الثلاثاء، 4 سبتمبر 2018

لماذا نعيش في عصر القلق؟

العقل الملحد يستطيع أن يتقبل مثل أن الحوت كان أصله ثوراً قفز الى البحر ، أو انه يمكن للجسيم ان يكون في مكانين في اللحظة ذاتها، أو انه يمكن السفر عبر الزمن الى الماضي او الى المستقبل، لأن كل شيء جائز أن يكون، لأن الأساس عبارة عن فوضى وصدف، وهكذا يفعل الإلحاد بالعقل، يجعله يصدق أن ما لا يمكن أن يكون قد يكون، وما لا يعقل قد يُعقل، لأنه مبني على أن الحياة فوضى ووجود الكون فوضى، لهذا من السهل اختراق العقل الملحد، بل واستغلاله وابتزازه. وهكذا نرى أن الإيمان الحقيقي عاصمٌ من الجنون، على عكس ما يقوله الملاحدة أن الايمان فايروس العقل، الحقيقة أنه هو الذي يحفظ للعقل محدداته، وإلا لصار ينفتح مع كل جهة، وإذا قبلَ ما لا يمكن أن يكون أن يكون، فما فائدة العقل؟
لكن بالمال تستطيع أن تقول ما تشاء ويُسمع كلامك. لو أحد قال أن السمكة أصلها فيل لصار ضحكة للناس، لكن هم يقولون ما يشاءون للناس ويسمى علما. ماذا لو قال احد ان العجل أصله حوت؟ وهذه اقرب للمنطق اكثر، أيضا سيضحكون منه، لأنه قالها هو ولم يقلها هم. إلى أي حد تحتاج لأن تضغط على عقلك لتصدق وتبتلع مثل هذا التخريف الذي يتعارض معه كل شيء؟ 
في عالم الإلحاد لا يوجد مانع من أي شيء، وإذا لم يوجد مانع يعني أنه لا وجود للعقل، لأن العقل هو الذي يمنع ما لا يمكن. لهذا تنتشر الإشاعات بإسم العلم ويصدقها من لم يجعلوا للإيمان تأثيرا على عقولهم، فكم مرة يخوّفون الناس من كوكب أو نيزك سوف يضرب الأرض، ويخوّفونهم بأمراض خطيرة ستظهر فجأة وتقضي على مئات الملايين فجأة، ويخوّفونهم ان الحشرات والمفصليات سوف تكثر فجأة وتضغط على العالم والأرض. وبعضهم يذهب إلى تخريفات بإسم العلم لا يحدها حد، مثل إمكانية نقل الانسان في لحظة عن طريق الاشعة الكهرومغناطيسية، وإمكان إخفاء سفينة في البحر فلا تجد الا حفرة في الماء، وتعطيل الآلات عن بعد، والتي صدقها الملايين للأسف، 
كذلك مثل تغيير الشخصيات وغسل الدماغ وإعادة الشباب وإعادة الحياة حتى بل وخلق الحياة ونزوح القارات والانفجار الكبير وغيرها كثير، وصاروا يدفعون اثمان التذاكر لحجز رحلات ومخططات على المريخ والقمر، كل من يصدق بهذه الأمور يصبح قابلا للاستغلال فيها، مثل ما صدقوا أحافير الديناصورات الخرافية والخيالية، يصدق مثل هذه الخرافات والتخويفات من يكون عقله مفتوح – بشكل سلبي وليس ايجابي - على أساس أن كل شيء يمكن أن يكون، وما المانع أن يمكن أن يكون .. ففرق بين العقل المفتوح المنزلج والعقل المتفتح، هذا العقل المفتوح هو الذي فُرّغ من محدداته، وهذا ما يطمحون إليه: تفريغ العقل من محدِّداته، وهو القابل للتصديق بالخرافات، سواء كانت قديمة أو حديثة، وبالتالي يصبح الإنسان عاقلا وهو مجنون، كما يقولون في المثل: (حدث العاقل بما لا يعقل، فإن صدقك فلا عقل له)، لكن العقل المؤمن بالله المدبّر المسخّر لن يصدق إلا ما يُعقل.
لاحظ أنهم هم أنفسهم ينادون برمي العقل والمنطق والاكتفاء بالعلم، أي بما نقول نحن، وأنت لا دريت ولا علمت، بحجة أن العلم اكبر من العقل، والعكس هو الصحيح. وهذا هو طريق السحرة والدجالين، يقلّلون للناس من شأن العقل. وهنا تبرز قيمة الإيمان بالله المدبر، لأنها تحافظ على العقل حتى لا ينفتح العقل بالكامل فيصبح كالباب المنفتح من الداخل والخارج.
العقل الملحد يؤمن بالصراع فقط، العقل المؤمن يؤمن بالتدبير والتسخير والتوازن، لذلك العقل الملحد من السهل خداعه، نيزك يريد أن يضرب الارض بعد 3 اشهر من الآن، المؤمن يؤمن ان هناك نظاما في الفلك دقيقا وليس تصادما وفوضى كما يؤمن الملحد، لذلك في مثل هذه الحالة يضحك المؤمن ويخاف الملحد. الجراثيم سوف تكتسح الارض فجأة لأنها جراثيم شرسة تريد ان تقضي على الحياة، المؤمن يدرك ان الجراثيم مخلوقة لأجل وظيفة، وهي التنظيف والتحليل للتالف، لذلك لا يصدق هذه الأراجيف، لذلك عقله محفوظ، بينما عقل الملحد صار كالصفيح، فأي هزة أو ضربة تجده يرن ويصيح، لأنه ليست لديه موانع منطقية، فكل شيء في عرفه جائز أن يكون، وهذا من أوسع الأبواب التي صيرت عصرنا الحالي إلى عصر القلق، بسبب شدة التصديق وكثرة الأراجيف التي تسمى بإسم العلم، كم مرة خوفونا من كوكب سيضرب الأرض ولم يضربها ولم يعتذروا عن هذا التخويف؟ ألا يوجد ضحايا لمثل هذه الاراجيف؟ أم لا يهمهم الأمر؟ لماذا لا يُحاسَبون؟ هذا غير الخرافات الخيالية مثل اكتشاف كوكب من الألماس وكوكب من الفضة، لم يتبق إلا كوكب من الجبن كأفلام ميكي ماوس. 
العقل البشري يحتاج إلى معرفة ما يمكن أن يكون وما لا يمكن ان يكون، وهكذا يسمى العقل عقلا، وإلا فسيبقى وسيلة استقبال (ريسيفر) ، وما أكثر الدجالين والواهمين وما أوسع وسائل الاعلام والاتصالات في هذا الزمن، وحينها سيكون الإنسان ضحية، ولهذا اصبح هذا العصر عصر القلق لكثرة ما يحمله من الأراجيف والأكاذيب التي تصل الى كل انسان في كل مكان، لأجل هذه الأراجيف نحن في عصر القلق.
كان الأقدمون أكثر سلامة من هذه الاراجيف بسبب الانعزال، على الاقل يستقبلون أراجيف من حولهم فقط، أما الان فالناس يستقبلون أراجيف كل العالم. ومما يدعو للأسف أن أكثرها تحمل التخويف، وقليل منها يحمل التفاؤل حتى ولو كان كاذبا، هذا يترك آثاره السيئة على البشر، فالكل يخوّف من مكانه وتخصصه، وكلما زادت ثقافة الإنسان زادت مخاوفه، وكلما زاد احتكاكه بالعلم كلما زاد خوفه، والعالم كله يسمع، وليس بيده أي حل.

