الأربعاء، 20 نوفمبر 2019

مقياس الجمال الشكلي والمعنوي عند البشر هو الطفل

في مجال الجمال، ذكور الحيوانات اجمل من اناثها، بينما اناث الانسان اجمل من الذكور بشكل عام، وذلك بسبب قرب الانثى من الطفل، لأن الطفل يأنس بمن يشبهه، لذلك المرأة ملامحها دقيقة وناعمة بشكل عام مقارنة بالرجال، وليس في وجهها شعر، وصوتها وجسمها ونعومتها تشبه الطفل، فلأجل هذا اصبح اصل الجمال من الطفل، ثم المرأة، ثم الرجل، فالطفل هو مقياس الجمال البشري، وهذا تسخير من الله للطفل بسبب طول فترة حضانته، وبسبب سعة شعوره، فالطفل شعوره واسع، بينما طفل الحيوان لديه علم وهو الغريزة، ففرخ البط يفقس من حينه ويسبح في الماء مباشرة بدون تعليم.

ذكور الحيوانات هي الاجمل بشكل عام، انظر إلى الديك وقارنه بالدجاجة، والأسد باللبوة، وذكر الطاووس أجمل من إناثه، وطيور الجنة ذكورها أجمل، بل حتى الثور أجمل من البقرة، والتيس أجمل من الماعز، وذلك لأجل تجميع القطيع والدفاع عنه والتميز عن الاناث.

لو عقدنا مقارنة بين الرجل والمرأة في جمال الشكل والملامح، لوجدنا المرأة هي أصل جمال الرجل، بدليل ان الرجل الجميل هو الأقرب ملامح للمرأة والطفولة، لكن من يقلد سلوك المرأة وتزينها وليونتها ودلعها يصبح مرذولا، حتى عند المرأة، وكذلك المرأة التي تتشبه بخشونة الرجال، مثل تنحية العواطف وغياب البراءة، هذا يفقدها طفوليتها أي يفقدها شيئا مهما من جمالها، لكن المرأة التي تعمل بيديها، لا شك ان هذا ليس له علاقة بالموضوع.

إن الجمال البشري مرتبط بالطفولة، ومقياسه هو الطفولة. لماذا؟ لأجل أن يحن ويعطف الكل على الطفل، حتى من غير أهله، بجاذبية البراءة والجمال والرحمة، الجمال عامل فعال في الجاذبية، فإذا لم تجذبك الرحمة جذبتك الملاحة والجمال، لهذا التقبيل أصلا هو للطفل، فتقبيل الرجل للمرأة هو من اجل الطفولية التي فيها. جسم الطفل يجعل الكبار لا يكتفون فقط بمشاهدته بل حتى ملامسته وتقبيله. لاحظ أن القبلة فيها شفط هواء، كأنها محاولة ابتلاع لهذا الجمال.

خفة الدم من مقاييس الجمال عند الجميع رجالا ونساء، وهي موجودة في الأطفال، كذلك البراءة، والروح المرحة، كل هذه صفات أطفال، وكذلك النشاط والحيوية، وهذه ميزات تحبها المرأة جدا في الرجل، وكذلك الرجل يحبها في المرأة، ومرجعها الطفولة. فالأطفال كل حياتهم مرح، إذا كانت تقاسيم الرجل مقبولة ومعتدلة، وجسمه متناسق ورشيق، وبشرته مشدودة، فهذه مقومات الجمال، تؤخذ من مرحلة الصبا والطفولة.

