل من اراد اسقاط فكرة الله ، فإنه في طريقه سيسقط اثمن الاشياء .   

* ص 41 و 42– نيتشه ووهم الحقيقة :
.. فنيتشه رفض وهم الحقيقة . نيتشه ينظر إلى العالم كحكاية يتعذر فيها التمييز بين الحقيقة والخيال ، أو الحقيقة والخطأ . فكل الحقائق هي حقائق أشخاص ما ، وتكمن خلفها إرادات قوة وسيطرة شخصية . ولهذا يدعو نيتشه إلى إلى فلسفة تحقق فيما وراء الخير والشر ، تحررنا من الأوهام الزائفة التي تتحكم بنا وتحرر الفكر من سذاجته وسذاجة الاعتقاد بحياده وبراءته .

الرد: العبارة الثانية ( فالحقائق هي حقائق .. ) إلخ .. تناقض العبارة الاولى ، وليس بينهما إلا الفاصلة الموضوعة بين جملتين . يقرر في العبارة الاولى عدم القدرة على التمييز بين الحقيقي والخيالي ، بينما في العبارة الثانية يقرر ان كل من تكلم عن الحقيقة هو كاذب ويخفي دوافعه الى السيطرة ، بما فيهم الانبياء ، وربما هم المقصود ، مع انه قال قبلها انه لا يمكن التمييز بين الحقيقة والخيال .

وهو الان استطاع ان يميّز بين الحقيقة والخيال وبسرعة وبدون تعب ! وهكذا كلما جاء ذكر الدين ، جاز للملحد ان يتناقض . والشيء الذي يدفعك لان تكون متناقض هو شيء غير متناقض ، وبالتالي يكون حقيقي .

* ص 43و 44 – نيتشه والفردية والشعوب والإنسان :
.. يعد نيتشه من أعمدة النزعة الفردية الاوروبية حيث اعطى أهمية كبيرة للفرد ، واعتبر ان المجتمع موجود ليخدم وينتج افراد مميزين وابطالا وعباقرة . ولكنّه ميز بين الشعوب ولم يعطها الأحقية أو المقدرة نفسها ، حيث فضل الشعب الالماني على كل شعوب اوروبا ، واعتبر ان الثقافة الفرنسية هي ارقى وافضل الثقافات ، بينما يتمتع الايطاليون بالجمال والعنف ، والروس بالمقدرة والجبروت . وأحط الشعوب الاوروبية برأيه هم الانجليز حيث اثارت الديموقراطية الانجليزية واتساع الحريات الشخصية والانفتاح الاخلاقي اشمئزازه واعتبرها دلائل افتقار للبطولة .

ولكن ماذا عن الإنسان في فلسفة نيتشه ؟ "الإنسان شيء لا بد من تجاوزه" ، لعلّ هذه الفكرة هي العبارة الاكثر ترديدا عند نيتشه وهي الفكرة المركزية في فلسفته .. فالإنسان الذي لا بد من تجاوزه هو إنسان القيم البالية ، إنسان الميتافيزيقا واللاعقلانية ، وعلى هذا الأساس استندت فلسفته على (قلب القيم) .. وهذا يعني صراحة قلب الأصنام وعقلنة الأخلاق ، كي تكون أخلاقا خارجة عن هذا الانسان ومرتبطة به . وعلى هذا الأساس أسقط نيتشه مفاهيم عديدة في فلسفته بشكل عام ، وما يخص الإنسان والإنسانية بشكل خاص ، ومن هذه المفاهيم : الله ، الروح ، الفضيلة ، الحقيقة ، الماوراء ، وغيرها ، كي يختزل المفاهيم المحددة لهذا الإنسان ذاته .

الرد: ماذا ابقى من المفاهيم ؟ وهذه الاشياء التي حذفها هي التي تسمى بالخير ، والتي تميز الانسان عن الحيوان . اذا هو حذف الخير من الانسان ليبقي على الشر . ولم ينادي احد بالدعوة لتمجيد الشر مثل ما فعل نيتشه . ولم يدعو احد بهذه الدعوة وقبلت منه صراحةً كما اعلنها هو صراحة ً.

* ص44 و 45- نيتشه وما هية الإنسان :
كيف يصبح المرء (ما هو) ؟ بهذا السؤال ، أو بهذه الاشكالية ان صح التعبير ، يبتدئ نيتشه فلسفته حول الإنسان .. أن يصبح المرء (ما هو) ، يفترض أن لا يكون لديه أدنى دراية بـ (ماهو) ، ومن وجهة النظر هذه تغدو حتى الأعمال غير الصائبة التي تحدث في الحياة ذات معنى وقيمة ، وكذلك السبل الجانبية والسبل الخاطئة التي يسلكها المرء لفترة من الزمن .. وهنا تتجلى الحكمة الكبرى ، ألا وهي : اعرف نفسك بنفسك ،

الرد: كيف يعرف ما هو طالما ان للصواب والخطأ نفس القيمة ؟ هي دعوة للتخلص من الانسان ، ومن الضمير ليس الا ، بل ومن العقل . بموجب هذا يكون الانسان الة تتحرك ولا تقيم اعمالها ، والتقييم يحتاج الى ميزان ثابت وهو لا يريد ان يكون للانسان فكرة مسبقة عن نفسه و لايريد ميزانا اصلا ! اذا يعيش بلا تقييم وبلا قيود ،  ليست كعيشة الحيوان بل اضل ، لان للحيوان فكرة عن نفسه ، لا يتجاوزها . تحددها الغرائز المسيطرة .

نيتشه يظن ان قتل الانسان وابقاء المادة امر سهل . ويسميها حكمة ! كل هذا من اجل نصرة الشر والشيطان ، فالانسان عدوه والحقيقة عدوه ، فهو لا يخاف من الشك ، لكنه يخشى ان تقتله الحقيقة كما قال ، والشيطان تقتله الحقيقة .

 فنسيان الذات وسوء فهم الذات وتحقير الذات .. تغدو عين الحكمة امام القفز إلى الماوراء ، دون معرفة ماهية ما تم القفز فوقه ، وعليه لا يعتبر نيتشه هؤلاء العظماء المزعومين ، والذي ساهموا وما زالوا يساهمون بسنّ الأخلاق والقيم المحددة للإنسان حتى في عداد البشر ، فيقول : " فهم في نظري نفايات البشرية ، ونتاج للمرض وغرائز الانتقام ، انهم كائنات فظيعة ومضرة وغير قابلة في جوهرها للعلاج ، غايتها الانتقام من الحياة " . 

الرد: إذاً هو يعترف بنتيجة عدم معرفة الماهو ، وهي نسيان الذات واحتقارها وسوء فهمها ، هذه كنتيجة لطلبه السابق ، فهو طلب وهو قرر نتيجة الطلب بنفسه ! كل هذا حتى يرفض الايمان بالغيب الذي لا يسبب هذه الامراض من نسيان الذات واحتقارها وسوء فهمها ، بل هو الذي يداويها ، والعاقل لا يريد ان يسيء فهم نفسه فضلا عن ان ينساها ويحتقرها .. هل هذا هو عين الحكمة ؟

نيتشه مستعد ان يضحي بكل شيء لاجل ان يرفض الايمان بالغيب ، حتى نفسه ، قال تعالى : (نسوا الله فانساهم انفسهم) ، وما زلنا في كلامه  فهو قال هذه وقال تلك . واي شيء سيكون اهون من هذه النتائج السابقة ، هذه التضحية سخية لاجل الشيطان . 

* ص 45 و 46– الإنسان الحق والمبدع والأرقى عند نيتشه :
.. فالإنسان الحق عند نيتشه ، هو ذاك الإنسان الذي لا يدعو إلى العفة ، فالعفة حسب وصفه : "تحريض عمومي معاكس للطبيعة" . كما اعتبر تحقير الحياة الجنسية وارتباط هذه الحياة بفكرة (الدنس) هي جريمة في حق الحياة . وإذا ما اُعتُبِرت خطيئة من قبل المثاليين ، فالخطيئة عند نيتشه هي المثالية ذاتها .

الرد: الحياة الجنسية ليست خطيئة ، بل الزنا هو الخطيئة ، وشمول الحالتين بلفظ واحد يدل على خبث مقصود ، فليست كل ممارسة جنسية خطيئة ، وليست كل ممارسة جنسية فضيلة . ومن البداية هو رافض للمثالية ، فليس الامر جديدا ، اليس يردد دائما أنه يجب تجاوز الانسان ؟ اي يقصد تجاوز الانسانية . والمثالية هي هدف الانسان .

فالإنسان هو الإنسان الحر . والإنسان الحر هو من يمتلك عقلا حراً ، أي عقلا محرَّرا استعادَ تملكه بذاته ، ومنه فإن الإنسان المستقيم هو الإنسان الذي يعي نفسه كنقيض لأكاذيب آلاف من السنين ..

الرد: هذا لا يسمى وعي بالنفس ، هذا وعي لاكاذيب الاف السنين ، ولكن اين وعيه بنفسه ؟ تلاعب بالالفاظ . هل اذا وعيت بالكذب ، يعني انك اكتشفت الحقيقة والبديل ؟ هذا غير مطّرد . فضلا عن ان تعرف نفسك بمجرد ان تعرف كذب غيرك . هذا اضافة لاعترافه السابق بأن الإنسان اذا ترك الايمان بالغيب سوف ينسى نفسه ويحتقرها ويسيء فهمها ! اي انه لن يعرف نفسه ! فقط سيحتقرها ويسيء فهمها . ومن ينسى نفسه معناها انه لا يعيها ، اذا تبقى الاثنتين الاخريين : ان يحتقر نفسه ويسيء فهمها ، كنتيجة للالحاد الذي يدعو اليه .

