السبت، 5 مايو 2018

سلسلة الردود على سلسلة نظرية التطور للدكتور عدنان إبراهيم - الحلقة 25



(الدقيقة : 20 الثانية : 45) يكمل الدكتور حديثه عن الشواهد التاريخية للمسار التطوري والبادية عبر البقايا الأثرية ودلالاتها وعبر العيوب الخلقية وعيوب التصميم على فرض أن هناك تصميم. يكمل الدكتور حديثه عن حيوانات الكهوف المظلمة التي فقدت أعينها أو فقدت الإنتفاع بها، كما أنها فقدت ألوانها، إذ نجدها بيضاء تماما، لأنها فقدت الصبغيات، وهي لا تحتاجها لأنه لا يوجد ضوء. وبالنسبة للكائنات التي بقي لها بقية من عيون سوف تفقدها بعد قدر معين من السنين، إن بقيت تعيش في هذه الكهوف. لا انتفاع بالعين ما دام لا يوجد ضوء، فالأعمى لا ينتفع بضياء الشمس.

ومن هذه الكائنات أنواع كثيرة كالسلمندرات، لا يرى، وهناك أنواع من الجمبري، ومنها اسماك كجراد البحر، ومنها العناكب، ومنها الديدان الألفية، ومنها صرصار الليل.

وهنا يطرح الدكتور سؤال يوجهه الخلقويون اعتراضا على التطور : حتى لو كانت تلك الكائنات تعيش في الظلام الدامس ، أليس كان من الأفضل والأحكم والأنفع أن تستبقي أعينها وهي لا تنتفع بها في هذه اللحظة، اذ ربما في نقطة معينة في المستقبل قد تحتاج إليها؟ فقد يحدث ان ينكشف هذا الظلام بأي طريقة، ويأتي هذا الضياء الغامر فتهلك ولا تستطيع أن تنافس. لكن اذا كان لها عيون فهذه تعتبر ضمانة إضافية، فلماذا لم يستَبْقِها التطور؟ فالمفترض ان يعمل الانتخاب الطبيعي على استبقاء الأصلح. التطوريون يردون على هذا الاعتراض من وجهات نظر مختلفة، ولكن من أذكاها : أنه لا يوجد شيء بلا كلفة، في سباق التطور لا يوجد شيء مجاني، فكل شيء له ثمن، فهذه العيون لو بقيت في هذا الظلام الدامس حيث لا تنفع الآن، فإنها ستُكلِّف، فهي لو بقيت تعمل وصالحة فلا بد أن تدور دائما في محجرها، وهذا الدوران يبقيها رطبة، ولكن في نفس الوقت دورانها في المحجر يعرضها للإصابة والالتهاب، وقد يقضي عليها، وهذا طبعا راجح جدا، فالأفضل لها في بيئتها تلك أن تتخلى عن هذه العيون، ولذلك تغشي عليها بغاشية من الجلد ولا تعود تتحرك وكأنها غير موجودة، وهذا يعطيها ميزة في البقاء أكثر من تلك التي أعينها لا تزال تشتغل ورطبة تدور في محاجرها، فهذه تتعرض للالتهاب والمرض والموت أكثر، وهذا جواب مقنع، فبحسب هذه البيئة والشروط كل شيء له كلفة.

ويتحول الدكتور في حديثه إلى العين البشرية التي يظن كثير من غير المتخصصين أنها آية في إبداع التصميم، ومُعجِبة ومثيرة ومدهشة، لكن العلماء المتخصصين يرون غير هذا تماما، فصحيح أن العين ترى بدقة وتميز الالوان رغم كثرتها وما إلى ذلك، لكن العلماء يعزون ذلك إلى المخ لا إلى العين، فالعين بحد ذاتها تصميمها معيب جدا، فعيوبها كثيرة وستكون الرؤية بها من أبشع ما يكون، رؤية سخيفة وغير واضحة ومقطّعة، أشبه بالعمى، لكن الذي يعوض كل هذا هو المخ، فهو الذي يتدخل وكأنه برنامج فوتوشوب ويعوّض كل هذه العيوب الإبصارية، ويعطيك صور متواصلة ممتدة نقية متساوية في الوضوح، مُوهماً إياك ان العين هي التي فعلت، بينما هي لم تفعل هذا. وهذا كلام علمي بعيدا عن موضوع التطور. وهذا معروف من القرن التاسع عشر، فالعالم الالماني هرمان فون هيلمهولتز وهو عالم في الفيزياء وفي علم الاحياء وعلم النفس، له عبارة يقتبسها التطوريون دائما بخصوص تصميم العين، يقول : "لو ذهبت إلى شخص بصرياتي، وطلبت منه جهازا صنعه بمثل كفاءة العين لقرّعته على إهماله وعدم اتقانه الصنعة وردت إليه بضاعته". وذلك لأن الرؤية الجميلة والواضحة يقدمها المخ لا العين. ويذكر الدكتور عيبين من العيوب، الأول : في الشبكية والخلايا المخروطية التي تتلقى الضوء والألوان، لا بد أن تكون هذه الخلايا الضوئية في الأمام، وأن تكون (الكابلات) إن جاز التعبير الموصولة بها والتي تلتقط وتستقبل ما تزوده به هذه المخروطيات وتذهب بها إلى المخ، أن تكون في الخلف، لكن الواقع هو عكس ذلك تماما، فالخلايا الضوئية في الخلف والكابلات أمامها، فحين يأتي الضوء حاملا معه الصورة، فالذي يتصدى له الكابلات، قبل الخلايا المخروطية الضوئية، وهذا يؤثر كثيرا على استقبال الصورة ووضوحها ونقاءها.

يذكر الدكتور ان التطوريون الملاحدة يتجرءون بالقول ان هذا ليس تصميما فاسدا بل تصميم في منتهى الغباء، و هم طبعا لا يؤمنون بإله ولا تصميم، بل هذا عمل الطبيعة وكل شيء تم بالتطور، وبالتطور تقع مثل هذه الاشياء، لكن لو كان تصميما فيستحيل ان يضع المصمم في خطته هذا العيب من البداية، مثل ما يفعل صانع الكاميرات، اذ سيضع المستقبلات الضوئية في الامام والكابلات في الخلف.

العيب الثاني : هذه الكابلات لكي تذهب إلى المخ عليها ان تتجمع وتخترق الشبكية في نقطة فيها، وهي في الحقيقة ليست مجرد نقطة، بل رقعة، المسماة بالنقطة العمياء، ومستحيل على الانسان ان يرى في هذه الرقعة، فالإنسان يعتبر أعمى في هذه الرقعة.

ويتسائل الدكتور : لكن لماذا مع ذلك نرى بوضوح ونرى الالوان ونرى المشهد كاملا؟ الذي يحصل هو انه يوجد ما يسمى بالنُّقرة المركزية، وهي جزء من الشبكية هو الذي نستخدمه بشكل رئيس للقراءة وقيادة السيارة، هذه النقرة هي التي نمسح بها أجزاء من المشهد، بينما بقية المشهد لا نراه، نكون أشبه بالعميان فيه، وهنا يتدخل الدماغ فيكمّل القصة، فيجعلك ترى بقية المشهد كأنك تراه بالنقرة المركزية، فيمسحه تقريبا لتعتقد ان المشهد كله على نفس الدرجة من الوضوح، الذي عمل الفوتوشوب هنا هو الدماغ لا العين.

يقول الدكتور ان العبرة من هذا الكلام ان التطوريون يقولون ان العين جهاز غير مُصمَّم، بل متطور، وقد سبق للدكتور شرح تطور العين في حلقة سابقة، فما الذي يمنع ان العين تطورت عبر ذلك المسار الذي ذكر سابقا من مجرد بضع خلايا حساسة للضوء إلى هذا التقعر المليء في نهايته العميقة بخلايا متخصصة لاستقبال الضوء والالوان المختلفة؟    

الرد : هذه الحيوانات التي تعيش في الظلام مخلوقة بدون صبغيات، لذلك صار على أعينها غشاء جلدي، لماذا عليها غشاء جلدي؟ لئلا يبهرها النور، لاحظ سكان شمال اوروبا أعينهم لا تحتمل الشمس المتوهجة، بل يحتاجون لنظارات واقية بسبب قلة الصبغية في العين. الله يخليكم اتركوا عيونها لها ولا تزول! لأنه لو زالت عيونها الضعيفة هذه لزالت هذه الحيوانات! لأنها لن تميّز بين الظلام والنور، وهي تريد الظلام، فكيف تعرف الظلام أو أنها في مكان مظلم من دون عيون؟ سؤال للأذكياء فقط. إذا لم يكن لديها عيون فسيجرفها الماء وتذهب إلى مكان منير وغير مناسب لحياتها فتموت، اذن هل هي محتاجة للعيون الضعيفة أم أنها في طريقها للزوال؟

ولماذا تصاب بالالتهابات لو دارت عيونها في محاجرها؟ ولماذا غيرها لا يصاب بالالتهابات كالأسماك وغيرها؟ هذا يبدو انه تفسيرهم لسبب وجود غشاء جلدي على أعينها : حفظا لها من الالتهابات! وكأن بقية الأحياء لا تعنيهم عيونهم! لاحظ التبريرات المتعسفة والمثيرة للضحك أحيانا، وذلك لأن الفكرة الأساسية خاطئة، فمعذورين بهذا التعسف العجيب..      

كل العيون هكذا لا تعمل بلا مخ، ولا قيمة لعملها بدون مخ، كذلك الآذان لا قيمة لها بدون مخ، فما هذه التفكيكية والتجزيئية؟ نحن لسنا في مصنع. بل حتى السيارة نفسها لا قيمة لأجزائها بدون أن ترتبط بالأجزاء الأخرى! ما هذا الغباء الذي أُقحم في العلم؟ هل نضبت عقولهم فاحتاجوا إلى هذا التقطيع؟ لو كانت العين مستقلة بنفسها والأذن مستقلة بنفسها، ماذا سيبقى للمخ من قيمة؟

بالنسبة للعيب الـول من عيوب العين: فعلى ذلك، الإنسان لا يرى الصورة صافية، مع أنهم يمتدحون صفاء السماء وصفاء الصورة، إذن هذا محض هراء، فهم يرون بتشويش، لان كابلاتهم في الأمام..! هذا شيء مضحك، اسمحوا لنا نضحك .. إنهم يصنعون مشكلة غير موجودة.

خلقة الله ومن أحسن من الله خلقة، لاحظ أن الناس تعاني من كثافة الضوء، وتلبس نظارات شمسية، فماذا يريدون منهم؟ أيريدون أن يبهرهم الضوء أكثر ويعميهم؟ لو كانت الكابلات في الخلف فستكون كمية ضوء أكبر. ثانيا : العيون مرتبطة بقوانين الخلقة ويعمل فيها قانون القصر وقانون الإستكمال، وهو عكس قانون القصر، فالفيل ضخم ولكن رؤيته ضعيفة، لأن هناك ما يعوّضه وهو هذا الجسم الممتلئ الذي حتى لو وقع لا يتأثر.

تصميم الأعين واحد لكن حدة الإبصار شتّان، وهذا دليل على قدرة الخالق أن يصنع الإختلافات من المتشابه، فعين الصقر هي نفس تركيب عين الإنسان، ولكن لأنه محتاج لأن يرى بدقة ووضوح من أجواء السماء صار حاد البصر، هناك طيور وحيوانات ليلية تبصر في الظلام، بينما عيون الإنسان لا تبصر في الظلام، اذن ليقولوا أن هذا عيب آخر في العين البشرية. الإنسان لديه العقل، لذلك كل أعضاء جسمه يشملها قانون القصر.

إن أكثر مخلوق مقصور هو الإنسان، قال تعالى (خلق الإنسان ضعيفا)، فجسمه ضعيف وليست لديه أي وسيلة دفاعية وليس عدّاء ولا متسلقا ولا سبّاحا، لكنّه يستطيع أن يصنع الأدوات، لأن هذا من إعجاز الخالق أن يجعل من هذا المخلوق الأضعف بين الحيوانات سيد الارض ووارثها، مثلما جعل عين الصقر وهي التي تشبه عين الإنسان عينا حادة ويُعتمد عليها، وجعل عين الخفاش ضعيفة وعين السلمندر أضعف وأضعف، والعين واحدة، اذن هناك قوانين لا يعرفها التطوريون هي التي تقسّم القصر والإستكمال على الأحياء، قال تعالى (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)، أي انه هداه لأسلوب حياته ومكان معيشته لكي يؤدي دوره في التوازن البيئي. وإلا فليقولوا عن عين الخفاش أنها ناقصة وأنه في سبيل الإنقراض، وعن عين الفيل أنها فاشلة، وكل أصحاب العيون الضعيفة ذاهبون إلى الإنقراض، ويبقى الصقر وعينه المتطورة مثلما كان عصر الديناصورات عصر الصقور.. استكمال النظرية يؤدي إلى الأكشن وأفلام الأطفال، لأن الإنتخاب الطبيعي سوف يقرض كل شيء ضعيف ويبقى الأقوى، وبما أن عيون الطيور هي الاقوى اذن ستبقى الطيور هي المبصرة والأقوى، ويحتاج كل انسان ان يدرب طائرا لكي يهديه إلى طريقه. هذا ليس استهزاء، بل استكمال للنظرية.

أصلا ما قيمة النظر بلا مخ ولا عقل؟ هل فكروا في هذا؟ ألست تقف في الشارع وتمر من عندك عشرات السيارات وأنت سارح الذهن، ولو سألناك هل مرت سيارة زرقاء أو سوداء لقلت لا أدري! مع أن عيونك على الشارع. لكن لو كنت تبحث عن سيارة لونها اخضر لكنت عرفت انه لم تمر حتى الآن أي سيارة لونها أخضر. اذن ما فائدة العيون بلا عقل؟ ماذا تستفيد من جهاز تصوير غير مرتبط بالعقل؟ وما يسمونه بالخداع البصري هو معالجة الشعور والمخ لهذه المناظر، وهي أفضل معالجة ممكنة، فإذا دارت العجلة بسرعة ثم ازدادت سرعتها تنظر إلى دورانها وكأنه أصبح عكسيا، لماذا؟ لأن المخ لا يستطيع أن يتابع ويصحّح كل هذه السرعة، فيعطيك حركة عكسية لتعرف أنها تدور وليست ثابتة، لأن شكلها يوحي بأنها قطعة واحدة. العين لا عمل لها، بل المخ هو الذي يعمل، وما وُجدت إلا لأجل المخ، العين عبارة عن نافذة، وليست قطعة لوحدها حتى تقيّم لوحدها. لا يمكن أن تتكلم عن العين وتقيّمها لوحدها بينما هي لا تفيد حتى تكون مرتبطة بالتركيز، فبدون ارتباطها بالتركيز والذاكرة فكأنك لم تر شيئا، ولاحظ اختلاف الناس في دقة الملاحظة البصرية، مع أن كلهم يشاهدون نفس المنظر، فهل هذا الألمعيّ الذكي دقيق الملاحظة يحمل قدرات بصرية أكبر من الآخرين أم أنها قدرات عقلية ذكائية؟ إذن هذا الفصل عملية غبائية وليس عملية علمية. لاحظ القدرات الخارقة عند بعض البدو في معرفة الأثر والطرق في الصحراء، و هم يعتمدون على أعينهم في الأكثر. إذن لا قيمة للعين لوحدها، فلابد من وجود العقل.

لو كان التصميم فاسدا لأثّر على حياة الانسان وفسدت حياته بسبب سوء مصنعية عيونه، ولما راينا هذه العبقرية ودقة الملاحظة المعتمدة على البصر عند بعض الناس، أليس كذلك أيها الأذكياء؟ لكننا نرى الإنسان يستطيع أن يطير بطائرة تسبق الصوت مرة او مرتين ويحدّد نقطة محددة ليقصفها، ويرى بعيونه الأشياء المكبّرة إلى 500 ألف مرة أو أكثر، كما يرى في التلسكوب النجوم والمجرات الهائلة البعد، ولم يعاني أحد من العلماء من ضعف في البصر إلا بشكل خاص، ولم نجد هذه الشكوى إلا عند هؤلاء التطوريين، شكاوى مضحكة جدا، تشبه شكوى : لماذا ليست عظام الإنسان هي الخارجة بدل أن تكون داخلية؟ اذن هذا نموذج فاشل! إنها عقلية مصنعية غبية. أو : لماذا عظام الإنسان من الكالسيوم وليست من الحديد أو البلاتينيوم ليكون أكثر صلابة؟ اذن هذا خطأ مصنعي. ولماذا لا يطير الإنسان؟ اذن هذا خطأ، وهكذا مع رواد المصانع .. سوف يستمرون على هذا النهج لأنهم لا يدركون الحقائق ولا يعونها، ومصرّون على فكرة جاهلة في الطبيعة وهي فكرة داروين التي ماتت وشبعت موتا ولكنهم يحيونها، مع أنها ليست فكرته أصالةً.