لاحظ ان الرجل المفرط في ملامح الذكورة يكون أقل جمالا، مثل كثرة الشعر وضخامة العضلات والبطن وثقل الصوت. من لديه وجه طفولي يستمر جميلا نسبيا حتى لو كبر في العمر، بل حتى صغار الحيوانات جميلة، لذلك صغر الحجم يعتبر من مقاييس الجمال، وهذا مقياس غير منطقي، أقصد الجاذبية لهذا الصغر غير مبررة، وأي ميزة غير مبررة منطقيا هي تسخير إلهي، إنها رحمة بالصغار من كل نوع، وإلا فكيف اصبح الصغر مقياس جمال؟ مع أن الصغير مشروع حياة قد ينجح وقد لا ينجح، بينما الكبير مشروع نجح في الحياة، لكن الجاذبية للصغير اكثر، وهذا تسخير يدلنا على رحمة الخالق سبحانه وتعالى الذي سخر للطفولة بالإضافة إلى الرحمة والمصلحة، جاذبية الجمال، لذلك من أبشع الأشياء هي القسوة على الصغار عند كل البشر.

كأن الطفولة مرحلة لها قدسية ومكانة عند الناس أيا كانوا، سواء كانوا أباء وأمهات او لم يكونوا، وسواء كانوا من اهل بلدك او اغراب، لا بد ان يكون لديهم رحمة وجاذبية للطفولة، بدافع الجمال والرحمة، ومن أجمل الأشياء في العالم إنقاذ الطفل، إذ يتسابق الجميع أقارب او أغراب في إنقاذه، ومن أوجع الأشياء سماع بكاء الطفل، خصوصا إذا طال، ومن أجمل الأشياء ضحكات الطفل، فسبحان الله ما أكثر نعمه وتسخيره ما نعلم منه وما لا نعلم، وهكذا نعلم مدى عظمة الله وجماله ورحمته وحنانه.

حب الجمال درجة، لكن حب خالق الجمال ألف درجة.  

مقاييس جمال المرأة هي التناسق وخفة الوزن، أي أقرب إلى الطفل، تجد عيون الطفل صافية، وأعين الأطفال حوراء، ولذلك وعد الله المؤمنين في الجنة بالحور العين، أي الأعين الطفولية البريئة. أصل الجمال البشري يأتي من الطفل، وذلك لكي يهتم به الجميع ويرحمهم ويساعدهم. ولماذا أصبحت المرأة تشبه الطفل؟ لأنها هي أم الطفل وأخته، تحب ما يحب الطفل، وهذا تسخير من الله للطفل لكي ترعاه المرأة. لذلك هي الأقرب بالشكل للطفل من الرجل، وكذلك المرأة تشبه الطفل في صوتها. حتى يأمن الطفل ولا يستنكر.

المرأة لا شك تحب علامات الرجولة وتكره ان يكون متصفا بصفات انثوية، لكن الكلام هنا عن الجمال وليس عن الاختيار، لأن المرأة مهما كان تريد رجلا قويا، قال تعالى على لسان احدى بنات الشيخ (ان خير من استأجرت القوي الأمين)، الرجل أيضا لا يريد المرأة المفرطة في النعومة، بل يريد امراة قوية ومتمكنة، وتتحمل، هذا طبعا تدخل فيه عوامل أخرى، لكن سؤالنا الأساسي هو ما منطلق الإحساس بالجمال بالبشري؟ منطلقه هو الطفل. فأفضل جمال الإنسان هو الطفل. وهل هو منطلق منطقي أم لا؟ ليس منطقيا، بل تسخيري، لا يستقيم ان يكون هناك معيارين للجمال متناقضين احدهما عند الرجل والأخر عند المرأة.

لا شك ان المرأة يعجبها الرجل ذو البشرة الصافية، والرجل لا شك أنه تعجبه المرأة ذات البشرة الصافية، ولا شك ان الطفل بشرته صافية، فهو المقياس. مقياس الجمال البشري. بل حتى في مقاييس جمال الحيوان تنسحب نفس مواصفات الجمال البشري، مرجعها طفل الحيوان، لهذا الحصان العربي صار اجمل الخيول لأن حجمه اصغر من غيره وأكثر تناسقا، ورأسها صغير، وشفتيه رقيقتين، لذلك أجمل الحيوانات عند الإنسان هي صغارها، قياسا على حالته البشرية.