ومنه أيضا فالإنسان المبدع عنده هو الإنسان الذي يجب عليه أن يكون أولا إنسانا (مدمّراً) ، وأن يحطّم القيم . {يقول} : " الشر الأعظم هو جزء من الخير الأعظم ، لكن ذلك هو الخير المبدع ".

الرد: ألم ينفي الخير والشر مسبقاً ؟ لماذا اذا يعود لاستعمالهما ؟ بل ويمسح الشر بالخير ، حتى يكسبه بهاءً ، أليس هذا اشد من كذب الاف السنين ؟

والإنسان الأرقى في فلسفة نيتشه هو الإنسان الذي يمثّل الواقع كما هو ، ويمتلك ما يكفي من القوة لهذا الغرض ، {يقول} : " الإنسان الأرقى ليس غريبا عن هذا الواقع ولا ببعيد عنه ، إنه هو ذاته ، وهو لا يزال يحمل في داخله كل فظاعاته واشكالاته ، بهذه الكيفية فقط يمكن للإنسان أن يكون ذا عظمة " .

الرد: نتمنى ان يستمر هذا الارتباط بالواقع ، دون القفز الى الخيال الملحد . ونستغرب كيف ترتبط العظمة مع الفظاعات والرقي في هذه العقلية ؟ واذا كان لا يراها فظاعات فلماذا يسميها كذلك ؟ كأنه يقول : الموظف المتميز هو الذي يؤدي عمله بكل التناقض الذي يحمله ، من كسل ونشاط وذكاء وغباء ومهارة وخرق ، هكذا يكون متميزا ..!
 اذا كان هذا هو المتميز فماذا يسمي الموظف الذي يستخدم احسن ما فيه فقط ؟ 
من الشخص العاقل الذي يقول هذا الكلام ؟ وتمجيده للواقع هو وقف للتطور الذي ينادي به ، وكأنه ليس بالامكان احسن مما كان . 

* ص 46 : إنسان نيتشه :
.. إنسان نيتشه هو إنسان العقل ، انسان الخير والشر كما يراهما العقل ، وتقييم الخير والشر عليه ان يكون تقييما ارضيا ، وليس فوق-ارضي .

الرد: انسان العقل لا يقع في صدام مستمر ومتناقض مع المنطق والعقل نفسه والواقع . الا اذا اعتبرنا الكذب رقيا بحد ذاته .

* ص 48 : من أقوال نيتشه :
إن كل الاشياء التي ظلت البشرية تثمنها الى حد الان ليست حتى بالامور الواقعية ، بل خيالات ومجرد اوهام ، وبعبارة اكثر شدة : اكاذيب طالعة من عمق الغرائز السيئة لطبائع مريضة ومضرة بالمعنى العميق للكلمة . كل هده المفاهيم من شاكلة الاله والروح والفضيلة والخطيئة والماوراء والحقيقة .

الرد: هذه المفاهيم تحمل جمالا ، والبشرية احبتها ، لكن المفاهيم التي يطرحها نيتشه لا تحمل جمالا بل قبحا ، فلماذا تكون مفاهيمه حقيقة وهذه المفاهيم مكذوبة ؟ الكذب لا يقدم جمالا . القبيح يقدم قبح ، والجميل يقدم جمالا . والكذب قبيح . 

واذا كان الانبياء كاذبون ، فينبغي ان يقدموا قبحا وليس جمالا تهفو حوله قلوب البشر باستثناء الماديين منهم ، الذين لا يملكون الا الاعتراف بجمال ما قدمه الدين مرغمين على ذلك ويسمونها احلاما وردية يخدّر الدين بها اتباعه . بينما هم يخدرون اتباعهم بالشهوات والغرائز التي لا تملك مثل الجمال الذي يقدمه الدين .

* ص 48 : نيتشه والانسانية :
.. الانسانية ليست منقادة بنفسها الى الطريق السوي ولا هي مسيرة البتة من قبل العناية الالهية ، بل انها على العكس من دلك ، فقد فسحت المجال ، بمفاهيمها القيمية المقدسة ، لغرائز النفي والفساد وغريزة الانحطاط كي تمارس سيادتها عليها .

الرد: هذه الثلاثة هي ما يدعو اليها نيتشه ، فهو يمارس النفي في خطابه ، ولا تسال عن الانحطاط والفساد الذي يدعو إليه . مع انه لا يؤمن بالانسانية ، اذا التهمة ليست قاصرة على الانسانية .

هذا شخص يكتب اهواءه ، وليست كتابة باسلوب فلسفي متقيّد بالعقل والمنطق . فهو يبدو كمن يستطيع ان يقول كل ما يشاء بدون تعقّل ، بدوافع عاطفية  ، نيتشه شاعر الحادي حاقد وليس فيلسوف . يكشف هذا اعجابه بشعراء اليونان قبل سقراط وكراهيته لسقراط وتلاميذه لانهم فلاسفة .بل يشنع عليهم تمسكهم الشديد بالعقل . 

* ص 48 : تناقض العقلانية والميتافيزيقية عند نيتشه :
.. فالعقلانية والحاجة الميتافيزيقية بالنسبة {لنيتشه} هي محض تناقض قيمي ، " فحين يتراخى ادنى عضو من مجمل جسده ويتخلى عن حماية حفظ داته وتأمين انانيته بوثوق تام ، يتداعى لدلك الكل ، وفي مثل هده الحالة يأمر العقلاني ببتر العضو المتداعي ولا يتضامن مع انحطاط داك العضو ، فالعقلاني ابعد ما يكون عن الشفقة تجاهه ، ولكن اللاعقلاني الغيبي دا الحاجة الميتافيزيقية يريد بالتحديد انحطاط الكل ، الانسانية بكليتها لدلك هو يحفظ العنصر المتفكك ، فبمثل هدا الثمن يتسنى له السيطرة عليها " .

الرد: المثال غير سليم . هذا العضو الذي يقصده – وهو الايمان بالغيب المتفق مع العقل - هو من اقوى الاعضاء ، وبالعكس ، هو وجد ليحافظ على انانيته ، ومستقبله في الحياة وبعد الموت ، ولا يتناقض مع انانياته الاخرى ، فلماذا يُبتَر وهو ذو وظيفة حيوية ؟

هل العقلانية قادرة على ان تحفظ الانانية فعلا ؟ هذا الزعم يستوجب معرفة كاملة وشاملة لكل شي ، وهذا الطلب غير موجود في العقلانية ولا تستطيعه ، اذا العقلانية ليست كافية للدفاع الكامل عن الانانية بسبب افتقارها الشديد للمعرفة اليقينية للانسان . فضلا عن ان تُعرَف طرق حمايته . والعقل لا يستطيع ان يحمي المجهول من المجهول . والانسان ذلك المجهول .

* ص 49 : الأخلاق :
.. فمناقضة الغرائز الطبيعية ( أي نكران الدات في كلمة واحدة ، دلك هو ما ظل يسمى الى حد الان بالاخلاق ) ،

الرد: هذا الفهم سطحي جدا للاخلاق ، يشبه ردة فعل مراهق يُنهى عن بعض التصرفات السيئة . ويعتبر ذلك تدخلا في حريته .

 إن القول بضرورة الاعتقاد بان كل شيء مسير بيد حكيمة ، وان كتابا الهيا باستطاعته ان يمنح طمأنينة نهائية بشأن التسيير الالهي والحكمة الربانية يعني ، بعد ترجمته الى لغة الواقع ، (إرادة طمس الحقيقة) التي تشهد بواقع معاكس بائس يبعث على الشقفة ، الا وهو ان الانسانية ظلت الى حد اليوم مسيرة بأسوأ ما يوجد من الأيدي ومحكومة من قبل المحتالين ، (وأن أخلاق الإنحطاط قد غدت الاخلاق بحد داتها) .

الرد: ما الضرر الذي يطول الانسان او العقل او العلم او الاخلاق اذا اعتقد بوجود اله حكيم مسير للكون ويخيّر الإنسان ليفعل ما يشاء ؟ هذا الايمان داعم لهذه الامور وليس مناقضا الا في خيال نيتشه .

* ص 49 : الخلاص عند نيتشه :
.. ( أن نحول كل (ذلك ما كان) إلى (ذلك ما أردت) ، هذا ما اسميه خلاصا ) ، ومنه فالانسان في فلسفة نيتشه هو شيء غير مشكل ، مادة ، حجارة قميئة تنتظر يد نحات ..

الرد: هذه دعوة وامنيات شاعرية وليست واقعية ، من هو الانسان الذي يستطيع ان يصنع كل شيء كما يشاء ولا يتناقض مع الارادات البشرية الاخرى ولا حتى مع رغباته هو ؟ هذا كلام تستطيع ان تقوله الآلهة اليونانية وليس البشر العاديون . فها هو نيتشه يفترق عن الواقع ، بعد ان ادعى انه سيعض عليه بالنواجذ ! الواقع لا يحمل مثل هذا الكلام الخيالي .

* ص 49 : القسوة :
فلسفة نيتشه القاسية : (كونوا قساة اشداء ) هي نتيجة قناعة راسخة واساسية بان كل المبدعين قساة . فالموضوعية وحدها لا تكفي ، بل الموضوعية والموضوعية المتطرفة هي المطرقة .

الرد: ليته كان ملتزما بالموضوعية والواقعية والعقلانية اكثر من مجرد ترديدها . فالترديد لا يعني الالتزام .