الجمعة، 3 أغسطس 2018

احترام دوائر الشعور العليا

الشعور فيه دوائر : دوائر عليا ودوائر دنيا. الدوائر الدنيا هي التي تتعلق بالجسم أو بالناحية المادية من الإنسان، والدوائر العليا تتعلق بالنواحي المعنوية. وسبب وصفها بالدوائر لأن الطلب الشعوري يدور فيها، ويأتي على شكل نوبات، وكل طلبات الشعور الدنيا والعليا تأتي على شكل نوبات، فالنوم مثلاً - وهو من الدوائر الدنيا - يأتي على شكل نوبة، وعندما تنشغل عنه تنفكّ هذه النوبة حتى يأتي في نوبة ثانية، وكذلك الجوع والإخراج والجنس أيضا، لذلك يمكن تسمية الشعور بأبي النوبات.

كذلك الدوائر العليا تأتي على شكل نوبات، فالكآبة تأتي على شكل نوبات، ثم تنفكّ من نفسها وهكذا، وحتى تأنيب الضمير يأتي على شكل نوبات.

النوبات الشعورية بشكل عام إما أن تأخذ طريقها للإختفاء تدريجيا أو للحضور أكثر تدريجيا، فمثلاً الحاجة للتبول تجد نوبته الأولى أسهل من الثانية، وكذلك نوبات النوم ونوبات الجوع، وهي نوبات تصاعدية، يؤيد ذلك ما قاله الشنفرى في مواجهته لنوبة الجوع إذ قال :

أديم مِطال الجوع حتى أُميتُه
وأضرِب عنه الذّكر صفحاً فأذهلُ

والنوبة التصاعدية - على مستوى الدوائر العليا - توجد في الكثير من حالات الكآبة، فكل نوبة تأتي أصعب من التي قبلها، وهذه النوبات هي المسؤولة عن أكثر حالات الانتحار إن لم تكن كلها، وقد تتزايد هذه النوبات من الكآبة بسبب حالات الإهمال للدوائر العليا ورفض الإستماع لتأنيب الضمير استجابةً لدوائر الشعور الدنيا، كأن من يفعل ذلك ضحّى بالدوائر العليا للشعور من أجل الدوائر الدنيا، أي كأنه ضحّى بروحه من أجل جسده، معتقداً أنه قد تخلص بهذه الطريقة من هواجس الوجود والفضيلة والأخلاق والضمير، لكنها في الحقيقة تبتعد فقط ولكن لا تنتهي، إذ إنها تعود متكثّفة إلى سمائه كغيمة سوداء قاتمة، لهذا لا يستطيع أن يعرف ما سبب هذه الكآبة، التي هي نتيجة لأسباب كثيرة وحلول خاطئة في التعامل مع النوبة السابقة، فيزيد في الإثم رغبةً في الهروب للأمام، فتزداد سحابته تكثفا، ولا يستطيع أن يعرف السبب، وذلك لأنها أسبابٌ كثيرة متداخلة مع بعضها، وهذه السحابة السوداء المظلمة تنتظر أن تتجمع أشياء منغصة على الشخص لتهجُم بثقلها على قلبه. قال امرؤ القيس :

ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَــهُ
عَلَيَّ بِأَنْـوَاعِ الهُـمُوْمِ لِيَبْتَلِــي

فَقُلْـتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّـى بِصُلْبِــهِ
وأَرْدَفَ أَعْجَـازاً وَنَاءَ بِكَلْكَــلِ

ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِــي
بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَــلِ

إن الدوائر الدنيا مرتبطة بالشخص، والدوائر العليا مرتبطة بغير الشخص (الخالق والمخلوقين والمخلوقات)، أما الحيوان فليست لديه دوائر عليا، لذلك الحيوان لا يعرف الأخلاق، بل يعرف المصلحة التابعة للغريزة فقط.