(بمناسبة اليوم العالمي للطفل)

الخميس، 8 نوفمبر 2018

محدودية علم الإنسان "فوق كل ذي علم عليم"

فكرة تنحية الله عن الحياة والطبيعة فكرة لا دينيين يعتقدون أن الإله خلق قوانين وتركها تعمل بشكل آلي, وبالتالي يمكننا من خلال العلم أن نفهم كل شيء حولنا, لكن فوق كل ذي علم عليم, العلم الذي نعرفه والذي نستطيع أن نعرفه ليس هو كل العلم, فالكون ليس مغلقا بمجرد دراسة قوانينه نفهم كل شيء, فقد يكون هناك علم آخر يكسر علمنا و لا نستطيع أن نعرفه, وترى هذا في خوارق كثيرة لا يستطيع العلم تفسيرها بل تخالفه, مثل ظاهرة أن الديك أحيانا إذا قطعت رأسه يركض بتوازن لبعض الوقت وهو بلا رأس, ومثل النخلة المفرغة من القلب مع ذلك على قيد الحياة وتثمر, ومثل توقيت نزول المطر الذي لا يمكن توقعه بالضبط, ومثل القدرات الخارقة عند بعض الناس مثل من يستطيع أن يصف شكل غرفة نومك وهو لأول مرة يعرفك أو الأعمى الذي يعرف ما حوله ويصفه لك مع أنه لم يلمسه أو يسمعه.., هذه الظواهر التي تبدو خوارق كأنها آيات من الله تشير إلى أننا مهما تعلمنا فلسنا "قادرين عليها", وهذا لا يعني أن علمنا غير صحيح بل هو صحيح لكن قد يوجد علم آخر لا نعرفه, علمنا ومنطقنا الذي نعرفه هو ثابت لكنه قليل {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} وبنفس الوقت مرتبط بالظواهر وليس بالماهيات {ظاهرا من الحياة الدنيا}, لهذا لا ننفي إمكانية وجود علم آخر لا نعرفه فالله على كل شيء قدير, وقد يكون يخالف علمنا الحالي مثلما أن العلم في الآخرة يخالف منطقنا الدنيوي, لكن هذا لا يعني أن كل من ادعى علما يخالف المنطق نصدقه, فالكذابين والدجالين كثر, فمن ادعى علما بشيء يخالف المنطق الذي نعرفه عليه أن يثبته ويوضحه بشكل مفهوم مثلما أن العلم الذي نعرفه مفهوم, أما مثلما يقول علماء الملاحدة من خرافات أن الشيء قد يوجد في مكانين في وقت واحد أو أن 2+2 قد يساوي خمسة فهذا مخالف لمعيار المنطق وبلا إثبات, فهو لم يرنا أنها صارت خمسة بل فقط قالها هو بلا أدلة واضحة ولا نظرية مفهومة, لهذا نرفضها لأنها خالفت معيار المنطق ولم تقدم منطقا بديلا مفهوما أفضل من منطقنا الحالي الذي خالفوه.   

وهذه بعض الأسئلة حول ظواهر لم يستطع العلم الحديث تفسيرها :

ما هي الجاذبية؟ وهل فعلا هي التي تحرك الكون؟ 

ما هو المد والجزر؟

لماذا الشمس عند الغروب يتغير لونها وحجمها؟

ما هو تسوس الأسنان؟

لماذا المشتري ليس الأبعد عن الشمس بموجب الجاذبية؟ ولماذا الكواكب تدور في مدار ثابت ولا تقترب من الشمس؟

ما هو قانون نزول المطر؟ وماداموا يعرفون قوانينه لماذا ليس منتظم؟ لماذا تأتي مواسم جفاف ومواسم مطر؟ ولماذا لا يستطيعون التنبؤ بنزول المطر بالضبط؟ أليسوا يعلمون؟ 

ما هو الزمن؟ 

ما هي الحركة؟ لماذا تتغير الأجسام مع الحركة بل وتكون شيئا آخر, فالهواء يكون نسيم عليل مرة ومرة يدمر مدن!