* ص 50 : الأخلاق عند نيتشه :
.. فالأخلاق لا تسمى اخلاقا الا ادا كانت داعمة للانسانية البحتة ، وأن تكون هده الاخلاق نتاج عقل مستنير منفتح ، لا مهادن مع اللاعقلاني .

الرد: ماذا نقول عن اللاعقلانية السابقة ؟ ثم ان نتاج العقل يسمى عقلا وليس اخلاقا ، نتاج الحس الانساني هو ما يسمى اخلاقا . 

* ص 51 : العدمية واللاعقلانية :
.. اللاعقلانية الجديدة هي التي يرى نيتشه انها الاضمن لتطور الانسان وسيادته ، وهي التي ستقوده إلى ارادة العدمية ، (فالإنسان يفضل ان تكون له ارادة العدم على ان لا تكون له ارادة بالمرة ) .

الرد: الان انتقلنا الى تناقض جديد ، قبل قليل يرفض اللاعقلانية بتاتا ولا يسمح بالتساهل معها ، والآن يقدم لنا لاعقلانية جديدة تحمل نفس الاسم ولكن ليست بنفس الرغبة والهوى طبعا ومسموح بها . اذا هو يقرر لنا ما يشاء ، ضاربا بالمنطق عرض الحائط .

مرة اخرى ، من هو العاقل الذي يريد ان تكون له ارادة عدم ولا يفضل ان تكون له ارادة وجود ؟ بل عدم الارادة افضل من ارادة العدم ، لا احد يريد درجة الصفر والانتهاء . والذي لديه ارادة عدم ، هو يائس من ان تكون له ارادة وجود . ومن ليس له ارادة يكون على امل ان تكون له ارادة . اما من له ارادة عدم ، فليس له امل .

هذا مثل الطالب الفاشل الذي يريد درجة الرسوب بالصفر ، مفتخرا أنه يملك ارادة بذلك .  

* ص 51 : من مطالب نيتشه :
.. على الإنسان ان يخلع براءته ويعلن الحاده ، لأن الإلحاد يحرر من البراءة ، وينتصر للغرائز ، ويفجر ارادة القوة ، وعندما نجحد الاله ننقد العالم ونصوغ مملكتنا الجديدة . ( إما أن تلغوا مقدساتكم ، وإما أن تلغوا أنفسكم) ، ويختار نيتشه كلمته ويقول : (العدمية ، هي الكلمة الاخيرة) .

الرد: الان هو يعترف بنتيجة الالحاد ، وهي الغاء البراءة واطلاق الغرائز الحيوانية بدون ضوابط ، والعدمية ، والصراع وحب السيطرة . هذه صورة رسمها نيتشه للملحد كما يريد ، وهي صورة بشعة فظيعة ، لا احد يتمنى ان يكونها ، الا من يفكر مثله قبل ان يعرفه .

* ص 51 : العقل ومصيبته عند نيتشه :
إن كل ما ينتجه العقل من مفاهيم وانظمة فلسفية وعلمية هو مجرد تأويلات وأوهام تتحول تدريجيا الى اصنام ، وإرادة القوة كفيلة بتحطيم هده الاصنام ، وعلى هدا فالعالم ليس الا مسرحا تتخد منه ارادات القوى وسطا لصراعاتها ، للوصول الى قوة اكثر قدرة على تفعيل سلطتها ، انطلاقا من قانون التطور المؤدي حسب ما يقول نيتشه الى الخلاص .

الرد: اذا ارادة القوة التي يقصدها ، هدفها السيطرة من خلال الصراع مع الاخرين ، لاجل الحصول على الخلاص .

* ص 52 – النموذج الجديد للإنسان عند نيتشه :
إن النموذج الجديد يجب علىه أن يؤسس أخلاقه انطلاقا من الانفصال عن المعطيات اللاهوتية والقيام بعملية عزل الاله واستلاب قدراته وصفاته ، ومنجها للإنسان الجديد ، ورفع شعار ان كل شيء مباح ، ولا توجد عوائق بين رغبات الانسان وبين القيام بها ايا كانت .

الرد: هذه الضدية اللازمة التي يتوهمها بين الدين من جهة والعقل والتقدم والعلم من جهة اخرى ، فإذا وجد احدهما هرب الاخر ، لم يكلف نفسه بشرح هده الضدية بل قدمها كمسلمة ، معتقدا ان تقديمها كمسلمة سيجعلها مسلمة عند القارئ ، وهدا غير صحيح ، فالسوبرمان القديم الذي بنى الحضارات القديمة بناه الدين ولم يبنه الالحاد . إذاً لا توجد حاجة ملحة الى سوبرمان ملحد حتى يكمل المشوار ، ومن بدا المشوار يستطيع ان يكمله .

* ص 59 و 60 – نيتشه عن سقراط والإنحطاط :
يقول نيتشه عن سقراط : " إن سقراط هو عبقري الإنحطاط الأول ، فهو يعارض الحياة بالفكر ، ويحكم على الحياة بالفكرة ، ويطرح الحياة كما لو كان يجب الحكم عليها وتبريرها وافتداؤها بالفكرة ، إن ما يطلبه منا هو التوصل انطلاقا من ذلك ، إلى الشعور بأن الحياة .. غير جديرة بأن تشتهى لأجل ذاتها ، وتعاني في ذاتها . سقراط هو الإنسان الحقيقي والنقيض للإنسان المأساوي " .

الرد: كيف يشتهي الحياة حقيقة من يجعل غايته منها العدم ؟ وما قيمة شيء مآله الى العدم ؟ الوجود هو الدي يصنع القيمة وليس العدم . حتى في الاشياء اليومية العادية ، تأخذ الاشياء قيمتها من وجودها ومدى استمرارها بوجود . 

ونيتشه يفعل نفس ما ينتقد به سقراط ، فهو متحمل ان ينسى الانسان نفسه ويحتقرها ويسيء فهمها مقابل فكرة الالحاد التي تبناها ، لا شك ان هده الثلاثة مضرة بالحياة اكثر من ضرر فكرة سقراط . فهو يتكلم عن الحياة ، وهو ينطلق من تصوره عن الحياة . هذا التصور الدي لا يعدو اطلاق الغرائز مما اتضح من كلامه السابق . 

إذاً هو له تصور عن معنى الحياة وسقراط ايضا له تصور عن الحياة . ادا كانت الحياة عنده تساوي الانفلات من القيود واتباع الشهوات ، فان الحياة والسعادة عند سقراط تعني المعرفة . ولا ينبغي اسقاط المفاهيم الخاصة على المفاهيم العامة .

* ص 60 – انتقاده للمسيحية :
أما بخصوص انتقاداته للمسيحية ، فإن نيتشه يكشف فيها سيطرة العنصر النافي والعدمية ، لذلك تجده يقول أن المسيحية تشرح المأساة انطلاقا من مرجعية النفي والعدمية ، فالحياة هي دائما موضع اتهام ، وما دام أن هناك ألم ، يعني أن هناك ظلما وذنوبا ، ومن هذا المنطلق وجب تبريرها وفداؤها . وهو ما يسميه نيتشه بـ "الإحساس بالخطأ" ، أو  "إستبطان الألم ".

الرد: طبعا هدا غير موجود في العقيدة الاسلامية ، حيث كل شخص مسؤول عن اخطائه وليس اخطاء غيره .


* ص 61 – اللامسؤولية :
يقول نيتشه : " لقد ادركت اكتساب الشعور باللامسؤولية الكاملة ، وأن اجعل نفسي مستقلا عن المدح وعن اللوم ، عن الحاضر وعن الماضي " .

الرد: الآلية وتفريغ الانسان من مضمونه وإحساسه ليست مصدر فخر ، الموت يصنع اكثر من دلك ايضا ، من الواضح انه يحارب احساسه الدي ياكله بالالم ، ويريد اسكاته بهدا الكلام .

لا يوجد شخص يستطيع ان يجعل نفسه غير مبالي ، مهما ادعى ذلك . ثم اليست هده تضحية بالحياة لخدمة فكرة الالحاد التي يحاول ان يقحمها على شعوره اقحاما مخالفا بدلك فطرته واحاسيسه ، بان يجعل نفسه هيكلا خشبيا متبلد الاحساس ؟

يبدو ان الثمن الدي يدفعه الانسان حتى يكون ملحدا ثمن باهظ كما وضح نيتشه ، لقد شوه نيتشه صورة الالحاد وجعله غير جذاب .  

* ص 63 - العدمية في مفهوم نيتشه :
العدمية وأشكالها عند نيتشه هي : الضغينة ، الإحساس بالخطأ ، والمثل الأعلى الزاهد . ونكتشف من خلال فلسفة نيتشه ان العدمية ليست حدث تاريخي أو محدد سيكولوجي ، بقدر ما هي محرك التاريخ أو المعنى التاريخي الذي يجد في المسيحية في لحظة ما تجليه الاكثر ملائمة . إن روح الإنتقام هو العنصر النسابي الخاص بفكرنا ، والعنصر الصوري لطريقتنا في التفكير ، للميتافيزياء بحد ذاتها ، وبما هي تجلّ للعدمية . ومن هذا المنطلق يأتي المشروع النتشوي لهدم الميتافيزياء وذلك بالدعوة لميلاد الإنسان الاسمى ، الذي لا يعرف المثل الأعلى الزاهد ولا يشعر اصلا بالخطأ ، كما لا تحركه الضغينة و رد الفعل .

الرد: هذا يستوجب الطمع والجشع والانغماس في الخطأ ، لان الاحساس بالخطا هو الدافع للصواب ، وهو يرفض الاحساس بالخطا . اما التجرد السوبرماني من الضغينة ، فهدا ليس له اساس في فلسفته المبنية على الصراع وارادة القوة ، والصراع يوجب الضغينة ، وهي محركه الاول .