إن أيديولوجيا الإلحاد تريدنا أن نتجرد من الدوائر العليا ونرتبط بالمصلحة فقط، أي نصبح كالحيوان، أو أن نُخضِع الدوائر العليا للدوائر الدنيا، فمثلا إذا اقتضت مصالحنا أن ندمر ونقسو، فلنفعل، وإذا تمت المهمة ننفّس عن بعض الدوائر العليا ببعض الكلمات او التصرفات أو المساعدات اللبقة، مثلما نشاهده في بعض الأفلام، بعد أن يقضي الممثل على خصمه وينفخ طرف المسدس، يقول : لقد كان رجلا محترما. إن ايديولوجيا الالحاد تقرّ أن أصل الإنسان حيوان، وتشرّع لحياة الإنسان ما تشرّعه حياة الحيوان. مجرد دوائر دنيا فقط.

كما أن هناك نوبات تنازلية في الدوائر الشعورية، مثل نوبات العقد النفسية التي بدأت بالإنحلال، ومثل نوبات الضمير عند من يريد أن يُمِيت ضميره، ومثل نوبات اشمئزاز الشعور من منظر الدماء، كحالة الأطباء الذين اعتادوا على رؤيتها.

إن احترام الدوائر العليا مهم، لأن عدم الاستجابة لها أمرٌ في غاية الخطورة، على الرغم من أنها غير مُلزمة وتبدو للشخص أنه يستطيع أن يعيش بدونها، إنها قوانين صارمة لكنها غير ملزمة، مع أنها مؤثرة. فتجد بعض المغتربين مثلا يبكون ويتمنون العودة لأهلهم وأحبابهم، مع أنهم اغتربوا من أجل المصلحة. وهنا علينا ألا نفكر بمعزل عن حُبّنا.

للأسف أننا إذا جاعت الدوائر الدنيا لدينا فإننا نكرمها، أما الدوائر العليا فلا نكرمها إلا قليلاً، مع أن إكرام الدوائر الدنيا والزيادة في تلبيتها يؤدي لمشاكل حتى على الصحة، والمشكلة الحقيقية هي أن الدوائر العليا فتاكة عند عدم تلبيتها ولكن ببطء وبأشكال غير متوقعة، سواء على النفس أو على الجسم، فهذه الدوائر تبكي وتحتاج منّا الإهتمام لكننا نتجاهلها ونمنعها، فالملحد مثلا يضغط على شعوره بتجويع الدوائر العليا لديه ويتمنى أن لا يحس بألمها.

إن الدوائر العليا تريد الارتباط بالله أولا، وتريد من الشخص أن يكون رحيما ويعيش بجو من الألفة والمحبة مع من يكون معهم، وتريد أن تكون الإنسانية مقدمة على المصالح، وكون الشخص يسعى لتحقيق ما تريده الدوائر العليا فإنها ترتاح حتى لو لم يتحقق ما تريده هذه الدوائر، فالأهم لديها هو أن يسعى. إن الدوائر العليا تريد أن يعيش الشخص بأمان وأن يعمل ويستغل وقته ويصبر ويتحمل وأن يكون أخلاقيا وسيّد نفسه وواثق من نفسه ويتعلم، أي تريده أن يكون إنسانا وأخلاقيا ويحب الآجل أكثر من العاجل، بعكس الدوائر الدنيا. لذلك الجنة فيها ما تشتهي الأنفس من أجل وضع أملٍ آجل للدوائر الدنيا والعليا، فما لم يتحقق هنا في الدنيا بسبب منع الدوائر العليا سيتحقق هناك في الجنة إن شاء الله، وهنا تبقى كل الدوائر الشعورية على أمل لا ينقطع، لأن انقطاع الأمل يسبب اليأس، وما لم يحصل عليه الشخص في الدنيا سيحصل عليه إن شاء الله في الآخرة. قال تعالى عن أهل الجنة : (ولهم فيها ما يدعون).

ما تريده الدوائر العليا باختصار هو (الإيمان بالله + الأخلاق) كما قال تعالى : (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما).

إن الدوائر العليا هي النبي الداخلي فينا، وعلى أساسها آمن المؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام بسبب تطابق ما يقوله مع إحساسهم - أي مع دوائرهم العليا - ، وذلك لأنهم كانوا يحترموها، فكأن قول الرسول وضع النقاط على الحروف، ولهذا آمنوا، وإلا فما الذي يدفعهم للإيمان وتغيير الدين ومواجهة المجتمع سيّما وأن أكثرهم ضعفاء؟ أي مصلحة لهم في هذا؟

يعلّل ويعرّف الملاحدة الشيوعيون الدين بأنه عبارة عن صراع طبقات، أي صراع اقتصادي بين الطبقات الاجتماعية، وأن محمدا وأتباعه عبارة عن ثوّار ضد البرجوازية القرشية، مع أن الواقع أنه لم يتحسن دخل الفقراء المؤمنين حتى بعد إسلامهم، بل إن مسلمين أوائل كانوا أغنياء وتحوّلوا إلى فقراء، مثلما حصل مع عبد الرحمن بن عوف وزيد بن عمير وغيرهم عندما خرجوا من مكة فقراء وكانوا أغنياء، فزيد بن عمير مثلاً كانت أمه تغسل ثيابه بالعطر لأنها كانت من أغنياء مكة، وعندما قُتل أكملوا تكفينه بالشجر لأن كفنه لا يغطي جسمه.

لاحظ أن أصحاب المصالح لم يؤمنوا، والمؤمنون تحمّلوا ما أصابهم من أذى، فأين هي المصالح؟ ولماذا تحمّلوا الأذى الذي وصل إلى القتل مثلما قُتلت سمّية أم عمّار رضي الله عنهما؟ هل كانت طامعة بثروات البرجوازيين لكنها قُتلت؟ ما هذه التفسيرات؟ إن الذين قتلوها كانوا يقولون لها : سبّي محمدا وإلهه وإلا سنقتلك، ورفضت ذلك، ولهذا قُتلت.