هناك شيء اسمه قصر واستكمال يُلغي فكرة الخطأ في التصميم، هناك وظائف لكل كائن حي، تتحكم في شكله وقدراته، وهناك توازنات مع غيره هي التي تنتج قانون القصر أو قانون الإستكمال، يجب إعادة النظر في الطبيعة بطريقة أخرى.

في الأخير : ما النتيجة من نقد تصميم العين؟ النتيجة أننا نرى بوضوح. إذن عملية الإبصار ناجحة، سواء الكابلات في الأمام أو في الخلف. التحدي أن تصنع كاميرا كابلاتها في الأمام وتكون ناجحة.    

كيف فصل الدكتور المخ عن العين وهما مرتبطان أصلا؟ عين الصقر ما فائدتها بدون ارتباطها بمخه؟ هذا الكلام سبق الرد عليه وبيان خطئه حتى من ناحية عقلية، لأنها كائنات تعيش في الظلام فتحتاج إلى عيون تخبرها عن النور حتى تبتعد عنه، وإلا لوقعت في النور وهي لا تدري، مسألة لا تحتاج إلى كثير ذكاء، لذلك عيونها بسيطة ومغلفة بالجلد لكي تعرف ان هناك نورا تبتعد عنه، هكذا خُلِقَت ولن تنقرض هذه العيون، لأن انقراضها يعني انقراضهم، فلم يتطور شيء ولا يحزنون، بل لو تطور لهلك كما في مثل هذه القصة. ومن هذا المجنون الذي يتطور بفقد عيونه؟

كيف لكائن حي كان يستخدم العين ويعتمد عليها أن يستغني عنها ويتخلص منها؟ وكيف كان يعيش في النور والسعة ثم يلجأ إلى الكهوف أو يندس في التربة ويعيش بقية حياته في هذا السجن المظلم؟ تماما مثلما قرر الهيبو أن يبدّل جنسيته من حيوان بري إلى حوت مائي، هذا تخريف.

ويا ترى أين كابلات عيون الصقر وأمثاله؟ أم أن كل العيون معيبة حتى يرضى الملحد؟ نلاحظ اختلافات بين الكائنات الحية في حدة الإبصار، فهل هذا يعني وجود عيوب؟ مثل ما نلاحظ اختلافات بينها في السرعة، فهل هذا عيب آخر؟ هناك توازنات ونقاط ضعف ونقاط قوة لكي يتم التوازن، فلا يوجد مخلوق هو الأقوى في كل شيء، وما دام المخ يتكامل عمله مع العين فالعين كاملة. وإذا كان المخ هو معمل تعديل الصور التي تتلقاها العين، فلماذا لا تعدّل نظر المصابين بعمى الألوان والانحراف وغيرها؟ لا يوجد جهاز في الجسم يعمل لوحده أساسا. الرِّجل لوحدها جهاز فاشل، لا بد من عمل المخ مع الكل، وليس فقط العين، ما يستفيده الإنسان من عينه أكثر مما يستفيده أي مخلوق آخر، أليس كذلك؟ فاليد الانسانية مثلا يدٌ أقامت الحضارات، مع أنها أضعف من يد الأسد أو الغوريلا، والسبب لأنها مرتبطة بالمخ، إذن يد الإنسان أفضل من يد أي حيوان، وبالتالي عينه أفضل من عين أي حيوان أو مخلوق آخر.

لو كانت المستقبلات الضوئية في الأمام لانجَهَر الرائي من الأنوار العالية، ومع ذلك يضطر الكثيرون للبس نظارات شمسية، مع وجود هذا العيب المزعوم، فما بالك لو كانت مُستقبلاتهم الضوئية في الأمام؟ ربما احتاجوا إلى نظارات لِحام المعادن الثقيلة السواد. كثير من الناس يعانون من قصر النظر بسبب الأضواء التي تجهرهم، خصوصا في الليل. بل ربما تأثرت المستقبلات الحساسة بالأنوار السريعة والباهرة، ألا تلاحظ أن العين تتوقف عن الرؤية عندما يظهر نور قوي ومباشر وسريع؟ كذلك الأذن أيضا تَصِمّ إذا فاجأها صوت عالي وحاد وقريب منها فتتوقف عن السمع للحظات تطول او تقصر، إذن قل أن أذن الإنسان معيبة لأنها لا تتحرك!

المشكلة أن هؤلاء التطوريون كأنهم أصحاب مصانع وشركات إنتاج يخططون لأفضل نموذج، ثم بعد كل تطويرهم سيرجعون إلى العين الطبيعية. المشكلة أن هذه العقلية التجارية مقحمة في العلم.

(الدقيقة : 32) يتحدث الدكتور عن مثال آخر ربما يكون أكثر شهرة من مثال العين المعيبة، وهو مثال العصب الحائر، وهو أحد الأعصاب الجمجمية، ويتكون من فروع اربعة، وأحد فروعه الاربعة يسمى العصب الحنجري الراجع، ويتكون من فرعين، ومن المفترض أن ينزل الفرعين من هذا العصب إلى الحنجرة، لكنهما ينزلان الى القلب ويلتفان حول الاورطي، ويرجعان للحنجرة، لماذا هذه اللفة؟ هذه اللفة تزيد من طوله ثلاث مرات. و في الزرافة البالغة يصل طوله إلى 450 سم، وهناك مقطع في اليوتيوب لريتشارد دوكينز مع فريق التشريح في الكلية الملكية البيطرية، يكتب دوكينز عن هذه التجربة بانتشاء دائما، لأنها لم تجر إلا مرتين فقط، مرة في عام 1837 على يد ريتشارد أوين، وهذه المرة في 2009 مع أن اوين لم يلاحظ الدلالة ولم يسأل لماذا التف هذا العصب اللفة الطويلة هذه، فالمفترض في أي تصميم ذكي أن يُراعى مبدأ الاقتصاد، وهنا الخلقوي تعضل به المسألة، ومن الصعب أن يقدم تفسيرا، فيقول لك : لله حكمة في كل شيء، وطبعا لدى الخلقوي منهج تفسيري عام، يقول كل شيء ولا يفسّر شيئا, بينما التطوري يفهم لماذا حدث هذا، وذلك بالتفاصيل الطويلة، ولمن يريد الاطلاع ان يطلع على كتب، منها كتاب داوكينز "اعظم استعراض على الارض" ، بتفصيل ممل ومقارنات، وهو تفصيل للعوام وليس تفصيلا تخصصيا، ولكن ببساطة واختصار ما حصل هو التالي : بما اننا والزراف والشمبانزي والثدييات كلها أبناء السمكة، فالحل موجود عند السمكة، ويمكن الرجوع لكتاب "السمكة في داخلك" مع انه يحتوي على اخطاء رقمية، نرجع للسبب : الاسماك ليس لها رقاب، وهذا العصب النازل من رأس السمكة يغذي آخر ثلاثة خياشيم من الجهتين، من اقرب طريق، لكن حصل تطور عبر ملايين السنين، اختفت هذه الخياشيم وصار بدلا لها في المرحلة الجنينية الأولى للانسان ما يسمى بالاقواس البلعومية، وهي نفسها الموجودة في الاسماك، وهي التي ستتطور الى خياشيم، بينما في الانسان لا تتطور الى خياشيم بل لأعضاء أخرى، منها الدرقية وجارة الدرقية، واعضاء اخرى، والحنجرة، ومع هذه السمكرة والتمطيط والمد، لم تعد المسألة بتلك السهولة كعلاقة الخياشيم بهذا العصب السهلة والمفهومة، اذ دخلت العملية بعضها في بعض، وصار بدل ان يعمل هذا العصب من اقصر طريق، اصبح كأنه يضل ويمتد ليعود من الجهتين، وهذا بسبب أننا سمكة معدلة اختلفَ تموقع بعض اعضاءها، فالمسألة كلها تطورية ناتجة عن تعديل وليست مصممة ، اذ لو كانت مصممة لاتصل العصب من اقصر طريق كما هو في الأسماك الاصلية.

الرد : رد الخلقويين التلقائي رد منطقي، وله نصيبه من المنطق، لأنه قياسا على دقة خلق الله، إذا وجدنا شيئا لم نفهم سببه وقد يُفهم فيما بعد فعلينا أن نؤمن قياسا على كثرة ما رأينا من إعجاز الخالق ودقة صنعته، وهذا من الأدب واحترام العقل، فإذا كنت تعمل مع عالمٍ في مختبر وهو بشر، لا يليق بك أن تقول عند أول شيء لا تفهمه بأن هذا عبث، فما بالك مع الله؟ هذا فجور. ونحن نرى كل هذا الإعجاز العظيم، فقط عندما وجدنا شيئا لم نفهمه بعد وقد نفهمه لاحقا قلنا ان هذا عبث وأنه لا يوجد خالق؟ لم لا نقول اننا نحن جاهلون؟ اصبح الجاهل هو الله وليس نحن؟ ما هذه العداوة لله وعدم احترامه؟!

وها هي الزائدة الدودية أزعجتمونا بأنها بلا فائدة، وفي الأخير اكتشف العلم ان لها فائدتان. اذن من يؤمن بأن الله لا يخلق شيئا عبثا، جاء العلم على كلامه ولم يأتي على كلام العبثيين الذين قالوا ليس لها فائدة وسمّوها زائدة. ومع الأسف ان اسمهم هو المشهور، المفترض أن تسمى الفائدة الدودية وليست الزائدة الدودية، وقد قالوا ان حجمها صغير كأنها بقية من المصران الأعور الذي يكون طويلا عند الحيوانات المجترة، صغر حجمها أوحى لهم بأنها تتقلص مع الوقت حتى يمحوها الانتخاب الطبيعي لاحقا، مع أن حجمها منطقي، لأن الإنسان مشترك التغذية، فهو يأكل لحوما وألبانا ونباتات، فصار حجمها مناسبا، أما المجترات فلا تأكل إلا النباتات، لذلك تحتاج إلى غرفة تعفن أكبر حتى تساعدها البكتريا على هضم هذا العلف النباتي بطيء التخمر، أما اللحوم فهي تتخمر بسرعة.  

العلم يصحّح جهل التطوريين كل فترة، ولكنه يحتاج إلى أزمان، فحركة العلم بطيئة، وحركة العقل أسرع، مثل ما صحح فكرتهم عن سمكة الكولاكنث التي قالوا انها انقرضت قبل ملايين السنين وأن بها رئة بدائية، والحقيقة انها سمكة موجودة ويمكن طلبها من الصيادين في جنوب شرق آسيا، وليس بها رئة ولا يحزنون، مجرد كذب لصالح نظرية التطور.

الحقيقة ان التطوريون هم من يحتاجون إلى سمكرة، والعلم يسمكرهم مع الزمن.. من السهل جدا أن تقول : ما الفائدة من هذا الشيء أو ذاك؟ لكن إثبات فائدتها علميا يحتاج لسنين وتجارب. دائما السؤال سهل والجواب صعب في أكثر الأحوال. وأيضا من غير المنطقي أن تتطور هذه السمكة إلى مخلوق آخر بالكامل كأن يكون إنسانا أو حصانا ويبقى فيها عصب واحد لم يتغير ولم يتطور، بل بقي على حاله! بل هو يكاد يكون الوحيد الذي لم يتطور! فهل هذا يُعقل؟ تطوّر ما هو اعقد منه وأكثر وأكبر! وتغيرت أجهزة وظهرت اعضاء بالكامل وهذا العصب لم يتغير؟! أين مكنسة الانتخاب الطبيعي لتمسح هذا العبث؟ 

كل شيء تغير في الكائن إلا هذا العصب الحائر؟ يذكر كتاب gray's anatomy أن هذا العصب له مهام مع القلب والمريء وليس فقط الحنجرة، فهذا العصب الراجع له علاقة بالقلب والمريء.

التطوريون يقعون في خطأ منهجي علمي، وهو ما لم يصل العلم إلى تفسيره الطبيعي يُفسّر بأنه غباء وعبث، وهذا يدل على عدم علميتهم وأنهم مؤدلجون، العالِم يقول : لا ادري، عن الشيء الذي لا يدري عن سره، ويقول : علينا أن نبحث، ويقيس ما لم يعرف على ما عرف، وقد عرف أن كل شيء منظّم، فلا يليق بعالم يحترم عقله أن يقول أن هذا الشيء عبث لأنني لا أعرف لماذا! وبناء عليه لا يوجد إله وانتهى الأمر!

في هذه الحالة هو انحرف عن العلم إلى الايديولوجيا، لو كانوا يعرفون كل شيء لكان لهم حق أن يقولوا : هذا غباء وهنا إجادة. من تكبّرهم جعلوا أنفسهم مصحّحين لأخطاء الخالق، بينما هم لا يعرفون شيئا عن حياتهم ولا أنفسهم ولا مستقبلهم. إدعاء الغيب كثير عندهم، وهو بدافع الأيديولوجية طبعا، وهنا نعرف أن العلم انحرف عن مساره، لم يكن العلماء المحترمون يقولون مثل هذا الكلام عن الطبيعة.

التطوريون كأنهم سيطروا على العلم وعرفوا كل شيء، مع أن الإنسان لم يؤتى من العلم إلا قليلا، وقد يكتشف العلم هذا السر ثم يسكت التطوريون عن هذا الموضوع ويثيرون مواضيع أخرى كعادتهم، كان الغباء أكثر في السابق، وقد عدّوا 111 عضواً في الإنسان اعتبروها بلا فائدة و أثرية، لكن هذا العدد يتراجع على استحياء مع تقدم العلم، بل كانوا يتكلمون عن الخلية بأنها بسيطة جدا وأنها المادة الخام لبناء الجسم، فاكتشف العلم أنها اعقد بآلاف المرات مما كانوا يظنون، واكتشفوا فيها مصانع لو طبقت على الواقع لأخذت مساحة بقدر مدينة نيويورك. كعادتهم ينسون كلامهم السابق، طبعا بدافع الأيديولوجيا وليس العلم، لأن الرأسمالي الممول يريد ذلك. لو لم يكتشف العلم عظمة وتعقيد الخلية لاستمروا في الترديد بأنها تافهة وبدائية وبسيطة، لذلك تقدم العلم ضدهم وليس معهم، هؤلاء الذين يصفون الطبيعة بالغباء سيفضحهم العلم ويكشف غباءهم، لأنه لا مكان للفراغات في الطبيعة، فكل شيء محكم وكل شيء معجز ومحير، لكن لا يخدمهم أن تكون هكذا الطبيعة، لأنهم يحبون أن تكون حياتهم فوضى.

(الدقيقة : 36 الثانية : 40) يتحدث الدكتور عن الأسهر، وهو ناقل المني، وقد سبق أن ذكره الدكتور في حلقة سابقة، وقضيته متعلقة بالمسار التاريخي للتطور، وأثره باقي إلى اليوم، وهو شاهد تاريخي باقي في أبداننا، قضيته كالتالي : لدينا كليتان، وينزل من كل منهما حالب، متصلان بالمثانة، ولدينا الخصيتان وعضو الرجل، ويخرج من كل خصية ناقل يدعى الأسهر وهو ناقل المني، والمفترض أنه لو كان هناك تصميم في البداية، يجب أن يكون هذا الحبل قصيرا جدا، أفضل له وأفضل لنا، ومباشرة ينتقل من الخصية إلى مكانه في عضو الرجل، لكن ليس هذا هو الحاصل، فالحاصل هو أن الاسهر يرتفع ويلتف حول الحالب ثم يعود إلى مكانه في القضيب، وكذلك الأمر مع الأسهر الآخر يلتف حول الحالب الآخر ثم يعود إلى مكانه في القضيب، وهذا كما يعلم الجراحون يتسبب لدى الرجال بالفتق الإربي، وهو فتق إذا لم يُعالج فقد يقتل، وهذا خطأ كبير، هذا ليس تصميما، لو كان تصميما من أول الامر لما كان هكذا. هنا يدخل التطور ويقول أن المسألة مفهومة وسهلة تماما، فيجيبك أننا أبناء السمكة، وفعلا نجد الغدد الجنسية في الأسماك في الأعلى قريبة من القلب، والغدد الجنسية (الخصيتان) في أسلاف الإنسان كانتا فوق، في مكان موازي من الكليتين، وتطوريا نحن كنا كائنات رباعية الاطراف والعمود الفقري لنا كان افقيا، ولما انتصبنا عبر ملايين السنين نزلت الخصيتان، وقد نزلتا لأسباب، المرجح من هذه الاسباب هو ذاك السبب المتعلق بالحرارة، فكان من الأفضل أن تنزل إلى خارج البدن في كيس الصفن، أثناء رحلة النزول هذه حدث هذا الخطأ والتفّ الأسهر على الحالب من الجهتين. وهذا تفسير عجيب وذكي ومقنع إلى حد بعيد جدا، إذن المسألة ليست تصميما، المسألة سمكرة.

الرد : تم الرد سابقا على هذه النقطة في الحلقة 11 من سلسلة الردود.