استنتاجه يحمل التناقض بحد ذاته ، فالمثل الاعلى الزاهد هو الوحيد الدي يستطيع ان يزيل الضغينة . والطمع والتهالك على اللدة والمتعة هو الدي يسبب الضغينة ، بينما الزهد هو ما يزيل هده الضغينة . كانه لا يعرف الاسباب التي تنتج الضغينة بين الناس والعداوة ، وهي التنافس على الدنيا وعدم الزهد والتسامح ، كيف سيمارس السوبرمان النتشوي عدم الضغينة مع ان حياته كلها صراع ؟ وكيف سيسحق الضعفاء بلا ضغينة ؟ هل سيسحقهم بالمحبة ؟ كيف سيتخلص من الضغينة وكتاباته تطفح بالضغينة الحاقدة والمركزة على شيء واحد هو الايمان بوجود اله ومن يتبع هدا الايمان . 

ألم يخرجهم من دائرة البشر لانهم يؤمنون بوجود الله ؟ ومن يخرج من دائرة البشر يكون حيواني . ثم كيف يرفض ردود الافعال وهو يريد ان يبني وعيه لداته نتيجة لردة فعل لاكاديب الاف السنين ؟ اي يريد ان يبني وعيه كردة فعل عن الدين ، وهكدا يكون التناقض باوضح صوره .

* ص 87 – اللحظة النتشوية :
شكلت الرؤية الفلسفية لدى نيتشه ، أو كما توصف باللحظة النتشوية ، وما اتسمت به من خصائص منعطفا خطيرا في تاريخ الفكر .

تقوم فلسفة نيتشه على أسس ، أهمها :

-         التأكيد على الذاتية في مقابل الموضوعية بالنسبة للصلة بين الإنسان والعالم ، فقد ذهب نيتشه ، كما ذهب قبله شوبنهاور ، إلى أن أفكار الإنسان ومعارفه عن العالم الخارجي متأثرة بأوهام ذاتية ، ومعتقدات شخصية لا حقيقة لها في الخارج ، وأن الحقائق الموضوعية للعالم تختلف عما يتصوره الانسان ويعتقده عنها ، لذلك كانت معارف الإنسان عن العالم إنما هي أوهام ذاتية ، وخرافات موروثة .

-         إن أخطر هذه الأوهام الذاتية وأكبر تلك الخرافات الموروثة التي تخالف الواقع وتصادم الموضوع إنما هو الدين وكل ما يتصل به ، فالدين هو اكبر خرافة توارثتها الإنسانية جيلا بعد جيل ، وليس من شك ان الدين والأخلاق وما يتصل بذلك إنما هي مظاهر ضعف وانحطاط ، لكن هذه المظاهر يتعدها رجال الدين القساوسة ويظهرونها على أنها فضائل ، لكي يحتفظوا بسيادتهم على جماهير الناس ، وتزداد مكانتهم ومكاسبه المادية ، رغم وضوح الكذبة ورغم ان الدين وما يتصل به من أمور يرفضها العلم ويكفر بها العقل الذكي .

الرد: نستفيد من هذا الكلام انه ربط بين الدين والاخلاق ، وهدا اعتراف كافي بحد ذاته عن تلازم الدين والاخلاق ، ووجود احدهما يقتضي وجود الاخر ، يدخلان معا ويخرجان معا ، ويطلبان معا ويرفضان معا ، وهذا التلازم للاخلاق ليس موجودا في الالحاد ، بل مرفوضا كما يقرر نيتشه . 

أما كونه هو لا يحب الاخلاق فهذا شانه ، لان بقية البشر يحبون الاخلاق . واما عن اخلاقه البديلة ، فهي ليست اخلاقا بل مصلحة مادية ليس الا . وتحتاج الى اخلاق تهذبها .

    أهم ما في فلسفته جانبان : سلبي وإيجابي ، السلبي يتمثل في النقد العنيف والقاسي والملحّ للدين والقيم والاخلاق .. أما الجانب الإيجابي فهو تمجيد القوة والدعوة إليها ، وإلى القضاء على كل ما يعارض القوة ويعرقل مسيرتها ، ويعوق تقدم الإنسان مما يسمى بالقيم والأخلاق ، من مثل : الحب ، والرحمة ، والعدل ، فهذه الأمور وأمثالها قد عاقت الإنسان إلى أن يتجاوز نفسه ، ويرتفع عن مستواه الحالي ، ليصل إلى الإنسان الاقوى ، أو ما سماه السوبرمان ، ولن تصل الانسانية الى هذا الانسان الاقوى الا اذا القت وراء ظهرها بما يسمى بالقيم ، ثم استعملت القوة في الصراع بين الضعفاء والاقوياء ، ومن ثم يقضى على الضعفاء ، ولا يبقى الا الاقوياء ، ثم الصراع بين الاقوياء ، وهكذا حتى تصل البشرية إلى المستوى الأعلى دائماً .. وكان نيتشه حين تسجيله افكاره هذه وكتابته مذهبه شبه مجنون ، ثم اصيب بالجنون فعلاً وظل لأحد عشر عاما الاخيرة في حياته في جنون شبه كامل ، ورغم ذلك كان يكتب ويحرر مذهبه ذاك .

- فيما يتعلق بالجانب الاخلاقي ، فقد وضع مقياسا للأخلاق ربط فيه بين القوة والفضيلة ، بصرف النظر عن مجالات استعمالها ، فإن القوي عنده له مطلق الحرية في استعمال قوته في كل المجالات ، ولو كان سفك الدماء البريئة ، بل إنه يحض الاقوياء على سفك دماء الضعفاء حتى لا يعوقوا مسيرة البشرية إلى الأعلى ،

الرد: ما هو المقصود بالأعلى إذا كانت الناس ستذهب ضحايا ؟ هل الجريمة هي الاعلى في نظر هذا المجنون الذي اعطي اكبر من حجمه ؟ ما هو الأعلى ؟ ما يراه هو اعلى يراه بقية البشر سفول . فالظلم والعنف وقتل الابرياء ، اذا لم تكن هذه هي الحضيض فما هو الحضيض ؟

القوة عنده تعني القوة العسكرية وامتلاك الة البطش التي لا يمتلكها غيرك ، هذا هو الرقي والتطور من وجهة نظر نيتشه .  فلا ذكر عنده ولا قيمة لرقي الاخوة والانسانية والفن والعلم والجمال .. إلخ .

هذه فلسفة حاقد حاسد يعاني من الضعف الشديد ، ولو طبقت هذه النظرية لكان اول ضحاياها .  لكن لماذا نستغرب عليه تطرفه وهو لا يختلف عن الفلسفة المادية الراسمالية الالحادية وحتى الشيوعية في شيء ؟ كلها تفكر بنفس فكر نيتشه ، فقط هم لا يقدمونها بنفس العنف الذي يقدمه بها نيتشه . وهنا يستحق نيتشه الاحترام ليس على عقله ، بل لانه اكثر صراحة من بقية الماديين . كل الفكر الغربي هو نيتشه بطريقة ملطفة ، ولهذا اعطي رغم جنونه مكانة كبيرة .
 
- كذلك كل ضعف هو رذيلة ، بصرف النظر ايضا عن اسباب الضعف .. وأيضا ربط بين الخير والقوة ، والشر والضعف ، فأضحى الميزان الأخلاقي عنده : أن القوة هي الخير وهي الفضيلة ، وأن الضعف هو الشر وهو الرذيلة .
 دعا نيتشه إلى شعار يقول : " كن نفسك ، لا تكن غيرك" . وهو يعني بهذا أن يرفض الإنسان كل الاشياء التي ورثها ، والتي تربطه بالآخرين ، وأن يحطم القيم والعادات والأعراف والتقاليد ، بل يجب عليه ان يحطّم أخطر تلك القيود التي تمنعه من الخَلْق والإبتكار وتحقيق ذاته ، وهذه القيود الأخطر هي في نظره : الدين ، والوطن ، والأمة .. فالناس يؤمنون بهذه الاشياء والإيمان يعوق الإنسان عن تحقيق ذاته ، لأن الدين ماخوذ من السابقين ، فأنت لا تخلقه ولا تنشئه ، بل تقلد السابقين ، وكذلك الأمة والوطن ، ومثل ذلك كل القيم ، إنما هي موروثات عن الذين سبقوك ، فأين أنت ؟ أين ما قمت أنت بخلقه واختراعه ؟ لا شيء ، ولذلك فأنت صورة مكررة ممن سبقوك .. ولكي تبدع ولكي تكون نفسك وتحقق ذاتك ، لا بد أن ترمي بكل شيء موروث عن السابقين ، وتخترع انت القيم الخاصة بك ، والتقاليد والاعراف والسلوك الخاص بك انت ، والذي يناقض كل ما كان عليه الآخرون السابقون .

الرد: هذا كلام غير معقول ، إلا اذا كان سيعيش وحده ! ان كان سيرمي كل هذه الاشياء ، فكيف سيتفاهم مع الاخرين ؟ هو الان يدمر ذاته ولا يحققها ، ببساطة لان الانسان يعيش مع الاخرين ، لأنه مخلوق اجتماعي ، وهو نفسه بحاجة لوجود امة ، لا ان يعيش بين حدود دولتين .