إن المؤمنين صدّقوا الأنبياء بناء على ما لديهم في شعورهم، أي نبي داخلي يصدّق نبي خارجي، بينما الملاحدة آثروا الدوائر الدنيا ليتحولوا إلى حيوانات، لذلك يقول تعالى (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا)، أي آثروا الحيوانية على الإنسانية، و هم يقرّون بذلك، وهذا معنى قوله تعالى : (قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها)، وقال المتنبي :

لولا المشقة ساد الناس كلهم ،،
الجود يفقر والإقدام قتال.

لاحظ أن الفقر والقتل مرتبطان بالدوائر الدنيا، والجود والإقدام دوافعٌ من الدوائر العليا.

العقل هو شعور متكرر ومتجمد يُستعمل عند اللزوم، وبذلك الدوافع تأتي من الشعور بقسميه الأدنى والأعلى، والإنسان الذي يُؤثِر الدوائر العليا سيكون إنسانا متعلما ذا عقل قوي لأنها تدفعه للتعلم، أما المرتبط بالدوائر الدنيا فسيكون مرتبطا بالمصلحة، ولن يُعمِل عقله إلا عندما تكون هناك مشكلة، مثل المُساهم المالي عندما يكسب فإنه لا يَسأل من أين يأتي المال، وعندما يخسر يسأل أين ذهب مالي.. هكذا هو الفرق بين عقل المؤمن وعقل المصلحي.

المادي لا يُعمل عقله إلا إذا واجه مشكلة، أما المؤمن فإيمانه يدفعه للمعرفة والعلم حتى لو لم يعاني هو من المشكلة. لهذا قامت الحضارات حول الأديان ودور العبادة وليس حول الأسواق، لكن الأديان يعتريها التخريب والتسوس كأي شيء مفيد وجميل معرَّض.

الأحد، 8 يوليو 2018

الحساب الشعوري

هناك حساب شعوري للمخاطر وحساب عقلي، اكثر الناس يهمل الحساب الشعوري، بينما الحساب الشعوري لا يبالي بالحساب العقلي ولا يتأثر به. والشعور هو المؤثر بالانسان اكثر من العقل. 

مخاوف الشعور ممكن أن يقمعها الانسان، لكنها تنطوي في الداخل، وتعمل المخاوف داخله، وقد تسبب أمراضا باطنية أو مستعصية، جسمية أو نفسية، على حسب قيمة ذلك الخوف، لان لكل خوف قيمة، فخوفك من ضياع المفتاح ليس كالخوف من أن طريقك بالحياة خاطئ وتشعر بالضياع. 

خوف الشعور هو الذي يسبب الآلام والأمراض والتعب والسحب. اذن لابد من مراعاة هذا الحساب الشعوري لأنه هو المهم. 

من الممكن إجراء فحوصات للخوف من خلال ذكر أسماء او مواقف على شخص في حالة استرخاء ويخبرنا هل أحس بمغص أو انقباض بالمعدة أو لا، وهذا يساعد في تحديد مصادر الخوف الشعوري والقلق والانقباض. إن هذا الفحص يمكننا اعتباره منبهاً يخبرنا عن مكمن المشاكل والمخاوف، ومع التدريب يزداد وضوحاً. يمكن أن يسمى هذا منبهاً للخطر القريب أو المباشر أو القريب للشعور أو للعقل الوسيط. 

حتى في حالة الحب فذكر الحبيبة يسبب انقباضاً، وهذا بسبب الخوف على المحبوب وليس بسبب الرغبة، لان الانقباض يدل على الخوف. حتى لو أُعلن اسمك فجأة فائزا بجائزة ستشعر بالخوف من خلال هذا الانقباض، وهذا يفسّر لنا دموع الفرح، فهي كأنها خوف من سوء الحالة لو لم يأتي هذا الخبر السعيد، لأنه في الواقع لا علاقة للدموع بالفرح، إلا من هذا التخريج، وعلى من يخالف هذا الرأي ان يقدّم تفسيرا مقنعا يفسّر فيه دموع الفرح عند بعض الناس.

الانسان في الحقيقة ليس له رغبة خارجة عن غرائزه وعن شعوره، لأن الانسان يعاني من النقص، وحل النقص هو الوصول لحالة الكمال أو حالة الانسان الطبيعي مثلما كان في الجنة يوما من الأيام، وهذا النموذج يعرفه الشعور، وهذا الذي استدل به ديكارت على وجود الله، لأنه يقول : أنا أشعر بنقص ولا أستطيع أن أصل إلى الكمال إطلاقا، إذن يوجد إله كامل.

نحن نقول أنه توجد حياة كاملة يعرفها الشعور عندما كان في الجنة، ويطمح للوصول اليها ويضغط على صاحبه كي يقترب منها ولو قليلا، لانها هي النموذج (النيرفانا) الذي يعرفه الشعور. وهذا يفسر الراحة التي يجدها الإنسان عندما يرتبط بربه أكثر، إذ يشعر براحة اكثر، وهذا يقر بوجوده حتى الملاحدة، أي السعادة التي يجلبها الايمان. 

الكساد الاقتصادي العالمي قد لا يسبب لك انقباضاً، لأنه خطر غير مباشر، بينما ذكر اسم شخص أو مكان حصلت فيه مشكلة أو يُتوقع أن يأتي منه مشاكل فهذا قد يسبب إنقباضاً في عضلات المعدة والصدر، وعلى حسب شدة الإنقباض تكون شدة الخوف، وكون تلك المشكلة أو ذلك الخوف تحصل بسببه ردة فعل بهذا الشكل - بمجرد ذكر المشكلة أو الاسماء - فهذا يدل على أن الضحية ستكون الجسم، وهذا المنبه المعنوي انعكس على الجسم وأغلق مدخل المعدة، أي سبّب فقداناً للشهية، ولو زاد الوضع سوءا قد يتحول إلى إسهال أو استفراغ، أي أخراج الطعام من الجسم. والشعور عادةً يتخلص مما في الجهاز الهضمي في حالة الخوف والخطر، حتى الاغنام قد تتوقف عن الاجترار أو الأكل في حالة الخوف.

