الخميس، 14 يوليو، 2016

تعليق على مقال "لماذا يقتل المسلمون أقرباءهم" للكاتبة سارة الدريس


"... تذكرت أخباراً سردتها كتب التاريخ الإسلامي. تذكرت قصة أبي عبيده بن الجراح الذي قتل والده في بدر وضرب رأسه بالسيف ضربة فلقت هامته فلقتين، وقد نزلت فيه آية "لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخِر يُوادّون مَن حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كَتَبَ في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ويُدخلهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون".

ومعنى ذلك أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر من يبدي المودة والمحبه لمَن عادى الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم، الخ. يقول قائل إن المعنى مختص بـ"مَن حاد عن الله ورسوله" وليس بمَن كفر بالله ورسوله، أي بمَن أظهر العداوة لهما.
أما بمَن لم يُظهر العداوة فقد قال تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون". فإما قتالهم، أو يخضعون للدولة الإسلامية بدفع الجزية وهم أذلاء صاغرين مطأطئي الرؤوس.

في الآية الأخيرة يجب الانتباه لنقطة أن الله سبحانه قال في سياقها: { وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً } ، بعد أن بين شرك أهل الكتاب باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله, فهم يأمرونهم فيطيعونهم بموجب الثقة, لكن قتالهم ليس لكفرهم ولأنهم لا يدينون بدين الحق فقط، بل لأن المشركين بكل أطيافهم وأديانهم، سواء عبدة أصنام أو رهبان وقساوسة ..إلخ كانوا متحدين كافة في قتال المسلمين والتآمر عليهم، لذا وجب قتالهم بكافة أطيافهم دفاعا عن النفس, وقد خص بالذكر أهل الكتاب في تلك الآية من أجل ألا يُفرَّق بينهم وبين المشركين الآخرين عبدة الاصنام بحجة أنهم اهل كتاب ويؤمنون بالله، فالقاسم الأهم بينهم هو أنهم متحدون في قتال المسلمين والاعتداء عليهم. أي لا زلنا في مبدأ الدفاع عن النفس, لأن الله قال { وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين }. كما قال تعالى (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين) مع ملاحظة أنهم كافرين. وكلام الله لا يُبدَّل ولا يُنسخ.

لا يصح أن نأخذ آية ونترك ما قبلها وما بعدها وما غيرها أيضا. هذه هي التعضية بعينها، مثل أن تأخذ { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين } وتقول أن هذه آيةٌ تامة ومرقمة، إذن الله يتوعد بالويل للمصلين! مثلما قالها أبو نواس متندّرا :

ما قال ربك ويلٌ للالى سكروا ، لكنه قال ويل للمصلينا ..

فهو استشهد بآية.

ومثل آية { إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر } دون أن تكمل بقيتها. الآية تتم بتمام معناها وليس بالترقيم الموجود في المصحف, لأنه في ذلك الزمن لم تكن هناك فواصل وعلامات ترقيم, فاضطروا لوضع هذه الفواصل بعد تمام كل جملة، لكي يجوز الوقف القرائي بسبب انقطاع النفس، و ربما لتسهيل الحفظ تبعا للسجع. وليس لأن الفكرة تمت أي أن الآية تمت ! فالمعروف أن الترقيم والفواصل لم تدخل اللغة العربية الا في وقت متاخر ومتأثرة بالكتابة الغربية.

إن الآية تعني العظة والعبرة، وهذا لا يكون حتى تتم الفكرة, على هذا أنت أخذت مقطع من آية وليس آية كاملة لأن الفكرة لم تتم, فبعد هذا المقطع تكلّم القرآن عن شرك اليهود والنصارى، ثم بين السبب في قتالهم وهو أنهم يقاتلون المسلمين كافة فعليهم ان يقاتلوهم كافة دون تفريق أو تورع، والبادئ أظلم، لأن هؤلاء أهل كتاب بينما أولئك مشركين يعبدون الأصنام, ولأنهم في جريمة الاعتداء سواء فاعتداؤهم وحّدهم في الحكم. وبالتالي تكون الحرب في القرآن دفاعية فقط, وإلا كيف يقول (وَلاَ تَعْتَدُواْ) ثم يأمر بالاعتداء؟ وكيف يقول (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين) ثم يقول اقتلوا أي غير مسلم ممن يلونكم ! سيكون هذا متناقضا و حاشا لله, لكنها التعضية هي ما سبّب ذلك، فالخطأ في الفهم نتيجة تعضية للقرآن، والتعضية بلغة العصر هي الإنتقائية أو الإجتزاء، وهو عمل غير نظيف وغير لائق إلا من جاهل، وهو ما حذّر منه الله : { الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِين فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون }. الآية هي فكرة كاملة المعنى، وهي التي تتحقق بها العبرة والفائدة مع الإلمام بغيرها من الآيات، فالقرآن لا يفيد إلا كله. أما إجتزاؤه فيجعله ضد نفسه. وهو ما عبّر عنه القرآن باتباع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. فابتغاء الفتنة واضح انه بدافع الكراهية والتشويه والتحريش بين المسلمين، وتأويله أي التخرص والرجم بالغيب والأخذ من الإسرائيليات لتأويل أمور لم يفصلها القرآن، مثل كلمة "ويل" بأنها واد في جهنم، و"طوبى" بأنها شجرة في الجنة، و"العقبة" أنها جبل في جهنم، وغيرها ، مع أن القرآن لم يذكر هذه التفاصيل وقد نهى عن التخرص. وكذلك ذِكرْ أسماء وتفصيلات لكل شخصية ورد ذكرها في القرآن، فإذا قال القرآن (وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) قالوا أنه فلان بن فلان، وهكذا. والله أضربَ عن ذكر هذه التفصيلات، فلماذا البحث عنها وهي لا تخدم العبرة في شيء ؟ فهي متشابهة أي غير واضحة. ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا. أي المحكم والمتشابه، دون أن يتخرصوا، لأن الأمم السابقة من أنباء الغيب ، كما قال القرآن (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ) كما ذكرت الآية، وتأويله لا يعلمه إلا الله . والقرآن للعبرة وليس كتاب علمي وتاريخي مفصل، وكل كتاب يُدان من منهجه وغرضه.

ويبرر البعض قتل أبي عبيدة لوالده بأنه قَتَله في ساحة حرب وقد كان أبو عبيدة يحيد عن والده "الذي تصدى له بسب النبي" فقتله ولم ينكر عليه النبي صنيعه بل نزلت به آيه كريمة تبارك فعله. وقال ابن مسعود إن هذه الآيه نزلت كذلك في مصعب بن عمير الذي قتل أخاه عبيد بن عمير، وفي علي وحمزة وعبيدة الذين قتلوا عتبه وشيبه ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وكلهم أبناء عمومة.

آية (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون) لا توجد فيها إشارة للقتل، هي تتكلم عن الموادة والمحبة، فكيف صار عدم الموادة يعني القتل؟ عكس الموادة هو البغض، وآيات كثيرة تشير إلى ذلك المعنى. وهذا سلوك اخلاقي أن لا تواد من حاد الله ورسوله، لأن هذا خيانة للمبدأ، فالله ذم الذين يلقون إليهم بالمودة في الآيات:

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون)

هذا دستور في التعامل مع غير المسلمين، فمن قاتل وأخرج، فيجب قتاله وعدم مودته، ولو كان اقرب قريب. ومن لم يعادي ولم يتآمر ولم يُخرِج وبقي على كفره، فله المودة والقسط حتى لو كان ابعد بعيد من غير المسلمين. والدعوة له بالتي هي أحسن دون إلزام. بل حتى دفع الزكاة له إن كان فقيرا، هذا هو القرآن. فأين الظلم هنا ؟ أما إن كانت حجتك أنه لا يُقتل القريب مهما اعتدى ومهما فعل لأن له رحم، فهذا هو الجنون بعينه، لأن كل الناس يتقاربون، فأبوهم وأمهم واحد. و حق الدفاع عن النفس يمتد إلى اقرب الأقربين إذا اعتدى و أراد قتلنا، وإن كان التسامح هو الأفضل، بموجب القرآن أيضا، على الأقل في الحالات الفردية.

في الأغلب تكون مثل هذه الحالات التي ذكرها القرآن إذا وجدَ المسلم من قريبه الكافر المعتدي مودة خاصة له وكرما معه بدافع العصبية، لكنها ليست مودة للمسلمين ولا للرسول، بل يعاديهم ويقاتلهم، وهذا اختبار لذلك المسلم. وهذه الحوادث حصلت ربما بدافع من كفار قريش لتفكيك وحدة المسلمين وإستغلال هذه القرابة والمودة الزائدة التي يبدونها، وإن كانت غير حقيقية. وهذا الموقف الذي ذكره القرآن للمسلمين موقف دفاعي وليس هجومي.

وقد قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة، وقد ورد في السيرة النبوية لابن هشام: "وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي‏‏:‏ أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص، ومر به:‏‏ إني أراك كأن في نفسك شيئاً، أراك تظن أني قتلت أباك، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيره، فأما أبوك فإني مررت به، وهو يبحث بحث الثور برَوْقه فحُدْتُ عنه، وقصد له ابن عمه علي فقتله". وورد أيضاً في كتاب "الرحيق المختوم": "وقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه خاله العاص بن هشام بن المغيره ولم يلتفت إلى قرابته منه".

هذه المواقف كلها مواقف مشرفة لأنها في موقف الدفاع عن المدينة وعن رسول الله، لأنهم جاءوا مهاجمين، والمهاجرين من قريش أصلا، فكل المهاجرين يقاتلون أقاربهم. أقول مشرف لأن هؤلاء المسلمين لم يقوموا بعملية اغتيال واحدة، بل قاتلوهم في وضح النقى، مدافعين غير معتدين، وهذا موقف مشرف. أنبياء الله لم يقتلوا اباءهم أو إخوانهم لأنهم كفار فقط، وإلا لقتل إبراهيم اباه ولقتل نوح ابنه ولاغتالت امراة فرعون زوجها بالسم مثلا لأنه كافر، فهذه أعمال دنيئة فيها غدر و خسة لا تتناسب مع من عرف الله وامتلأ قلبه بالإيمان. فأين المشكلة هنا؟ حتى إن إحدى الشاعرات من قريش كانت غاضبة من فعل القرشيين الكفار بأبناء عمومتهم المشردين الذين يلاحقوهم ليقتلوهم، ولها قصيدة تقول فيها :

 أضحت تناوَشَهم سيوف ابيهم، لله ارحامٌ هناك تشققوا ..

لأنهم عبارة عن أُسَرْ كلها متداخلة واصلها واحد، فهل انتي تدافعين عن قتل القريب حتى لو جاء ليقتل ؟ على أي قانون تستندين ؟ وهل القريب بالنَّسَب صار أهم من النفس والدين والدفاع عنهما عندك؟ و كون المسلمين اضطروا لقتال اقاربهم المعتدين والخارجين لهم بالمدينة لقتالهم، هل هذا صار مشرّعا لقتل الاقارب بحجة الكفر أو البعد عن الدين ؟ هذا خلط للأوراق. لنصوغها صياغة وطنية : لو أن احد اقاربك خان البلد خيانة عظمى وتآمر مع الاعداء لتدمير البلد والاقتصاد الوطني واللحمة الوطنية، فهل ستقفين الى جانبه لأنه قريبك وتطلبين بعدم قتاله ؟ أم تفرحين بقتله ؟ أيها ؟ مع أنه قريبك. وهل سيكون موقفك هذا داعيا ومشرّعا لقتل الاقارب بشكل عام ؟ ام على قتل انسان معتدي دفاعا عن النفس؟

في جواز قتل الأقارب

قتل شاب عشريني أمه لأنها طلبت منه ترك تنظيم داعش. حكم عليها بالردة وقتلها لأنها طلبت منه ترك تنظيم يهدف إلى تطبيق شرع الله، بحسب ما يرى. فبرأيه، هي حادت عن الله ورسوله وتستحق القتل."