ما هي الزلازل؟ ما هي الأعاصير؟

ما هو البترول وكيف تكون؟ ولماذا لا يعيدون تكوينه في المختبر؟

هل الكون منظم أو غير منظم؟

كيف يتكون البرق؟

ما سبب ارتفاع الماء في النبات؟

ما سبب بقاء نخلة حية مع أنها مفرغة من القلب؟

ما سبب حركة الديك أو ذيل البرص مع أنه ميت أو مقطوع؟

الثلاثاء، 4 سبتمبر 2018

لماذا نعيش في عصر القلق؟

العقل الملحد يستطيع أن يتقبل مثل أن الحوت كان أصله ثوراً قفز الى البحر ، أو انه يمكن للجسيم ان يكون في مكانين في اللحظة ذاتها، أو انه يمكن السفر عبر الزمن الى الماضي او الى المستقبل، لأن كل شيء جائز أن يكون، لأن الأساس عبارة عن فوضى وصدف، وهكذا يفعل الإلحاد بالعقل، يجعله يصدق أن ما لا يمكن أن يكون قد يكون، وما لا يعقل قد يُعقل، لأنه مبني على أن الحياة فوضى ووجود الكون فوضى، لهذا من السهل اختراق العقل الملحد، بل واستغلاله وابتزازه. وهكذا نرى أن الإيمان الحقيقي عاصمٌ من الجنون، على عكس ما يقوله الملاحدة أن الايمان فايروس العقل، الحقيقة أنه هو الذي يحفظ للعقل محدداته، وإلا لصار ينفتح مع كل جهة، وإذا قبلَ ما لا يمكن أن يكون أن يكون، فما فائدة العقل؟
لكن بالمال تستطيع أن تقول ما تشاء ويُسمع كلامك. لو أحد قال أن السمكة أصلها فيل لصار ضحكة للناس، لكن هم يقولون ما يشاءون للناس ويسمى علما. ماذا لو قال احد ان العجل أصله حوت؟ وهذه اقرب للمنطق اكثر، أيضا سيضحكون منه، لأنه قالها هو ولم يقلها هم. إلى أي حد تحتاج لأن تضغط على عقلك لتصدق وتبتلع مثل هذا التخريف الذي يتعارض معه كل شيء؟ 
في عالم الإلحاد لا يوجد مانع من أي شيء، وإذا لم يوجد مانع يعني أنه لا وجود للعقل، لأن العقل هو الذي يمنع ما لا يمكن. لهذا تنتشر الإشاعات بإسم العلم ويصدقها من لم يجعلوا للإيمان تأثيرا على عقولهم، فكم مرة يخوّفون الناس من كوكب أو نيزك سوف يضرب الأرض، ويخوّفونهم بأمراض خطيرة ستظهر فجأة وتقضي على مئات الملايين فجأة، ويخوّفونهم ان الحشرات والمفصليات سوف تكثر فجأة وتضغط على العالم والأرض. وبعضهم يذهب إلى تخريفات بإسم العلم لا يحدها حد، مثل إمكانية نقل الانسان في لحظة عن طريق الاشعة الكهرومغناطيسية، وإمكان إخفاء سفينة في البحر فلا تجد الا حفرة في الماء، وتعطيل الآلات عن بعد، والتي صدقها الملايين للأسف، 
كذلك مثل تغيير الشخصيات وغسل الدماغ وإعادة الشباب وإعادة الحياة حتى بل وخلق الحياة ونزوح القارات والانفجار الكبير وغيرها كثير، وصاروا يدفعون اثمان التذاكر لحجز رحلات ومخططات على المريخ والقمر، كل من يصدق بهذه الأمور يصبح قابلا للاستغلال فيها، مثل ما صدقوا أحافير الديناصورات الخرافية والخيالية، يصدق مثل هذه الخرافات والتخويفات من يكون عقله مفتوح – بشكل سلبي وليس ايجابي - على أساس أن كل شيء يمكن أن يكون، وما المانع أن يمكن أن يكون .. ففرق بين العقل المفتوح المنزلج والعقل المتفتح، هذا العقل المفتوح هو الذي فُرّغ من محدداته، وهذا ما يطمحون إليه: تفريغ العقل من محدِّداته، وهو القابل للتصديق بالخرافات، سواء كانت قديمة أو حديثة، وبالتالي يصبح الإنسان عاقلا وهو مجنون، كما يقولون في المثل: (حدث العاقل بما لا يعقل، فإن صدقك فلا عقل له)، لكن العقل المؤمن بالله المدبّر المسخّر لن يصدق إلا ما يُعقل.