إن الانسان يعاكس الطبيعة من أجل أن يعيش، فطبيعي أن يُبنى الشعور على المخاوف، لأن حياة الانسان معاكسة لقوانين الطبيعة. فالطبيعة تريد أن تجمّده وهو يقاوم، وتُريد أن تُسقطه وهو يقاوم، وهكذا. كذلك الجراثيم تحيط به من كل الجهات وترسل طلائعها لتكتشف أي خلل فيه حتى تنقض عليه، إما جزئيا أو كليا، لهذا أي جثة تسقط تأتيها الديدان والبكتريا فوراً، فمن أين جاءت؟ إنها موجودة فيه وتراقب ثم تنقض وتتكاثر بسرعة، ولهذا تتكاثر البكتريا بالانقسام، فليس لديها وقت للتزاوج، لأن مهمتها ووظيفتها التنظيف والتحليل العاجل.

إذن الخوف هو الأساس وهو الذي بنى عقل الانسان، وهو الذي بنى الحضارة. لذلك شكل المغرور الفَرِح يبدو تافهاً ونشازاً ومخالفاً لطبيعة الاشياء. قال تعالى: (إن الله لا يحب كل مختال فخور)، وهذا الكلام توجيهٌ للنظرة الى الانسان، وهي على العكس تماما من نظرة الماديين للانسان، لأنهم ينظرون إليه من خلال الجسم، ونحن ننظر إليه من خلال الروح، ونتيجة طبيعية لهذه النظرة المادية أن تكون امراض الجسم بسبب الجسم أو بسبب المادة الخارجية فقط بالنسبة لهم، لأنهم ينكرون وجود الروح، وأن تكون أمراض الجسم بسبب الروح والشعور والخوف بالنسبة لنا، ونحن أثبتنا ان الامراض النفسية، على اختلافها، يوجد بينها قاسم مشترك وهو الخوف، اذن ما الذي يمنع ان تكون الامراض الباطنية - وليس الاصابات - من نفس السبب؟

أساس الرغبات هو دافع الخوف، لماذا يُجمع المال؟ أليس خوفا من الفقر؟ وعلى ذلك فقس .. أو بدافع التطمين، وهذا أساسه خوف أيضاً، كحالات الإدمان مثلاً والتمسك بالعادات والتقاليد، سواءً العامة أو الخاصة بالشخص، بدافع التطمين، و الإدمان عبارة عن خوف من فقدان المُدمَن عليه.

إن الأحياء تنام كي تطمئن أرواحها، فلذّة النوم هي لذة تطمين، لأنك عند النوم فاقدٌ للوعي، فكيف تتلذذ وأنت فاقد للوعي؟ فقبل النوم وبعد النوم انت مستيقظ وواعي، فكيف تشعر بلذّة وانت لاتدركها؟ 

ولماذا لبس الملابس للتدفئة؟ من أجل التطمين خوفا من أن يأتي البرد فجاة، ولو نظرت لكل أدوات الحضارة لوجدتها بدافع الخوف او بدافع التطمين، وهنا إعجاز القران عندما عبّر عن السعادة بالنفس المطمئنة، بل إن اللذة كلها بسبب الخوف من الحرمان من اللذة، لأن الشيء المضمون وجوده ليس له لذة، حتى اللذة هي بدافع الخوف، لهذا تزداد اللذة مع الأشياء الصعب الحصول عليها، وتقلّ كلما صارت متاحة.

الله خلق ارواح البشر خائفة كي يسهل عليها أن تخاف من الله وتبحث عنه بدافع ذلك القلق والخوف. قال تعالى:(أما من جاءك يسعى وهو يخشى) ولم يقل وهو يرغب. والخوف بالنسبة للروح هو أساسها وليس غريبا عليها، لأنها خرجت عن الجنة. 

لاحظ أكثر القصائد تصف الحرمان أو تصف لذة أتت بعد حرمان فصارت عالية، وماسبق يجعلنا نهتم بمخاوف الشعور والحساب الشعوري. 

استجب للخوف وافهمه وحاول أن تحل مشاكله، وليس كما يقال بأن تبتعد عنه وتتجاهله، فكل خوف له رصيد، والعمل والثقة بالله تخفّف من الخوف، فالاغنياء والفقراء يخافون من الفقر، قال تعالى : (وأحضرت الأنفس الشح). أي أن الشح ياتي قبل الكرم، والكريم هو من يتجاوز هذا الخوف إلى خوف أهم ومن دائرة شعورية أعلى. إذن لابد من الموازنات في التعامل تجاه المخاوف، لا أن يكون بالإستجابة المباشرة للخوف، وهنا يسمى الانسان عاقلا.