إن صح أن أحدا من الصحابة قتل قريبا، فهو لم يقتل شخصا بريئا مسالما، ولم يقتله لأنه فقط كافر أو غير مسلم، وإلا لحصلت حوادث واغتيالات. بل شخصا يحمل السلاح وجاء يقاتل معتديا ويريد قتل الرسول, فالصورة مختلفة تماما ! لأن في الإسلام لا قتل لنفس بدون نفس أو شروعٍ في القتل، وليس هناك قتل لاختلاف وجهات النظر ولا لاختلاف الدين ولا لاختلاف المذهب. بل ان الاسلام يأمر بقتال الفئة الباغية المؤمنة، ولم ينفعها ايمانها، لأنها بغت واعتدت، وهنا نفهم سر القتال في الإسلام، فلو كان القتال على الدين او موجه للكافرين فقط لما جاز أن نقاتل الفئة الباغية وهي مؤمنة، فالقتل والقتال في الإسلام لا علاقة له بالكفر والافعال والعقائد، بل له علاقة بالاعتداء والتهديد ودفع الضرر عن الحياة وليس الضرر بشكل عام، أي دفاع عن النفس لتبقى حية، وليس دفاعا عن الدين، لأن الدين له رب يثبته، والكافر له رب يحاسبه على كفره، لكن أنفسنا لنا حق الدفاع عنها، سواء من كافرين او من مسلمين كفئة باغية، فلا يُلام المدافع، اللوم على المعتدي. وهذا واضح جدا في القرآن. وكل هذا الدفاع عن النفس قائم تحت سلطة أولي الأمر حتى لا تكون فوضى، ولا يترك للتصرفات الفردية.

القرآن هو دستور الاسلام، ثم ما والاه من السنة والتراث. ولو كان صحيحا أن الرسول مبعوث بالسيف، لبدأ به من اول ما بعث، ولم يتحمل ذلك الظلم في مكة ثلاث عشرة سنة، بل لقال لأصحابه اعتصموا بالجبال واغتالوا صناديد قريش واسرقوهم وانهبوهم ! لم لم يفعل هذا ؟ مع انه كان يستطيع ؟ كيف بُعث بالسيف مع أن ثلاث عشرة سنة لم يقتل فيها أحدا لا هو ولا اصحابه ولم يتهددوا حياة احد ؟ وكيف يبعث بالسيف رحمة للعالمين؟ الرحمة بالعالمين في قوله تعالى (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)، وهذا القرآن كله يؤيد هذه النظرة السلمية الدفاعية، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ، و اوفوا بالعهود، وادخلوا في السلم كافة، انه دين الإسلام، مشتق من السلام، وتحيته السلام، ليس دين الحرب، لكنه لا يسمح للقتلة الظالمين ان يعيثوا في جسده فسادا، بل يأمر بالاحتياط واخذ اسباب القوة الدفاعية (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) أي يخافونكم فيكفوا شرهم عنكم، هذا المقصود بالارهاب، وليس اعمال الغدر والخيانة وقتل الابرياء. ولا هدى لأي إنسان ما لم يتبع القرآن ، لا أن يتبع ما يخالفه، فالقرآن وما والاه فقط، هذا هو العروة الوثقى. هذه سنة الرسول لمن شاء أن يتبعها، الصبر والدعوة الى الله والهجرة والحرب الدفاعية والعفو مع المقدرة عندما عفا عن اعداءه من قريش دفعة واحدة، مع الحيطة والحزم والانتباه والاستعداد لكل مصادر القوة، بقصد الدفاع عن النفس، بهكذا أخلاق طار الإسلام إلى آفاق الكرة الارضية، ولو كان الرسول مُغتالا لما انتشر الإسلام، بل لحاربه العالم اجمع مثلما حاربوا جماعة الحشاشين وغيرها.

القرآن غلّظ على قتل النفس المؤمنة تعمدا بغير نفس، و توعد بالخلود بجهنم لمن قتل مسلما او مسلمة، حتى لو كان القاتل مسلما، مثله مثل الكافر تماما في الوعيد، والله ادرى بالمؤمن وغير المؤمن، وليس لأحد ان يكشف ما في القلوب، توعّد بخلود ابدي في جهنم لمن تعمد قتل نفس مؤمنة بغير نفس، مع اللعن والغضب، واللعن يعني الإبعاد والطرد عن رحمة الله بشكل ابدي، أي لا يُرحم وهو في جهنم يتعذب، خالدا فيها ابدا ما بقيت السموات الارض، وليس بعد هذا الوعيد وعيد. قال تعالى (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) الآية، فقوله "فتبينوا" يقصد تبينوا إن كان من الاعداء المضمرين الشر لكم أو لا ، وهذا يمكن تبيّنه، أما إذا قال انه مسلم فهو على كلامه ، لا يقصد أن يتبينوا ان يكون مؤمن او غير مؤمن ليقتلوه، بل ليتبينوا ان كان من اهل الشر أو من اهل السلام الذين أمر الله ببرهم والقسط إليهم وهم غير مسلمين، وهذا في حالة الحرب والغزو طبعا، أي تبينوا وأنتم في حالة الغزو والحرب، فإذا جاء من ألقى إليكم السلام لا تقولوا أنه غير مؤمن وانه مع الاعداء لأنه جاء من قِبَل مدينتهم مثلا، تريدون عرض الحياة الدنيا أي تقتلوه وتسلبوا ما معه، فالإسلام يأمر بالتثبت حتى في حالة الحرب. كل هذا في اطار عصمة الدماء وحرمتها. وقد ذكّرهم الله بأنهم كانوا غير مسلمين من قبل، فلا تطغوا بإسلامكم على الناس وأنتم كنتم مثلهم يوما من الأيام، فالإسلام دين أخلاق. والحديث يؤيد هذا عندما قال الرسول لأسامة بن زيد عندما قتل رجلا قال لا اله الا الله عندما احس انه مهزوم، قال له (كيف تصنع بلا إله إلا الله؟). والقرآن يكثر من ذكر الحرب ليس تشجيعا عليها، بل لكي يحترز المؤمنون من وقوع الظلم فيها، ولكي يحدد لهم ماذا يفعلون وماذا لا يفعلون، هذا كله يصب في اهتمام القرآن بموضوع حفظ وحرمة وحقن الدماء.

وآية (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُون) ، لكي يبين فظاعة قتل النفس بغير نفس، بدليل أنهم صاروا مسرفين في القتل، ولا مثال اوضح للإسراف من القتل الجماعي لمختلطين مختلفين، تسندها آية (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) ، وأن قتل النفس بغير حق من طرق الافساد في الارض، فكأنما قتل الناس جميعا، وكلمة نفس تعني مسلم وغير مسلم. فالقرآن يحارب التهاون في القتل ويحصره في قتل النفس بعد التأكد والتثبت، مع فتح المجال للعفو عن القاتل، بهكذا يقوم الامن والسلام وينتفي الفساد في الارض، عندما قال تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) أي انتفى عنكم الفساد في الارض، والفساد في الارض اساسه القتل بغير نفس او حق وما يتبعه من فتن تجبر الجميع أن يشارك في القتل اذا لم يؤخذ الحق لأصحابه، وبالتالي تكون فسدت الأرض. الفساد في الارض يأتي بسبب إجبار الجميع أن يشارك في الشر دفاعا عن نفسه، وهذا ما تسببه الفتنة والاقتتال الداخلي إما لأسباب طائفية او ثارات قبلية او عنصرية او غيرها، ولا يأتي الفساد في الارض بدون إلزام، حيث يبقى لأهل الخير مجالهم ولأهل الشر مجالهم، فالفتنة تسبب الفساد في الارض، قال تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ). وعلى هذا لا يجوز القتل بحجة الدفاع عن الدين، لأن الدين من الله والله وعد بتثبيت الدين وتمكينه في الأرض، قال تعالى (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ). ولا يجوز للعبد ان يأخذ شيئا خصصه الله لنفسه، كتمكين الدين او حساب الناس على اعمالهم، او معرفة الغيب، هذه من شؤون الله. والله امر رسوله بأن يعرض عن الجاهلين الذين يتكلمون بتجديف في الدين والرسول والقرآن، ولم يقل اقتلهم او اغدر بهم دفاعا عن الدين، لأن الله هو الذي يدافع عن الدين وهو الذي اعلى كلمة الاسلام بوعد منه و رفع ذكر محمد كإسم أول على مدى الكرة الارضية، مع أنه ليس له ابناء كما كان يظن القرشيين أن الابناء هم من يحيون ذكر الإنسان وسمّوه الابتر، وما بقي ذكرهم إلا بسبب من وصفوه بالأبتر الذي رفع الله له ذكره، وفعلا المآذن مرتفعة عن الأرض وهي موجودة على امتدادها واسمه يدور على الكرة الارضية يوميا خمس مرات.

اذن الدين لله والله هو الذي يبقيه او يزيله وليس الدين لأحد، (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، هذا بالنسبة لنا كمسلمين، أمرٌ من الله ان نهتم بأخلاقنا وإصلاح ما هو في وجوهنا وأن نترك الناس لحساب الله ، فهو الوكيل عليهم ولم يوكّلنا عليهم، والله لا يرضى أن يؤخذ شيء من صلاحياته وحقوقه، كحساب الناس مثلا، لأن الحساب لله ، (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَر فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ – وليس أنت – الْعَذَابَ الأَكْبَر إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُم ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم)، أي أن الأمر لله ولا يجوز التدخل في شؤون الله. فلله الأمر من قبل ومن بعد، أما نحن فعليكم أنفسكم، وادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، هذا ما وجهه الله لنا ، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين). 