وهو بنفسه محتاج لكي يتوازن داخليا ان يكون له مبادئ و دين يرعاها ، لماذا يتصور ان هذه الاشياء التي يتمسك بها الانسان عبء ثقيل عليه ؟ 

لو كانت عبئا لرماها ، ثم : ابداع وتفوق وتقدم : ماذا تعني هذه بالنسبة للفرد اذا كان سيترك امته ووطنه ومبادئه ؟ ان الانسان يتعذب في اعظم قصر ، بسبب اختلاف في وجهة نظر مع شخص عزيز عليه ، فما بالك ان ينسلخ من كل شيء لعله ان يبدع ماديا ؟

ثم لماذا الضدية بين الانتماءات الاخلاقية والابداع ؟ العكس هو الصحيح ، كلما استقر الانسان واحس بالارتباط ، كلما صفى ذهنه لكي يتعلم ويبدع ، فكرة نيتشه تشبه فكرة العبقري المخطوف : ان تخطف شخصا بسرعة وتنقله الى قارة اخرى وتقول له : انت الان تخلصت من كل انتماءاتك ، هيا حقق ذاتك و ابدع لنا !!


نيتشه الذي يطالب بالتخلص من الموروث لم يتخلص هو منه ، أرايت تمجيده للثقافة اليونانية قبل سقراط ؟ انه يعتبرها مرجعا وموروثا له ! اذا هو يطلب شيئا ويفعل ضده ! كل همه ان يبعد الناس عن الدين والاخلاق ، هذه هي رسالة نيتشه . مع انه يعرف ان العلم والحضارة قامتا في البيئات الدينية . وأن الإلحاد مرتبط دائما بالوحشية والبربرية .

وها هو نيتشه كبير الملحدين يدعو الى وحشية لم تعرفها البشرية من قبل ، حتى انه يطالب بقتل اي ضعيف فقط لانه ضعيف ، ولا ندري ما مقياس الضعف والقوة ، اذا هو يطلب من الناس ان يتقاتلوا ، والقوة العقلية لا تعني القوة العسكرية ، اذا سيقتَل العباقرة لأنهم عادة لا يكونوا اقوياء عسكريا ، وحينها لن يتقدم العلم .

في الحالة المجنونة التي يريدها نيتشه ، سيقتل الناس ويبقى الجنود بما فيهم العلماء ، وتدور تصفيات بين الجنود حتى يبقى اغباهم واقساهم .

يريد ان يخرج العالم من الحكم المدني الى الحكم العسكري ، هذا هو عبقري الالحاد نيتشه . صاحب الخيال المريض بشهوة الدم الذي عجز عن تحقيقه على الواقع فأراد تطبيقه على الورق .

لم يستطع ان يقتل احدا في المعركة . وأراد أن يقتل بالقلم ، فهو يعاني من عقدة القتل . حتى كلامه عن الالحاد يسميه قتل الاله . المسكين كان يتمنى ان يقتل احدا لكنه حُرم من هذه الرغبة بسبب ضعفه وجبنه ، فتحولت الى عقدة قادته الى الجنون . رغم معاناته في سنواته الأخيرة إلا انه لم ينتحر بسبب جبنه وخوفه على حياته .

بئس الرقي الذي سيكون ثمنه قتل الانسان البريء وقتل الاخلاق والدين والقيم ، ما فائدة الرقي اذا كان الصراع والقتال سيستمران ؟ الرقي الذي لا يستطيع ان يوقف الشر ليس رقيا .

ماذا يعني بالرقي ؟ اليس يعني تحقيق حاجات الانسان ؟ ان اهم حاجاته الامن ، وهذه الفلسفة تدمر هذا الامن ، اذا لن يكون عنده رقي في الامن ، اما الاخلاق فقد الغتها هذه النظرية ، اذا سيعيش الناس في سوء اخلاق وانعدام امن ، ينتج منه المتاعب النفسية والمادية ، وهذا ضد امنيات الانسان وحاجاته .

الوطن والامة ، اذا كان كل فرد لا يؤمن بقيمة وطنه ولا امته ، ولا يدافع عنها ولا يحافظ على كيانها وقوانينها ، ماذا سوف تكون حالة تلك الامة ؟ هل هي في تقدم او تأخر ؟ اذا اين الرقي ؟ هو يتخيل الانسان وكأنه جرم سماوي يتحرك بذاته مستقلا عن غيره .

معاناة نيتشه في حقده الدفين ، انه لا يريد الناس ان يحبوا شيئا ، فالدين حب والاخلاق حب والوطن حب والامة حب ، اذا نيتشه ضد الحب ، ومع الكراهية والعداوة والتدمير .

ارادة القوة بالمعنى الذي يقدمه ليست ارادة كل البشر ، بل هي ارادته هو بالدرجة الاولى وارادة كل ضعيف الحال .    
        يركز نيتشه في فلسفته على (خلق) الإنسان الأعلى  ، أي الوصول بالإنسان عن طريق الصراع ، والتطور الذاتي الصاعد .. فكل الكائنات من أدناها قد ادت رسالتها في الترقي إلا الإنسان ، وكان على الإنسان ان يفعل نفس الشيء ، لكنه وقف في محله ، وقد اعاقته اوهامه الذاتية عن الدين والأخلاق والقيم والإبقاء على الضعفاء ، وهذه افقدت المسيرة اهدافها ، على الإنسان ان يبدأ المسيرة من جديد ، ولن يتم ذلك إلا بالقضاء على الدين والقيم وإحياء الصراع ، وتطبيق قانون البقاء للاقوى حتى يصل في النهاية إلى الإنسان السوبرمان .

الرد: لكن الطبيعة ليس فيها هذا الصراع الدامي الذي يدور في خيال نيتشه ، فالضعفاء والاقوياء يعيشون جنبا الى جنب في الطبيعة ، وهو قال عن هذه الانواع انها ادت رسالتها في التطور ، اي لم تكن في حاجة الى صراعه الدموي ، واعترف بانها ادت رسالتها . 

ومن قال له ان الصراع توقف يوما من الايام ؟ السياسة صراع والحروب صراع مستمر ، والتجارة صراع ، والثقافة صراع والرياضة صراع ، شبعنا صراعا ولم نر تقدما !

الصراع لا ينتج تقدم ، الصراع ينتج غالبا ومغلوبا . هل تنتج الصراعات الرياضية تقدما واحدا سوى تغير المواقع بين غالب ومغلوب ؟ وتكرار النتائج مع اختلاف اصحابها ؟  

       وللوصول إلى هذه الغاية ، يجب الا تترك الامور تسير تلقائيا ، بل يجب أن تسير الامور حسب نهج معين ، يلتزم به الجميع ، والمنهج اللازم إنما يتم عن طريق امرين : تحسين النسل ، والتعليم .

الرد: كيف سيلتزم به الجميع كقيمة ، وأنت ضد الارتباط بالقيم ؟ وتطالب بالفردية وتحقيق الذات ، في حين تحذرهم من ان يقبلوا كلام اي احد، لا عن دين ولا عن وطن ولا امة .. ؟؟ ونيتشه  يرفض الارتباط بالموروث ، والان نيتشه اصبح موروثا ، فهل نطيعه ام نعصيه ؟ 

-  وتحسين النسل ياتي في المرتبة الاولى ، وتحسين النسل يتطلب رفض الزواج العشوائي الذي يقوم على ما يسمى : الحب ، والذي يقع فيه عظماء الرجال ضحايا للخادمات وأمثالهن تحت ما يسمى بالحب ،

الرد: لاحظ كيف يكره الحب ويجعله سببا في تأخر البشرية ، انه يستطيع ان يجعل اي شيء يكرهه سببا لتأخر البشرية ، وكأن البشرية لا هم لها الا التقدم العلمي فقط ! ومستعدة لان تقتل ابنائها لاجله ! بل تنتحر جماعيا حتى يتحقق تطور علمي يرضي نيتشه ! 
    لكن ينبغي ان يختار الارقى من الرجال لأمثالهم من النساء ، فتتزوج النساء الراقيات بالرجال الراقين ،

الرد: ماذا يقصد بالرقي هنا ؟ هل هم الاغنياء ؟ ام المصارعين ؟ ام الملاكمين ؟ ام السياسيين ؟ لن تجد اقوى ظهوراً من الحمّـالين ! فلعله يقصدهم !

    ويكون الزواج محكوما بهذه المعايير . يقول نيتشه : " يجب الا نسمح بزواج يقوم على الحب ،

الرد: حتى وان كانوا من النوع الراقي ؟ وما الحكم اذا كان احدهما راقي والاخر غي راقي ؟ ربما نحتاج إلى فتوى ! فالمفتي مات !

وأن يتزوج خير الرجال من خير النساء ، أما الحب فلنتركه لحثالة الناس ، اذ ليس الغرض من الزواج مجرد النسل ، بل يجب ان يكون وسيلة للتطور والترقي .. بمثل هذا المولد وهذه التربية الإنسان فوق الخير والشر ، ولا يتردد في اللجوء إلى العنف والقسوة في سبيل الوصول إلى غايته ." والغاية التي يقصدها هي السوبرمان .