الخميس، 5 يوليو 2018

سلسلة الردود على سلسلة نظرية التطور للدكتور عدنان إبراهيم - الحلقة 30 الأخيرة



(الدقيقة : 14) يتحدث الدكتور بشكل عام عن عائلة أشباه الإنسان الأول، وأننا من هذه العائلة، ولكن ليس كل أشباه الإنسان هؤلاء بشر. ويذكر الدكتور أن عائلة أشباه الإنسان الأول مع القرود تشكل ما يسمى بالأناسيّات، وهذا أحدث شرخاً كبيرا لدى التطوريين تصنيفياً، إذ يوجد بعضهم من لا يرى فروقا كبيرة بين القرود وأشباه الإنسان الأول ويصر على أن يوضعوا جميعا في رتبة واحدة، وهؤلاء هم الأكثر تعصباً لنظرية التطور، منهم جاريد دايموند التطوري الصلب، صاحب كتاب (الشمبانزي الثالث) التطوري، وكتاب (أسلحة ، جراثيم ، وفولاذ) في السياسة والتاريخ وصراع الحضارات. بينما دونالد جوهانسون مكتشف حفرية لوسي يرى في كتابه (من لوسي إلى اللغة) أن التصنيف التقليدي للقرود وأشباه الإنسان تعرض للشكوك والخلخلة، وذلك بسبب الدراسات على المستوى الجزيئي، مثل مشابهة الدي ان أي بينهما، وغيرها كثير. هذا عدا أن مسألة تحديد النوع وتعريفه صعبة جدا، من أيام كارلوس لينيوس مؤسس علم التصنيف حتى اليوم، ويذكر جوهانسون أنه يوجد مقترح من علماء استنادا على الدراسات الجزيئية، ومن أكبر المتحمسين لهذا الإقتراح هو ريتشارد داوكينز، وهو القيام بعملية تهجين بين الإنسان والشمبانزي، ومراقبة ماذا سيكون الهجين، وهذا قد يحسم الجدل بين التصنيف التقليدي والتصنيف التطوري المقترح بحيث يصبح القرود وأشباه الإنسان كلهم (ومن ضمنهم الإنسان) تحت تصنيف واحد بدون تفريق بينهما.

الرد : ما الذي يمنع من ذلك عندهم؟ الغرب يسمح بالزواج من الحيوانات، ويعتبرونه حقا من حقوق الإنسان. فأي مانع أخلاقي يمنعهم عن التجربة و هم يبيحون الزواج من أي حيوان؟ لا بد أنها حصلت عملية جنسية في الواقع، وما دام هؤلاء العلماء الكبار يرون أن الشمبانزي والإنسان نوع واحد، و هم ملاحدة، والملحد لا يرده أي شيء، فلماذا لا يُجرون التجربة بأنفسهم أو على غيرهم؟ طبعا هذا لا يمكن، لأن القرد نوع من القوارض أصلا، وليس من الإنسان.  

وسوف يستمر هذا الشك والإرباك في معرفة النوع وتصنيفه، لأن التصنيفات قائمة على أساس أدبي وليس علمي ، ومشكلة نظرية التطور قائمة على هذا التصنيف غير العلمي والقابل للتغيير دائما، لا يوجد شيء اسمه علم التصنيف لأن التصنيف ليس أمرا علميا، إنها مقترحات ومقاربات وإجتهادات أدبية.

حقيقة الحياة والأحياء تشبه أجزاء جسم الشجرة، فالجذر له عمل والساق له عمل، والأوراق والثمار، كلها تشكّل الشجرة، لكن لكلٍّ وظيفته. إذا عمّمنا هذه النظرة على كل الحياة والبيئة نجدها متطابقة. لكن سر الحياة لا أحد يعلمه، أما وظيفة الحياة فيمكن أن نعلمها. مثلما الغصن والزهرة لهما دور في حياة الشجرة، كذلك نجد للطيور أو الحشرات أو الأسماك نفس الدور ولكن في شجرة الحياة كلها. وكأن الحياة شجرة كبيرة، لكلٍّ عمله ووظيفته، لكن لا يمكن تحديد الحياة، هل هي في الساق او في الجذور او الأوراق؟ وعلى هذا الأساس ينتفي التصنيف من ناحية علمية، ويبقى التصنيف في سياقه الأدبي من أجل التعريف ليس إلا.

أين هي الحياة في الشجرة بالضبط؟ في الزهرة أم في الجذر أم في الثمرة أم في الورقة أم في هذه البذرة الميتة التي تعود للحياة إذا سقيت؟ إنها كلها مع بعضها تسمى شجرة، لكن تقسّم إلى أوراق وجذور وسيقان لأجل التعريف ليس إلا، فإذا قلت الشجرة، فهل تعني ساقها وهو خشبة لوحده؟ أم أزهارها وهي مصيرها الذبول لوحدها؟ أو أوراقها وهي تجف وتسقط؟ الشجرة هي كلها مع بعضها، تسمى شجرة، كذلك الحياة بكل توازناتها، لا تستطيع أن تحدد ما هو الجزء الصالح أو الأصلح أو الأكثر تطورا، أو ما هو العنصر الأساسي أو الرئيسي، لأنها كلها محتاجة إلى بعضها البعض، مثلما تحتاج الشجرة إلى ترابط أجزاءها. أما تفكيكها فهو يفسدها، مثل تفكيك الشجرة، لا يبقيها شجرة.

نظرية التطور نظرية أدبية و فلسفية وليست علمية. كيف يقوم العلم على أدب؟ هذه بحد ذاتها تكسر نظرية التطور لمن تعمق بتأملها. التصنيفات قائمة على التشابهات، والتشابه ليس معيارا علميا، وذلك لأن التصنيفات هذه قامت على حالة من الفوارق أكبر من حالة التشابه، فكيف يكون التفاح والورد والنّبق من فصيلة واحدة؟ مع أن الثمار تختلف والأجواء والتربة تختلف؟ كل نبات له ظروفه. ولو كان علم الجينات كما يقولون دقيقا ومفصلا لأفتى لهم في هذه المشكلة العويصة وهي مشكلة التصنيف، وهذا يكسر احتجاج التطوريين بالجينات والكروموسومات. لأنها لم تحل أبسط مشكلة عندهم وهي مشكلة التصنيفات للأنواع. هم لم يستطيعوا أن يصنفوا، فكيف يحكمون أن هذا متطور من هذا أو من ذاك؟ وأيهما المتطور وأيهما القديم المتخلف؟ المسالة مسألة تخمين وتصنيفات وضرب من الخيال وافتراضات، فقط لأنها تقدَّم بإسم علمي صارت علمية ومفروضة على الجميع.