كل هذه المبررات تجاوزها القرآن ما دامت نفسا بريئة مسلمة لم تقتل نفسا بغير حق ولم يعتدّ بها، أو كانت نفسا غير مسلمة ولم تعتدي، ولو كان يجوز أن تقتل النفس المؤمنة لأسباب أخرى غير قتل النفس لذكرها القرآن. الإسلام دين حضارة وليس دين فوضى. أي احد يقول انه مسلم فهو كذلك ولم يرتد، لأن الله هو الأعلم بالسرائر، وحتى لو ارتد هل يجب على الشخص عينه ان يقتل كل من ارتد؟ طبعا لا، لأن هذا سينتج فسادا في الارض، والفساد يعني القتل والفوضى وعدم الاستئمان، بل ان القرآن يصرّح ان من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، و انك لست عليهم بمسيطر ولست عليهم بوكيل، وان الله سيعذبهم العذاب الاكبر، فإذا كان الرسول ليس بوكيل على عقائد الناس وحسابهم، فكيف بنا نحن؟ والرسول لم يقتل المنافقين ولم يأمر باغتيالهم وتحمّل أذاهم مع أنهم اشد من الكفار، فأين اتباع السنة ؟ هذا هو اتباع السنة لمن شاء ان يتبعها، وبهذه الأخلاق طار الإسلام وانتشر وليس بالسيف والغدر. وحجة أنه لم يقتلهم حتى لا يقال ان محمدا يقتل اصحابه، فمحمد لم يأبه أن يقال أنه يقاتل اقاربه وأبناء أعمامه وعماته، اذن ما السبب ؟ السبب هو السلم وعدم السلم، هنا المشكلة فقط، لأن اقاربه القرشيين حملوا السيف في وجهه يريدون قتله واصحابه، لأنهم مارقين عن دين آباءهم، وعقوبة المارق عن دينه القتل عندهم كمرتد، فكيف نكون مثل تفكير القرشيين الجاهليين؟ ألا نكون متشبهين بهم في هذه الحالة؟ أما المنافقين فهم لم يحملوا سيوفا ليقاتلوا، مع انهم ليسوا اقاربه. وهكذا نفهم سر القتال والقتل في الإسلام، وهو الدفاع عن الحياة والنفس، وليس الدفاع عن الدين، فهولاء المنافقون يجدفون كلاما في الدين ويحاولون تخويف المسلمين من الكفار، و فلّ عزائمهم، ويحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ومع ذلك لم يمسهم احد بسوء. بل إن القرآن يقول (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُون)، وهذا دليل على أن الرسول يعرف بعضهم، وأخبر القرآن أنه لا يعرفهم كلهم لكثرتهم في المجتمع، وإلا فما أسهل أن يوحي الرسول الى بعض الصحابة و هم مخلصون له أن يُرهبوا المنافقين بالاغتيالات حتى يفر البقية، لو كان القتل دفاعا عن الدين، وحينها لن يقول العرب انه قتل اصحابه، بل فر اصحابه عنه، وحتى لو قالوها فهذه الكلمة لن توقف الإسلام وفيهم رسول الله، وليست كافية لأن يعطل شرع الله في اعداء الله لو كان هناك تشريع بقتلهم، لأن في ايام ابي بكر ارتدت اكثر القبائل، وما بقي إلا مكة والمدينة، ورسول الله مات، فما عسى الناس ان يقولوا ؟ سيقولون : لمَّا مات محمد مات معه دينه، ومع ذلك صمد الصحابة بل توسعت اراضيهم اضعاف ما كانت. كلام الناس لا يوقف شرع الله إذا كان يوجد شرع لله بهذا الخصوص، ورسول الله خير من يطبّق شرع الله دون محاباة لأحد، كان يستطيع أن يحرض أبناء المنافقين عليهم فيقتلوهم، لكنه لم يفعل، رغم الضرر الكبير منهم، ورغم كفرهم، مما يدل على ان القتل للقاتل او المُقاتل في الإسلام فقط.

وما ابغض الدين احد مثل اولئك المنافقين، وما ضرّ المسلمين احد بين ظهرانيهم مثلهم، فهم يؤذون المؤمنين والمؤمنات ويشيعون الفاحشة والتهم فيهم، لأنهم كفار أصلا، (وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُون) ، ولا يجوز أن يوصف المسلم بأنه منافق بدون علم، حتى لو اختلف معك. ولأجل أذى المنافقين أمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن لأجل ألا يؤذين، فهم ليسوا كفارا فقط، بل مؤذون وحاقدون ويتكلمون كلاما سيئا عن الإسلام والرسول والمؤمنين ويسخرون منهم ويثبطون العزيمة ويشككون ويخوفون المؤمنين من كثرة الناس وقوتهم، و هم الذين قالوا (لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) ، وكانوا يستأذنون الرسول بعدم المشاركة في أي معركة، وبحجج واهية ومضحكة أحيانا، كقولهم (ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي) يقصد الفتنة بجمال الروميات، وكان الرسول يقبل أعذارهم فورا بكل أخلاق وطيبة خاطر. ومع ذلك لم يأمر الله بقتلهم أو الإساءة إليهم، فقط أمر بالحذر منهم، و لم يأمر بسجنهم أو مصادرة أموالهم أو حتى طردهم أو حتى التشهير بهم. قارن هذه المواقف السامية بعبارة (لا غيبة لفاسق) التي تردد مع الاسف تجاه مسلمين، ورسول الله لم يشهّر بواحد من المنافقين يضمرون الكفر ويشهرون الإسلام ويسيئون للمسلمين بما دون القتال، ولم تُذكر ولا حادثة تهديد او اغتيال ولا لواحد منهم، و هم جماعة و معروفون. وهذه الصورة تجاوزت صورة السماح بتعدد الأديان في المجتمع المسلم، بل إلى تحمل الأذى ما دام أنهم لم يحملوا سلاحا ضد المسلمين، ولو حملوا سلاحا لقاتلهم رسول الله، حتى لو قيل أن محمدا يقتل أصحابه. فيا لروعة الأخلاق و رقيها، هكذا نفهم سر انتشار الإسلام وحب المسلمين لمحمد. القرآن هدّدهم فقط، ولكنه لم يأمر بقتالهم أو طردهم ، قال تعالى (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً). هذا تهديد وليس تشريع، لأجل أن يخافوا ويذكروا نعمة الصبر عليهم.

إن رسول الله لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يوقفه ما يقوله الناس عن تطبيق شرع الله في المنافقين، وهو الذي قال لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، فمثل هذا التبرير يسيء إلى الرسول وإخلاصه، بأنه يترك الحق خوفا من كلام الناس، وحاشا لرسول الله ان يكون هكذا. بل انه ترك أناسه واهل مدينته وهم يسبونه ويشتمونه ويلصقون به ابشع التهم دون ان يبالي، فكيف يبالي لاجل مجموعة من المنافقين؟ بإمكانه ان يقول أن هؤلاء منافقون ولم يسلموا اصلا، وأنهم اعداء يتواطئون مع اعدائه الخارجيين فتنبغي تصفيتهم ، وهذا شيء يعرفه العرب و كل القادة العسكريين، في أنه يوجد طابور خامس فيصفّونهم أو يبعدونهم ، فلماذا لم يفعل رسول الله ذلك؟ لأن القتل في الإسلام بسبب قتل النفس او التهديد الحقيقي بقتلها فقط. فالقرآن لم يأمره بقتال المنافقين ولا حتى بطردهم، وهل هذا شيء صعب؟ طبعا لا، اذن علينا ان نفهم الاسلام حتى نعرف كيف طار في الآفاق وصار ينتشر حتى في اوروبا رغم محاصرته بالإسلاموفوبيا، لأنه دين الحق ودين الاخلاق، والأخلاق فرع من الحق، ولا احد يستطيع ان يسع الناس إلا بالاخلاق، قدّم اخلاقا اكبر تكسب قلوبا اكثر، وهكذا انتشر الاسلام، لأن اكثر من ثلثي المسلين لم تفتح بلادهم ولم يطأها محارب، ولا يزال ينتشر رغم الحرب الشعواء ضده، وأبشع الحروب التي وُجهت للإسلام هي حرب التشويه العملي مع الاسف ، أي بأيدي أناس مسلمين.

ورسول الله كان عفوا يحب العفو وليس ضحوكا ولا قتالا كما ينسب ذلك عنه في التوراة المحرفة، بل كان رزينا وحييا وعفوّا، كان لا يضحك إلا تبسما ولم تر نواجذه، ولقبُ البَكّاء عليه أكثر مناسبة من لقب الضحوك كما وصفه احد الصحابة. ولا عجب، فخلقه القرآن. وهو الذي ينزل عليه القرآن الذي تقشعر منه الجلود وتسبل العيون دموعها من خشية الله. قال تعالى (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) فكيف برسول الله الذي يتنزل عليه ثلاثا وعشين سنة؟ ذلك القرآن الذي يصدّع الجبال لو أنزل عليها، فكيف يكون ضحوكا مزاحا مستهترا ؟ رسول الله لم يكن قتالا ولا قاطع طريق ولا قرصانا ولا متكبرا حتى يضحك من قتل اعدائه والسيطرة عليهم، بل دخل مكة وهو مطأطئ الراس تواضعا يستغفر الله ويسبحه ويستغفر لذنبه، قال تعالى (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) ولم يقل فاضحك واقتل .. وعفى عن كل اعدائه واعداء المسلمين بكلمة واحدة : (اذهبوا فأنتم الطلقاء) دون ان يشترط عليهم ان يسلموا أو يدفعوا جزية، فضلا عن أن يأخذهم عبيدا وأسارى ويبيعهم، بمثل هذا الجمال انتشر الاسلام وطبّق الآفاق، وهذه سنة الرسول لمن أراد أن يتبعها، ولو كان عكس هذا لما انتشر.

وهل يليق أن يكون الرسول ضحوكا ومهرجا وهو الذي يتنزّل عليه كلام رب العالمين في كل آن، ويتألم ويتقطع قلبه حسرات كما وصفه القرآن من كفرهم وتكذيبهم وهو الذي ينظر عاقبتهم ؟ هذه مناظر لا تثير الضحك، وكثرة الضحك لا تتناسب مع كثرة الخشوع، وهو الذي قال أن كثرة الضحك تميت القلب، فكلمة ضحوك تعني كثرة الضحك، و رسول الله اكثر الناس خشوعا وذكرا لله وخوفا منه، وهذا لا ينتج ضحكا، إن لم ينتج بكاء، والله يصف رسوله بأنه على خلق عظيم، فهل كثرة القتل وكثرة الضحك من تمام الاخلاق؟ والله يقول (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُون وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُون) فمن صفات الكفار الضحك وعدم البكاء، ورسول الله أول المسلمين، وأكثرهم خوفا من الله، اذن هو أبعدهم عن الضحك إلا تبسما، وهو الذي حمل الرسالة والذي أنزل عليه قول ثقيل، فكيف يكون ضحوكا؟ وكلمة القتّال تعني الإسراف في القتل، والله نهى عن الإسراف في القتل وأمر بالتثبت في الدماء، فكيف يقتل ويضحك؟ هذه علامات السادية ، بل ان الانسان السوي وهو يقتل دفاعا عن الحق والنفس تجده مع ذلك يتألم كيف وصلت الأمور الى هذا الحد، فالقتل مصيبة، ومن ذا الذي يضحك في مصيبة ؟ ليس من الأخلاق أن يقتُل الإنسان وهو يضحك، بل يضحك عندما يهتدي الناس ويرجعون للحق، لا ان يضحك من قتلهم، و رسول الله كان خلقه القرآن، فهو قرآنٌ يمشي على الارض. والله يقول عنه (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم) أي يتعب من تعب الناس ويحزن لإعراضهم ، واكثرهم معرضون كما اخبر القرآن، ومن صفاته في الأحاديث أنه كان متواصل الأحزان، ومتواصل الأحزان عكس الضحوك، وكان كثير العفو والمسامحة والتواضع، وهذا عكس القتّال السفّاح المُبير المسرف في القتل الذي لا يراعي التثبت ولا يخاف الخلود في جهنم بسفك دم مسلم بريء.