بخصوص شبهة الأسهر، يمكن مراجعة مقال الباحث E.van Niekerk عبر هذا الرابط :


(الدقيقة : 41 الثانية : 40) يتحدث الدكتور عن المذيع روبن وليامز، وهو عميد المذيعين في سيدني، استراليا. له اهتمامات علمية وكاتب ولديه حس الفكاهة، وتقريبا يبدأ كل برامجه الصباحية بالشكوى من ظهره، ثم يقول أنه يستطيع كل ظهر أن يُقيم دعوى على من يدعي وجود تصميم مسبق للظهر، وذلك لكثرة متاعب الظهر، تقريبا معظم الرجال بعد سن الأربعين يعانون من آلام الظهر، وهذا لأن الظهر لم يصمّم كما قال روبن وليامز بل مسار تطوري وسمكرة غبية وليست جيدة، لماذا؟ عندما كنا كائنات رباعية الاطراف نمشي بطريقة أفقية، المسألة كانت محتملة ولا يوجد ضغط على العمود الفقري، فلما اضطررنا أن ننتصب لنسير في السافانا لنلاحق غذائنا بعد ان انحسرت الغابات واصبحت مساحات مكشوفة، فاضطررنا أن ننزل ونمشي على الأرجل، بعدها أصبحنا نعاني المتاعب، في الرقبة والظهر والعمود الفقري بشكل عام. وتذكر آخر الدراسات في عام 2015 لعميد الجراحين لأحد كبرى المشافي لجراحة العظام والعمود الفقري خصوصا، يقول فيها انك إذا أملت رأسك إلى الأمام بزاوية 60 درجة، فهذا بمثابة وضع ثقل على فقرات الرقبة يساوي 27 كيلوجرام، ومن هنا يوجد خطر على من يكتب ويدرس، وكذلك من يتابع الأجهزة الذكية، لمدة طويلة تصل إلى 4 أو 5 ساعات. وقد يستدعي تدخلا جراحيا، وهذا كله بسبب التطور. فالإنسان لم يُخلق ليعيش منتصبا وعموده الفقري عموديا، بل ليسير على أربع وعموده الفقري أفقيا. فطالما أحببت أن تعيش منتصبا فتحمل الضريبة. هذه مشكلة متاعب الظهر، فنحن غير متكيفين لنعيش منتصبين في الأصل، لكننا أردنا أن نتكيف مع هذه الوضعية إلى اليوم ولا نزال ندفع الأثمان الباهظة.

الرد : خُلق الإنسان ضعيفا، هل القرد والليمور والكنغر يعانون من آلام الظهر وهي تقف أوقاتاً كثيرة على قدمين؟ وهل الطيور تعاني من الضغط والسكر وآلام الظهر لأنها تقف على قدمين؟ طبعا لا، هذه أمراض تصيب الإنسان لأن الإنسان مسكين والقلق يضغط عليه من كل جهة، الحيوانات تعيش طبيعتها، ولذلك هي الأقل أمراضا. أيضا أوجاع الظهر ليست عامة عند كل الناس، لا تنس وجود لاعبي الجمباز والحركات البهلوانية و هي صعبة جدا، وكذلك رافعي الأثقال، ومع ذلك لم يتأثروا.

آلام الظهر تأتي في الغالب مع الإجهاد والبرد والانحناء الطويل مع رفع أشياء ثقيلة، وكذلك الإدمان الجنسي لأنها تصيب الرجال أكثر من النساء، لأن الذكر هو الفعّال في العملية الجنسية ويتحرك أكثر خصوصا منطقة الظهر، والعُري المصاحب في العادة يسمح بدخول البرد على عضلات الظهر بعد الإنهيار الجنسي. مع أن النساء يحملن أوزانا إضافية في فترة الحمل لمدة تسعة أشهر ولا يصبن بآلام الظهر بعد عدة بطون من الحمل كظاهرة. وهذه الآلام تصيب العضلات لا الفقرات، وهنا تصحيح للمعلومة التي ذكرها المذيع، والمشكلة ان كثير من الاطباء يقعون فيها. إنها آلام عضلات وليست آلام عمود فقري وفقرات.

لم يكن أسلافنا السابقين (اقصد الأجيال السابقة وليس أسلاف التطور) يعانون نفس المعاناة، لأنه بسبب تطور وسائل الراحة نتج عن ذلك ضمور في عضلات الظهر وزيادة في الوزن، مع حصول إجهاد مفاجئ. هذا ليس عيبا خلقيا، هذا عيب في اسلوب الحياة المادي. إذن قل هذا عن بنكرياس الإنسان أيضا أنه عيب خلقي، لأن نسبة المصابين بالسكر في العالم مرتفعة.

لو كان عيبا في التصميم لشمل الجميع نساء و رجالا، هذا هو المنطق، ولو كنا بنفس الظروف ومصاعب الحياة والقلق وراحة الجسم وتأنيب الضمير لآلمتنا ظهورنا حتى لو كنا أُفُقيين، أو نزل الألم إلى الركب والمفاصل أو الرقبة. الحيوانات لا تعاني من الصراع بين الخير والشر ولا القلق، ولم تعبث بطبيعتها وأسلوب حياتها الذي أبعد الإنسان عن الطبيعة، ولم تعبث بتغذيتها، و الأقرب للحياة الطبيعية بشقيها المعنوي والمادي نجدهم هم الأصح أجساما. واستقامة الإنسان بهذا الشكل الممشوق جعلته الأحسن تقويما من بين كل الحيوانات، وجعلت يديه حساستين، فلو كان يستخدمهما للمشي لما كانتا حساستين ومرنتين، تقريبا هو المخلوق الوحيد الذي يستخدم يديه لغير المشي. يوجد تناقض بين وظيفتي المشي والجري على اليدين وبين استخدامها في أعمال دقيقة كالرسم والكتابة وغيرها. إن آلام الظهر هي المنبه الأول للإجهاد والتعب، لو لم تكن موجودة لأرهق الإنسان نفسه دون أن يدري.

منطقة الظهر منطقة خلفية لا يهتم فيها الإنسان ولا حتى في التدفئة، فهو يدفئ نصفه الأمامي ويهمل الخلفي بشكل عام، لا تنس اللباس الغربي المنفصل وغير المتصل في منطقة أسفل الظهر، اذ تنكشف هذه المنطقة مع الانحناء وتتعرض للبرد. الجماعة يحبون العري والجنس بكثرة، بسبب قلة الإحتشام، مع أن أجواءهم باردة طيلة العام، بل إنهم يحتقرون البرد ولا يرون أنه يسبب أمراضا، بل يرمي بعضهم بنفسه في الأنهار والبحيرات المتجمدة، ثم يشتكي من ظهره بعد كل هذا، أو يشتكي من الإلتهاب الرئوي، إضافة لتأثير الخمور والمخدرات عليهم، فهي تتعب الجسم وتنهكه، فالخمر يحسّس الإنسان بالدفء الوهمي، بينما هو بارد. و لديهم أيضا عادة النوم نصف العاري وهذه تجلب البرودة للعضلات، خصوصا عضلات الظهر، ثم ينقلب فيصيبه الهواء البارد وتتقلص العضلات. وعلى هذا سنستمر في إحصاء العيوب، فأسنان الإنسان ضعيفة وتصاب بالتسوس، حتى الأطفال يصيبهم ذلك، مع أن الكثير منهم يستخدم الفرشاة والمعجون، بينما الحيوانات لا تصاب بالتسوس ولا تستخدم معجونا ولا فرشاة، اذن هذا عيب آخر، والصداع عيب ثالث يصاب به كثير من الناس، والحموضة عيب رابع، لماذا لم يبطّن المريء مثل ما بطّنت المعدة فلا يتأثر بالحرقان؟ وعلى هذا المنوال نستمر.. هذا ضربٌ في العمى، هذا جهل وليس علم، أولاً فليحددوا ما هو الإنسان وماذا يجب أن يكون وما هي غاية وجوده، وإلا فسنستمر بطرح العيوب، سواء على الإنسان أو الحيوان أو الأشجار، لماذا تنكسر غصون الأشجار؟ لماذا ليس فيها موانع صواعق حتى لا تحترق وتحرق الغابة؟ إذن لا يوجد اله! بهذه السذاجة الإلحادية تؤخذ الأمور وتسمى علما عظيما..    

(الدقيقة : 46 الثانية : 30) يتحدث الدكتور عن عيب تصميم آخر، عند حيوان الكوالا الجرابي أو الكيسي، والذي أصبح أيقونة وأوشك على أن ينقرض. عند الكوالا الاسترالي عيب كبير لا يمكن أن يحكي تصميما ذكيا، بل يحكي تطورا عن طريق السمكرة، وهي أن كيسه يفتح إلى الأسفل، مع أنه يتسلق جذوع الاشجار، وهذا سيجعل ابنها على خطر الوقوع، وسيكون متوترا وعلى أعصابه خشية السقوط، لماذا هذا يحدث؟ هنا لا يوجد تصميم، أي تصميم يفعل مثل هذا الشيء؟ بل هذا تطور من حيوان يدعى الومبت وهو حفّار، والكوالا تطورت من سلف شبيه جدا بالومبت، وهذا الومبت السلف الأول القديم للكوالا والذي كان جرابيا، طبيعي أن يفتح الجراب لديه للأسفل، فلو كان جرابه مفتوح للأعلى وهو يحفر، فسيدخل التراب إلى الجراب، ويتضرر الصغير داخله، بينما الفتحة إلى الأسفل لا تُدخل عليه التراب. وعلى هذا كيس الكوالا يفتح لأسفل لأنها مجرد تطور لحيوان حفار كيسي قديم شبيه بالومبت كان جرابه يفتح إلى الأسفل، وهذا الجراب المفتوح إلى الاسفل في الكوالا شاهد تاريخي على وقوع التطور.

الرد : هذا الكيس في الكوالا يفيد وقت النوم وفي البرد، لكن لو كان مفتوحاً إلى فوق فسيكون الطفل كسولا ولا يتعلم تسلق الأشجار ولا تسلّق ظهر أمه حتى، ثم كيف تحتضن أنثى الكوالا الأشجار والطفل في هذا الكيس المقترح؟ بالعقل يعني! ذلك سيعيقها لو كان علويا، لو كانت مثل الكنغر لما استطاعت أن تتسلق ولكان الإحتكاك يقع على الكيس من جذع الشجرة. لماذا الفكرة المسبقة بأن الطفل كأنه بيض موضوع في سلة؟ إنه طفل يتحرك ولا بد أن يتعلم ويشد عضلاته ويتسلق ظهر أمه إذا أراد أن يتسلق الشجر، أفضل من أن يكون محمولا في كيس فقط. حتى الومبت هل ستحفر الأم في التراب والإبن في كيسها؟ طبعا سيعيق حركتها ويتأذى من التراب حتى لو كانت الفتحة سفلية. مشكلة التطوريين في أفكارهم البشرية عن هذا الكيس، فالكيس فائدته عندهم حمل الطفل فقط، فلماذا يكون الكيس مقلوباً؟ إذن هذا خطأ بدليل لو أنك أخذت كيسا من السوبرماركت مقلوبا لوقعت الأغراض، اذن هذا خطأ في التصميم! اذن لا يوجد اله ولا تصميم، بكل سطحية إلحادية.

الطبيعة أكثر دقة من تفصيلاتنا كبشر، الوظيفة تحدد نوع الكيس وفائدته لكل نوع، قد يكون الكيس للمبيت فقط في هذا النوع وللحمل في النوع الثاني، الكنغر يحتاج إلى أن يجري وأن يهرب، لذلك يحمل ابنه في كيسه المفتوح من أعلى، الكوالا حيوان متسلق إذن ابنها يجب ان يتعلم التسلق، لا ان يبقى محمولا في الكيس مثل الكنغر التي تُبقي ابنها في الكيس، لأنها لو لم يكن محمولا معها لما استطاعت ان تنقذه، من خلال الجري السريع الذي لا يستطيعه الطفل، وهي حيوانات قفازة، فقفزة الكنغر تخبر عن مكانه، فيصعب عليه ان يختبئ مثل ما يختبئ الأرنب، فلزم ان تحمله امه في هذا الكيس، أما في حالة التسلق فلا يوجد خطر، فلماذا يُحمل في كيس؟ عليه أن يتحرك هو ويشد عضلاته ويتشبث بظهر أمه، لأنه عما قريب سيتسلق بنفسه، فهذا الكيس للنوم وليس للحمل، بينما ابن الكنغر يعيش في ارض مفتوحة ولا يملك القوة أو السرعة، لذلك تحمله أمه حتى يشب ويكبر، فينزل من الكيس ويجري ويقفز.

هذا العيب المزعوم في التصميم ماذا نتج عنه؟ هل يعقل أن يكون هناك عيب في التصميم ولا توجد عواقب ونتائج لهذا الخطأ؟ سيكون العيب في عقل الناقد وليس في الطبيعة، أن تفترض وجود عيب ولا توجد نتائج سيئة لهذا العيب! العيب اذن في عقل الناقد. لو كان عيبا حقيقيا لبانت آثاره، بينما الكوالا تعيش وعاشت من القديم ولم تتضرر.      

يمكن أن تخدش الجذوع ابن الكوالا لو كان الكيس مفتوحا إلى أعلى، فكيف أصبح هذا خطأ فظيعا؟ الخطأ الفظيع هو اقتراح التطوريين. لكل حيوان قوانينه، وليست هناك أخطاء في الطبيعة أصلا، الأخطاء فقط في عقول البشر. الطبيعة لا أخطاء فيها أبدا، لنَقِس على المُعجز والمبدع الكثير، كيف يحصل كل هذا الإعجاز والتماسك والتوازن المحيّر العجيب في خلقة الله، ثم يكتشف الملحد خطأ هنا وخطأ هناك في خلق الله أحسن الخالقين؟ هذا لا يمكن أن يُنسب للطبيعة، من باب احترام العقل على الأقل الذي رأى هذا الإعجاز الهائل في الطبيعة، ثم كيف يسمّون أنفسهم علماء و هم يقولون مثل هذا الكلام المستهجن على الطبيعة وغباء الطبيعة؟ العالِم رأى واستغرب واندهش، فكيف يأتي ويقول: هنا غباء وهناك غباء في الطبيعة؟ هذا غير متناسق. نعم إذا كان المنتج بشريا فالنقد وارد، بينما في عالم الطبيعة لا يوجد شيء اسمه خطأ. وبالتالي لا يحق للإنسان أن ينتقد إلا ما فعله وما صنعه أو ما قاله هو. كيف تنتقد الطبيعة ولم تعرف ما سر الطبيعة ولا ماهية الحياة ولا الوعي ولا القوانين؟ لماذا هذه الأنواع فقط في الطبيعة؟ ولماذا هي موجودة وتتناسل وتموت ويأتي غيرها؟ الإجابات كلها تَخرُّص، فكيف تأتي لتكشف خطأ وتقول أنه في الطبيعة بينما معلوماتك عن الطبيعة لا تساوي شيئا يذكر؟ وطالما سمعنا : "أن العلماء كانوا يعتقدون كذا، واكتشفوا أن الأمر ليس كذلك..".

التطوريون الآن يعتقدون، وسيأتي العلم ليدحض اعتقادهم. إذا لم يكن هذا فجورٌ وكفرٌ بالنعم والتسخير، فما هو الفجر والكفر؟

هل من الضروري أن يحمل الومبت ابنه أثناء العمل؟ وهل يقضي حياته كلها في التحفير؟ هو يحفر جحرا لكي يسكن فيه ويلد فيه، و الومبت أرضي يحفر، بينما الكوالا متسلق، لهذا قالوا عن الومبت أنه قديم، لأنه حفّار وكيسه خلفي، حتى يثبتون أن الكوالا متطورة عنه. كل هذه مزاعم، لأن هذا عالم الغيب لا يطلع عليه إلا الله. من يقول أن هذا النوع أقدم من ذاك النوع هو شخص غاطس في الميتافيزيقا، لأنه يتكلم عن الغيب بموجب افتراضاته، فلا هو شاهد ولا جرّب ولا يحزنون، فكيف يسمى عالم؟ وماذا بقي للمتفلسف والقاص؟ ما الفرق بينه وبين العالِم إذن؟ العالِم هو من يعطينا الحقيقة بالأدلة القطعية القابلة للتجريب، وما سوى ذلك فلا يُحسب في نطاق العلم. لكنهم بعّجوا ووسعوا مفهوم العلم لكي يدخلوا خرافاتهم وأوهامهم معتمدين على احترام الناس للعلم وانبهارهم به في القرن التاسع عشر والعشرينز

كيف تُحطَّم الوظائف في التوازن الطبيعي بكل سهولة ويقول التطوريون أن هذا ناتج من هذا؟ كل هذا لأجل الكيس؟ أين علم الجينات؟ لو كان علم الجينات دقيقا لما احتاجوا لهذه الشواهد. الومبت ربما لا يسقط طفله أثناء النزول، لكنه قد يسقط أثناء الخروج، إن الخطأ هو في افتراض أن هذا الكيس لنقل الطفل، بينما هو يفيد بأشياء كثيرة منها التدفئة والعزل عن الرطوبة والحميمية والحماية الخ .. لو كان هناك خطأ لانقرض النوع، لأن الأمر يتعلق بالطفولة، وإلا لانقرض من قديم، عندما تقول خطأ فسوف يدفع النوع ثمن هذا الخطأ، ولا نجد أن هذه الأنواع التي قالوا أن فيها أخطاء قد انقرضت أو حتى تأثرت وتضررت، الضرر فقط موجود في عقول التطوريين.