لاحظ أنهم هم أنفسهم ينادون برمي العقل والمنطق والاكتفاء بالعلم، أي بما نقول نحن، وأنت لا دريت ولا علمت، بحجة أن العلم اكبر من العقل، والعكس هو الصحيح. وهذا هو طريق السحرة والدجالين، يقلّلون للناس من شأن العقل. وهنا تبرز قيمة الإيمان بالله المدبر، لأنها تحافظ على العقل حتى لا ينفتح العقل بالكامل فيصبح كالباب المنفتح من الداخل والخارج.
العقل الملحد يؤمن بالصراع فقط، العقل المؤمن يؤمن بالتدبير والتسخير والتوازن، لذلك العقل الملحد من السهل خداعه، نيزك يريد أن يضرب الارض بعد 3 اشهر من الآن، المؤمن يؤمن ان هناك نظاما في الفلك دقيقا وليس تصادما وفوضى كما يؤمن الملحد، لذلك في مثل هذه الحالة يضحك المؤمن ويخاف الملحد. الجراثيم سوف تكتسح الارض فجأة لأنها جراثيم شرسة تريد ان تقضي على الحياة، المؤمن يدرك ان الجراثيم مخلوقة لأجل وظيفة، وهي التنظيف والتحليل للتالف، لذلك لا يصدق هذه الأراجيف، لذلك عقله محفوظ، بينما عقل الملحد صار كالصفيح، فأي هزة أو ضربة تجده يرن ويصيح، لأنه ليست لديه موانع منطقية، فكل شيء في عرفه جائز أن يكون، وهذا من أوسع الأبواب التي صيرت عصرنا الحالي إلى عصر القلق، بسبب شدة التصديق وكثرة الأراجيف التي تسمى بإسم العلم، كم مرة خوفونا من كوكب سيضرب الأرض ولم يضربها ولم يعتذروا عن هذا التخويف؟ ألا يوجد ضحايا لمثل هذه الاراجيف؟ أم لا يهمهم الأمر؟ لماذا لا يُحاسَبون؟ هذا غير الخرافات الخيالية مثل اكتشاف كوكب من الألماس وكوكب من الفضة، لم يتبق إلا كوكب من الجبن كأفلام ميكي ماوس. 
العقل البشري يحتاج إلى معرفة ما يمكن أن يكون وما لا يمكن ان يكون، وهكذا يسمى العقل عقلا، وإلا فسيبقى وسيلة استقبال (ريسيفر) ، وما أكثر الدجالين والواهمين وما أوسع وسائل الاعلام والاتصالات في هذا الزمن، وحينها سيكون الإنسان ضحية، ولهذا اصبح هذا العصر عصر القلق لكثرة ما يحمله من الأراجيف والأكاذيب التي تصل الى كل انسان في كل مكان، لأجل هذه الأراجيف نحن في عصر القلق.
كان الأقدمون أكثر سلامة من هذه الاراجيف بسبب الانعزال، على الاقل يستقبلون أراجيف من حولهم فقط، أما الان فالناس يستقبلون أراجيف كل العالم. ومما يدعو للأسف أن أكثرها تحمل التخويف، وقليل منها يحمل التفاؤل حتى ولو كان كاذبا، هذا يترك آثاره السيئة على البشر، فالكل يخوّف من مكانه وتخصصه، وكلما زادت ثقافة الإنسان زادت مخاوفه، وكلما زاد احتكاكه بالعلم كلما زاد خوفه، والعالم كله يسمع، وليس بيده أي حل.