قتل النفس بسبب الكفر دون الإعتداء حسابٌ قبل حساب الله وتدخل فيما أوكله الله لنفسه. (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) إذا كان الامر بهذه الطريقة (احكم وقرر ثم نفذ) ، سيأتيك من يقرر عليك أنت ايضا، ويكفرك بطريقة او بأخرى ثم يجيز لنفسه ان يقتلك، ومن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا. هكذا يدب الرعب بين الناس ولا أحد يأمن من أحد، وهكذا لا يكون الاسلام دين حضارة وبناء ، بل دين موت وفناء وفساد في الارض، كلٌ يجتهد ليقتل الآخر، وهنا المصيبة، وهكذا يذهب الأمن إلى غير رجعة، لأن كل إنسان لا يعرف كيف ينظر إليه الآخر وكيف يترجم تصرفاته وبماذا سيحكم عليه ما دام انه هو القاضي وهو السلطة! هكذا لا يصبح للفوضى طريق غير هذا الطريق، إكره ثم اجتهد ثم كفر ثم اقتل ! وانت في مكانك ! هنا مشكلة. وهذا تهاون بدماء الناس والمسلمين، وهذا لا ينتج مجتمعا آمنا ابدا. لأنه في أي لحظة يمكن ان يكفِّر أي أحد يكرهه ويقتله غيلة، فأين التثبت ؟ هذا كله بعيد عن الإسلام، فالإسلام شعاره (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين) ، إلا من اعتدى، فيُعتدى عليه بمثل ما اعتدى، ولئن عفونا لهو افضل. هذا دستور الإسلام ومرجعه الأول، ومن أعرض عن القرآن فسوف يضل بلا شك.  

القتال في الإسلام هو دفاع عن النفس وليس اعتداء على قريب بريء كما تغالط الكاتبة, وقد حاول الكفار قتل الرسول في مكة لكن الله أنجاه. وأصلا قتل الإخوان والأهل بدوافع مادية ومصلحية هو الأكثر وليس بدوافع دينية, والتاريخ يشهد بهذا، فما أكثر قتل الأقارب بين المتنافسين على السلطة, فمثلا المستنصر قتل والده المتوكل بالسيف, وأبناء هارون الرشيد تقاتلوا بينهم, والتاريخ مليء بمثل هذه الحوادث لأسباب مادية وليس لأسباب دينية.

وبالعكس، المسلمون يتميزون ببرهم بوالديهم، وهذا ما لا نجده في الغرب المتطور، وهم يشهدون بذلك, حيث يبقى كبار السن مع حيواناتهم الكلاب أو في دار العجزة، إلا ما قل, أما المسلمون فهم يبقون مع والديهم الى آخر الحياة، إلا ما ندر، ويعتبرون أنفسهم مسؤولين عن والديهم, و حتى كلمة "أف" للوالدين تعتبر عقوق، فما بالك بما هو أكثر, بل حتى لو كانوا مشركين يجاهدون ابنهم على دينه فواجبٌ عليه أن يعاملهم بالمعروف طول عمرهم, هذا هو الإسلام وهذا نص القرآن, فكيف ينتج عن مثل هذه الوصايا قتل الوالدين؟!

العلمانية والصراع على المصالح الدنيوية وترك الآخرة هي التي تسبب قتل الوالدين أو الأقارب أو أي من يقف في طريق المصلحة وليس الإسلام, وقصة ابني آدم شاهد على هذا, فابن آدم المؤمن قال لأخيه الفاسق الذي لم يُرضِ ربه ويريد قتله حسدا { لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِين }, هذه صورة الإيمان وليس العكس! ولاحظ أنه قال بعدها { إِنِّي أَخَافُ اللّهَ}، فالخوف من الله يردع عن الاعتداء أو شبهة الاعتداء حتى, فانظر إلى شدة التدين الصحيح واتقاء الله والتثبت كيف فعل بابن آدم التقي, هكذا المؤمن الحق يحرِّم انتهاك حرمة الدم على نفسه إلا بأقصى الضرورات، وأقصاها الدفاع عن النفس, لا أن يبحث لها عن شبهات وتأويلات وتعضيات. إذن كلما تدين الإنسان تدينا بموجب كلام الله وما والاه كلما تورّع في موضوع الدماء أكثر، لأن المسألة ليست سهلة، بل فيها خلود في جهنم, وابن آدم الصالح قدوة للمؤمنين حقا, ففي الإسلام الصحيح إلا الدماء, قال تعالى { مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } ، هذان الأمران ، مع الإعتداء بالسلاح، هي التي توجب القتل في الإسلام، بموجب القرآن. والمقصود بالفساد هو الفساد المؤدي إلى تقاتل الناس فيما بينهم، وليس نشر ذنب او شبهة أو معاصي، لأن المعاصي للإنسان حرية ان يفعلها او يبتعد عنها، وكذلك الشبهة يستطيع ان يبينها من عندهم علم فيحذر الناس منها ولا تعمّ، لكن الفتنة اذا وقعت اقحمت الجميع فيها شاءوا أم أبوا، واضطروا كلهم لقتل بعضهم بعضا حتى بالشبهة، وتفسد البلاد وتكثر الانتهاكات والسرقات والاغتصابات وينهار الاقتصاد والامن وتخرب الارض، وتسمى تلك الارض فاسدة، و لا احد يذهب إليها ولا احد يتعامل معها.

و قال سبحانه : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا }. و في رواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا يَزَالُ الْمَرْءُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا " فابن آدم الصالح تحمّل أن يكون الضحية ولا أن يقع في شبه ظلم لأخيه! فيا للجمال! هكذا يكون المؤمن, { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرين } أين التطرف هنا؟! قمة العدالة والرحمة مجتمعتان ، مع تفضيل للرحمة على العدالة, أي كلام أفضل من هذا الكلام! ليت المسلمين يتبعون القرآن ، لكانوا قدوة للعالم في أخلاقهم, لكن بشرط أن يتبعوه كاملا بدون تعضية ولا حذف ولا نسخ.

ابن آدم الدنيوي قتل أخاه وندم وتحسر على طاعته للشيطان, و ضاق بجسد أخيه ماذا يفعل به، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض فعمل مثله, وفي هذه القصة عبرة عن نتيجة طاعة الشيطان, فعلى ابن آدم التقي السلام لأنه قدّم درسا للبشرية في تقوى الله والحذر من إصابة الدماء. وهذه القصة تمثل لنا أزلية صراع الخير والشر على ظهر الأرض.

ومقارنة كفار قريش بالشاب الذي قتل أمه خاطئة, فهؤلاء كفار يعبدون الأصنام وينكرون البعث والحساب ويتآمرون على قتل الرسول والصحابة وتعذيبهم. وأمه لم تفعل هذا ولا تعتقد مثل اعتقادهم. بل من شدة خوفها على ابنها، فهل هذا جزاؤها؟

لا يوجد ما يدل في القرآن أن آية {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } نزلت في مصعب أو أبي عبيدة, بل هي عامة, وأيضا لم يُذكر في الآية أنهم قتلوا آباءهم أو أقاربهم ، بل فقط لا يوادونهم, ففرق كبير بين إبداء المودة وبين القتل يجب ألا يُختزل! وأيضا الله قال : { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } مع أن أمه لم تدعه للشرك، ولو دعته للشرك عليه ان يبر بها ايضا ، بموجب كلام الله الذي يؤمن به، على هذا ففعل ذلك الشاب مخالف لأمر الله في القرآن، ومن يجاهدان ابنهما لأجل أن يشرك هم يحادون الله ورسوله, ولم يقل : "وإن جاهداك على أن تشرك فاقتلهما" , بل قال : لا تطعهما ، وصاحبهما بالمعروف .. فأين ذهبت هذه الآية عن باله وعن بال الكاتبة أيضا؟ لماذا لم تذكرها رغم أنها توضح موقف القرآن من موقف الوالدين المحادين لله ورسوله بشكل واضح ؟!

إن كلمة جهاد قد تمتد الى غير الكلام, لكن انظر للقرآن يأمر ببرهما ايضاً , ولا شك انهما يسبّان الله ورسوله أمامه ويسخرون من الاسلام والمسلمين, و ردة الفعل هي ألا يطيعهما ويصاحبهما في الدنيا معروفا, من هذه الآية نفهم أن حرية الرأي والاعتقاد مكفولة في الإسلام , فكيف تصاحب في الدنيا معروفا من يحاد الله ورسوله؟ هنا القوة وعدم مناصرة الحزب بل مناصرة الله, ومناصرة الله تكون باتباع الفضائل، لأنها هي التي تؤدي الى الله.

وآية {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } لا تعني القتل, ومن حقوق الانسان ان يواد من يشاء ولا يواد من يشاء , وشيء منطقي أن المسلم لا يوادّ من حاد الله ورسوله إذا ثبت هذا الشيء وتأكد أنه يحاد الله في كل شيء, وليس لمجرد أنه اختلف معه أو مع شيخه في قضية معينة بينما في بقية شؤونه يواد الله ورسوله, بل المقصود هو من لا يواد الله ورسوله بالكامل.  

استغلال سلوك متطرفين وذوي أجندة سياسية ولصقهم بالإسلام، هذا ليس عدلا, المسلمين يعيشون منذ ألف وأربعمئة سنة وفي كل بقاع العالم, فكيف يُنسب سلوك أفراد اعتدوا على والديهم أو اقاربهم بالإسلام وبالمسلمين كلهم؟! ويكون عنوان المقال "لماذا يقتل المسلمون أقرباءهم" وكأنها ظاهرة! مع ان قتل الاقارب بدوافع علمانية مادية هو الاكثر في العالم، فهل تسمح لنا الكاتبة ان نقول "لماذا يقتل العلمانيون اقرباءهم؟" مع أنه هو الأكثر عبر التاريخ، خصوصا في الصراع على السلطة أو المال؟ هل ستستغرب هذا العنوان ؟ حسب عنوان المقال أصبح كل المسلمين يتقاتلون مع أقاربهم ! أو انها ظاهرة على الاقل غير موجودة عند غيرهم ! وصار القرآن يأمر المسلم بقتل أبيه وأخيه لأنه نهى عن موادة من حاد الله ورسوله ! وكأنه لم يأمر ببر الوالدين المشركين، وكأنه لم يأمر بالبر والقسط للكفار غير المعتدين ! بقدرة قادر نُسي الأمر ببر الوالدين المشركين وبر الكافرين غير المعتدين، وجُعلت عدم الموادة تعني القتل ! هذا إخفاء مع تحريف لمعنى القرآن !

إن الخلافات العائلية لأي سبب من الاسباب الدنيوية هي الاكثر. مع انها ليست ظاهرة ، حتى عند المتشددين. وكثير من الحالات اتضح انها خلافات عائلية, مثل ما يحدث في امريكا اوروبا كل يوم. بالعكس المسلمون معروفون ببرهم بوالديهم لان دينهم يأمرهم بذلك اذا جئنا للسائد والأشهر . وما زاد انتشار عقوق الوالدين إلا بسبب انتشار العلمانية والإلحاد, والكل يعرف ان احترام الوالدين كان اكبر كلما نرجع للماضي ، اصبح بعض الابناء يتطاولون على والديهم بإسم الحرية الغربية والغلو في الحرية الفردية والاستقلالية، وهذا لم يكن معروفا في السابق.

" يقول الإمام علي كرم الله وجهه في نهج البلاغة: "لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً... ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ولا اخضرَّ للإيمان عود وأيم الله لتحتلبنها دماً ولتتبعنها ندماً".