كون الكوالا يتشبث بظهر أمه وهو صغير فهذا يجعله يتدرب على التشبث بجذوع الأشجار، ولو كان محمولا بكيس كالكنغر لأعاق أمه في تسلق الأشجار بسرعة حركتها ولأدى إلى الإنقراض، بسبب بطء حركتها وخوفها أن يحتك رأسه بجذع الشجر. إذن تفسير التطوريين هو الذي سيدمّر النوع.

(حتى نهاية الحلقة) يتحدث الدكتور عن الجيوب الأنفية، هذه الجيوب فيها عيب، ويعاني منه كثير من الناس، في الجيبين الأنفيين الفكيين، طبعا الجيوب لها مصارف تنزيل، من المفترض ان تكون مصارف التنزيل متجهة باتجاه متوافق مع الجاذبية الارضية، أي تصب إلى اسفل، لكنها في الواقع موجودة في القمة، أي ضد الجاذبية، كيف سيتم التصريف؟ سيكون عملية صعبة، وحينها سيحصل احتقان، وهذه سبب مشاكل للكثير من الناس، وقد يتطور إلى دخول فطريات تتسبب بالتهاب فطري وروائح كريهة ومشاكل وآلام وقلق.

إن هذا ليس تصميما، بل ناتج عن أننا كنا كائنات رباعية الأطراف تسير أفقيا، والرأس امتداد للجسم أفقيا، ونقطة التصريف لم تكن في الأعلى، بل في الأمام، وهي نقطة منطقية ومعقولة جدا، وهذا مثال ذكي وموحي يؤكد أن القضية قضية تطور وليست تصميما.

الرد : إذن لنستمر على تعييب التصميم في كل مرة : "لو كان للإنسان عين خلفية لكان أفضل، إذن هذا خطأ في التصميم"، "لو كانت عظامه من حديد لكان أفضل، إذن هذا عيب في التصميم"، وهكذا على طريقة الرأسماليين الصناعيين. هل يريد الدكتور ألا تحتقن الجيوب الأنفية للإنسان أبدا؟ هذه أفكار ملاحدة وليست أفكار علماء. لو كان تصريف الجيوب الأنفية للأسفل مباشرة، ألا يحدُث جفاف وحالة سيلان مستمرة واستنزاف لرطوبة الجسم في حالة الزكام والإنفلونزا؟ وها هو الدكتور يقول (عند بعض الناس)، تماما مثلما قال عن الظهر ، ويُرجع السبب للتصميم، مع أنه لا يشكّل كل الناس. هل هذا كلام علمي أو حتى منطقي ؟ لو كان عيبا في التصميم لكان كل الناس يعانون نفس المعاناة من الظهر أو الجيوب الأنفية، مثل العيب المصنعي في سلع الرأسماليين التي ينتجونها، فيشمل العيب كل النوع. بل تبارك الله أحسن الخالقين الذي خلق كل شيء بميزان. هو لا يريد أن يصنع إنسانا قويا وخالدا كما يتخيلون في عقليتهم المادية الصناعية، بل هو من قال (وخلق الإنسان ضعيفا)، وقال (كل من عليها فان). دعونا من هذا الغباء : انظروا للشيخوخة والموت، لماذا لا يعدّ هذا هو العيب الأول؟ لأنه يشمل الكل، لماذا لم يعتبروها عيبا وهي أوضح ما يُرى؟ لأنهم يعرفون نتائج الخلود وتراكم الأحياء على الأرض وقلة الموارد، اذن هم يعرفون التوازن الطبيعي لكنهم لا يحبون أن يذكروه. إذن كل هذه العيوب تابعة للتوازن الطبيعي وليست عيوبا، مثلها مثل فكرة الموت، لأن العيوب ليست فقط ما ذكره، فكل شيء له عيوب، لكن هذه العيوب مقدّرة وضرورية للتوازن ولو تغيرت لتغير التوازن، صيد الأسد له عيوب، وهجوم الكلب له عيوب، هذه ليست عيوب بل قصر، فلماذا الكلب لا يستخدم يديه في الهجوم كما يفعل الفهد؟ ولماذا الفهد لا يستخدم فمه في الهجوم بل يديه؟ إنه القصر وليست عيوبا. القصر لأجل التوازن وليست عيوبا، لأنه لو أعطي أحد القوة المطلقة لما كان هناك توازن ولتدمرت الحياة. إنها حكمة الله وليست فوضى.

إذن أول إنسان يقابلك وهو يتكلم عن هذه العيوب اعرف انه فاقد للعلمية، حتى لو كان بروفيسورا. أول كلمة تقولها له هي : ما رأيك بالموت؟ أليس عيبا عاما على كل الأحياء؟ دعنا من العيوب الخاصة، سوف يسكت ويغيّر الموضوع. هل هذا عالم؟ يصل غباؤهم لقمّته إذا تكلموا عن هذه العيوب، وأنا أنصحهم نصيحة ألا يتبجحوا بهذه العيوب، لأن أول من يقابلونه وهو يفكر بحرية سوف يحرجهم بذلك. ثم لماذا لا يعدّلون هذه العيوب ما دامت عيوبا مضرّة؟ ولو على أنفسهم، فتجعل البروفيسور الملحد يدخل غرفة العمليات ويغير تصريف جيوبه الأنفية إلى أسفل، وننظر ماذا سيكون حاله ومعه لفائف المناديل بشكل مستمر. أما العيوب التي ذكرها الدكتور، فهو يقول (عند بعض الناس)، إذن التصميم سليم، لو كان التصميم خاطئ لعمّ كل الناس.

فعلا الإنسان من أضعف المخلوقات وبلا أي وسيلة دفاع وصاحب أطول فترة طفولة، إذن سمّ هذه عيوبا أيضا. الكلام في اكتشاف العيوب يُنسب إلى ماذا؟ إلى السوبرمان النتشوي الذي يخترق البحار ويطير في السماء وينتصر على الجميع ويُبقي جيناته فقط بعد أن يتم سحق كل البشر لأنهم ضعفاء كحق طبيعي، هذا عالم مخاريف وكلام خرّافين.

هل القرود والغوريلا والشمبانزي والليمور تعاني من نفس معاناة البشر مع الظهر والجيوب الأنفية وهي شبه منتصبة؟ طبعا لا، بل هل الحيوانات تعاني من عدد الأمراض التي يعاني منها الإنسان؟ أين هو القط الذي يعاني من السكر؟ والكلب الذي يعاني من الضغط أو من عسر الهضم؟ وأين الجمل المصاب بالكآبة؟ أكثر الأمراض من نصيب الإنسان، فهل كل هذا بسبب الوقوف التعيس؟

السبت، 21 أبريل 2018

سلسلة الردود على سلسلة نظرية التطور للدكتور عدنان إبراهيم - الحلقة 24



(الدقيقة : 8 الثانية : 20) يتابع الدكتور في هذه الحلقة ما تبقى من حديث في الحلقة السابقة عن المشاكلة الجينية و الـ DNA. بدأ الدكتور حديثه عن مشروع الجينوم البشري ومدى ضخامة هذا المشروع الذي وصفه أحد العلماء بأنه لا يضاهيه أي عمل بشري ضخم آخر إلا الوصول إلى القمر. وتحدث عن عمل مشاريع جينومات الفأر والشمبانزي وأن العلماء يريدون أن يكملوا المشروع على الحيوانات الثديية بالذات ليعرفوا مدى التقارب والتباعد بين بعضها البعض. وذكر الدكتور مدى التكاليف الباهظة لمثل هذه المشاريع.

ثم تحدث الدكتور عن طريقة استخدمت في الستينات كانت اقل كلفة من مشاريع الجينومات، وهي طريقة سيرج وويلسون، هذه الطريقة أثبتا بها أن المشاكلة بين الإنسان والشمبانزي ووجوه التشابه أكثر مما كان متوقع. هذه الطريقة تعتمد على الجهاز المناعي، والذي ينتج الأجسام المضادة للأجسام التي تقتحم الجسم للدفاع عنه. بالنسبة للإنسان يستطيع العلماء أن يعرفوا إن كان هذا الشخص قد اصيب في الماضي بالسعال الديكي أم لا، حتى لو كان ذلك قبل أربعين سنة أو اكثر في زمن طفولته، وذلك بفحص الأجسام المضادة في دمه. وكذلك يستطيعون معرفة هل إصيب الأرنب مثلا بهذا المرض أم لا من خلال نفس الطريقة. فلو أُخذ بروتين للشمبانزي وتم حقنه في الأرنب، سيولد جهاز الارنب المناعي أجسام مضادة، وقد ينجو الارنب. بعد ذلك يُحقن الأرنب ببروتين الغوريلا، هل سيتعافى الأرنب مباشرة؟ لا طبعا، لكن وبحكم صلة القرابة بين الشمبانزي والغوريلا، فالأجسام المضادة التي كونها جهاز الأرنب ضد بروتين الشمبانزي سوف تعمل في مقاومة بروتين الغوريلا جزئيا، لكن بكفاءة أضعف. ولو تم حقن الارنب ببروتين الكنغر مثلا، فالاجسام المضادة التي ولّدها جهاز الأرنب ضد بروتين الشمبانزي والغوريلا سوف تسعفه لكن بدرجة أقل كفاءة، وهكذا. لكن ما الفرق بين هذه الكفاءات و ردّات الفعل؟ ستكون بحسب قرب بروتين الحيوان الغازي من بروتين الحيوان الثاني وبروتين الحيوان الثالث وهكذا.

بهذه الطريقة تمت التجربة على الانسان والشمبانزي، فوجد سيرج وويلسون أن درجة المشابهة والمشاكلة أكثر مما كان يُعتقد، أي ان بروتين الشمبانزي قريب جدا من بروتين الانسان، وجهاز الشمبانزي المناعي يعمل بطريقة قريبة جدا من طريقة عمل الجهاز المناعي لدى الإنسان، ليس متطابقا لكنه قريب إلى درجة محيرة.

الرد : طريقة ويلسون وسيرج بالمضادات الحيوية والمناعة : أولاً : ليس لها علاقة ببحث الجينات. ثانيا : لم تثبت مثلا أن الهيبو والحوت متقاربان حتى تخدم النظرية. ثالثا : أجروها بين مجموعات متقاربة في الجسم والوظيفة والشكل أيضا، ومن الطبيعي وجود تقارب في الوظيفة والشكل، أي تقارب حتى في الدم، وهذا لا يثبت موضوع التطور أصلا بقدر ما يثبت موضوع الوظيفة، مثلما رأينا في التشابه بين الشاة والماعز، فلا يعني هذا أن إحداهما أُمّ للأخرى، لأن لكل منهما وظيفته، مع التقارب الجيني، لأن الجينات فيها رسم الشكل، فموضوع الجينات تحصيل حاصل، كأن الجينات خريطة، كما لو كانا جهازين لهما خريطتين، إذا كانتا الخريطتين متشابهتين إذن الجهازين متشابهين. وهذا بحد ذاته يسقط موضوع الجينات في نظرية التطور، فما دامت الجينات مجرد خرائط، إذن كيف سيُستدل بها على التطور؟ سترى الاختلاف والتشابه خارجيا وليس جينيا طالما الجينات متشابهة. بدليل أنه إذا وجد أي اختلاف في الكروموسومات تنتج حالات مرضية أو إعاقة. وإذا قيل أن الجينات هي تفصيل دقيق لكل شيء في الجسم، فكيف يُكتشف منها شيءٌ غير الموجود؟

التشابه بين الشمبانزي والإنسان تراه بعينك، وتعرف أن ما تراه بعينك مرسوم بشكل مصغر في الجينات، كأن الكروموسومات تصغير لهذا المخلوق. كأنها قاعدة بيانات، ولولا التشابه الخارجي لما بَحَثوا في الكروموسومات والجينات. ثم لو كان القرد والإنسان بينهما هذا التقارب العجيب جدا كما يقول الدكتور، إذن لماذا لا تُجرى التجارب الطبية على القرود؟ لماذا تجرى على الفئران؟ والتي أثبت العلماء أيضا أنها تتقارب مع الإنسان إلى 98%؟ نفس المشكلة التي حصلت عندما كانوا يدرسون شكل الجمجمة والعنصرية التي ظهرت منها، الآن تُجرَى على مستوى الكروموسومات.

مرة قالوا الإنسان هو الأكثر جينات لأنه متطور، ثم اكتشفوا أن الرز أكثر بكثير منه بعدد الجينات، ثم قالوا لا بل نسبة التقارب، وروّجوا أن الإنسان والقرد بينهما تشابه يصل إلى 97%، وجاء العلم وأثبت أن الفأر يصل تشابهه مع الإنسان إلى أكثر من 98%، وهذه أيضا أشك فيها.

إذا كانن الجينات هي خريطة للكائن الحي كما يقولون، فأين التشابه بين الإنسان والشمبانزي الذي يصل إلى 97% فضلا عن الفأر؟ إما أن تكون مزوّرة أو أن تكون فكرتهم عن الجينات بأنها هي الخريطة التفصيلية للكائن الحي خطأ. أمامك خريطتين لمنتجين يُقال أن بينهما تشابه يصل إلى 97% ثم تنظر إلى المُنتجين تجد أنهما مختلفين لدرجة واضحة جدا، ألا يجعلك هذا تشك في الخريطتين أو في فحص الخريطتين؟

(الدقيقة : 17 الثانية : 15) يذكر الدكتور طريقة ثالثة وهي طريقة تهجين الـ DNA ، هذه الطريقة مسؤولة عن الإفادات الموجودة في الكتب العلمية التي تقول أن جينوم الشمبانزي متشابه مع جينوم الإنسان بنسبة 98.5% ، ويذكر الدكتور ان هذه الطريقة والافادات مشكلة كبيرة جدا وليست بسيطة، إذ هل يكون الفارق في السلوكات والمشاعر والإبداع والذكاء بين الإنسان والقرد هو فارق الـ 1.5% المتبقي؟ ويذكر الدكتور أنه سيوسع الرد في هذه النقطة بالذات في السلسلة القادمة.

هذه الطريقة تدور حول درجة انصهار اللولب المزدوج الذي يتركب منه شريط الـ DNA. إذ ينفك اللولبان عن بعضهما عند التسخين لدرجة 85 مئوية، بشرط التسخين التدريجي. وكذلك يلتحمان عند التبريد التدريجي. فلو أخذ شريط الإنسان وسخّن فسوف ينفكان عن بعضهما، لكن لو أزيل أحد اللولبين بعد الانفكاك ووضع بدله لولب للشمبانزي، ستكون النتيجة أنهما يلتحمان، إذ يلتحمان في معظم المواضع، وهذا يعني أن الترابط قوي، ولو نحّي لولب الشمبانزي واحضر لولب غوريلا، سيتم التلاحم لكن بطريقة اضعف. وهكذا لو تمت تجربة لوالب الـ DNA لكائنات حية مختلفة، سيتم التلاحم ولكن بشكل اضعف، وهنا يتدخل التطور، فليس مجرد أنها شيفرة واحدة ولغة واحدة، بل هناك درجة قرابة. كلما كان الكائن أقرب إلى الإنسان في سلّم التطور وفي فروع شجرة الحياة، كلما كان الإلتحام أقوى.

ويذكر الدكتور أن هناك قاعدة لدراسة قوة القرابة بين كائنين بطريقة الالتحام هذه، وهي سهلة جدا، فبالنسبة لشريط الإنسان فإنه ينفك عند درجة حرارة 85 مئوية، بينما الحيوانات الأخرى تختلف في درجة انفكاك الشريط. لو تم لحام لولب الإنسان مع لولب الشمبانزي، فإن درجة انفكاك اللولبين عن بعضهما ستكون عند درجة حرارة اقل من 85 مئوية. ولو كان لولبان لإنسان وغوريلا فسينفكان عند درجة حرارة اقل من تلك التي للإنسان والشمبانزي، وهكذا. وعلى هذا بُنيت القاعدة التي تقول أن اختلاف درجة واحدة ناقصة في الانفكاك بين لولبين مختلفين لكائنين عن درجة الانفكاك المعيارية، تعادل فروقا في الجينات بينهما نسبتها 1%. 

الرد : هل من هذه العمليات جاء استنتاج أن الإنسان والشمبانزي متشابهان في الـ DNA؟ مجرد عملية إلتحام من عدمه؟ و أصبح الشمبانزي يشبه الإنسان في 98,5% ؟ مع أن هذه النسبة يجب أن تكون للاختلاف وليس للتشابه، فالشمبانزي من الحيوانات القارضة، وهو أبعد ما يكون عن حياة وسلوك وعقل وذكاء الإنسان وذكاء كثير من الحيوانات، إن أغلب الحيوانات والطيور أذكى من الشمبانزي الذي لا يستطيع صنع بيت له، حتى إن الثلج يتجمع على ظهره دون أن يتصرف.