الجمعة، 3 أغسطس 2018

احترام دوائر الشعور العليا

الشعور فيه دوائر : دوائر عليا ودوائر دنيا. الدوائر الدنيا هي التي تتعلق بالجسم أو بالناحية المادية من الإنسان، والدوائر العليا تتعلق بالنواحي المعنوية. وسبب وصفها بالدوائر لأن الطلب الشعوري يدور فيها، ويأتي على شكل نوبات، وكل طلبات الشعور الدنيا والعليا تأتي على شكل نوبات، فالنوم مثلاً - وهو من الدوائر الدنيا - يأتي على شكل نوبة، وعندما تنشغل عنه تنفكّ هذه النوبة حتى يأتي في نوبة ثانية، وكذلك الجوع والإخراج والجنس أيضا، لذلك يمكن تسمية الشعور بأبي النوبات.

كذلك الدوائر العليا تأتي على شكل نوبات، فالكآبة تأتي على شكل نوبات، ثم تنفكّ من نفسها وهكذا، وحتى تأنيب الضمير يأتي على شكل نوبات.

النوبات الشعورية بشكل عام إما أن تأخذ طريقها للإختفاء تدريجيا أو للحضور أكثر تدريجيا، فمثلاً الحاجة للتبول تجد نوبته الأولى أسهل من الثانية، وكذلك نوبات النوم ونوبات الجوع، وهي نوبات تصاعدية، يؤيد ذلك ما قاله الشنفرى في مواجهته لنوبة الجوع إذ قال :

أديم مِطال الجوع حتى أُميتُه
وأضرِب عنه الذّكر صفحاً فأذهلُ

والنوبة التصاعدية - على مستوى الدوائر العليا - توجد في الكثير من حالات الكآبة، فكل نوبة تأتي أصعب من التي قبلها، وهذه النوبات هي المسؤولة عن أكثر حالات الانتحار إن لم تكن كلها، وقد تتزايد هذه النوبات من الكآبة بسبب حالات الإهمال للدوائر العليا ورفض الإستماع لتأنيب الضمير استجابةً لدوائر الشعور الدنيا، كأن من يفعل ذلك ضحّى بالدوائر العليا للشعور من أجل الدوائر الدنيا، أي كأنه ضحّى بروحه من أجل جسده، معتقداً أنه قد تخلص بهذه الطريقة من هواجس الوجود والفضيلة والأخلاق والضمير، لكنها في الحقيقة تبتعد فقط ولكن لا تنتهي، إذ إنها تعود متكثّفة إلى سمائه كغيمة سوداء قاتمة، لهذا لا يستطيع أن يعرف ما سبب هذه الكآبة، التي هي نتيجة لأسباب كثيرة وحلول خاطئة في التعامل مع النوبة السابقة، فيزيد في الإثم رغبةً في الهروب للأمام، فتزداد سحابته تكثفا، ولا يستطيع أن يعرف السبب، وذلك لأنها أسبابٌ كثيرة متداخلة مع بعضها، وهذه السحابة السوداء المظلمة تنتظر أن تتجمع أشياء منغصة على الشخص لتهجُم بثقلها على قلبه. قال امرؤ القيس :

ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَــهُ
عَلَيَّ بِأَنْـوَاعِ الهُـمُوْمِ لِيَبْتَلِــي

فَقُلْـتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّـى بِصُلْبِــهِ
وأَرْدَفَ أَعْجَـازاً وَنَاءَ بِكَلْكَــلِ

ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِــي
بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَــلِ

إن الدوائر الدنيا مرتبطة بالشخص، والدوائر العليا مرتبطة بغير الشخص (الخالق والمخلوقين والمخلوقات)، أما الحيوان فليست لديه دوائر عليا، لذلك الحيوان لا يعرف الأخلاق، بل يعرف المصلحة التابعة للغريزة فقط.