هذا في سياقه لم يخرج عن السياق الاسلامي، وقوله "نقتل" مجازي، لأنهم في الحقيقة كانوا يقاتلونهم دفاعا عن المدينة، من باب صد المعتدي، وفي ارض المعركة المعلنة دون غدر، ولا نفهم من هذه الكلمة انهم يقتلونهم غيلة وغدرا، فهذا ليس في قاموس الصحابة. وفعلا قريش قاتلوا محمدا واصحابه وهم أقارب، والرسول قاتل اقاربه, والبادئ اظلم، لقد كان قتالا دفاعيا وليس هجوميا، وهذا من دفع الصائل. وقريش هي التي ظلمتهم وبدأت بالشر، وهدفها ان تستأصل شأفتهم , وقتلت من استطاعت ان تقتلهم من الضعفاء الذين لم تستطع عشائرهم ان تحميهم, كسميّة رضي الله عنها التي قتلوها في حفلة وحشية شيطانية، واستعرضوا شجاعتهم على امرأة ضعيفة ومزقوها برماحهم, وطعنها أبو جهل الشرير بموضع حيائها برمحه وسط هتافات هؤلاء الماديين المشركين, و هم علمانيون لا يؤمنون بالحساب ولا البعث ويؤمنون بالدنيا فقط، ولا تتحكم بهم إلا القوة والمصلحة. وهاجر المسلمون مبتعدين عنهم ولم يسلموا، ولاحقوهم في أذاهم حتى في الحبشة والمدينة . ألا يحق لهؤلاء ان يقاتلوا هؤلاء الانجاس الذين لم يُراعوا للدم حرمة ولا للقرابة قيمة ؟!

لماذا لا تنظر الكاتبة من طرف قريش؟ لماذا قريش خرجوا ليقتلوا أبناءهم وأعمامهم وأقاربهم؟ ويطردونهم من بيوتهم ويعذبونهم فقط لأن دينهم مختلف؟ أليس هذا هو الإرهاب؟ وقريش علمانيون لا يؤمنون إلا بحياة واحدة, وعملهم عدائي, بينما المسلمين يدافعون عن أنفسهم, لماذا صار المسلمون هم من يقتلون اقاربهم ولم تقل ان قريش قتلت أقاربها وابناءها وقطّعت ارحامها واخذت اموالهم وهي البادئة بالشر ؟ قليل من الإنصاف لا يضر.

لو جاء قريب و حمل عليك السلاح وجاء ليقتلك هل قتالك له عمل إرهابي؟ أم حق مشروع بالدفاع عن النفس؟ لماذا يصبح هذا الذي يدافع عن نفسه إرهابي ومن يعتدي ويحمل السلاح ضحية بريئة؟! أيضا خروج المسلمين لبدر لم يكن للقتال، بل لأخذ القافلة التي كانت تحمل بعض أموالهم التي نهبها منهم المشركون, فقريش طردت المسلمين وأخذت أموالهم وبيوتهم فقط لأن دينهم مختلف! وعاشوا فقراء في المدينة وليس لهم بيوت، فكان اهل المدينة يقسمون لهم من بيوتهم, وكان لهم اموال في مكة، ومنهم من كان غنيا في مكة ولهم اموال كثيرة، مثل ابي بكر ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف وعثمان , هذه تصفية دينية وعداوة من طرف قريش العلمانية وليس من طرف المسلمين. وهي قطع للأرحام من قبل قريش،والبادئ أظلم. فلا يُلام المسلمون الأوائل بأنهم قتلوا أقاربهم في أرض المعركة دفاعا عن النفس. فهذا ظلم.

لو كان الإسلام يأمر بقتل الأقارب لعمل الرسول عمليات اغتيال لكبار قريش وكان يستطيع ذلك, و لكان بعد فتح مكة قام بتصفية كل الكفار وقتلهم وهو يضحك! لماذا أطلق سراحهم ودينه يأمر بقتل الأقارب؟! لماذا سمح لهم بينما قتل كل اليهود حتى اطفالهم كما ستقولين؟ ربما ستقولين لأنهم أقاربه, اذن سنقول هل نسيتي ان المسلمين يقتلون اقاربهم ؟ وان القران يأمرهم بذلك وهذا شي حلال ومباح عنده؟ هذا تحيز وتناقض .


" يبرر البعض كل الأمثلة أعلاه بأنها وقعت في ساحة حرب. رغم أني أرفض الحروب الدينية بكل أحوالها، لكن المشكلة لم تعد في المكان ولا في الحالة، فتنظيم داعش وكل التنظيمات الإرهابية ترى أنها الآن في حالة حرب مستمرة، وتحضّ على الجهاد!

لماذا ترفضين الحروب الدينية بكل اشكالها حتى في حالة الدفاع عن النفس ؟ هل ليكون المسلمين لقمة سائغة؟ لماذا ترفضينها بكل احوالها ؟ والحروب العلمانية هل ترفضينها كلها بكل احوالها ام لا ؟ لماذا هذا التحيز والانتقاء؟ يجب ان ترفضي كل الحروب بكل اشكالها وألوانها, إذا كنت تكرهين العنف فيجب أن تكرهي كل صور الحروب، الدينية وغير الدينية، لكنك لم تقولي ذلك. ولعلمك البشرية عانت من الحروب العلمانية اكثر من الدينية ولا زالت, ولعلمك فالحروب الدينية يحركها العلمانيون ولا تتحرك من نفسها, بدليل أن الطوائف والمذاهب و الأديان يتعايشون مع بعضهم منذ آلاف السنين حتى تأتيهم دويهية علمانية مادية تصفرّ منها الانامل وتستغل اختلافهم .

أنا ادافع عن الاسلام الصافي والقرآن. والسؤال هو : لماذا تُخلَط الأمور لأجل إظهار أن الاسلام هو السبب؟ في كل مرة تحصل مشكلة من المسلمين يتم العودة الى القرآن، ويا ليتها عودة محايدة. يجب ان يؤخذ القرآن بكل آياته عن القتال ويستشف منها حكم الله في القتال, و هم لا يفعلون هذا ولا يكلفون أنفسهم بذلك. البعض يقولون : "القرآن قال : قاتلوا الكفار، والكفار هم غير المسلمين، اذن القران ارهابي!" او يقولون : "قال القرآن : لا توادون من حاد الله، اذن هو يدعو الى قتل الاقارب!" هل هذا من التحقيق العلمي؟ خصوصا مع كتاب مقدس عند المسلمين يحتاج إلى بذل مجهود لمقارنة نصوصه ؟

المشكلة تكمن في أن هذا الذي يقتل قريبه يبدأ في تصنيفه: هل هو يواد الله أو يحاد الله؟ ثم يقوم بتكفيره، ثم يصدر الحكم عليه، وحكم الكافر القتل. هكذا بكل بساطة! وهؤلاء لا أحد من شيوخ الدين يقول لهم إن النص الديني الذي يقرأونه( قد) لا يعني ما يفهمونه منه، بنصه أو ظروفه وزمنه
"ونراهم يدينون الفعل مع أنهم يشرّعون الأساس الذي بُني عليه هذا الفعل!" " ومن باب الانصاف، في الإسلام والسيرة مواقف رحمة كثيرة، من برّ بوالدين وعطف على يتيم وإحسان لجار، و"من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، الخ."

لماذا قلتي "قد" لا يعني ما يفهمونه ؟ بل هو لا يعني ، وتعرفين ذلك من النصوص التي تأمر باحترام حرية اختيار الإنسان وتدعو للعفو والتسامح والرحمة, والتي ألحقتيها بكلمة الخ .., فلا يجوز الانتقاء من القرآن وتهميش الباقي ، بل لا يجوز في أي كتاب اخر ، وهذا من الامانة العلمية .

المغالطة في الظن أن القرآن هو أساس الإرهاب, كلا، فلو أجرينا مقارنة بين القرآن والإنجيل والتوراة، لتبينت وسطية القرآن، وتمسكه بالحق والأخلاق والتسامح مع القوة وعدم الضعف، قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) ، والفضيلة في الوسط بين رذيلتين كما قال ارسطو. ومن يقرأ في نصوص التوراة وكلام الحاخامات سيستغرب أن يوصف القرآن بأنه اساس الإرهاب، بينما نصوص صريحة في التوراة تدعو للإرهاب وحاخامات يصرحون بذلك، ولعل آخرها تصريح حاخام الجيش الإسرائيلي بأن يقتل جرحى الفلسطينيين ويسميهم بالحيوانات ويبيح إغتصاب غير اليهوديات في الحرب، ويرجع ذلك إلى اساس ديني توراتي، مثل ما صرّح حاخام اللد أيضا بأن التوراة تجيز لهم قتل الفلسطينيين. إن صور الإرهاب والتعذيب والحرق بتهمة الشرك مليئة في التوراة، بينما القرآن يقول (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين) وقال (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) ويقول (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون) ويقول (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) ، وهذه الفكرة تتردد في القرآن كثيرا، بل يستغرب القرآن من أن يُلزَم احد بالدين وهو لا يريده، عندما قال (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُون) بينما التوراة تقول اقتلوا من يعبدون مع الله آلهة أخرى واحرقوهم هم ودوابهم وحميرهم ! ترى لو أن القرآن قال مثل هذا الكلام ماذا سيقال عنه ؟

التوراة تؤمن بالتطهير الكامل, بينما القرآن يقول { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } التي قلتي عنها الخ .., الاسلام دين الحرية وما اكثر الايات التي تتكلم عن حرية الاعتقاد ، وهي بحدود 500 اية كما يذكر الدكتور عدنان ابراهيم.

هذه نصوص قرآنية لا يصح ان نأخذ ما نشاء ونهمل ما نشاء, هذه مثلبة علينا إن فعلناها ونقص في الروح العلمية, فبعد 500 نص ولم يتبرأ القرآن ! فكيف يتبرأ ؟ إلا إذا أُريدَ ألا يكون بريئا، فهذا موضوع آخر .. الإسلام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو ما تعرفه شعوب العالم، وليس فقط المسلمين . فالإسلام مع كل خير وضد كل شر ، والمعروف ما تعارف العالم على خيريته، والمنكر ما تناكر العالم عليه بسبب شروره.

" لكن في الوقت نفسه هنالك في التاريخ الإسلامي جز للرؤوس وحرق بالنار وتسميل للأعين وقتل للأسرى وسبي للنساء.

هذا موجود في كل تواريخ العالم وليس فقط تاريخ المسلمين ، اقرأي عن تاريخ الرومان والاستعمار واليهود وغيرهم، ستجدين الكثير و الأكثر ، فقد كان الرومان يقيمون حفلات يرمون الاسرى فيها للأسود الجائعة ويتفرجون ، فهل دينهم هو المسؤول ؟ تاريخ المسلمين لا يمثّل الإسلام دائما. المسيحية تدعو للسلام دائما ومع ذلك شنت العشرات من الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش وعذّبت وجزّت الرؤوس واحرقت الاجساد وأغرقت ، فهل نقول ان المسيحية ديانة دموية ؟ هنا سنكون مفترين وظالمين. ونحن نقرأ الإنجيل ولا نجد إلا دعوة للسلام لدرجة الانهزام والضعف.