وهل أجري هذا على كل الحيوانات والأحياء؟ المشكلة هي تركيزهم على الإنسان والشمبانزي فقط، وكأن الأبحاث تدور حولهما من أجل دافع الإلحاد، وإلا فالمفترض أن تبدأ من الأصغر، من البكتريا فما فوق، إلى أن تصل إلى الشمبانزي والإنسان، ولكنهم يصرون على أن تكون هي البداية والنهاية. هذا دليل على أن هذا البحث والتجارب وما شاكلها معنية بموضوع واحد، هذا غير موضوع الموثوقية في مسألة الالتحام والانفكاك بدرجة حرارة معينة.

القرابة في الكائنات هي قرابة الوظيفة وليست قرابة الأصل المشترك، فأي تشابه بينهما سواء على مستوى جيني أو شكلي فالمسؤول عنه هو الوظيفة وليس الأصل المشترك، وعلى هذا لا يستبعد وجود تقارب بين بعض الأنواع ببعضها، بسبب تقارب الوظيفة. لاحظ التقارب بين فصائل الكلاب والذئاب والضباع، في مقابل التقارب بين القطط والأسود والفهود، حتى فسيولوجيا، فالكلاب لا تتعرق، كذلك الذئاب والثعالب، هل هذا تشابه سببه جيني أم وظيفي؟ المهم هو التعليق على الجينات والجينات وكثرة الكلام حولها وفي الآخر أصبح الموضوع مجرد لحام وفك لحام! .. الوظيفة تقتضي تشابهات، فكل الحيوانات المجترة وظيفتها تجعلها تتشابه، مع أن أشكالها وأحجامها تختلف. والوظيفة ايضا هي التي تنتج الاختلاف بين الفهد والقط وبين الفهد والأسد، اختلافات وظيفية أنتجت اختلافات في الشكل والجينات، لذلك هي لا تتزاوج مع بعضها، ولو أُجريت عملية تزاوج رغما عنها، سوف لن تلد، وإن ولد بعضها فسوف ينحاز إلى إحدى الوظيفتين (الوالدين) مثلما تكلمنا في الحلقات الأولى عن البغل والنمر-الأسد وغيرها. فنجدها تشبه احد والديها أكثر من الآخر، فالبغل يشبه الحصان أكثر من الحمار، والنغل يشبه الحمار أكثر من الحصان. لاحظ الصورة ولاحظ معها التحكم في الوظيفة، لم ينتج نوع جديد، مع أن التزاوج تم بين نوعين مختلفين، فلو مزجت لونين مختلفين لأنتجا لك لونا ثالثا مختلفا، فعند خلط الاحمر بالاصفر ينتج البرتقالي، والبرتقالي لون مستقل عن اللونين، وهنا يجب أن تتوقف وتسأل لماذا لم ينتج نوع جديد؟ هذا كسر للقاعدة، وكسر القاعدة يعني إعجاز لصالح حتمية الوظيفة، وكسر لفكرة التطور، فكيف ستوجد الأنواع الجديدة وها هي الحتمية الوظيفية تتحكم؟ بل وزيادة في التحكم نجد أن هذه الأنواع المولّدة تكون عقيمة، فلا يمكن للسلالة أن تمتد وتنتج أنواعا جديدة، وهذا رد كافي تقدمه الطبيعة ببساطتها على التطور، لكن الهوى له مقتضياته :





ما شأن التطور في هذا؟ سيلتحم الشريطان أكثر كلما كان الكائن أكثر مشابهة شكلا وخلقة و وظيفة، ولا شأن للتطور أصلا بهذا الشأن. لماذا لم يُجروا التجربة على الأصول المشتركة بين الهيبو والحوت لننظر هل يلتحمان أم لا؟ هذه الطريقة لا تثبت شيئا للتطور. لو أننا أحضرنا هذا اللولب، ووجد أنه لا يتطابق إلا مع القرد والسلسلة التطورية التي يذكرها التطوريون لكان هذا دليلا قويا للتطور.

أي شيء لم يلتحم بشكل متكامل سيكون انفكاكه أسهل. هذا لا يخدم التطور ولا علاقة له به. الشمبانزي والغوريلا هما أقرب الحيوانات شكلاً إلى شكل الإنسان، لذلك سيكون تطابقهما أكبر وانفكاكهما أصعب. والجينات ليس لها علاقة إلا بالشكل فقط، هذا إن ثبتَ أنها هي التي تحدد الشكل، لكن موضوع القدرات والأخلاق فهذا لا شأن له إطلاقا بالجينات، وإن حاولوا أن يُدخلوها ويقولون أن الشذوذ الجنسي مرض جيني والسرقة مرض جيني وهكذا، ليثبتوا جبريتهم ويشرّعون الفواحش. وهكذا نرى الأيديولوجية تعمل تحت الستار، فينبغي الحذر وعدم التصديق بسرعة.

تعقيب : يفسر التطوريون اختلاف النباتات في وجود اشواك لها او وجود مواد سامة أو مخدرة أو مرارة في أوراقها، وأن بعضها تثير الحساسية في الجلد، بأنها وسائل دفاعية في سبيل الصراع من أجل البقاء، وهذه الفكرة لا تنطبق على الواقع، لأنه توجد نباتات لا أشواك فيها ولا مرارة وتأكلها الحيوانات وترغب بها، وهي أكثر من الأنواع السامة والمخدرة، ومع ذلك لم تنقرض، هنا لا يستطيع التطور أن يقدم تفسيرا مقنعا. لكن نظرية التسخير والوظيفة تستطيع أن تفسرها بشكل أكثر منطقية من قضية الصراع من اجل البقاء. لدرجة أن اكثر الادوية تستخلص من هذه النباتات السامة والمخدرة.

ما فائدة هذه الحيل والسموم والأشواك؟ إنها الوظيفة وليست الحاجة لأجل البقاء، إنها وظيفة التنوع المؤدي إلى التوازن. أكثر النباتات الصحراوية نجدها من النباتات الشوكية، مع أنه توجد في الصحراء أيضا نباتات غير شوكية وحلوة المذاق، ومع ذلك لم تنقرض. هل نسينا أن الحيوانات الراعية تنشر البذور وتسمّدها؟ النخيل مثلا نبات صحراوي ومع ذلك لا نجد أوراقه مرة ونجد ثماره غاية في الحلاوة، بل أحلى ثمرة موجودة على سطح الأرض.

(الدقيقة : 24 الثانية : 50) لا زال الدكتور في حديثه عن التشاكل وتاريخ المسارات التطورية حسب تعبيره. تكلم الدكتور هنا عن القشعريرة، التي يصاب بها الإنسان عند البرد الشديد، ويقف شعره، وكما يقول الدكتور فأن الإنسان ليس لديه شعر على جلده، انما هي بقايا شعر، تذكّر بأنه كان له أجداد كانوا مغطين بالشعر، لكن بقاياه موجودة حتى اليوم. هذا الانتصاب الشعري تفعله الحيوانات قديما وإلى اليوم لأغراض مختلفة، كوقوف شعر الأسد في حالة الغضب الشديد. تحدث القشعريرة عند الخوف وعند الغضب والنرفزة وعند الشعور بالبرد، وعند الإنفعال مثلما تسمع قطعة موسيقية رائعة، أو ناي حزين أو قراءة قرآن خاشعة، أو تشهد مشهدا دراميا، وتحدث عند انفعالات الجلال والخشوع. هذه القشعريرة – يذكر الدكتور – أنها أثر باقي من أسلافنا الأولين.

ويضيف انه عند البرد الشديد يقف شعر البدن كمحاولة يائسة لا تفيد، لكنها محاولة تاريخية يائسة، لأن الشعر حين يقف يحاول ان يحجز الهواء في هذه الطبقة البسيطة، أي أنها تعمل على الحفاظ على حرارة البدن وعدم خروجها. هذه الطريقة ناجحة مع الحيوانات لأن لها شعر كثيف فيقف وتحتفظ بالحرارة، لكنه لا ينجح مع الإنسان.

وقد يقول قائل : حسنا، وماذا عن الشعور بالجلال والحزن والانفعال، لماذا يقف شعر البدن؟ يجيب الدكتور أن هذه مسألة تطورية، فهذا أمر كان ولا زال يجري عند الحيوانات لأغراض دفاعية، هجومية، بقائية، حيوية، وكذلك استعراضات جنسية، وأنت – كإنسان- ارتقيت منها، فهؤلاء أجدادك وأسلافك وآباؤك الأولون، وورثت هذا منهم. وهذه المَكَنَة لا تؤدي لدينا كبشر غرضا حقيقيا من الأغراض التي تستخدمها الحيوانات لأغراضها، لكن في مسارنا التطوري الطويل استبدلنا وسائل تلك الاغراض بوسائل التواصل الاجتماعي، فمثلما تُرى الدموع في العينين، يمكن أن يرى انتصاب الشعر. لقد أصبحت هذه مسألة ثقافية واجتماعية وليست مسألة حيوية.

ويذكر الدكتور اعجابه الكبير واحترامه لداروين، بالنسبة لعصره وظروفه، وبالذات كتابه التعابير والانفعالات في الإنسان والحيوان، فهو يدل على انه رجل دؤوب مجتهد وذو نفس طويل في البحث والملاحظة. كتب داروين عن هذا الموضوع – القشعريرة وانتصاب الشعر والزوائد اللحمية -  في كتابه، حوالي عشر صفحات، كلها ملاحظات ذاتية عن الانتصاب عند الكلاب والخنازير وقرود البونوبو، والشمبانزي والاورانج اوتان، وغيرها من الحيوانات. وفسرها كما ذكر الدكتور في الإنسان بأنها آثار باقية من الماضي البعيد لأصولنا، وهو أثر من آثار التطور، إذن التطور موجود وحصل. وإلا فإن هذه القشعريرة لا تخدم في البقاء بالنسبة للإنسان.

الرد : هذا غير صحيح، فالحيوانات تستخدمها في حالات الغضب أو الاستعراض، والإنسان يمر بهذه الحالات ولا تظهر عليه، فلا تجد إنسانا يقف شعر رأسه اذا غضب، لكن في مواضع الخشوع والجلال تقشعر الجلود وتضطرب العيون والغدد الدمعية، وهذا لا يوجد لدى الحيوان اطلاقا، فهي ميزة انسانية بحتة، أما في حالة الحيوانات فحالة قف الشعر تحصل في حالة البرد أو الغضب او الاستعراض او التخويف وتكبير الحجم. والدافعين مختلفين جدا، لو كانت تطورية لاستمرت في حالة الإنسان عند الاستعراض او الغضب، لأن حالة الغضب والاستعراض موجودة في الانسان، في حالة الغضب تظهر على الإنسان سمات أخرى كانتفاخ الاوداج وبروز العيون واحمرارها وتهدج الصوت وارتعاش اليدين وارتفاع ضغط الدم، وفي حالة الاستعراض توجد فنون كثيرة، أبرزها نفخ الصدر بالهواء وتوسيع المشي بالرجلين وإمالة الرأس. إن تطور الانسان لم يتخلص من حالة الغضب او محاولة تكبير الجسم، لكن القشعريرة لا تحصل أبدا في هذه الحالات، هذا يدل على وجود خطأ كبير في التفسير بالخط التطوري. سيكون كلام التطوريين اقرب للصحة لو أن الانسان اذا غضب اصابته قشعريرة في الجلد وقبّ شعره. وهذا لا يمكن أن يحصل إطلاقا ولا شيء قليل منه، اذن هذا تفسير متعسف. إن هذا يدل على أن الانسان خلق آخر مختلف عن الحيوان. هذه الملاحظة غير دقيقة وبالتالي لا تستحق هذه القصائد من الثناء على داروين.

لو كان هذا صحيحا لوقف شعر رؤوسنا، بل ولاقشعرت رؤوسنا، وهذا غير واقع، مع أن فيها شعر كافي ليحجز البرودة إذا وقف لحجز الهواء، خصوصا وأن الرأس أكثر حساسية من غيره، وهو الذي يتعرض للبرد دائما. إذن هذا تفسير خاطئ. أيضا يوجد بعض الأشخاص لهم شعر طويل وكثيف في الساقين والذراعين وبعضهم في الظهر ولا يقف في حالة القشعريرة، لاحظ كيف ينفش الديك ريشه في حالة الغضب، هذا عمل تقوم به عضلات وليس الجلد نفسه، وكذلك شعر القطة.

القشعريرة حالة تصيب الجلد وتبدأ بالظهر عادة وتنتشر في الجسم إلا الرأس، ولا علاقة للقشعريرة بحالة القطط والأسود والديوك، بل ربما أنها غير موجودة في الحيوانات أصلا، وهذه أيضا عدم دقة من داروين الممدوح بالقصائد الطويلة العريضة. إن القشعريرة تحصل في حالة البرد الشديد المفاجئ وفي حالة الخشوع والإجلال وليس الخوف، ولا تحصل في حالة الغضب بالنسبة للانسان، بينما تحصل عند الحيوانات من خلال العضلات المرتبطة بالجلد وليست قشعريرة، انظر الى القنفذ والنمس والنعام والدجاج والديوك، هل تصاب بالقشعريرة؟ لاحظ ان الدجاج تقوم بنفس الحركة في حالة تعفير جسمها بالتراب، مما يدل على انها حركة عضلية وليست نفسية، إذن هذه حركات إرادية عند الحيوانات، لكن القشعريرة ليست إرادية في الإنسان. إنها تنبهه للبرد وليس لأجل أن تنفش الشعر، لاحظ بعدها تأتي رجفة واصطكاك الأسنان، هذه الحركة اللاإرادية لأجل تعويض الحرارة بعد فقدها، فيكفي الإنسان ليشعر بالبرد أن يقشعر جلده. اذن هي حالة تنبيه تأتي عن طريق تقلصات في الجلد وظهور حبيبات عليه. لو كان هدف القشعريرة نفش الشعر في حالة البرد لانتفش شعر اللحية والرأس، لكن هذا لا يحصل مهما كان البرد، إذن هي منبه، بدليل أنها تحدث بشكل جزئي، فإذا كانت العضد مكشوفة وتعرضت لنسمة باردة تقشعر لوحدها، اذن هي منبه يدلك على مكان الخطر. وعند الإصابة بلفح برد على الوجه تجد العينين تدمعان، وهذه وسيلة تنبيه أخرى.

طالما الحصان مثلا في حالة برد فإن شعره منفوش، أما قشعريرة الإنسان فهي تدوم للحظات ثم تنقطع، حتى لو استمر البرد، إذن الوضع مختلف بين قشعريرة الإنسان ووقوف شعر الحيوان، ولا نقول قشعريرة الحيوان، لأن الحيوان لا يقشعر، هذه الحالة عند الحيوان ليست حالة قشعريرة بل حالة تكيف عضلي يكون إراديا ويكون لا إراديا، فمتى شاء نفش ريشه ومتى شاء أرجعه. هذا يحتاج لدقة اكثر من دقة داروين.

إن القشعريرة لا تحصل عند الإنسان في الخوف، بينما وقوف الشعر او الريش يحصل عند الحيوانات في حالة الغضب والبرد والاستعراض، و يحصل في حالة الغضب لكي يبدو شكلها اكبر وتصنع لنفسها مهابة وتخويف. كما تفعل القطة إذا تعاركت مع كلب. قال تعالى (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) قال جلود ولم يقل شعر، وهذا عند سماعهم للقرآن، أي حالة جلال.

لو كانت القشعريرة إرثاً من الحيوانات، لكنا نقشعر في حالة الغضب، وهذا غير حاصل إطلاقا، إذن في المسألة خطأ. وهي اعتبارهم أن نفش شعر الحيوانات حالة قشعريرة، بينما هي حالة غضب تتحكم بها عضلات. الصورة التي ظهرت في الفيديو هي صورة لزغب شعر، والزغب أصلا واقف بطبيعته، ولم تظهر صورة شخص يده كثيرة الشعر ووقف الشعر حتى نقول أن أصلها من الحيوانات، نرجو الدقة أكثر.

وبالنسبة للدموع: أين الدموع في الحيوانات؟ أم أننا طوّرنا الدموع كبديل عن وقفة الشعر؟ لا تُستخدم الدموع كوسيلة عند أي حيوان، أما دموع التماسيح فربما تكون بسبب ضغط الفك على العينين في حالة الانفتاح الكامل، فتجري دموع عينيه، مع أن كل الحيوانات عندها غدد دمعية، فلماذا صارت الدموع مرتبطة بالبكاء والألم عند الإنسان؟ لماذا لم يستخدم الحيوان هذه الطريقة للتعبير؟ مع اعتبار أنه ليست عنده لغة، وهو محتاج لوسيلة تعبير، لا تجد الدموع عنده أبداً، لأن الحيوانات أصلا لا مشاعر لديها كمشاعر الإنسان، لديها غرائز فقط، فالفرق كبير بين الإنسان والحيوان، أكبر مما يتصور التطوريون، لكن عند التطوريين الفرق بسيط، فالإنسان متطور من حيوان ومشترك معه.