إن أيديولوجيا الإلحاد تريدنا أن نتجرد من الدوائر العليا ونرتبط بالمصلحة فقط، أي نصبح كالحيوان، أو أن نُخضِع الدوائر العليا للدوائر الدنيا، فمثلا إذا اقتضت مصالحنا أن ندمر ونقسو، فلنفعل، وإذا تمت المهمة ننفّس عن بعض الدوائر العليا ببعض الكلمات او التصرفات أو المساعدات اللبقة، مثلما نشاهده في بعض الأفلام، بعد أن يقضي الممثل على خصمه وينفخ طرف المسدس، يقول : لقد كان رجلا محترما. إن ايديولوجيا الالحاد تقرّ أن أصل الإنسان حيوان، وتشرّع لحياة الإنسان ما تشرّعه حياة الحيوان. مجرد دوائر دنيا فقط.

كما أن هناك نوبات تنازلية في الدوائر الشعورية، مثل نوبات العقد النفسية التي بدأت بالإنحلال، ومثل نوبات الضمير عند من يريد أن يُمِيت ضميره، ومثل نوبات اشمئزاز الشعور من منظر الدماء، كحالة الأطباء الذين اعتادوا على رؤيتها.

إن احترام الدوائر العليا مهم، لأن عدم الاستجابة لها أمرٌ في غاية الخطورة، على الرغم من أنها غير مُلزمة وتبدو للشخص أنه يستطيع أن يعيش بدونها، إنها قوانين صارمة لكنها غير ملزمة، مع أنها مؤثرة. فتجد بعض المغتربين مثلا يبكون ويتمنون العودة لأهلهم وأحبابهم، مع أنهم اغتربوا من أجل المصلحة. وهنا علينا ألا نفكر بمعزل عن حُبّنا.

للأسف أننا إذا جاعت الدوائر الدنيا لدينا فإننا نكرمها، أما الدوائر العليا فلا نكرمها إلا قليلاً، مع أن إكرام الدوائر الدنيا والزيادة في تلبيتها يؤدي لمشاكل حتى على الصحة، والمشكلة الحقيقية هي أن الدوائر العليا فتاكة عند عدم تلبيتها ولكن ببطء وبأشكال غير متوقعة، سواء على النفس أو على الجسم، فهذه الدوائر تبكي وتحتاج منّا الإهتمام لكننا نتجاهلها ونمنعها، فالملحد مثلا يضغط على شعوره بتجويع الدوائر العليا لديه ويتمنى أن لا يحس بألمها.

إن الدوائر العليا تريد الارتباط بالله أولا، وتريد من الشخص أن يكون رحيما ويعيش بجو من الألفة والمحبة مع من يكون معهم، وتريد أن تكون الإنسانية مقدمة على المصالح، وكون الشخص يسعى لتحقيق ما تريده الدوائر العليا فإنها ترتاح حتى لو لم يتحقق ما تريده هذه الدوائر، فالأهم لديها هو أن يسعى. إن الدوائر العليا تريد أن يعيش الشخص بأمان وأن يعمل ويستغل وقته ويصبر ويتحمل وأن يكون أخلاقيا وسيّد نفسه وواثق من نفسه ويتعلم، أي تريده أن يكون إنسانا وأخلاقيا ويحب الآجل أكثر من العاجل، بعكس الدوائر الدنيا. لذلك الجنة فيها ما تشتهي الأنفس من أجل وضع أملٍ آجل للدوائر الدنيا والعليا، فما لم يتحقق هنا في الدنيا بسبب منع الدوائر العليا سيتحقق هناك في الجنة إن شاء الله، وهنا تبقى كل الدوائر الشعورية على أمل لا ينقطع، لأن انقطاع الأمل يسبب اليأس، وما لم يحصل عليه الشخص في الدنيا سيحصل عليه إن شاء الله في الآخرة. قال تعالى عن أهل الجنة : (ولهم فيها ما يدعون).