ما دخل التاريخ بالاسلام ؟ الرسالة شيء وسلوك أتباعها شيء اخر, وهل لم يجز الرؤوس إلا المسلمين في تاريخهم ؟! هل نسيتي الحروب العالمية التي أشعلت العالم والقنابل النووية التي ألقيت على الأطفال والشيوخ والمدنيين بأيدي علمانية ومسيحية وملحدة ؟ إن مجموع ما قتله المسلمون عبر تاريخهم لا يعادل ضحايا الحرب العالمية الثانية لوحدها ! كواحدة من الحروب المادية العلمانية. أسلوب الانتقاء والتكبير وتهميش البقية أسلوب يجب أن يترفع عنه الإنسان الواعي, فبه يستطيع أن يجعل من الحق باطلا و من الباطل حقا, وهذا ما تستخدمه أساليب الدعاية الفكرية الغربية لتشويه الإسلام, ولن نتقدم أبدا إذا كان هذا أسلوبنا. هو نفس الأسلوب الممل المقرف : العبيد العبيد.. المرأة المرأة.. القتال القتال.., هذا اختصار الشامل بجزء معين بعد تأويله والاعتماد على أضعف النصوص بعد تصحيحها, وهذا له إيحاءاته عند المتلقي, فكأن تهمة العبيد أُلصقت بالإسلام مع أنه الأكثر براءة منها بالنسبة للتاريخ الأوروبي. الإسلام هو الوحيد الذي دعا لتحرير العبيد والإحسان إليهم وحسن معاملتهم وإعتاقهم من بيت مال المسلمين ومنع استعباد الجديد، ولم يشتك العبيد الذين كانوا عند المسلمين كما فعلوا عند الأوروبيين والأمريكيين، بل لا نجد لهم إلا شعر المراثي في أسيادهم ، وإلى الآن في أمريكا وأوروبا يمارس عليهم التفرقة العنصرية, رغما عن القانون ، وأحداث دالاس الأخيرة تشهد بذلك بالصوت والصورة، والرئيس الامريكي صرح ان العنصرية ضد السود داء مزمن في شعبه، والمسلمون يستغربون وهم يتفرجون على هذه البشاعة في التعامل مع البشر لأن لونهم اسود. وبالعودة إلى التوراة نجد احتقارا لحام بن نوح الذي يقال انه جد الأفارقة لأنه رأى اباه نوحا عاريا وهو سكران ولم يغطه ، فلما استيقظ قال نوح لاعنا له : تكون عبدا لإخوانك سام ويافث، وابناؤك عبيد لأبناءهم، ومن هنا جاءت تجارة العبيد والعنصرية ضد السود، بقيادة اليهود في اوروبا، بينما في القرآن نجد قوله تعالى (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) ، لكن صارت تهمة العبيد ملصقة بالإسلام وطلعوا منها زي الشعرة من العجين ! رمتني بدائها وانسلت! إنه التكرار وقوة الإعلام، ماذا نفعل به؟! والعجيب أنهم يرمون التاريخ الإسلامي بالمجون والفجور, ممن؟! الأوربيون!! الذين يتسدحون عرايا كالفقمات على الشواطئ !! حتى يستغرب الإنسان لماذا يلبسون إذا خرجوا من بيوتهم ؟ هل العيب خارج الشاطئ فقط ؟ هم يعتبرون ألف ليلة وليلة تاريخ اجتماعي عن المسلمين, ولهذا هم معجبون بها لأن فيها مجون. أكثر حضارة بشرية بالمجون والإباحية هي الحضارة الغربية ، وتصف المسلمين بالمجون! والدليل؟ ألف ليلة وليلة وحريم السلطان!! و هم أكثر من قتل واستعمر واستعبد، ثم ترجع التهمة إلى الإسلام أنه هو الذي يقتل ويستعبد العبيد! أمر يثير العجب والحيرة! هكذا تكون الآلة الإعلامية الفعالة لخدمة المصالح.

وتخيل أن بعض الفرق الإسلامية ترى أن تطبيق الحد بقطع الرأس لا يكفي، بل يجب ترهيب الآخرين وبث الرعب في نفوسهم وإصدار رسائل رعب وتهديد ليهابوا ما يسمّونه بـ"الدولة الإسلامية". وهم يتقربون إلى الله بالإسراف في سفك الدماء!
ولتبرير أعمالهم يستدلّون بقتل الرسول لكل أسراه من الرجال بلا استثناء في غزوة بني قريظة، حتى الأطفال الذين بالكاد قد بلغوا الحلم. وعقب على هذا الحكم بأنه حكم الله من فوق سبع سماوات، وبقوله تعالى: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم". ويثخن أي يبالغ في قتل المشركين ويقهرهم غلبة وحسرة، و"تريدون عرض الحياة الدنيا" أي المتاع والفداء بأخذ الرجال."

هذه الآية تعني عكس ما فهمتي وفهمه الكثيرون, فالله يستنكر على النبي أن يكون له أسرى بقصد الإثخان في الأرض أي السيطرة والابتزاز –وليس بقصد كف شرهم- و لاحظ قوله (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) أي بإثخانكم في الأرض, بينما الله يريد أن نعمل للآخرة ونحارب كفا للأذى. وطلب ألا يكون له أسرى تعني أن يطلقهم وليس أن يقتلهم! وقوله (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ) "حتى" هنا تعليلية وليست غائية، واستعمالات كلمة "حتى" كثيرة . ومثلها آية: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }, أي لا تقتلون المسالم ولا تأسرون طلبا لعرض الحياة الدنيا. وتكملة الآية التي ذكرتِ عن الأسرى ولم تذكريها : { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم } هذا يثبت كلامنا, فبالله عليك هل تفهمي من هذا أنهم يقتلون ويُقتل أطفالهم معهم؟  أم يُناصحون ويطلَقون؟! هل هذه نصيحة تقدّم قبل السكين؟! أم قبل الإطلاق؟ نحتاج إلى وعي إسلامي من خلال القرآن وما والاه فقط وليس ما خالفه .

قال تعالى :{ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا }, نفهم من هذه الآية أن قضية الأسرى يجب أن تصفّى قبل أن تنتهي المعركة حتى لا يطول أمد الأسر وحتى لا يُتخذون وسيلة للمزايدة في المال والضحية هو الأسير, لأنه قال { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} لاحظي التعامل الإنساني الذي سبق حتى معاهدة جنيف في التعامل مع الأسرى, سبق زمني ونوعي, و كلمة "إما" تعني خيارين لا ثالث لهما في التعامل مع الأسرى ومحددة بزمن المعركة فقط, انظر إلى الجمال, فالقرآن يريد العسكرية الإسلامية أخلاقية تريد الآخرة وليست مرتبطة بالمصالح الدنيوية كالإرهاب أو الاستغلال والإثخان في الأرض كما يفعل طواغيت الأرض.

كيف يأمر الله بقتل الأسرى وهو الذي قال : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا }؟ فوضَعَ الأسير بمنزلة المسكين واليتيم، فكيف يطالب بقتله؟! مع أنه كافر إلا أن الله يأمر بأن يُطعم لوجه الله لأنه إنسان فاقد للقدرة على فعل الشر ! وليس يُطعن لوجه الله! إذن القرآن لا يأمر بقتل الأسرى. والله قال في التعامل مع الأسرى: { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } ولم يقل يُقتلون في أي موضع من القرآن! والأسير لا يُقتل ولا فخر في قتل أسير، وليس قتل الأسرى من شيم العرب, والقوانين الدولية ترفض قتل الأسرى, إذن ليس من المعروف قتل الأسرى، والقرآن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, لأن الأسير انتفى شره فلماذا يُقتل؟! ويستفاد منه في تبادل الأسرى, وإذا قُتل لم يستفيدوا منه. وقتل الأسرى يزيد العداوات، والقرآن يدعو للسلام ويأمر بكل ما يؤدي إليه, كما قال : { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } وقال (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) .إذن الأفضل هو السلام, وقتل أسرى الكفار يعني قتل أسرانا الذين عندهم, أي كأننا قتلنا أسرانا المسلمين، لأنهم سيعاملون بالمثل ولو بعد حين, والتسبب في قتل المسلم حرام, وأي جندي يقتل أسيرا قد يكون هو أسير يوما من الأيام ويُقتَل.

ثم : أين الإحساس والتأمل؟ تعودنا أن رسول الله يعفو ويصفح، وقد عفا عن كفار قريش رغم أن شرهم طال الجميع, فهو صلى الله عليه وسلم ما جاء أمرٌ فيه مجال للعفو إلا وعفا, وفجأة فقط في بني قريظة لا يعفو أبدا ويأمر بقتلهم وينزل القرآن يأمره بذلك، حتى قتل أطفالهم الأبرياء وينزل جام غضبه عليهم؟! هل هو معادي للسامية ؟! يبدو أن صناعة الهولوكوست عملت عملها في هذا الموضع من قديم ، ولماذا يتزوج صفية بنت حيي بن اخطب اليهودي ما دام عنصريا لهذه الدرجة ؟! كيف يناسبهم بالزواج ؟ ولماذا يقول طعامهم حل لكم ويبيح الزواج منهم؟ أليس مأمورا بقتلهم ؟ كيف يجوز له أن يتزوجها وهي على دينها؟ وتختلف الروايات ، فبعضهم قال أنه قتل 800 وبعضهم زادها للآلاف! هنا فكّر في صناعة الهولوكوست! لمصلحة من هذا الهولوكوست؟! ولماذا لم يقتل بقية اليهود؟ لماذا فقط بني قريظة؟ ولماذا لم يصنع الهولوكوست في مكة و هم الأشد عداوة؟ فالشر الذي تعرض له المسلمون من قريش أكثر من الذي تعرضوا له من اليهود! ولماذا يهود خيبر اتفق معهم على أن يزرعوا الأرض ويكفوا شرهم؟ لماذا لم يقتلهم مع أنه انتصر عليهم؟! ولم يُطردوا إلا في زمن عمر بن الخطاب. ولم يذكر أي مصدر تاريخي اجنبي في ذلك الوقت أن هولوكوست كهذا حصل. ولاحظ أنهم كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم ، أي أنهم فروا وهربوا بعد أن أخذوا خشب البيوت والابواب كي لا يستفيد منها المسلمون, ترى هل وقع الهولوكوست بعد أن هربوا مع أخشابهم؟!

وأيضا, القرآن لا يتكلم مع الرسول على أنه حاكم أو أمير، بل يخاطب المؤمنين كجماعة والرسول من ضمنهم, ولو كان الرسول ولي أمرهم لخاطبه هو ولم يقل يا أيها الذين آمنوا, فخطاب المرجع أولى من خطاب الجماهير والعامة. رسول الله لم يكن حاكما أو ملكا، بل عبد الله ورسوله، والأسرى يتخذهم الحكام، ورسول الله يريد كف الاذى فقط ولا يريد أن يثخن في الأرض.

"ولتكتمل الصورة التي يراها المتطرف في خياله، يقرأ قول رسول الله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله"

هذه الرواية تقول أن من يشهد أن لا إله إلا الله لا يُقتل, فهل هم لا يقتلون من قال لا إله إلا الله إذا كانوا متَّبِعين لأحاديث السنة ؟ ثم إن هذه الرواية محصورة بنصوص القرآن كما يتوجب، كغيرها من الروايات، فالقرآن هو المهيمن على الدين كله، فربما كان يقصد بها الرسول كفار قريش المعتدين، ونحن نعلم ان رسول الله لا يخالف القرآن ابدا، فنصوص القرآن واضحة جدا في أنه لا يُلزم الناس بالإسلام، فالقرآن نهى عن الإعتداء والإلزام بالدين في نصوص كثيرة جدا، وكلام الله لا يبدّل، قال تعالى :{ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين } سواء على مسلمين أو غير مسلمين, وقال تعالى: { لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين }.