الأخلاق مثلا لا توجد إطلاقا عند الحيوان، لديه غرائز فقط لتُبقي على نوعه ليس إلا، لكن ليس لديه استعداد للتضحية. الغدد الدمعية موجودة في الحيوانات لتنظيف العين، بينما تُستخدم بدافع عاطفي عند الإنسان، ويستخدمها الطفل أول ما يولد، فالدموع مرتبطة بالعواطف، إلا في حالة بعض الأبخرة والغازات التي تهيج العين.

الفرق بين الإنسان والحيوان هائل جدا ، ليس كما يطرحه التطوريون. العقل المنطقي، الأخلاق، الخيال، استخدام اليدين، وحتى الدموع، وغير هذا كثير، لا توجد عند الحيوان أصلاً، فالتطوريون إذا وجدوا مشتركات قالوا : هذا جاء من أسلافنا! وإذا كان مستقلا قالوا : هذه طفرة تطورية! نسبة المستقل أكثر من نسبة المشترك مع الحيوان وأكثر عمقا ودقة، ولا نجد له أية ومضات أو إشارات عند أسلافنا المزعومين، مع أنهم يحاولون أن يثبتوا للحيوان أخلاقا، ويتعبون في هذا التأويل، مع أن الحقيقة أنه ليس لديها أخلاق ولا تعرفها. يكفي الإنسان ان يراقب حظيرة اغنام لكي يعرف ان الحيوانات ليس لديها اخلاق، فالعنزة مثلا يضيق ضرعها بالحليب والويل لأي طفل آخر غير طفلها أن يرضع منها ليخفف عنها، وتتركه يموت من الجوع وتدوسه أيضا في طريقها إلى العلف. لا توجد لديها أخلاق مع نوعها وأفراد قطيعها، فكيف تكون اخلاقية مع غيرها من الانواع؟ يقول الشاعر : إنما يجزي الفتى ليس الجمل .. بتاتا لا يمكن أن يكون لدى الحيوان أخلاق، لأن الاخلاق تحتاج الى التمييز، والعاطفة تأتي من التمييز، لذلك ليس لديها عاطفة، وبالتالي لا تحتاج للدموع، لديها غرائز فقط، والغرائز تابعة للوظيفة. 

كثير من الحيوانات تأكل أولادها، وإذا كان عددهم أكثر من حليبها، فإنها تحرم أضعفهم منه حتى يموت، بينما التطوريون يسمّون العلاقات المشتركة لحماية القطيع أخلاقا، على حسب فكرتهم عن أخلاق الإنسان ومحاولتهم التقريب بين الانسان والحيوان، بينما هي بدافع المصالح، وهذا خطأ كبير، فالأخلاق شيء والمصالح شيء آخر. المصالح تحتاج للعقل المميز، والحيوانات لا تملك عقلا مميزا، إلا فيما يتعلق بحياتها فقط، بل وتملك ذكاء خارقا فيه. الميزة الوحيدة للإنسان هي قدرته على تمييز أمور اكثر من الأمور التي تتعلق بحياته وبقائه وغذائه. الإنسان يستطيع ان يميز ما لا علاقة له بحياته، فيستطيع ان يعرف المربع والمثلث والنجمة مثلا، وهذه لا تتعلق بحياته.

الأخلاق تضحية بالمصالح، ليس لمصالح أكبر، بل لأجل سمو وفضائل أكثر، لكن لا يحبون أن يفهموا هذا، الإنسان أخلاقي لدرجة أنه قد يضحي بحياته لأجل إنقاذ أحد أو لأجل مبدأ، أو بدافع الرحمة، فأحيانا يرمي نفسه في الخطر.

يُذكر أن زعيم قبيلة غزا قبيلة أخرى، وانتصروا عليهم ودخلوا في خيامهم، وكانوا مذعورين، فسمع هذا الزعيم طفلا يبكي وهو يركض لأمه ويقول : أنا خائف، فقالت أمه وهي ثابتة مطمئنة : لا تخف، فهذا عمُّك. فلما سمع هذه الكلمة تأثّر وأمر من معه بالانسحاب وترك الغنائم. في هذه الحالة أين المصلحة ؟ وبعد أن تركها تعرّض للوم وتوبيخ أتباعه. إذا كان هدفه هو المصلحة المادية فقد تخلّى عنها، أما سُمعته كبطل منتصر فهي تكفيه كسمعة، فلماذا فعل هذا الفعل إذن؟ أرجو من مادي ملحد صادق أن يجيبني عن تبرير هذا الفعل بالمصلحة المادية.

(الدقيقة : 31 الثانية : 15) يتحدث الدكتور عن فتحة التنفس عند الدرافيل، وسبق بأن ذكر أنه حيوان مائي ثديي منحدر من رباعي أطراف بري، والدلفين لديه رئة، ولما كان لديه رئة فهو يحتاج الى اوكسجين الهواء، وبما أن الحيوان البري له منخرين في مقدمة الرأس، فهذا يعني أن المنخرين تراجعا عند الدلافين حتى أصبحا في اعلى الرأس وصارا فتحة واحدة، وهذه الفتحة عريضة لكي تأخذ أكبر كمية من الهواء في وقت قصير، ولو كانت صغيرة لأخذت وقتا طويلا لكي تتنفس، ولهذه الفتحة صمام لحمي يغلقها، وهذا كله تم عبر ملايين السنين.

يقول التطوريون أن في مسار تحول المنخرين من مقدمة الرأس إلى فتحة واحدة في أعلى الرأس تم التغلب على مشاكل كثيرة جدا أثناء هذا المشوار، ويقول التطوريون لو كان الامر يتعلق بتصميم ذكي وإلهي، لماذا كل هذا العناء والتعب؟ ولماذا الرئة أصلا؟ لو كان خلق خلقا مستقلا لكي يعيش في الماء كحيوان مائي فإنه يحتاج الى خياشيم لا إلى رئة! فلماذا عناء الدلفين كل مرة ليخرج ويتنفس الهواء ويرجع؟ كل هذا لا يحكي عن تصميم، بل يحكي عن مسار تطوري، بسبب أنه أتى من البر، من كائن ثديي يتنفس الهواء وله رئتان ومنخران، وحين اضطر أن يعود إلى الماء حدثت كل هذه التحولات والتغيرات عبر ملايين السنين. وطبعا ليست فقط هذه هي الآثار الباقية من الحيوان البري، يمكن الرجوع لحلقات سابقة تتحدث عن بعض البقايا التي تؤكد الأصل البري له، كالولادة وإدرار اللبن والإرضاع والقلب بغرفه الأربعة، مثل الانسان وبعض الثدييات التي لها قلوب بغرف أربعة، وكذلك مسألة عوم الحيتانيات، اذ تعوم بالطريقة التي تعدو بها الفقاريات رباعية الاطراف البرية، اذ يتماوج عمودها الفقري عُلوا وسُفلا، وتضرب بذيولها لأعلى وأسفل، وهذه أشياء قد لا يلتفت إليها الشخص العادي ولا يعرف دلالاتها، اما سائر الأسماك فتعوم بطريقة الضرب يمينا وشمالا. وعن ما يتعلق بالبقايا الأثرية المطمورة في مؤخرة الحيتان وهي عظام صغيرة جدا، فبالنسبة للزعانف الأمامية نجد بوضوح عظام تشابه تماما عظام الطرفين الأماميين، لكن في الخلف توجد عظام صغيرة مطمورة، تحكي بقايا حزام الحوض، وعظيمات أخرى تنتمي إلى الأطراف الخلفية التي كانت للأسلاف.

الرد : إذن الحوت والدلفين والفقمة ربما حيوانات برية، وكذلك عجل البحر وأسد البحر، كلها من ثدييات برية قررت أن تعيش في البحر بعد أن قررت سابقا أن تخرج منه، إنها ليست مشكلة حوت فقط! وهذه هي أكبر الاحياء البحرية بل من أكبر الأحياء على الأرض. علينا أن نصدّق، لأن لها منخرين في أعلى رأسها! وإذا بها ذات منخر واحد، وانتهى الأمر. إن الانتخاب الطبيعي في هذه الحالة يتخبط ويتناقض، مع أنه يختار الأحسن، أين الأحسن : إخراجها من البحر أم إعادتها للبحر بعد أن تعب في تطويرها على البر؟

ولماذا كل هذا العنت والتعب؟ الطبيعة والحياة أسهل من هذا، هذا وهي لها فتحة واحدة، فكيف لو كانت لها فتحتين؟ لو كان للحوت فتحتان للتنفس لصنف من الحيوانات البرية الثديية رسميا على ما يبدو. التعب والعنت حقيقة هو ما يقومون به بإسم العلم من تعسف وإلتواء.

وبخصوص التساؤل لماذا تتنفس وهي في البحر وبناء عليه نفوا خلق الله للحيتان بهذا التصميم، هم بهذه الحجة الضعيفة نفوا خلق الله، لأن مقياسهم هو السمك، وما اختلف عن السمك لا بد أنه كان حيوانا ثدييا بريا سقط في الماء، أو أي شيء آخر، وهكذا، هذه نظرة سطحية جدا لعالم البحار والأسرار. المهم أنه في البحر لا يوجد إلا السمك. وما هو سبب هذا الافتراض؟ كثرة السمك، انتهى الأمر!

حسنا : الأخطبوط لماذا ليس له زعانف مثل الناس في البحر؟ إذن لا بد أن هناك خط تطوري جاء به، قد يكون تطور - من وجهة نظري التطورية - من ثعبانين ذكرين بريين تصارعا على ثعبان أنثى، تعاركت وصارت عقدة في وسطها ولم تستطع أن تنفك وتدحرجت وسقطت في الماء، وعمل الانتخاب الطبيعي عمله المعتاد كما عمل مع الهيبو، وقررت أن تعيش هذه الثلاث ثعابين عيشة جماعية، وهذا ما يفسر أن للأخطبوط ثلاث قلوب. هكذا يُصنع العلم عندهم، خرّف واستدلّ بأي استدلال تصبح صاحب نظرية على حسب قبولها في دوائر الإعلام تتحول إلى علم، وبالتالي تتحول أنت إلى عالم كبير. هكذا فسّرنا تطوريا لماذا للاخطبوط ثلاثة قلوب. أدعو لحفظ حقي الفكري في تفسير تطور الأخطبوط علميا J .

هذه المجموعة من الحيتان والدلافين وغيرها ممن يتنفسون الهواء : ألم يطوروا كل شيء في أجسامهم ليتناسب مع حياة الماء وصاروا كالأسماك تماما؟ تركوا أهم شيء وهو التنفس بدون أي تطوير، لدرجة أنهم استطاعوا تغيير فتحة التنفس من الأنف إلى قمة الرأس! فلماذا لم يطوروا خياشيم أسهل من كل هذه التطورات الهائلة التي تجعله لا يشبه الكائنات الثديية أبدا ويشبه الاسماك؟ إلا أنه لا يتنفس من أكسجين الماء مما يضطره للقفز كي يتنفس وعدم السباحة في أعماق البحر، وهذا يحرمه من فرص. عبر تاريخها الطويل ألم تقفز طفرة سعيدة فنجد دلفينا يتنفس تحت الماء وآخر يتنفس الهواء الخارجي؟ لماذا لم يتزاوجوا مع القروش مثلا وتتكون طفرة سعيدة وتنحل المشكلة؟ إنها نظرية بائسة ومتعسفة، لكنها تخدم الالحاد، ماذا نفعل؟ علينا أن نقبلها وأن ندافع عنها كلما هوت بالسقوط، هكذا لسان حالهم يقول.

ليس صحيحا أن كل ما يعيش في الماء لا بد أن يكون له خياشيم، حتى البرمائيات تستطيع أن تعيش في الماء و لديها رئة. فأن يكون الحوت مثلا له رئة ويحتاج تنفس الهواء، فهذا لم يضر الحوت ولم يؤثر به، ولكي يظهر الحوت ويُرى، وهذا تسخير من الله للصيادين والبحارة، ووظيفته هي التقاط العوالق القريبة من السطح، عن طريق ابتلاع كمية كبيرة من الماء، فهو يعمل كمكنسة كبيرة. البحر له مستويات، هناك من يعيش في الأعماق، وهناك من يعيش في مستوى ارفع من الأعماق، وهناك من يعيش قرب السطح، كلٌ موزعٌ له طريقته في العيش ورزقه. لو كان الحوت يعيش على البيوض والعلقات في أسفل البحر لربما دمّر البيئة البحرية، لأن هناك التبييض والصغار، كأن ما نضج منها وارتفع للسطح يأكل الحوت وأشباهه الزائد منها. مثلما تأكل الأغنام رؤوس الحشائش.

مع أن الحوت يبتلع كمية من الماء، ناسب أن يكون تنفسه من الهواء الخارجي، فهو يُخرج الماء عن طريق الزفير، لكن لو كان يتنفس بخياشيم لكانت العملية عملية ابتلاع وتقيؤ، لكن عملية التنفس يتم معها عملية الأكل بصفة دائمة، هذا ما يفسر ضخامة حجم الحوت، فهو يأكل مع التنفس، تخيل ضخامة هذا الحجم وهو يعبث في قاع البحر ويثير الطين والتراب، لن يشعر احد من سكان البحر بالأمان في مساكنهم وحضاناتهم، لهذا جعل الله الحوت سمكة وليس سمكة، لكي يبقى قريبا من السطح فلا يفسد الحياة البحرية والحضانات. هذا غير انه يستطيع أن يغوص في الماء لمدة طويلة ثم يخرج للتنفس ولزفر الماء والهواء. 

كذلك الدلفين صديق البحّارة، ولكي لا تتضرر الحياة البحرية في القاع، فلو كان الحوت يعيش في القاع لابتلع بيوض الأسماك، لأنه يشفط الماء بكميات هائلة، وأيضا لكي ينقّي سطح البحر، ويزفر الماء بقوة، مثل هذا التبرير ليس دقيقا ولا علميا، الذي هو : "بما أن الحوت له رئة إذن هو ليس حيوانا بحريا، وهذا يؤكد انه متطور!" هذا مجرد كلام، فالنعام له ريش وجناحان ولكنه لا يطير أبدا. فهل هذا يعتبر خطأ آخر؟ هذه لا تثبت التطور بقدر ما تثبت نقص العلم في دراسة التخصصات الحيوانية ووظائفها، مثل ما رأينا في الفرق بين الماعز والضأن، فهما اختلفا في الوظيفة فاختلفا في الشكل، مع أنهما من نوع واحد. ومثل ما رأينا في اختلاف كلب الحراسة عن كلب الصيد. اختلاف الوظيفة يؤدي إلى اختلاف الشكل، والذي خلق الوظيفة خلق لها نوعاً يناسبها.

لو كانت الرئة في الحوت أثرا باقيا، فكيف يغيّر الانتخاب الطبيعي كل حجم وشكل ذلك العجل الموهوم ولا يغير الرئة؟ أليس الأفضل أن يكون له خياشيم؟ لماذا تركها الانتخاب الطبيعي مع أنه مرّت عليه ملايين السنين وهي كافية لإحداث مثل هذا التغير؟ خصوصا وأن الانتخاب الطبيعي غيّر كل جسم ذلك الحيوان وجعله كالسمكة تماما، بعد أن أزال أرجله وأظلافه ، ثم يعجز أن يغير رئته ؟! هذا تبرير مضحك.

(الدقيقة : 38) يتحدث الدكتور عن الطيور التي لا تطير، وهي شواهد حية من التاريخ لا تزال تعيش بيننا، وهي كثيرة مثل طيور الريا، والنعام، وطيور الموا، والبطريق، من هذه الطيور التي لا تطير من هو بارع في العَدْو والجري، ومنها من هو بارع في العوم، ولهذا دلالة.

فالطيور التي تعدو جيدا، كالريا والأموس والنعام، نلاحظ أن لها أجنحة، وهنا ماذا سيقول الخلقوي التكويني الذي يدعي أن كل خلق قد خلق خلقا مستقلا؟ وليس هناك تطور أو تطوير؟ والتطوير (التطوّر الموجّه) بمعنى أن هناك تطوّر لكنّه موجّه من الخالق، ويقول الدكتور أن هذا هو ما يؤمن به حتى يرتاح من يريد أن يعرف، ويقول ان التطوير هو الذي سيفسر لنا أشياء يعجز التطور عن تفسيرها حتى، وهو ما يثبت أن التطوير هو أسلوب الله في الخلق وأراد أن يخلق الكائنات بهذه الطريقة.