ما تريده الدوائر العليا باختصار هو (الإيمان بالله + الأخلاق) كما قال تعالى : (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما).

إن الدوائر العليا هي النبي الداخلي فينا، وعلى أساسها آمن المؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام بسبب تطابق ما يقوله مع إحساسهم - أي مع دوائرهم العليا - ، وذلك لأنهم كانوا يحترموها، فكأن قول الرسول وضع النقاط على الحروف، ولهذا آمنوا، وإلا فما الذي يدفعهم للإيمان وتغيير الدين ومواجهة المجتمع سيّما وأن أكثرهم ضعفاء؟ أي مصلحة لهم في هذا؟

يعلّل ويعرّف الملاحدة الشيوعيون الدين بأنه عبارة عن صراع طبقات، أي صراع اقتصادي بين الطبقات الاجتماعية، وأن محمدا وأتباعه عبارة عن ثوّار ضد البرجوازية القرشية، مع أن الواقع أنه لم يتحسن دخل الفقراء المؤمنين حتى بعد إسلامهم، بل إن مسلمين أوائل كانوا أغنياء وتحوّلوا إلى فقراء، مثلما حصل مع عبد الرحمن بن عوف وزيد بن عمير وغيرهم عندما خرجوا من مكة فقراء وكانوا أغنياء، فزيد بن عمير مثلاً كانت أمه تغسل ثيابه بالعطر لأنها كانت من أغنياء مكة، وعندما قُتل أكملوا تكفينه بالشجر لأن كفنه لا يغطي جسمه.

لاحظ أن أصحاب المصالح لم يؤمنوا، والمؤمنون تحمّلوا ما أصابهم من أذى، فأين هي المصالح؟ ولماذا تحمّلوا الأذى الذي وصل إلى القتل مثلما قُتلت سمّية أم عمّار رضي الله عنهما؟ هل كانت طامعة بثروات البرجوازيين لكنها قُتلت؟ ما هذه التفسيرات؟ إن الذين قتلوها كانوا يقولون لها : سبّي محمدا وإلهه وإلا سنقتلك، ورفضت ذلك، ولهذا قُتلت.

إن المؤمنين صدّقوا الأنبياء بناء على ما لديهم في شعورهم، أي نبي داخلي يصدّق نبي خارجي، بينما الملاحدة آثروا الدوائر الدنيا ليتحولوا إلى حيوانات، لذلك يقول تعالى (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا)، أي آثروا الحيوانية على الإنسانية، و هم يقرّون بذلك، وهذا معنى قوله تعالى : (قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها)، وقال المتنبي :

لولا المشقة ساد الناس كلهم ،،
الجود يفقر والإقدام قتال.

لاحظ أن الفقر والقتل مرتبطان بالدوائر الدنيا، والجود والإقدام دوافعٌ من الدوائر العليا.

العقل هو شعور متكرر ومتجمد يُستعمل عند اللزوم، وبذلك الدوافع تأتي من الشعور بقسميه الأدنى والأعلى، والإنسان الذي يُؤثِر الدوائر العليا سيكون إنسانا متعلما ذا عقل قوي لأنها تدفعه للتعلم، أما المرتبط بالدوائر الدنيا فسيكون مرتبطا بالمصلحة، ولن يُعمِل عقله إلا عندما تكون هناك مشكلة، مثل المُساهم المالي عندما يكسب فإنه لا يَسأل من أين يأتي المال، وعندما يخسر يسأل أين ذهب مالي.. هكذا هو الفرق بين عقل المؤمن وعقل المصلحي.

المادي لا يُعمل عقله إلا إذا واجه مشكلة، أما المؤمن فإيمانه يدفعه للمعرفة والعلم حتى لو لم يعاني هو من المشكلة. لهذا قامت الحضارات حول الأديان ودور العبادة وليس حول الأسواق، لكن الأديان يعتريها التخريب والتسوس كأي شيء مفيد وجميل معرَّض.