لو كان هكذا، لماذا الرسول يرسل رسلا ورسائل ؟ لماذا لم يرسل جيوشا جرارة لكل الأمم؟ بعد أن حارب قريش التي اعتدت عليهم لم يحارب أحدا, فقط الغساسنة الذين قتلوا رُسُل رسول الله وقالوا أنهم سيأتون للمدينة ليقتحموا المسلمين في المدينة، وهذا اعتداء وتهديد باعتداء, أي حرب دفاعية أيضا. ولماذا لم يأمر بلال و زملائه الذين آذتهم قريش أن يحرقوا أو يغتالوا في مكة أعداءهم وخصومهم؟ لماذا كان يأمرهم بالصبر؟ لو كان العنف أساسيا في الإسلام لظهر منذ ظهور الإسلام في مكة. كانوا يستطيعون أن يضروا قريشا بأي شكل لكنهم لم يفعلوا, مثلما ظهر العنف في بعض الجماعات المنتمية للدين سواء للإسلام أو لغيره.

"أودّ هنا أن أنوه، حتى لا أحاكم بقضية ثالثة، إلى أنّي في هذا المقال لا أهاجم النصوص ولا أنكرها ولا أبرّرها. أود فقط أن ألقي ضوءاً ولو خافتاً على تلك النصوص التي يستخدمها المتأسلمون المتطرفون لتبرير أفعالهم، عن جهل أو علم لا يهم .

بل يهم ، فإذا كنتي تعرفين الحق فقوليه، لا أن تتركي الجاهل على جهله، وترددين دعواهم بدون رد. وإلا فما فائدة مثل هذا المقال الذي عنوانه "لماذا المسلمون يقتلون أقرباءهم؟" هل هذه هي الفائدة ؟ التنويري لا يترك ضلالا على الضلال الموجود، بل يسلّط الضوء و يبين الحقيقة واللبس، وليس فقط نورا خافتا.  

 فكل هذه النصوص ستجد لها من طوائف المسلمين مَن يبررها، ومَن ينكرها، ومَن يفتخر بها، تارةً بذريعة حالة الحرب، وتارةً أخرى بذريعة تكفير الآخر لمخالفته في المعتقد، وتارةً ثالثة بذريعة اتهام الضحية بالعداوة للإسلام، حتى لو جاءه المسلم إلى عقر داره غازياً وليس العكس! فلو جاؤونا هم نسمي فعلهم احتلالاً واستعماراً، ولو جئناهم نحن نسمي فعلنا فتوحات!

كذلك المستعمرون العلمانيون يفعلون ذلك. لكن المهم هو القرآن، مصدر الإسلام الحقيقي، أما الواقع والتاريخ فهما مليئان بالغث والسمين وليسا بحجّة على الدين، هذا إذا شئنا أن نكون منصفين. وإذا لم نشأ فلنقل ما نشاء.

لا ذنب للقرآن أن تقلب مفاهيمه أو تحوّر أو تُنسخ أو تُهمل أو تُهجر، القرآن باقي وثابت لمن شاء منكم ان يستقيم، وقد قلبوا مفاهيم و قيم إنسانية كما بينت لك في المسيحية كمثال، فقد قلبوا مفهوم السلام إلى الهجوم، وقاموا بحروب صليبية شرسة حتى أنهم قتلوا في القدس سبعين الفا وكانت خيولهم تزلق بالدماء والجثث، مع أن الإنجيل يدعو إلى أن تدير خدك الايسر لمن صفعك على خدك الايمن، وبإسم الحرية ونشر الديموقراطية والتعمير ونقل الحضارة والعلم تمت حروب الاستعمار الشرسة، فهل نلوم هذه المبادئ العظيمة لأنه جاء من يستغلها ؟ سنكون مجانين ، مثلنا مثل من يحرم استخدام الكأس لأن هناك من شرب بها خمرا. ولو لم توجد الكؤوس لما شربت الخمر ! إذن الكؤوس هي المشكلة وليست الرؤوس ! القرآن يحمل مبادئ سامية ولا أحد يقيم حربا إلا وقد استغل مبادئ سامية، لا أحد يحارب على مبدأ أني شرير و أريد الشر. فمن الخطأ لوم الدين لأن هناك من استغله وحرفَ نصوصه. وإلا وقعنا في مشكلة الكأس والجنون. 

وأنا أستغرب في الحقيقة من طبيعة هذه النصوص وهذا الإرث الذي تجد له ألف مبرر ومنكر وتأويل، مبررين ذلك بإفساح المجال للاجتهاد، وبأن الاختلاف رحمة.
نعم الاختلاف رحمة إلا في دم الإنسان وحياته، ولا اختلاف في كرامة الإنسان وحقه في الحياة. حياة الإنسان خط أحمر عريض يستلزم الوضوح. لا نصوص عصية على الفهم تحتمل ألف رأي وألف تفسير وألف تأويل.

هنا أخطأتي في حق القرآن، فأنتي تستغربين من طبيعة هذه النصوص، ولا شك ان نصوص القرآن من ضمنها، لأنك استشهدتي بها، وأنها نصوص مفتوحة و عصية على الفهم، وهذه عبارة ذم، بينما القرآن يقول (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر). القرآن يقول أنه يسير، وأنتي تقولين أنه عصي ! أنتي تعلمين أن أكثر المشاكل التي تواجه القرآن هي هجره أكثر من عدم فهمه.

إن نصوصه ليست عصية على الفهم، بل هو الكتاب المبين والسراج المنير، لمن شاء أن يستقيم، ومنيرُ غيرِه نيّرٌ بذاته، وأما عبارة (القرآن حمال اوجه) التي تتردد كثيرا فأحيليها على التاريخ والتراث المليء كعادته بالغث والسمين. لكن اذا قال الله يجب ألا ننظر الى أي قول يخالفه، حتى لو نُسِب إلى أيّ كان. لأن مرجع الإسلام وأساسه هو القرآن، ثم يأتي ما والاه، والقرآن هو كلام الله المحفوظ بحفظ الله، وليس بحفظ البشر. فمن باب أولى ومن باب الإنصاف عند مناقشة الإسلام ألا نمر ببساطة على القرآن كأي نص آخر من نصوص التراث الإسلامي، ولا نقطع بتفسير أيّ كان دون ان ندرك نحن و نتبصر، فلا ثقة على القرآن، بل الثقة بالقرآن. قال تعالى (أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)

وبين حديث ضعيف وتأويل ظني أو منحرف تمتلئ بهما كتب التراث، يستمع شاب بسيط بثقافة محدودة لشيخ يقول له إن "رغبة النفس لسفك هذا الدم وسحق الجماجم وتقطيع الأجزاء في سبيل الله جل وعلا والدفاع عن دينه لا شك أنه شرف للمؤمن"، ويستمع إلى مشايخ يقولون أنه بغير الجهاد وقتل الكفار والمرتدين لن تقوم للإسلام قائمة. يا ترى ماذا عساه أن يفعل؟
ماذا عساه أن يفعل حين يستمع إلى مشايخ يكفّرون ثلاثة أرباع الكرة الأرضية معتبرين داعش خوارج ضالين، أما الليبرالي والعلماني فيعتبرونهما كافرين، ويصفون الشيعة بالرافضة المجوس، ويلعنون كل هؤلاء مع اليهود والنصارى في كل صلاة وكل أسبوع وعلى منابر يوم الجمعة، ويرى تساهلاً وإفراطاً في التكفير، وتهوراً ورعونة في إصدار أحكام الردة!"

طبعا هذا التحريض هو ما ينتج المتطرفين, والاعتماد على آراء بشر واعتبارها نصوصا مقدسة هو المشكلة, لكن حين تنسب الحروب السياسية واستغلال الدين وآراء الدنيويين الداخلين في الدين إلى القرآن فهذه هي المغالطة ..

نحن لا يهمنا المتطرفون ومستغلو الدين, وما أكثرهم , عبر التاريخ ، ومن كل المذاهب، الأهم هو أن نكون نحن على الطريق السليم, يجب أن يبقى القرآن للناس نبراسا يشع بالحقيقة حتى يراه من أراده، لا أن نطمس هذا النبراس ونلحقه بالتراث الذي يحوي الغث والسمين، ونهجره ولا نتدبره، ولهذا الله تكفل بحفظ القرآن حتى لا يطمسه الناس بأهوائهم. علينا أن نفهم القرآن كما هو، لا كما يريدون ولا كما نريد, لأن القرآن يحتاجه كل من يبحث عن الحقيقة. وأصحاب الأهواء يحتاجونه لحاجات معينة مؤقتة، وبعضهم يعسف القرآن لتلك الحاجات، والباحث عن الحقيقة عليه ألا يثق إلا بكتاب الله وما والاه، ولا يثق بكلام البشر دون وعي، مهما كانوا مشهورين. لأن الله أمر أن نعبده على بصيرة وليس بالتقليد. ومن تمسك بكتاب الله سوف يكون على الصراط المستقيم، وما جاءت هذه الشبهات والمشكلات إلا من اتّباع كلام البشر وهجر القرآن, وإن كان يُردّد ويُتلَى. الله أمر أن نتدبر ونطيع كلام القرآن، وهو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، والتي توصل إلى الله. وما فسدت الأديان الأخرى إلا من أتباعها وسدنتها، وهذا دخل إلى الإسلام، ولكن القرآن لا، لأن الله تكفل بحفظه. ترى لو سلّم الله القرآن بيد المسلمين هل سيبقى كما هو؟ لا اتوقع ابدا. وهذا ما حصل للكتب الأخرى حينما سُلّمت أمانتها إليهم، فماذا حصل لها من تحريف وتزوير وإخفاء و زيادة ؟ ويقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله. 

"كيف لا تتضخم لديه بعد هذا ثقافة الكراهية، ويترك كل نصوص التسامح والرحمة والتعايش ويعمل بالنصوص التي يظنّ أنها هي ما سيحقق له ولرسالته قوة وهيبة، وينقل بلده من الحضيض إلى سيادة العالم؟ فقد ضاع الكلام أمام سلطات لا تحترم الكلام ولا الحقوق ولا الحرية، خاصةً أن "المعتدلين" من رجال الدين لم يتصدّوا لمهمة نقد النصوص التي سمعها المتطرّف أو قرأها ولم يقولوا له إن ما كان يصلح لزمان الرسول ولتحدي الرسول شخصياً لا يصلح ليومنا هذا لأن لا أنبياء بيننا.
ثم نتعجب بعد كل هذا من أين أتت داعش! هل كانت هذه النصوص تنطبق على زمن معين يختلف عن زمننا هذا؟ وإذا كانت كذلك هل يعني هذا أنها ليست صالحة لكل زمان ومكان؟ هل المشكلة في النص ذاته، أي في اختلاف تأويله وتفسيره؟ لماذا نستنكر بعد كل هذا قتل الشباب الآن لأقربائهم، الذين يرون فيهم علامات الكفر بعد تصنيفهم؟ وإذا كانت تأويلات النصوص متضاربة وغير صحيحة، وكل من المسلمين يأخد منها ما يرضي مزاجه، فهذا الإرث الديني كله بحاجه لأن نضعه على الطاولة ونقوم بعملية جرد شاملة لأفكاره وأحكامه ونصوصه.
أرجو من أهل الذكر أن يتركوا النامصة والمتنصمة في حال سبيلهم، وعوضاً عن أن يهتموا بتحريم الأغاني أو قيادة السيارة، ليتكاتفوا جميعاً وينقذوا البشرية من مزيد من القتل، لننشر نصوص التسامح والرحمة والتعايش، ولنلغِ كل نصوص القتل والكراهية، وبرأيي هذا بات ضرورة ملحة.