نعود إلى الخلقوي والتكويني، فهو لا يستطيع أن يفسر لماذا لهذه الطيور أجنحة ولا تطير؟ هل الله يخلق شيئا عبثا؟ هل يخلق عضوا بلا وظيفة ولا أهمية ولا هدف؟ (خلق كل شيء فقدره تقديرا) فكل شيء في مكانه، إذن أين مكان هذه الأجنحة؟ النعامة بأجنحة ولا تطير، الأموس بأجنحة ولا تطير، الريا بأجنحة ولا تطير، والبطريق بأجنحة ولا يطير، طبعا سيحكّ الخلقوي رأسه ويفكر لماذا، بينما التطوري يقول لك أن الجواب سهل، فهذه الكائنات منحدرة من طيور كانت تطير فعلا، لكن لأسباب أو لأخرى لم تعد تطير، ويقدمون مقترحات مختلفة في كل مرة عن هذه الأسباب، فيقول لك التطوري أن طيور الموا التي تعيش في نيوزلندا، وبالمناسبة نيوزلندا هي البلد التي لها نصيب وافر من الطيور التي لا تطير، ونيوزلندا بلد يخلو من الثدييات، ففي العصور القديمة جاءت هذه الطيور من خلال الطيران، اذ كانت تطير سابقا، وحطّت في نيوزلندا، وهناك مساحة بيئية شاسعة مفروشة ومتروكة ولا نزاع عليها، تركتها الثدييات الغير موجودة هناك لهذه المُهاجِرَات الجديدة، وتطورت فيها بهدوء، وكل شيء متوفر، الطعام والشراب ولا يوجد نزاع، فوجدت نفسها لا تحتاج حتى أن تطير لتبحث عن رزقها في الاجواء او تهرب من مفترسات، وبفعل الزمن الطويل فقدت الحاجة الى الطيران، فتحور الجناحان شيئا فشيئا وفقدا لياقة الطيران، فهذه الطيور نسيت كيف تطير، وبعض التطوريون يقول انها نسيت انها نسيت كيف تطير، فنسي كيف يطير أي لا يحاول أن يطير، لكن ان ينسى انه نسي كيف يطير فهذا يعني أنه سيقع كالطوبة لما يصعد إلى أعلى شجرة كي يطير. فطائر الكاكابو الموجود في نيوزلندا، وهو الذي نسي انه نسي كيف يطير، اذ يرمي نفسه فيقع على الأرض كالطوبة ويظل يحاول باستحماق أن يطير.

اذن الطيور التي لها أجنحة ولا تطير لماذا لا تطير؟ لأن هذا مسار تطوري فقط، هذه هي القضية، فخلقيا من الصعب أن تفسر هذا، فلا بد للخلق والتصميم ان يكون عبر خطة وان يكون كل شيء في مكانه، بلا زيادة ولا نقصان ولا عيوب، وهذا غير حاصل، بل توجد زيادات ونقصان وعيوب، اذن القضية تطور، أو تطوير.

الرد : كشف الدكتور الآن عن وجهة نظره في هذه الحلقة الرابعة والعشرون، لئلا يأتي احد ويقول أني انتقد الدكتور وكأنه مؤيد للتطور وهو لم يقل وجهة نظره كما وعد بها، هذا اعتراف صريح منه أنه يؤمن بالتطوير الموجه، مثل الدكتور عمرو شريف، وكأن الله عاجز فيطوّر من خلال المحاولات والصح والخطأ.

توجد سحالي تستطيع الطيران والقفز من الأشجار، مع أنها مخلوقة كسحلية في الأصل وليست طائرا، فالسحالي تمشي ولا تطير، هنا مأزق للخلقويين أيضا. الدجاج بشكل عام يستطيع أن يطير، لكنه لا يحب أن يطير، وهذا مأزق للتطوريين، لماذا لا يحب أن يطير مع أنه يستطيع أن يطير؟ أليس الطيران أفضل؟ هنا تُجيب الوظيفة والتسخير، الوظيفة هي التي تبقيه، والتسخير أيضا، لأنها مخلوقات مذلّلة للإنسان، ولاحظ حاجة الإنسان إليها، ولاحظ أيضا ميزة الإيلاف، فهي تحنّ إلى أماكن حظائرها وتعود إليها، مع أن الفضاء الخارجي أوسع وأكثر رزقا، هذه الميزة لا توجد في كل الحيوانات، لا يستطيع أحد أن يدرب ذئبا لكي يحرس بيته أو مزرعته، لكن من السهل أن تربي كلبا ويألف مكانك ويدافع عنك، ومن الصعب أن يربي الإنسان غزلانا تعود لحظائرها كما تفعل الأغنام إذا انتهت من الرعي، بل حتى أغنام السرح تترك القطيع وتذهب إلى البيت، أي أنها تركت غريزة القطيع ونزعت إلى غريزة الإيلاف، مع أنها قد تكون تعيش لوحدها في هذا المنزل، ويأتي الراعي للقرية أو المدينة ولا يجد صعوبة في توزيع الأبقار أو الأغنام، لأن كل واحدة تذهب إلى بيتها. لماذا هذا الاختلاف؟ هذا تسخير خاص للإنسان. مائة جمل يستطيع أن يرعاها طفل ويردّها عن الحوض، لماذا هذا؟ انه التسخير. قال تعالى (وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون) هذا هو التذليل والإيلاف.

إن الحيوانات الأليفة إذا أحست بالجوع تخرج لتتناول الطعام ثم تعود إلى مكان إيلافها، هذه غريزة تسخيرية خاصة لأنواع معينة.

إذا كان القرد اقرب للإنسان بنسبة 98% فلماذا لم يربّه الإنسان؟ لماذا يوضع في قفص بينما الأغنام تعود إلى مكانها؟ وكذلك الكلب وتربيته؟

لو كانت تلك الطيور تطير لانتقلت من مكان لآخر. بالذات في حالة الجوع والعطش، لكنها لا تفعل ذلك ولا تطير من الحظيرة، مع أن لها أجنحة! كم شاهدنا من دجاجة تطير؟ البط الداجن يستطيع أن يطير لكنه لا يحب أن يطير، أليس الطيران أفضل؟

إذا كانت الأجنحة عبثا فالله يخلق عبثا، لكن الأجنحة ليست عبثا للنعام ولا البطريق ولا الريا ولا الدجاج ولا البط، هي لها وظائف، مع أنها لا تطير بها.

النعامة مخلوقة لتعدو لكنها ليست طائرا أصلا، ولم تكن يوما من الأيام طائرا، بدليل ريشها الناعم الذي لا يستطيع حمل هذا الجسم الضخم ولا يمكن أن يحمله يوما من الايام، بل إنه لا يسمى ريش، هو نوع ليس شعرا وليس ريشا، وهل النعامة تعيش في نيوزلندا أيضا حتى لا تطير؟ هذا ليست تفسيرا. وماذا عن البطريق؟ هل عاش في نيوزلندا ام في القطب؟ جميلة جدا كلمة (نسيت أن تطير) هذه، الحيوان ينسى غرائزه إذن! وينسى أسلوب حياته وينسى أنه طائر! ما هذا العبث؟

لماذا الدجاج والبط تستطيع أن تطير لكن لا تريد أن تطير؟ ألقِ الدجاجة او البطة من أعلى وسوف تطير، لكن تستطيع أن تمسكها على الأرض دون ان تطير! ما هذا اللغز؟ وأين هي العيوب والزيادات والنقصان؟ والتطوريون لم يستطيعوا أن يعرفوا كم عدد الأحياء، فليتواضعوا قليلا بحق الطبيعة!

كثير من الطيور التي لا تطير تستطيع الطيران في بعض الظروف، مثل الدجاج والبط، والآن السؤال : لماذا؟ أجيبوا عن هذا تطوريا. إذن هي تستطيع أن تطير، أليس الطيران عبارة عن تطور وبُعد آخر؟ لماذا إذن هذه الطيور لا تحب أن تطير؟ هذه الطيور التي لا تطير تستفيد من إمكانات الأجنحة، وتستخدم ريشها في التخويف أيضا، وتفيدها في عملية المراوغة والدفاع عن النفس و تستخدمها كوسائل للتخويف ويساعدها في القفز وتخفيف السقوط من منحدر وحماية صغارها، نستطيع أن نسميها حيوانات قافزة، لكن وظيفتها في الطبيعة لا تقتضي الطيران، فلماذا تسمى طيورا؟ هذا خطأ تصنيفي معتمد على أنها تشبه الطيور فقط. الأصناف كثيرة جدا وليست فقط طيور او ثدييات او رئيسيات وانتهى الأمر.

الوظيفة لا تجعلها طيورا. فالدجاج مثلا يحب الاستقرار، وهذا منافي للطيران، ولأن دورها هو التنظيف في هذا المكان الذي تعيش فيه، ولذلك هي تحرث بمخالبها الأرض، وتلتقط الديدان من الأرض، وهذا لا تفعله كل الطيور. نعرف ونفهم أكثر الاختلافات بين أنواع الحيوانات أو الطيور من خلال الدراسة الدقيقة لوظيفة ذلك النوع الذي لا يقوم بها إلا هو، لأن لكل حيوان وظيفة مشتركة مع الأنواع القريبة منه، وله وظيفة خاصة لا يقوم بها إلا هو، وهي ما تبرر اختلافه وليس التطور، أي أن نظرية الوظيفة والتوازن البيئي تفسّر اختلاف الأنواع بدلا من تفسيرات نظرية التطور. فالبط والدجاج لا يحتاجان للطيران مع إمكانية أن يطيرا، وذلك بسبب ربط الوظيفة، لأن وظيفتهما مكانية تنظيفية من حيث تنقية المكان من الحشرات والديدان. البط والدجاج في الحقيقة آكلات عوالق وديدان، مع أكلهما للبذور والحبوب، فقط البط يتغذى في بيئة مائية رطبة على عوالق المياه، بعكس الدجاج الذي لا يقترب من المياه، البط يشبه الحوت في طريقة التغذية أكثر من الهيبو الذي يعيش على الأعشاب. لو ترمي حبوبا وديدانا للدجاجة لرأيتها تذهب مباشرة إلى الدودة، بينما الحمامة لا تفعل ذلك، فهي تذهب للحبوب مباشرة. من الممكن أن نجرب ونضع أمام الحيوان عدة أنواع من الطعام ويكون جائعا، وننظر لأيّها يذهب أولا، هذا يساعد في تحديد وظيفته.

جهل الكثيرين من المهتمين بالأحياء أو تجاهلهم للوظيفة عند الكائنات الحية هو الذي جعلهم يفترضون صحة نظرية التطور، لأنها تقدم تفسيرات كما يزعمون أنها هي الأفضل وأنها الوحيدة، لو كانوا يعرفون تفسير الوظيفة والتوازن البيئي لما قالوا أنها هي الوحيدة. على هذا، يجب أن يكون تصنيف الحيوانات بشكل عام على وظيفتها وليس على هيئتها. فسوف ترى في التصنيف الجديد (الوظيفي) أن حشرة ربما تكون أقرب إلى حيوان ثديي من حيوان ثديي آخر، تبعاً للوظيفة.

الله سخّر هذه الطيور لكي تخدم الإنسان ولكي لا تطير وتفرّ منه، حتى يستطيع أن يأكل لحم الطيور دون أن تطير وتفرّ منه، فالدجاج يمثّل الطيور البرية والبط و الوز يمثل الطيور المائية.

بالنسبة للديدان تستطيع الدجاجة ان تلتقطها بمنقارها المدبب القوي، مع مخالبها التي تحرث الأرض، خصوصا الأماكن الرطبة لأنها تبحث عن الديدان، لو كانت تبحث عن الحبوب لنبشت التربة الرطبة واليابسة، لكنها تبحث عن الديدان والحشرات، والتي تكثر في التراب الرطب أو الثرى. إذن هي من الحيوانات المسخّرة للإنسان، لأنها تقوم بدور النظافة وقتل الحشرات، مثلما سخّر للإنسان الكلب والقط.

هناك نوعان من التسخير: تسخير مباشر مثل تسخير الأنعام والكلب والقط والدجاج والبط والنحل وغيرها، وتسخير غير مباشر، مثل تسخير القرد والأسد والفيل والغزال الخ، وتلك الحيوانات المسخرة للإنسان لا يعني انه هو الذي استأنسها، وإلا لاستأنس الحمار الوحشي بدلا من الحمار العادي، لأن الوحشي أقوى، ولاستأنس الفهد أو النمر أو الأسد بدلا من الكلب للحراسة، وإذا قيل انه لم يستأنس إلا الكائنات التي استطاع أن يؤنسها لضعفه في ذلك الحين، فهل الثور ضعيف أو الجمل ضعيف؟ والغزال أصغر من الثور والجاموس والجمل والفيل، فلماذا لم يستأنسه كما استأنس الماعز التي تعيش في رؤوس الجبال؟ مع أن الغزال في التراث الإنساني له شأن كبير، لا من حيث جماله ولا من حيث لحمه، فلماذا لم يستأنسه وهو يتغزل فيه في كل أشعاره؟ بينما يستأنس الحمار الذي يستعمله لنكته وطرائفه؟

لا يوجد شيء اسمه استئناس، انه خرافة مثل خرافة الانقراض الطبيعي، يراد لها أن تكون بديلة عن فكرة التسخير التي يرددها القرآن كثيرا، قال تعالى (سخر لكم بهيمة الأنعام) ، (والخيل والبغال والحمير لتركبوها)، فهذه ميادين السيرك وحدائق الحيوانات من قديم، ماذا استأنست؟ الكلب كلب والذئب ذئب رغم التقارب الكبير بينهما. الفيل واللاما يستخدمونها للنقل في البيئات التي ليس فيها جمال، وكذلك حيوان الرنة. يبدو أن كل بيئة لديها مستأنسات مسخرات، والاستئناس الذي نقصده هو أن يعود الحيوان إلى مكانه أو حظيرته ولا يهرب، ولا يعتدي إلا دفاعا عن نفسه أو دفاعا عن حظيرته أو أولاده.   

من باب أولى أن يكون الإنسان قد استأنس القرد لأنه أقرب له جسميا، لكن القرد وحشي وليس أليف، والكلب أفضل من القرد و أوفى منه. يمكن إطلاق الكلب في مكان في المنزل، ولكن لا يمكن فعل ذلك بالنسبة للقرد، لأنه سيقلب المكان إلى فوضى ويهرب ولا يعود.

(الدقيقة : 47 الثانية : 5) يتحدث الدكتور عن حشرات فقدت أجنحتها، اذ أن من المفترض أن الحشرة لها اجنحة، والمفترض أن الحشرة لها اربعة اجنحة، لكن هناك حشرات بلا أية اجنحة، وحشرات بجناحين، كالذبابة "المسكينة الهبلاء الذكية الملعونة"، لكن أسلافها القديمون كانوا بأربعة أجنحة. كذلك البعوضة بجناحين وليست بأربعة أجنحة. يذكر الدكتور أن 97% من الحشرات مجنّحة، والباقي غير مجنحة، فقدت أجنحتها. فمنها من فقدت جناحين، ومنها من فقد الأجنحة كلها، مثل النمل الشغّال، لكن الملكة لديها أجنحة تبقى معها إلى حين، والذكور كذلك لديهم أجنحة، لكن النمل الشغال ليس لديه أجنحة. وسنعرف السبب والحكمة من ذلك، لأنها تعيش تحت الأرض فلماذا تحتاج الأجنحة؟ ومن العجيب ان هناك أنواع تتطفل على الأرضة وعلى النمل، بعض هذه الطفيليات خنافس، وهي فاقدة للأجنحة، لأن هذه الاجنحة تعوقها تحت الارض، وما دام من الأفضل ان يعيش النمل الشغال تحت الارض بلا أجنحة تعوقها، فالذي حصل هو انها تركتها، اذن المسألة تطوّر بحسب الحاجة.

ونعود إلى الذباب، فالذباب من المؤكد انه تحدر من حشرات رباعية الاجنحة، لكنه الآن ثنائي الأجنحة، أين ذهب الجناحان الآخران؟ إنهما موجودان، فعندما تدرس تشريح الذبابة ترى الجناحين في الأعلى، لكن تحتهما يوجد جناحان صغيران موازنان، أي يقومان بعملية التوازن، وقد تم اختزالهما كمُوازِنين صغيرين على الجانبين، وتم تأكيد أنهما جناحين وليسا شيئا آخر لأنهما في نفس المكان، ويتحركان بنفس حركة جناحي الذبابة، حيث ان حركة جناح البعوضة ليس أعلى أسفل ولا يمين شمال، بل على شكل رقم ثمانية بالإنجليزية ، وهذان الموازنان يتحركان بنفس طريقة الجناحين أعلاهما، اذن هما جناحان. وهذا يعني وجود تطور، فهناك اشياء تختفي وأشياء تُختزل، واشياء تظهر.

بالنسبة لحشرة لاحسة السكر، وهي حشرة ليس لها أجنحة أساسا، من المؤكد انها تطورت من حشرات ذات اجنحة، وأجنحة أربعة كذلك، لكنها فقدتها ولم تعد تحتاج إليها. كذلك البراغيث حشرات ليست لها اجنحة أو تم اختزالها إلى حد بعيد جدا، لكن نستطيع ان نقول انها فقدت الأجنحة مع أنها في الماضي البعيد من المؤكد أنه كان لها أجنحة. كذلك القمل ليس له أجنحة، بينما اسلافه له اجنحة، اذن هناك تطور بالفقد والاختزال.