الرد : لا زلنا في حديث عن الزوج الراقي الذي لا يتورع عن استعمال العنف ، فهل تسلم زوجته من هذا العنف يا ترى ؟ ثم ان الرجل اقوى من المرأة ، فهل سيقتلها بناء على الخطة السابقة في قتل الاقوياء للضعفاء ؟ ام انه نسي الخطة الأولى ؟ ام سيقتلها بعد ان تلد ؟  
زعم نيتشه أن الوجود له غاية ، وغاية الوجود هي الصيرورة أو الدور السرمدي ، وهو يعني بهذا ان ينفي كل ما جاءت به الاديان من القول بالنعيم الدائم والعذاب المقيم ، وأن هذه الدنيا ستنتهي بدار خالدة لا تفنى أبداً . وحتى يحارب هذه الحقيقة الدينية قال بنظرية الدور السرمدي ، وهي نظرية معروفة في التراث الثقافي اليوناني ، وهي تقرر ان الموجودات جميعها تمر في دورات متتاليات صاعدات ، تبدأ الدورة بالخلية الأولى ، أو بالذرة ، ثم تترقة وتتطور تصاعديا ، تصل إلى أعلى ما يمكن أن تصل إليه الموجودات من ترقّ صاعد ، ثم يفنى كل شيء تماما ، لتعود دورة اخرى من جديد وعلى نفس النمط ، وتتكرر نفس الظروف والأحوال والموجودات .. وهكذا في دورات دائمة سرمدية لا تنتهي .. وقالوا .. أن هذه غاية الوجود ..

الرد: هذا ايمان بالغيب ، وهو ضد الايمان بالغيب ، يشبه فكرة تناسخ الارواح الهندسية . يستطيه ان يقبل هذه الدورة ولكن لا يستطيع ان يقبل وجود حياة اخرة ، وكلاهما بدافع العقل الذي لا يكيل بمكيالين ابدا !  
   ص115: يقول نيتشه : المعتلون هم اكبر خطر يهدد الانسان ، وليس الاشرار او الحيوانات المفترسة ، الفاشلون والمهزومون وذوو العاهات والضعفاء جدا هم الذين يلغمون الحياة ويسممون ثقتنا فيها وفي الانسان وفي انفسنا .

الرد: هذا كلام غير مسؤول ، لأنه غير منطقي ، وأول ضحايا كلماته لو طبقت، سيكون نيتشه نفسه المريض والضعيف والعالة على غيره . ثم هل المريض يستمر مريضا ؟ وهل كل صاحب عاهة يعني انه ضعيف ؟ لقد حكم اقوى الدول اشخاص من ذوي العاهات ، ايزنهاور انتصر في الحرب العالمية وهو مشلول ومقعد ، والأمثلة كثيرة .

نيتشه ليس فيلسوفا ، لأنه لم يحدد تعريفا للاقوياء أو ما يسميهم بالسادة مع أنها قضية جوهرية في فلسفته ، لهذا لا يستحق لقب الفيلسوف ، بل الشاعر الحاقد الحسود ، فهو يتكلم بطريقة ادبية . من هم الاقوياء في نظره ؟ هذا غير معروف . اذا لسنا امام رجل منطق ، لأنه يبني النتائج على مجهول .

         ص130 : نيتشه فلسف المرض ويجعله شرطا للابداع .

الرد: وهذا تناقض ! قبل قليل يطالب بافناء المرضى وانهم هم من يعيق تقدم الاقوياء ، والآن جعل المرض شرطا للإبداع ! والإبداع قوة ! وفي نفس الوقت يطالب بقتل المرضى ، اي قتل الابداع ! اذا نحن امام شاعر مخرف يتناقض في نفس الصفحة .  هو لا يعرف ان يفكر بدون عقدة القتل .

-       ص133 : المرأة عند نيتشه بطبيعتها خنوع ومستاءة وخداعة وعاجزة عن السعي الذي لا يكل نحو الحقيقة .

الرد: هل المخادع يبحث عن الحقيقة ؟

       ص165 : اخلاق نيتشه المعبّر عنها باخلاق السادة واخلاق العبيد ، هي تجزئ العالم الى قسمين : العبيد والسادة ، السادة يمثلون الاقلية ، بينما يمثل العبيد الاكثرية .
         اعتراض نيتشه التاريخي على المسيحية كامن في انها السبب الرئيس في قبول ما اسماه اخلاق العبيد و قيمها والترويج لها ، اخلاق هذه الطبقة التي تشكل جزءا اساسيا من نظريته المشهورة في التفرقة بين نوعين من الاخلاق : نوع مصدره الممتازون في الانسانية ، وهو اخلاق السادة ، واخر مصدره رعاع الانسانية وطبقاتها المنحطة وهو اخلاق العبيد .
-       تفيض اخلاق السادة بالقوة والثراء والعطاء ، في حين تنبع اخلاق العبيد من الحقد والكراهية وحب الانتقام . وتاريخ الاخلاق كما يقول نيتشه ، هو تاريخ الصراع بين اخلاق السادة واخلاق العبيد ومحاولة كل منهما السيطرة على الاخر .

الرد: من يبسط اخلاقه على العالم يكون قويا ، اذا ليسوا عبيدا من تحكموا  في العالم وفرضوا اخلاقهم . لهذا السبب تهرب عن تعريف السادة والعبيد ليجعلها على مزاجه ويوزعها كما يشاء ، ولهذا فهو ليس بفيلسوف .

الفيلسوف يقدم تعريفات لكل ما يقول ، او تستطيع ان توقفه عند تعريفاته ، ولكن الاديب لا يقدم تعريفات بقدر ما يقدم شعوره وعواطفه تجاه الاشياء ، نحن نعرف من يكره نيتشه ومن يحب ، ولكن لا نعرف حدودا عقلية يقدمها نيتشه ويعرف بها ، اي ان مشاعره اوضح من عقله ، وهذه عادة الشعراء . لكن الفيلسوف مثل سقراط وكانت وديكارت ، تجد أنك أمام عقل تستطيع ان تناقشه ، ويتضح لك عقله اكثر من شعوره ، نيتشه كاتب عاطفي ولكن حتى عاطفته ليست جميلة ، فهي عاطفة شرير ، إنها عاطفة الدراكولا الحاقد على البشر ، والمبتهج بحفلات الدماء . الشيطان استحوذ على عقله ونطق بلسانه ، هذا كل ما في الامر . فهو ناطق رسمي باسم الشيطان .   
-       يقول نيتشه : انتم ايها الواضعون للقيم اقدارها بمقاييسكم وموازينكم ، وبما تقولونه عن الخير والشر ، هل كان لكم ان تفعلوا هذا لو لم تكن لكم ارادة القوة ؟

الرد: هو يحسب ان القيم البشرية قررها اشخاص قرروا ان يضعوها فوضعوها والزموا الناس بها مع انهم عبيد !! و انها من خيالات اناس يريدون القوة !

لو فحص الامر جيدا لوجد ان حب الخير مغروس في نفوس البشر ، وليس فكرة اقترحها شخص او اشخاص يريدون القوة فاكتشفوا هذه الحيلة كما يتصور بموجب تفكيره البسيط السطحي . كأنه يقول : " بما انه يتحدث بها اشخاص ، اذا هم الذين اخترعوها !" وهذا الربط غير منطقي وظاهر البساطة والتسطح .

والسؤال هو : اين مكمن العبقرية في مثل هذا الشخص البسيط المتناقض المنطوي على نفس شريرة ؟ هل هو الشر ؟ هل ارادة الشر عبقرية ؟ الاحسن ان تسمى فلسفته بارادة الشر بدلا من ارادة القوة ، لان القوة في العقل المترابط ، وهو يقدم عقلا مفككا تتصرف به العواطف الهمجية . الشر لا يصنع قوة كما يتصور ، الشر ضعيف ويصنع الضعف . (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) .

لو طبقت افكار نيتشه لتسببت في ضعف البشرية وفنائها . افكاره هي نفسها افكار الشيطان الذي دعا قابيل ليقتل هابيل .  

-  ص168 : لم يتجرأ احد على نقد الاخلاق مثل ما انتقدها نيتشه ، ومصدر هذه الاخلاق هو اسيا وبالذات اليهود اثناء خضوعهم الطويل الذي جعلهم ضعفاء خانعين لطلب المعونة من الاخرين ، ومن اليهود انتشرت اخلاق السوق وصارت اوروبا تبحث عن الامن والسلام وظهرت منها الاخلاق المسيحية التي تتطلب وتبحث عن الخنوع والغلبة والهاوية ،

الرد: هذا الربط غير سليم تاريخيا ، اليهود لم يشتهروا بحب الخير والسلام ، بل اشتهروا بحب الحروب والتشجيع عليها واشاعة الفتنة ، حتى في اوروبا عندما كانوا يتولون اعمال الجباية بدل الملوك ، ويستغلون الناس ويجلدونهم اذا لم يدفعوا . واشتهروا بتمويل الحروب والتشجيع عليها كما فعلوا في الحربين العالميتين الاولى والثانية .

ثم ان اليهود لم يحضروا المسيحية الى اوروبا ، بل ان اليهود اعداء للمسيحية ، وهذا امر يعرفه نيتشه وغيره ، والمسيحية ديانة عالمية ، اي ان اتباعها ليسوا من اليهود . والصراع بين اليهودية والمسيحية صراع معروف ، حيث يرى المسيحيون ان اليهود هم قتلة المسيح واعداء المسيحية ، وكان هذا من اسباب اضطهاد اليهود في اوروبا .

المسيحية ليست ديانة يهودية ، فضلا عن ان يقدمها اليهود الى اوروبا . يؤيد هذا ان نيتشه نفسه سوف يعود ليعجب بإرادة القوة وحب السيطرة عند اليهود في كتابه " الفجر " ، وهذه احدى صور التناقض الكثيرة  عند نيتشه  .