(حتى نهاية الحلقة) تحدث الدكتور حديثا مطولا حول عرض خطة توضيحية لمعرفة معاني المصطلحات التطورية الخاصة بأشباه الإنسان وتصنيفها، بالإمكان الرجوع إلى الفيديو للإطلاع عليها. ثم تحدث الدكتور بعدها عن الفروق بين الفرعين الكبيرين لأشباه الإنسان وهما : الهومو (إنسان) والأسترالوبيثيكس (قرد جنوبي) ، فيذكر أن الجمجمة لدى الهومو أكثر إتساعا، وبالتالي الدماغ أكبر، منه عند الأسترالوبيثيكس. وأكبر جمجمة إتساعا في الهومو تصل إلى 2000 سم مكعب، وهي لدى النياندرتال، أكبر من جمجمة الإنسان العادي. ولكنه ضعيف وانتصر الإنسان العادي عليه، وقد اثبتت دراسات سابقة أنه إلى جانب متانة النياندرتال الجسدية وحاسة الشم القوية لديه، إلا أنه كان غبيا. ولكن هذا غير صحيح، إذ لا توجد أدلة على أنه غبي، فحتى لو أخذ حجم الدماغ بالاعتبار لا يبدو أنه كان غبيا.

من الفروق بين الهومو والأسترالوبيثيكيس : الميل إلى الطول في القامة، خاصة في الطرفين السفليين. فبالمقارنة بين أول هومو وبين الإنسان الموجود حاليا سيكون الإنسان الموجود هو الأطول. ومن الفروق بين القرود والإنسان بخصوص الأطراف العلوية والسفلية أن يدي القرد أطول من ساقيه، بينما ساقي الإنسان أطول من يديه.

كذلك من الفروق بين الهومو والأسترالوبيثيكيس : الزيادة في وزن الجسم، فالهومو أكثر وزنا. ومن الفروق أيضا : تقلّص الإختلاف الشكلي بين الذكر والإنثى، فالهومو أقل إختلافا شكليا بين الذكر والإنثى منه عند الأسترالوبيثيكس وكذلك القرود كالغوريلا مثلا. ولهذا قد يأتي بعض الباحثين في التطور اثناء دراسة عينات من الجماجم، فيقول عن جمجمة صنفت على أنها لهومو يقول أنها تعود لأسترالوبيثيكيس أنثى، وذلك لأن أنثاه أصغر أسنانا، وبالتالي تصبح أشبه بالهومو سواء ذكر كان أو أنثى.

كذلك من الفروق : صغر عظام الوجه، وصغر جهاز المضغ كالفكين والأسنان. واستمر الدكتور في طرح بعض الفروق بالإمكان العودة إلى الفيديو للإستزادة.

بعدها يطرح الدكتور السرد الزمني لإكتشاف الحفريات البشرية، والذي كان أولها إنسان النياندرتال عام 1856. اذ كان عمال عاديون يحفرون في وادي نياندرتال، ووجدوا قحف لجمجمة وعظمة فخذ، وكان لهؤلاء العمال مدرس هاوي لجمع الحفريات، قرر هؤلاء العمال اعطاء العظام لهذا المدرس، ولما رأى القحف لأول مرة أدرك أنها لا تعود لإنسان عادي ولا تعود لقرد، ويذكر الدكتور أن العلماء المتخصصون يعرفون من القحف كيف سيكون شكل الجمجمة كلها بشكل تقريبي وقريب للحقيقة. مثلما قال كوفييه الفرنسي أنه يستطيع أن يرسم شكل الكائن من سنه.

الرد : لاحظ أن الدكتور والتطوريين يسمونها أشباه الإنسان، يعني هي ملاحظات خارجية تلحظها العين في أكثر الأحيان، وتدور حول الجسم والهيكل فقط. ما يسمونه أشباه الإنسان تشبه الإنسان بعض الشيء لكنها في أكثر الأحيان تشبه القوارض، كنمط حياتها وسرعة حركتها وسرعة قضمها بل واصواتها تشبه أصوات الفئران والجرذان.

وقضية الشبه بالإنسان لها وجوه كثيرة وليس فقط الهيكل، فالببغاوات أشباه الإنسان في النطق، بل أفضل من الإنسان حتى، ومن ناحية الصوت نجد صوت الماعز أو الكلب أقرب لصوت الإنسان من صوت القردة التي تشبه في زعيقها القوارض. والكلب يشبه الإنسان في حفظ الود وحماية المكان، ويحمي غيره أيضا. بل حتى فراء القرود ونوعية معيشتها وبيئتها وما تتغذى عليه والمناخ الذي تعيش فيه يُدخلها في عالم القوارض، حتى عيونها تشبه عيون القوارض ولا تشبه عيون الإنسان. وهذا ليس تصنيفا علميا، لكنه تصنيف أدبي أقدمه هنا، فالقردة تحب التسلق وتأكل المكسرات والفواكه.