كذلك العثة الغجرية، لديها عضلات اجنحة، لكنها لا تملك اجنحة، وبالتالي لا تطير، لكن ما سبب وجود عضلات الأجنحة؟ إنها آثار باقية لكي تدلنا على أجنحة كانت موجودة قبل ملايين السنين، لكنها راحت، وهذا هو التطور، وهذه العضلات ليس لها أي وظيفة، ربما بعد 50 مليون سنة او 10 مليون سنة تُفقد حتى العضلات، لكن في هذا اليوم وهذا الوقت هذه العضلات موجودة في حشرة لا تطير ولا تحتاج ان تطير، وذلك في العثة الغجرية الانثى، لكن الذكر منها يطير، وهذا بسبب أن الانثى تفرز مادة كيميائية شديدة الإغراء للذكر وشديدة التركيز، بحيث انه مهما تم تخفيف تركيزها كما فعل العلماء فإن الذكر يشمها ويأتي على المسار الكيميائي.

يقول علماء التطور أن هناك شيء غير مفهوم وغير مفسّر في ذلك، ويجيب الدكتور أن هناك خطة وراء كل هذه الأمور أصلا، فهناك منطق كبير حاكم على كل القصة، هناك ذكاء مهيمن على المشهد كله. ويذكر الدكتور انه ليست لديه مشكلة مع التطور فهو أسلوب الله في الخلق، لكن هناك منطق أبعد من هذا، فكون العثة الغجرية الانثى لا تطير ولديها عضلات للأجنحة لكنها لا تطير بسبب عدم وجود الأجنحة، والذكر يطير. إن المسألة ليست أن الانثى لا تحتاج لان تطير، بل المسألة هي أنه من الأفضل ألا تطير، لأنها لو كانت تطير فلن يلتقيا إلا ما شاء الله، فالحشرات ليس تعيش كمجموعات اجتماعية او كقبيلة، بل الذكور تعيش في مكان والاناث في مكان آخر، فلكي تجذب الذكر ويواصلوا التناسل والحياة لا بد ان تفرز هذه المادة الكيميائية وتظل في مكانها، فلو كانت تطير لكان في اثناء طيران الذكر إليها قد طارت هي إلى مكان آخر وبالتالي لا يلتقيا، وهذا كلام علماء التطور وليس كلام الدكتور، اذن التطور بهذا الشكل محكوم بغاية وأهداف، وهناك شيء يُحذف وشيء يُزاد وشيء يُنقص لكي يحقق شيئا ما، ليست المسألة ضرب عشوائي، هناك عمق في الموضوع، وهذا العمق سيجيب عن ما هو روح التطور وما الذي يقبع خلفه، وهذا لكي نكون مطمئنين أن التطور هو اسلوب الله في الخلق.   

الرد : أين كان النمل يعيش؟ وما هو أسلوب حياته؟ أهي بهذه البساطة يبدل أسلوب حياته بالكامل وينزع اجنحته ويعيش في جحور تحت الارض؟ ما الدافع لهذا؟ ألم يكن يتغذى من قبل؟ وله أسلوب وعادة في الطيران؟ ما المبرر المنطقي لكي يغير هذا النوع من تغذيته وشكله وسكنه؟ مع أن أموره كانت ماشية بدليل عدم انقراضه؟ هذا تغير كامل! ما الدافع إليه؟ الإنسان نفسه لا يحب التغيير بأسلوب حياته أو عمله، فما بالك بالحشرات؟ بل حشرات لها سعة وكثرة على مستوى العالم وموجودة في كل مكان فيه! وهذه الذكور لها أجنحة وتعيش تحت الأرض أيضا، لماذا لم تتخلص الذكور والملكة من أجنحتها مع أنها تعيش تحت الأرض؟ هل نسي الإنتخاب الطبيعي ذلك؟ هذه من المشاكل التي تواجه التطوريين مع كل قفزة تطورية. لماذا يبدل الكائن أسلوب حياته ويبدل معه جسمه؟ سيقول التطوري : لأنه فاشل، سنقول : لماذا لم ينقرض اذن؟ وهذا هو الموال.

علم الطبيعة يدرس الطبيعة كما هي، لا أن يدرس وعنده فكرة يريد أن يثبتها في الطبيعة، هذا منهج غير علمي. التطوريون برروا فقدان النمل أجنحته بأنه صعب أن يعيش بها تحت الأرض، بينما الملكة والذكور لهم اجنحة ويعيشون تحت الارض! كان بإمكان البقية أن يعيشوا مثلهم ويستمتعون بالطيران الذي يسهّل انتقالهم.

وأين دور المورثات والجينات في الموضوع؟ لماذا تضع الأجنحة للملكة والذكور وتمنعها عن البقية؟ مع أنهم أبناؤها وأبناء الذكور! أين مندل عن هذا؟ نجد نملة شغالة أبوها الذكر بأجنحة وأمها الملكة بأجنحة وهي المسكينة بلا أجنحة! أليست المورثات تؤخذ من الأب والأم؟ أين مندل وقوانينه لتجيبنا؟ وأين الأجهزة التناسلية في النمل الشغال؟ لماذا هي عقيمة؟ عقم البغل مثلا لأنه هجين من نوعين، أما النمل الشغال فهو عقيم من أب وأم ليسوا من نوعين مختلفين. هنا يأتي دور الوظيفة والتسخير والقصر ليفسر هذه الظاهرة، فلو كانت كل نملة تبيض لامتلأت الأرض نملا، أنظر إلى كثرتها مع أنها كلها أبناء نملة واحدة، هنا نظريتنا تفسر أفضل من نظرية التطور ومن نظرية الوراثة، لأن التطور يقول البقاء للأقوى، والكثرة قوة، فلماذا قصر التناسل فقط على نملة واحدة؟ لو كان الكل في الخلية يتناسل لكان أفضل، وقوانين الوراثة تعطلت لأن الإبن لم يأخذ مورثات الجنس ولا الأجنحة من والديه الصرحاء. وليس النمل الشغال إبنا واحدا فقط، بل هو أكثر أفراد الخلية، أي أن أكثر الأفراد من أكثر سكان الأرض (و هم النمل) لم يرثوا من أمهم أو أبيهم هذه المورثات (الجنسية والأجنحة). وهذا يكون في أي خلية نمل. هذه إرادة إلهية وليست بالصدف العمياء والخلط والمزج، (و كم من آية يمرون بها و هم عنها معرضون). أين دور الجينات وطفراتها ومزجها؟ اذن حتى الجينات خاضعة لهذه الإرادة. ولا يوجد شيء في الطبيعة يتحكم من نفسه، لا يوجد متمرد على الله في الطبيعة، لا جينات ولا غيرها، الله لا يغفل عن خلقه ولا عن كونه ويتركه للصدف العمياء تطوره عن الوضع الذي خلقه عليه إلى أوضاع غريبة لم يردها الخالق، سبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم، (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها). الله يعرف سقوط الورقة الصفراء من شجرة في غابة، فكيف لا يعلم عن الأزمات التي تمر بها الأحياء ويتركهم يتخبطون لكي ينقذهم الإله الآخر (الإنتخاب الطبيعي) المبني على صدف بحتة؟ سبحان الله لا شريك له.

أن يفترض الدكتور أن كل الحشرات كان لها أجنحة، هذا كلام لا يراعي الوظيفة ولا التوازن البيئي، لأن الوظيفة قد تقتضي الطيران في أنواع وقد لا تقتضيها في أخرى، فكيف يفترض الدكتور أنها كلها كانت تطير؟ ثم إنه يفسّر ما ليس له أجنحة بأن (الوظيفة) هي التي جعلته بدون أجنحة، أي الحاجة، كالقمل مثلا، إذن أين كانت الحاجة عندما كانت كل الحشرات لها أجنحة؟ من التناقض أن يخبرنا الدكتور أنها كلها كانت ذوات أجنحة ثم يقول أن الوظيفة البيئية هي التي جعلت بعض هذه الأنواع بلا أجنحة، مع أن البيئة هي هي .

التطوريون مرة يراعون التوازن البيئي و دور البيئة، ومرة لا يراعونها أبدا، فمرة يجعلون كل الأحياء على الأرض ديناصورات فقط أو أسماك  فقط أو حشرات بأربعة أجنحة فقط، ثم يلتفتون للبيئة و وظائفها ويجعلونها تُخصص وتنوّع! مع أن البيئة لم تتغير، فما دام أنها احتملتهم و هم نوع واحد ، وتوازنت بنوع واحد، إذن ما الداعي للتنوع؟ سيقولون : البيئة، وهذا غباء. التطوريون يقعون في مغالطة جعل الشيء يؤدي إلى الشيء ونقيضه أيضا، وتبرير الشيء ونقيضه بسبب واحد، وهو البيئة، وهذا مخالف للمنطق السليم.

ليس شرطا أن تكون أنثى العثة الغجرية تطورت وصارت بلا أجنحة، بدليل وجود عضلات الأجنحة، هذا يشبه وجود الثديين في صدر ذكر الإنسان، فهل هذا يعني انه كان يدر حليبا ثم تطوّر وتوقف عن الدرّ وصار ضامراً ؟ هل كلا الجنسين الذكر والأنثى كانا ينتجان حليبا فضمرَ أحدهما؟ هذا غير منطقي. ولكن هذا رحمة من الله لكي يعرفا تقاربهما، لأن الاختلاف الكبير ينتج وحشة وتفرقة، وإذا كانت أنثى العثة يوما من الأيام تطير، فسنقع في نفس المشكلة التي برر الدكتور بها عدم طيران الأنثى، لأنه إذا كان كلاهما يطير سيصعب أن يلتقيا، لأن الأنثى تفرز مادة كيميائية، فيأتي الذكر فيجد أنها قد طارت، فكيف كانا يلتقيان عندما كان كلاهما بأجنحة؟ وكيف تلتقي الحشرات التي يطير فيها الذكر والانثى كالفراش وغيرها؟ هذا تفسير ضعيف.

(آخر الحلقة) يتحدث الدكتور عن مسألة أخرى شبيهة بالطيور التي لا تطير والحشرات التي ليس لها اجنحة، وهي مسألة الحيوانات الكهفية التي تعيش في الكهوف المظلمة، هذه الكائنات فقدت أعيُنها تماما، أو أنها لم تفقدها تماما ولكنها تكاد تفقد النظر، ترى وكأنها لا ترى، وبعضها لا يرى بالمرة، وبعضها أعينها مختفية خلف الجلد، مثل عين الدمية، أي ان العين في محجرها لا تتحرك اطلاقا، لماذا هذا؟ هنا نجد الخلقوي التكويني يقف عاجزا، فلماذا عين الدمية هذه ما دام ان الخلق تم مستقلا و وفق تصميم سابق؟ ما الفائدة منها؟ وسيكمل الدكتور ما تبقى من حديثه في حلقة قادمة.

الرد : بخصوص الحيوانات التي لها عيون ولكنها لا ترى، فالقول بأنها لا ترى بالمطلق كلام غير دقيق، لأنه يكفيها فقط ومضة النور لكي تعود أدراجها، فالعين ليست فقط لإبصار الخارج، فهي تفيد في معرفة المكان المضيء من المظلم أيضا، ولو أن مثل هذه الكائنات لا عيون لها، لخرجت إلى الضوء وتعرضت للافتراس أو غيره. حتى إن كثيراً من العميان يحسون بالنور إذا أُطفئ أو أُشعل، مع أن عيونهم بيضاء بالكامل. وحتى الإنسان وهو مطبق الجفنين يستطيع أن يميز النور من الظلام، ويشعر النائم بأن الأنوار مضاءة.

حتى تعيش بظلام كامل تحتاج إلى عيون لتعرف مكان الضوء وتبتعد عنه. ليس التطور هو الذي جعلها تندس في التربة وكانت خارج التربة سابقا، لا أحد يذهب من السعة إلى الضيق، لكن التسخير الإلهي هو الذي جعلها تعيش في الأماكن المظلمة وتحت التربة لتقوم بدورها في التوازن البيئي. 

بعض المعلومات العلمية عبارة عن إجتراءات على العلم، وقطع بشيء غير مؤكد، فكيف تمت معرفة أن هذه الحيوانات لا ترى بعيونها أي نور إطلاقا؟ مع أن التجربة خير برهان، ضعها في مكان فيه نور ومكان ليس فيه نور، ستجدها تهرب إلى المكان المظلم، كيف عرفت أنه مظلم وهي لا ترى؟ لا بد أن يكون لها عيون حتى تذهب إلى العمى والظلام. لذلك عيونها في محجرها، لكنها ليست عيون كعيوننا، بل عيون استشعارية للنور ترفض وجود النور، وهذا ما تحتاجه من هذه العيون، وليست عيونا تفصيلية عن ماذا يقدم لي النور! إنها لا تريد النور كله، لذلك ليست مهيئة لمعرفة تفاصيل ما في النور، لذلك قالوا عنها أنها ذات عيون ضعيفة. الوظيفة هي التي حتمت ذلك وليس لأنها تطورت. وهذا يذكرنا بقولهم أن العيون تطورت من خلايا حساسة للنور، فكيف ظهرت العين عن طريق الصدفة من خلال خلايا حساسة أخذت بالتطور لكي تقدم هذه الميزة المبهجة وبالتالي نجد أنواعا لا تريد هذه العين ولا النور وما فيه!؟ هل كان هذا هو الهدف من تطوير العين أصلا؟ أن ترفضها هذه الأنواع بالكامل؟ لكن الوظيفة هي التي تفسر بشكل أفضل. لو كان المسار تطوريا لأبقت على العيون، لماذا تخسرها؟ هي مخلوقات تخشى النور بالفطرة وتعرف أن أمنها ورزقها في الظلام وتملك عيونا بنفس الوقت تساعدها على معرفة النور لتجنبه.

الله يخلق ما يشاء ويسخّر ما يشاء ويحبب ما يشاء لما يشاء. الله الذي كرهنا برائحة القاذورات هو من حبّبها إلى الخنافس، والله هو الذي أعطى الدجاج والبط والنعام أجنحة لكنه لم يحبب إليها الطيران، مع أن بعضها يستطيع أن يطير لكنه لا يريد أن يطير. هذه الكائنات الظلامية لها أساليب أخرى في تحسس طرائدها، العين فقط تخبرها عن مكان النور لكي تبتعد عنه، والعين اذن تقدم مهمة ووظيفة هامة تتعلق بحياتها ومستقبلها وليست عضوا اثريا باقيا وعبثية، فحياتها في الظلام وتريده، فما الفائدة من عين قوية لكائن لا يريد أن يرى؟ اذن هي ليست ناقصة الحواس، لكن وظيفتها مسخرة هكذا، والعين لم تضعف تدريجيا كما يتخيلون، لأنها من خلقتها وهي ضعيفة، لأنها ليست بحاجة للتفاصيل التي تقدمها العين. عيونها تشبه عيون بعض العميان الذين يستشعرون النور. لو كانت العين على مسار تطوري لما تخلت هذه الأنواع عنها، لأنها ميزة، لكنها موجودة لكي تدلها على الظلام والنور، على عكس وجود العين عندنا، لكي تدلنا على النور والتفاصيل الموجودة فيه. مع أن العين واحدة لكن الهدف منها مختلف. هذه لقصد الرؤية وهذه لقصد العمى.

الله يستطيع ان يسعد المخلوق في المتناقضات، مثل ما أن هذه الانواع سعادتها في الظلام نجد بقية الانواع سعادتها في النور. وبعضها سعادتها في السعة وبعضها في الضيق. وبعضها سعادتها في البيئات الخصبة وبعضها في البيئات الجافة والمقحلة، هذه الفكرة تنفي فكرة التطور أصلا، لأن التطور يعني البحث عن الأفضل، وهذه الانواع بالفطرة ترى ما تراه أنت أنه أسوأ انه أفضل، و كل نقيض له من يريده ويعيش عليه. إذن لا وجود للخط التطوري، لأن الخط التطوري خط يبحث عن الأفضل، والأفضل شيء واحد ولا يكون نقيضين، بعض الأحياء تعيش في الاماكن العالية وبعضها في الأماكن المنخفضة، وبعضها تحب الأماكن الباردة وبعضها الاماكن الحارة، وكل نوع له نوع من الغذاء لا يشاركه فيه احد، إذن على ماذا التنافس والصراع؟ كلها مجرد أفكار بشرية مقحمة على عالم الطبيعة. لهذا نقول أن داروين لم يكن عبقريا كما يتخيل، العباقرة هم المخترعون والمكتشفون والمبدعون في أي مجال، علمي أو أدبي، وليسوا المتخرّصون، وداروين ليس منهم، حتى الفكرة ليست فكرته.      

وكيف تمت معرفة أن الخفاش لا يمكن أن يرى؟ إن رحمة الخالق زوّدته بهذه الخاصية الرادارية لئلا يصطدم بالأشياء، لأن جناحه جلدي، فأي خدش سيسبب نزيف، أما لو كان ريشيا لكانت الإصابة أخف، خصوصا وأنه يطير في الليل، حتى لو كان بصره حاد فهو يطير في الظلام. عيون الخفاش الضعيفة لكي تخبره عن الاماكن الظلامية والأماكن الأخف ظلاما، عيون الحيوانات الكهفية مثل عيون الخفاش، تبحث عن الظلام وليس عن النور.