فدعت المسيحية الى الرحمة والتضحية والعطف على الضعفاء وصارت اخلاق العبيد هي اخلاق الرعاع والغالبية العاجزة التي لا تتميز فيها الروح الفردية ، حتى صارت الرحمة عبودية وفقدانا للقوة . يقول نيتشه : ان الاخلاق المسيحية مليئة بخداع النفس ،

الرد: الاخلاق هي قوة وليست ضعفا ، القوي هو الذي يرحم وهو الذي يستطيع ان يتمسك بالاخلاق كالعفو والتسامح ، واذا كان يقصد القوة المادية ، فالقوة المادية تاتي من خلال الناس ، والأخلاق تجعل الناس يحبون الشخص ويعملون لاجله واجل مصالحه ، فيتحول الى قوي ، لأن الجميع يحب ان يخدمه . اذا الاخلاق تصنع القوة .

تصور شخصا انانيا لا يعفواولا يتسامح ولا يرحم ، سيتخلى الناس عنه ويقفون منه موقف العدو ، وبالتالي سيكون ضعيفا. وهل الحكام الذين يعجب هو بقوتهم ، هل اكرهوا الناس بالقوة والسيف بالخضوع لهم ؟ ام أنهم ظهروا لهم بمظهر التكرم والمحبة والمساعدة فقبلهم الناس وبايعوهم ؟ وهذا ينسف كل فكرة نيتشه عن القوة .

فالزهد والتقشف والرحمة والشفقة مثلا هي انانية مستترة ، فنحن نشفق على الغير لخوفنا من ان يصيبنا ما اصابهم ، ونزور المريض لنراه في ضعفه ونتشفّى منه ، حتى عطف وايثار الام لابناءها يراه نيتشه انانية وانه يعود في النهاية الى حب الام لنفسها .

الرد: لماذا يضطر انه يصفها بالانانية المستترة ؟ هذا يعني انها امر سيء ، وأراد أن يشوه هذه الصفات بوصفها بالأنانية المستترة ، اذا نيتشه يرى ان الانانية امر سيء من دون ان يعترف .  

وإن كان البعض في سياق دفاعه عن نيتشه وكمحاولة يائسة لرفعه من المنزلق الاخلاقي الخطير الذي وقع فيه ، يحتج بما قاله الاخرون عن نيتشه من تبريرات ، ويترك كلام نيتشه الصريح الموجود في كتبه ! فمرة يطالبون الناقد بأن لا يخرج من كلام المنقود ، وإذا فعل هذا ، خرجوا هم عن كلامه الى كلام الاخرين عنه !! وهذا شيء عجيب !!

يحاولون ان يجعلوا خلاف نيتشه مع المسيحية واخلاقها فقط ، بينما هو تناول الموضوع بشكل عام وبالنص الصريح . كان يستطيع ان يخصص نفسه بانه يحارب المسيحية ولا يحارب الاخلاق بشكل عام ، ولكن قطعت جهيزة صوت كل خطيب . وهو لم يهاجم الاخلاق فقط ، بل دعا الى رذائل كالانانية المفرطة والصراع بل و قتل الضعفاء علنا ، معتبرا ضعفهم هو ذنبهم ، فماذا بعد هذا من وضوح ؟ 

هل المسيحية فقط التي تحرم قتل الضعفاء بلا ذنب ؟ ام انها كل الاخلاق البشرية ؟ محاولة ادخال نيتشه الى عالم الاخلاق هي محاولة يائسة ، مثل من يريد ان يـُلبس شخصا ثوبا لا يريده .

نيتشه ثائر على القيم الانسانية ككل ، وهذا صريح من كلامه هو ، واذا حضر الماء بطل التيمم .  فمن قـَبـِل ان يكون نيتشويا فعليه ان يرفع عقيرته ولا يخجل بمثل ما قال نيتشه و بصراحته .

اما فكرة انه لا يجوز تناول شخصية والرد عليها من خلال كلامها ، فهذا امر عجيب اخر ! هناك من يطالب بان لا ترد على نيتشه حتى تقرأ التراث الاغريقي والالماني كله ، وتتناولها بالدراسة ثم تخرج لتقول كلمة في حق نيتشه ! 

إذا عممنا هذا المبدا ، فعلى الجميع الا يرد على اي احد ، حتى يقرأ كل ما يتعلق بتاريخه وافكاره ومعتقداته وحياته ونفسيته !! نعم اذا كان هناك شيء غامض ، فسوف تحتاج الى مثل هذه الخلفيات ، لكن اذا كان النص واضح وصريح امامك ، فهذا يعني عدم ثقة بالنفس .

من فهم شيئا فله الحق في نقده ، حتى ولو كان جملة واحدة ، ومن عرف مسألة فهو عالم بها . والمحاكم تنظر في تصريحات الناس و وقائعهم واعترافاتهم ، ولا تنبـّش في تاريخهم وخلفيتهم الثقافية وتصدر احكاما بناء على تلك التصريحات .. 

إذاً فكرة الاّ يجوز لاحد ان ينقد شخصية بارزة في الفكر او الفلسفة حتى يفرغ من قراءة كل التاريخ المتعلق بها وكل ما قيل عنها ولو من بعيد حتى الى العصر الحجري ، هي فكرة ساقطة ومحاولة دفاع عن ضعف موقف تلك الشخصية ليس الا .


لو قال شخص ان الشمس تطلع من الغرب ، فإنه ينبغي لإبداء اي راي او نقد حول هذه الجملة ان يدرس الناقد قبل كل شيء الجهات الاربعة ، وليس فقط الجهات الاربعة ، بل ان يدرس علم الجغرافيا ، ومن ثم ينتقل الى العلوم الكونية وتاريخ تلك العلوم (من اليونان تحديدا ، وخصوصا ما قبل سقراط !)  والمجموعة الشمسية ، لكي يعرف كل معلومة عن الشمس ..

وبعد هذا ينتقل الى سيرة وحياة الشخص الذي قال هذه الكلمة ، وما هي الظروف والوقائع النفسية والاجتماعية التي ادت الى قوله لمثل هذه المقولة ، وحينها لعله يكون قد استوفى شروط ابداء الراي أوالنقد ، حتى يقول له : لقد أخطأت أو اصبت ، بعد عدة اشهر او اعوام من الدراسة الغير مجدية ..!   

هناك 6 تعليقات :

  1. الفن ليس من الرقة .. فاجنر واحد من الأدلة .. أكثر سيمفونياته تعبير صارخ عن القوة عن العنف وعن حب الاقتدار والامتلاء النيتشوي .. كارل أورف صاحب كارمينا بورانا الرمز الموسيقي للحزب النازي .. أغنية هي أقرب إلى حلم عظمة يتجسد .. فيها انتهاك لشيء ما .. للعادة .. للرقة ذاتها ..

    ردحذف
    الردود
    1. أهلاً بك..

      الفن رقة مشاعر، وكل المشاعر رقيقة أصلاً، والأغاني العسكرية والقتالية كثيرة في العالم، هي لا تعبر عن مشاعر الظلم بل عن مشاعر رفع الظلم من خلال القوة ، فالفن لا يفصل عن الأخلاق أبداً ولا يمكن فصله، ولا عن الجمال، لا تستطيع صنع أغنية في تمجيد القذارة ولا أغنية في تمجيد الظلم ونثر الأحشاء وقتل الأطفال بدون مبرر! فلن يطرب لها أحد!
      أما الشعر الحماسي والموسيقى الحماسية فالحماسة من المشاعر الإنسانية المرتبطة بالأخلاق، لا توجد حماسة للاعتداء نفسه فلن يأتيك الشعور هنا، ألا تلاحظ من يريد أن يعتدي أنه يستثير الضحية ولا يهجم مباشرة عليها، لماذا؟ حتى ينشأ عنده الحماسة من ردود أفعال الضحية بعد أن يكبرها.

      القوة بحد ذاتها ليست شعوراً إنسانياً بل فكرة مادية مصلحية، نيتشه يتكلم افتراضاً عن الإنسان وليس من داخل الإنسان، فهو يريد إسقاط العقل على الشعور ويبرمج المشاعر بموجب ما تقتضيه المصالح المادية، لكن هيهات، فالطبيعة لا تبرمج والفطرة لا تُغير، هو وكل مادي يريد جعل عقله بدلاً من قلبه ويكون بلا قلب، فلن يطيعه أحد، لهذا يضطر كل مادي لمغازلة القلب والفضيلة.

      القائد يحمس جنوده بإضفاء أخلاقية على حربه وتكبير لفضاعة أخلاق الخصوم حتى يحفزهم على الحماسة، وكل قائد مهما كان فاجراً يضطر لفعل هذا، ولا يستطيع تحفيزهم بقوله لجنوده: هؤلاء ضعفاء يجب سحقهم وكونوا معتدين وأشرار ولا يهمكم أخلاقهم السابقة معنا اغدروا بهم وخونوهم ويتموا أطفالهم والعبوا بجماجمهم وهذه موسيقى فاجنر قبل أن يتغير أشغلها لكم بمكبرات الصوت! ،، هذا ما يتمنى نيتشه والماديون مثله لكن الإنسان ليس هكذا ، الإنسان له فطرة سليمة لابد أن تستثار وتشرك في الموضوع حتى ينشط، ولا تستثار إلا بالفضائل ولو من خلال التزوير والتحايل بإسباغ الرذيلة على الخصوم والفضيلة على المعتدي ببراعة خطابة وتأثير.
      إذن الموسيقى الحماسية أو الشعر الحماسي لا نستجيب له كما يتخيل نيتشه بدافع العنف والشر، يبدو أنه يعرف في الشر أكثر من الموسيقى!