أتفق معك، لكن مشكلة كلامك أنه عام ، فهل نلغي نصوص من القرآن من ضمن ما نلغي ؟ هل يُلغى كلام رب العالمين؟ وهل يبقى كلام رب العالمين إذا ألغينا جزء منه ؟ وهل نستطيع والله هو من تكفل بحفظه؟ هل استطاع المستشرقون والملاحدة ومعهم دول استعمارية ان يلغوا شيئا من كلام الله حتى نستطيع نحن؟ بل حتى لغة القرآن لا يستطيعون إلغاءها ، وقد حاولوا، من خلال الدعوة للعامية والتي ماتت في مهدها، لأن الله حفظ القرآن، أي حفظ لغته معه.

لماذا القطع بأن نصوص القرآن تحرّض على القتل؟ بينما القرآن يدعو للسلام ويدعو لقتال المعتدين فقط ؟ مع الرغبة إلى الجنوح إلى السلم والوفاء بالمعاهدات ؟ هل تريدين من القرآن ان يقول : اتركوا الكفار يقتلوكم واتركوا اليهود يتآمرون ويخرجوكم من المدينة ايضا و تحمّلوا؟ هل هكذا يكون مرضيا عنه؟ خاصة وأنك تكرهين الحروب الدينية بكل صورها حتى لو كانت دفاعية؟ من يرضى على المسلمين أن يُقتلوا من قبل المعتدين عليهم ودون أن يدافعوا عن أنفسهم، هل هذا يحب الإسلام والمسلمين؟

ما تسمونه الإرهاب في القرآن هو في الاستعداد للدفاع والتسلح فقط، وليس بقتل الضعفاء والأطفال والأسرى، لماذا الإصرار على أن القرآن هجومي وليس دفاعي؟ فقط لأنه قال قاتلوا ؟ ماذا تريدونه أن يقول؟ لا تقاتلوا من يعتدي عليكم ويريد قتلكم؟ أتريدونه يقول إذا صفع احد خدك الايمن فأدر له الأيسر؟ هل منعت أتباع المسيحية هذه الفكرة ألا يقيموا حروبا صليبية؟ يجب أن ننتبه ونحن نناقش القرآن ما دمنا مسلمين، لأن الله سيحاسبنا حسابا عسيرا اذا نحن تقوّلنا عليه باللطش دون التدقيق والتبصّر، وسيشملنا حكم كفار بني إسرائيل الذين يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله. هذه نصيحتي للأخت. ألا تعامل نصوص القرآن كأي نصوص. ولهذا كتبت الرد، لأجل القرآن وليس رفضا لكل طرحها.  

أخيراً، يقول صوت جميل: "لا تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق". آية جميلة، لكن تعرف أين المشكلة؟ في الاستثناء، في "إلا"

هل تريدين من القرآن ألا يستثني ؟ وهل نصف الآية جميل ونصفها الآخر قبيح ؟

هذه التي يأتي بعدها التصنيف فالتكفير فالقتل،

هذه عيوب بشرية يجب ألا ترمى على القرآن، وتكون المشكلة في القرآن كما تقولين ! وأي كلام وقانون يا ما استُغِل ، وكما قال جبران : ايتها الحرية، كم من الدماء أريقت بإسمك. لو سألت عن مبررات الإستعمار لوجدتي أنها كلها مبررات جميلة، حتى كلمة "استعمار" جميلة ، لأنها من التعمير وليس من التدمير والقتل الذي حصل بإسمه. لا أحد يستطيع أن يمنع البشر أن يفسقوا وأن يظلموا بنص ، لأن الله أراد لهذا أن يكون كحرية.

و أتحداك أن تقدمي البديل عن قول القرآن، بعبارة أخرى : ما الذي يجب أن يقوله القرآن حتى يقفل الباب على من في قلوبهم مرض؟ أتريدينه أن يقول تحملوا القتل والطرد والنهب وحرام عليكم حمل السلاح؟ هل هذه الفكرة في صالحهم؟ أم أنها تجعلهم يُجتثَّون من الأرض نهائيا ولا تبق لهم باقية؟ وسوف تنتقدين القرآن حينها أنه منع المسلمين من أبسط حقوقهم وهو حق الدفاع عن النفس ! ماذا ستقولين ؟

القرآن لمن شاء منكم أن يستقيم، ومن شاء أن يستقيم يتبع النص كما قال النص، لا أن يؤول وينسخ ما لا يريد، و يتبع كل نصوص القرآن، وليس نصا واحدا، لأن الله حرّم تعضية القرآن، والتعضية هي الانتقاء الحاصل. هذا الشخص هو الذي يستفيد من القرآن فقط، أما من شاء أن ينحرف فيستطيع أن يستغل آيات معينة وتأويلات في بعض آيات القرآن نفسه ويهجر غيرها ، فيزيده ضلالا, مثل أي نص آخر. القرآن يسمح للفاجر أن يستغل نصه ، ويسمح للطاهر أن يستغل نصه، وهذا ينطبق على كل النصوص وليس فقط القرآن. حتى نصك أنتي يستطيع أن يتناوله اكثر من واحد ويستخرجون معطيات مختلفة، مع أنك ترين ان كلامك واضح.

والله اشار لهذا المعنى في القرآن، ان القرآن يزيد في ضلال الضالين ومختاري الضلال، ويزيد من إيمان المؤمنين المتقين الخائفين. القرآن مثل ما أنه يهدي المختارين للخير ، ايضا يضل المختارين للشر ويزيدهم ضلالا .. والبشر في حياتهم في اختبار ، وكذلك اراد الله. لا يمكن أن يصنع أحد نصا مغلقا لا يستطيع أحد ان يحرفه عن هدفه. كما قال فولتيير : "أعطني أي جزء من نص لأي مفكر، وأنا كفيل أن أستخرج منه ما يقذف بصاحبه إلى حبل المشنقة."

ولو وُجد النص المغلق لأصبحت الحياة جبرية ولانتفى الإختيار بين الخير والشر الذي هو من شروط  الاختبار، وهذا من كيد الله للفاسدين، بأن أعطاهم القدرة على قلب الحقائق والنصوص حسب ما يريدون.  

المستعمرون قالوا نحن ننشر العلم والحضارة والحرية والديمقراطية في العالم، بين شعوب جاهلة ولا تعرف ما عندها من الثروات، فماذا كانت النتيجة ؟ اذن هل فكرة الحرية والحضارة والديمقراطية هي المسؤولة عن مآسي الاستعمار؟ لأنهم انطلقوا منها وردّدوها في خطاباتهم ! لماذا لا نكون منصفين ولا نكيل بمكيالين؟ لن يضرنا هذا شيئا.

لا يمكن لأي نص أن يقفل باب الأهواء على المتلقي ، وهنا الاختبار. كما قال تعالى (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ) وأسأل الله ألا تكوني منهم.

وفي الحق الذي بتنا لا نعرف بوصلته. وبذلك لم أعد أعرف أين هو "الإسلام الحقيقي" وأرجو ممن يعرف طريقه أن يرشدنا إليه مشكوراً."

لا أظن الحق يضيع وكتاب الله موجود.

نحن ضد الإرهاب والاعتداء طبعا, لكن حين ينسب للإسلام والقرآن هنا تتحول لعداوة على الإسلام و تخرج عن موضوع الإرهاب، إلا إن كان الإنسان على درجة من الجهل بالقرآن، فعليه أن يتعلم ويقرأ القرآن بنفس خالية إلا من طلب الحق، فسوف يفهم ويتعلم . أسلوب تعليق أخطاء أتباع الدين على الدين فوراً هو أسلوب مخربي الأديان، وقد فعلوا ذلك من قبل مع المسيحية, فيبحثون عن أي شيء يحصل في المجتمع ويلصقونه بالمسيحية, فتحصل مثلا مشكلة بين رجل دين مسيحي في قرية مع جاليليو، ويكبّرون المسألة في أن جاليليو أحرق بكتبه (مع أن هذا لم يحصل)، فيصرخون قائلين أن الكنيسة تعارض العلم وتقمع العلماء! اذن الدين كله ضد العلم كله ! وهذا ما يحصل الآن مع الإسلام, فمحاولة تأصيل الإرهاب في القرآن عمل تخريبي للدين ومحاولة تشويه للقرآن واستغلال للظروف والحوادث التي قد لا يكون للإسلام أي دافع فيها. فالناس يحدث منهم كل شيء، ستكون مشكلة إذا تم تعليق كل أخطاء أتباع الدين - حتى في الفهم - إلى الدين، حينها ستتدمر سمعة الدين.

إن استغلال الدين لأجل التحريض والإرهاب صحيح ويحصل, ويجب أن تناقش أسبابه الفعلية، لكنه لم يأت به القرآن الذي يدعو لحرية الاعتقاد { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }, ولا يجب أن يكون الرد باستغلال اخطائهم وإساءتهم وصبها على اساس الإسلام. يجب أن يحدد الإنسان ماذا يحارب ، هل يحارب الدين أم يحارب الشر . والقرآن لم يتكلم عن الرسول كسلطان أو رئيس ، بل قال { وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } ولم يقل أنه هو ولي الأمر فقط.

وأما الاحتجاج بآيات قتال الكفار فهي اجتزاء, فخذ الآيات كلها ولا تنتقي منها ما تشاء, فاذكر أيضا آية: { لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين } ، واستنبط حكما منها كما استنبطت من غيرها. وآية : { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون } وآية: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } وآية: { لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر } وآية: { أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُون } وآية : { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين }, وآية:{ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُون }, فهؤلاء ليسوا مؤمنين، قال اغفروا لهم ولم يقل اقتلوهم. وآية :{ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} أي أن الحرب المشروعة في القرآن هي الحرب الدفاعية، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم, فالرسول لم يمارس الإرهاب، ولـ ثلاث عشرة سنة والرسول وأصحابه يتعرضون لأنواع الأذى في مكة ولم يقل اذهبوا واغتالوا أمية بن خلف أو عمرو بن هشام أو غيرهم ممن اعتدوا عليهم, فكيف يقولون أنه دعا إلى الإرهاب؟ إذا كان أبو عبيدة قتل أباه في بدر -إذا كان صحيحا مع أنه مشكوك فيه- فهذا في واقع معركة هم من بدؤوها, والحقيقة أن الكل يقاتل أقارب، حتى الرسول وليس فقط أبوعبيدة, فهم أهل مدينة واحدة وقبيلة واحدة وبعضهم بغى على الآخر, والبعض الآخر دافع عن نفسه, فالأكثرية بغت على الأقلية وتدخلت في حرية اعتقاده.

القرآن لم يأمر بإرهاب وأن يفجر المسلم نفسه وما إلى ذلك, لكن البعض يبحث في السير والروايات، حتى بالتفسير ينتقون تفسير الآيات الذي يريدون ويهمشون الباقي, فالآية تقول { يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } و تجدهم يفسرونها أنها أمر بقتل الأقارب! أو يختار آيات ويؤوّلها تأولا أنها تدعو لقتال الكفار, وباقي الآيات التي تعارض يذكرها عَرَضا بتهميش !

العاقل هو الذي يستقرئ النصوص كلها وبعدها يحكم, فموضوع القتال في القرآن ابحث عن كل ما قيل فيه حتى تعرف موقفه منه, ليس فقط باجتزاء بضعة آيات وتأويل أخرى ثم يُقال هذا هو موقف القرآن!

وشكرا لك وللقراء ..