      كان المستعمرون يشجعون جنودهم بأننا نريد نشر الحرية والديموقراطية ونقمع الديكتاتورين ونخلص الشعوب من جلاديها، بينما هم يريدون نهب خيراتها، فلماذا لم يقولوا لجنودهم كما يريد نيتشه وكما يريدون هم: أننا طماعون وأفضاض ونريد أن نذلهم لأنهم أضعف منا في السلاح والمال.
      لو كانت طبيعة الإنسان كما يقول نيتشه لقالوا هكذا، ولأسمعوهم موسيقى فاجنر وموسيقى الميتاليك الصاخبة لتحريك الشر في نفوسهم والذي يرى وفرويد أنه هو الأصل في الإنسان، لماذا يضطرون لتحريك نوازع الخير ما دام الأصل في الإنسان هو الشر؟!
      هذه المغالطة وقع فيها عبدة الشيطان أيضاً متصورين أن موسيقى الميتاليك الصاخبة تبعث على الشر وتحرك مشاعره بينما الموسيقى لا تسمى موسيقى حتى تكون نظاماً وانسجاماً وصفاء صوت، بينما هم يدعون إلى الفوضى من خلال الموسيقى وهذا تناقض عجيب، من يريد موسيقى فوضوية فليعط مجموعة من القرود طبولاً وآلات موسيقية! وهكذا نرى أن الفن لا يبتعد عن الأخلاق ولا المنطق ولا الجمال، هذا هو مثلث الفن في العالم كله، وكل من حاول كسر هذا المثلث فشل، مثلما حاولت بعض المدارس الفنية المتهورة، مثل مدارس اللامعقول واللا منتمي ومدارس التجريدية ومدارس الوحشية ومدارس التكعيبية، لأن الإنسان ببساطة له فطرة مبنية على الجمال والحق والخير والنظام لا يمكن تغييرها..

      وشكراً..

      حذف
  2. "كيف الجمع بين القبح والجمال في نفس الوقت ؟ والجمال شرط في الفن ، والصراع و ظلم الضعفاء ليس فيه جمال . هذا التناقض يصور لنا نفسية نيتشه المتناقضة . حتى بدا تناقضها للجميع ، خصوصا في اواخر حياته ."
    الجمع بين المتناقضات هو السمة الاساسية للحياة . لولا القبح لما رايت الجمال ,لولا التعب لما شعرت بطعم الراحة
    التناقض هو الصراع الخلاق فى هذه الحياة . رفضك للصراع هو صراع فى حد اته .

    ردحذف
    الردود
    1. أهلاً بك..

      أنت حصل لديك لبس فيما يبدو، فالكلام هو عن اجتماع التناقض في الشخص الواحد، فهل هذه سمة خلاقة أو أخلاقية حتى؟ أو صورة جنون؟! قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} فالتناقض في الشخص أو في المجتمع أو في النظرية عيب وليس ميزة، وهذا تعرفه كل العقول في العالم. وأنت لو وجدت عندي تناقضاً لفرحت با وقد تجد إن بحثت، فهل ستعده ميزة لي أم ستصفني بالكاتب المتناقض الذي يقول كلاماً ويقول ما يناقضه؟! إنها خدعة الضعفاء غير القادرين على الاستمرار على رأي واحد ليجعلوا من عيوبهم حسنات وسوقوها في الإعلام، لأن الباطل من كيد الشيطان وكيد الشيطان ضعيف، والضعيف يحتاج إلى التناقض، أما من هو على الحق فليس مضطراً للتناقض.
      إذا كان عندك شخص جشع وبخيل وجبان بنفس الوقت فعلى حسب الظروف سوف يتغير كلامه، فإذا كانت القوة معه فسوف يطغى وإذا أحس بالخوف سوف يتمسكن ويغير كلامه السابق، فأين التناقض الخلاق؟!! إذ لا نجد في هذه الصورة إلا تناقض اللا أخلاق والخسة إلا أن تكون خسة خلاقة فهذا شيء آخر!
      والأخلاق ميزتها الثبات وليس التناقض إلا إن كنت ترى الأخلاق عيباً أيضاً فهذا موضوع آخر..
      وأنت تدافع عن نيتشه فأين الأخلاق في كلام نيتشه؟ فكل كلامه ضد الأخلاق، أعطني خلقاً واحداً ينادي به نيتشه، إنه يسميها أخلاق الضعفاء وكأن للأقوياء الذين يعجبونه أخلاقاً، فهو يسمي الظلم والبطش والاحتيال أخلاقاً للأقوياء، ويفضلها على أخلاق العبيد التي جاءت من الأديان، إن عند نيتشه نوعين من الأخلاق تبعاً لنظرية الأضداد.

      أما وجود التضاد في الحياة فهذا موضوع آخر، فهل إذا وجد الخير والشر فعلينا أن نخلط بينهما أو نبحث عن الخير فقط؟ هل إذا وجد الصدق والكذب فهل نخلط بينهما لأنهما موجودان في الحياة؟! هل نحن مطالبين أن نتبع الموجود أو نتبع الموجود؟ هل إذا جاء الطوفان نقف مكاننا لأنه موجود أو نفر عنه؟!
      المرض والصحة موجودان في الحياة فهل لكي تكون خلاقاً ومبدعاً تجمع بين الأمراض المختلفة والصحة أم تبحث عن الصحة فقط؟!!

      وكيف يكون التناقض هو الصراع الخلاق؟ هل تستطيع شرحها؟

      الطبيعة ليس فيها أصلاً تناقض فوجود الليل والنهار لا يعني أنهما متناقضان بل مكملان لبعضهما ، ولست أنا من يرفض الصراع بل الطبيعة ترفض الصراع، فمن يتصارع في الطبيعة؟ لا أحد، سوى الطماعين الماديين الذين يريدون أخذ ما عند الناس هم وفرق الكرة والمسابقات، وليست النباتات تتصارع مع الحيوانات ولا الهواء يتصارع مع المطر ولا المطر يتصارع مع التربة، بل كلها يخدم بعضها بعضاً إلا في الإنسان الجشع الأناني فهو الشيء النشاز في الطبيعة الذي يريد أن يحتكر لنفسه من حق غيره، ويريد أن يرتفع على جثث الآخرين، الأسد ليس ملك الغابة كما يقال عنه، بل هناك بشر هم الذين يستحقون هذه الألقاب ، فالأسد حيوان مسكين يبحث عن طعامه ليس إلا مثله مثل الفأر، وليس مسؤولاً عن الغابة وما يجري فيها ولا يدعي أنها ملكه..

      وكيف يكون من يرفض فكرة الصراع يقوم بالصراع؟! أنا أرفض أن تكون موجودة في الطبيعة لكن الباطل يحتاج صراعاً لا شك لأنه خارج عن الطبيعة، كل شذوذ من الطبيعة يحتاج من الطبيعة أن تصارعه (قانون) فالصدق يحارب الكذب والطبيعة ترفض التلوث والفطرة ترفض التغيير والشذوذ، فكرة الصراع فكرة رأسمالية لأن الرأسمالية الانبريالية هي التي فعلاً تعتمد على الصراع مع الغير، أسقطوا أفكارهم على الطبيعة والإنسان، ومثلها فكرة التطور فهي فكرة رأسمالية مثلما تتطور الشركات والمصانع فأسقطوها على الطبيعة، لأنهم لا يملكون ما يسقطون إلا ما عندهم ، فكل إناء بما فيه ينضح، ولكي يجدوا مبرراً لفعلهم الذي ترفضه الشعورات الحية والفطرة السليمة، بل حتى الشذوذ أسقطوه على الطبيعة! حتى تكون عيوبهم من الطبيعة!
      تخيل لو سلمت البشرية من فكرة الصراع ألن تكون الحياة جنة؟ أليست الأرض واسعة ومليئة بالخيرات التي تكفي الجميع؟
      الحيوانات لا تقوم بهذا الصراع ولا تطرد الحيوانات الأخرى أن تعيش معها في بيئتها ولا تتملك الأماكن عن غيرها من المخلوقات إلا ما يخص حياتها فقط، هذا يفعله فقط الإنسان صاحب فكرة الصراع وحده على هذا الكوكب، والذي يكتشف أخيراً بعد فوات الأوان أنه يصارع نفسه ويدمر نفسه، وكما قيل: لا توجد حرب فيها مهزوم واحد؛ لأن الجميع متضرر من الصراع.

      فكرة الصراع والتفوق هي المسوغ للقهر والظلم والشر، وهذا نيتشه ينادي بها بصراحة ويدعو القوي إلى ظلم الضعيف بلا سبب متصوراً أن القوي ليس فيه نقاط ضعف، ومتوهماً أن القوة يمكن أن تجتمع وتستمر في بناء هيكلها، جاهلاً أن من قوانين الطبيعة بناء الضعف مرافق لبناء القوة ولا يمكن الفصل بينهما، كلما بنيت قوة بنيت معها نقاط ضعف، فإذا ركزت أطول عمود في العالم وهو الأقوى في تماسكه جعلت سقوطه أو كسره أسهل، وإذا صنعت أصلب أنبوب جعلت كسره أسهل من كسر الأنبوب المرن الأضعف تماساكاً .
      وشكراً على مداخلتك..

      حذف
  3. مع احترامي لمجهودك بالكتابة فقط ...إنك لا تعرف شيئا عن نيتشة

    ردحذف
    الردود
    1. أن أعرف شيئا عن صورة نيتشه كما تراه انت وتقدسه ، هو شيء خاص بك ، وبالتالي لا أعرف "نيتشتك" ..

      أما نيتشه المعروف ، فالرد كان على اقتباسات منقولة من كلامه .. فإذا كنت تدافع عن صورته كما تقدسها بعواطفك ، فهذا موضوع ليس هاهنا، وإن كنت تدافع عنه بعقلك وبموجب كلامه فتفضل ، وكلي اذان صاغية ..

      حذف