طبيعة معيشتها لا تشبه الإنسان إطلاقا، بل نجد في الطيور ما يشبه الإنسان أكثر، كالنظام الاجتماعي عند الغربان ومحاكمة الغراب الذي يعتدي على العش، بل ويدفنون الميت. والغراب بشكل عام أذكى من الشمبانزي وغيره، وبالتجارب الموثقة. وهذه السعادين والقردة لا تشبه الإنسان في نمط حياتها، فهي لا تبني لا عشا ولا بيتا، بينما نجد من الطيور ليس فقط من يبني البيت، بل يزينه بالورود لأجل إغراء حبيبته، أي يشبه الإنسان أكثر، بينما القرد ينام في العراء والثلج، لماذا لا يقال أن هذا متقدم تطوريا؟ فهو يعرف الجمال والزينة، ترى لو كان القرد يعرف ذلك، ماذا سيقولون؟ لماذا يقفون عند الشكل والهيكل فقط؟

لا تنس أن الطيور في سلم التطور هي الأغبى من الثدييات، لكن في الحقيقة هي الأذكى باستثناء الإنسان. لا ننس كيف تهتدي الطيور عبر القارات والمحيطات وهي صاحبة الرقم واحد في بُعد الهجرة ودقة الوصول إلى نفس العش مهما تغيرت الظروف الجوية. القرود لا تفعل هكذا، بل إن الكلب أذكى من القرد لأنه قابل للتدريب والحماية. ماذا بقي للقرد؟ كل ما في الأمر أن هناك شبها بسيطا في الهيكل فقط بين القرد والإنسان، وهذا ناتج لطبيعة الوظيفة التي يؤديها القرد والتي تحتاج للتسلق.

أما جسم الشمبانزي فهو أصغر من الإنسان بكثير، ويديه أطول من رجليه عكس الإنسان، وجسمه مغطى كله بالشعر عكس الإنسان، وعيونه متقاربة بشكل كبير ولها نفس عيون وحركة القوارض، وأذنه لا تشبه أذن الإنسان. وأنفه لا يشبه أنف الإنسان، ولا يمشي على قدمين، لأن يديه طويلتين. بينما الطيور تمشي على قدمين، اذن لا بد أن تكون اقرب للإنسان. النعامة تمشي على قدمين وليس لها ذيل، مثل الإنسان في هذه الناحية.

بل من القردة الدنيا من أنفه يشبه أنف الإنسان. وعيون القرود تشبه عيون القوارض 100% ، فهي ذات لون واحد. واسلوب القردة يشبه اسلوب القوارض من ناحية التخريب والأكل من غير حاجة. إذا أدخلت مجموعة من القرود في مزرعة، فهذا يشبه أن تدخل مجموعة من الجرذان في مستودع، النتيجة متقاربة : تكسير وتخريب وسرعة هروب.

القرد يستخدم فمه كثيرا وبأسنان حادة، وهذا يجعله قريبا من القوارض التي تتميز بأسنان أمامية عريضة لا تستخدمها فقط للأكل، بل للهجوم أو التقشير أو التخريب. فأسنان القرد تشبه أسنان السنجاب والراكون وغيرها. إذن القردة وظيفيا عبارة عن استكمال لوظيفة القوارض، فالقردة لا تعيش على اللحوم وإن كان الشمبانزي يفترس من نوعه أحيانا، تماما مثل الجرذان التي تفترس أحيانا صغار طيور الحمام. وبعض هذه القرود ليلي وبعضها نهاري.

هي حيوانات غير مسخرة للإنسان مباشرة، أما الكلب والقط فهي مسخرة تسخيرا مباشرا، لذلك الناس يربون القطط والكلاب ولا يربون القردة في بيوتهم، إلا نادرا وفي أقفاص محكمة، مع أنها عليا وتشبه الإنسان، لكنها في الحقيقة تشبه القوارض، ويضعونها في قفص خوفا من تخريبها.

القوارض بشكل عام هي الجهات المتهمة بالفوضوية والتخريب بالنسبة للإنسان، والقردة على رأسها، لأنها متسلقة أغصان وتقفز من غصن إلى غصن إذن هي من رئيسات القوارض ولا علاقة لها بالإنسان إطلاقا إلا بشكل الهيكل فقط، وإلا فلا علاقة لا من ناحية معنوية ولا من ناحية مادية. القردة قوارض عليا، إنها لا تملك وفاء الكلب ولا فهمه، لذلك الكلب صديق الإنسان منذ القدم وهو حارس الإنسان. أما القردة فانظر ماذا تفعل عندما تهجم على قرى أو مزارع، إنها مفسدة. وأين هو ذكاء القرد؟ إن ما لديه من قدرات ذكائية هو مجرد سرعة حركة، وهذه ميزة القوارض كلها. انظر إليه وهو يأكل أي شيء، تجده يأكله بسرعة وبفوضى. وابحث عن من يشبهه من الحيوانات، ستجد أن السنجاب مثلا طريقة أكله تشبه طريقة أكل القرد، لأنه يستخدم يديه ويقشر المكسرات بسرعة فائقة بأسنان مجهزة. ويستطيع القرد بأسنانه أن يقشر البندق والحب، ألا يدل هذا على أنه من القوارض؟ لأنه يشبه السنجاب. والقرد معتدي مثلما الجرذان قد تعتدي، فهي تعتدي بالعض. نريد أن نعرف الفروق بين القردة والسعادين والقوارض! ما الفرق؟

هذا يرسم بقية الجسم على قطعة من الجمجمة، وذاك يرسم على السن بقية الجسم، ما الفرق؟ هنا نجد مساحة القدرة على التجديف والضرب بالغيب، تلبّس لباسا علميا.

لو وجدنا عظاما أو جماجم لصينيين أو من أهل استراليا الأصليين، وقدمناها لمن لا يعرف هذا العنصر البشري، لبدأ بتشغيل خياله والاستنتاج من خياله، تماما كما يفعل التطوريون. مثلما وجدوا رؤوس سهام من الحجر، فسمّوا ذلك العصر بالحجري، على أساس أنهم متخلّفون ولا يعرفون إلا الحجارة، وهذا تخريف، لأننا لم نطّلع على آثارهم بالكامل، مع أن من ضمن آثارهم كأسا ذهبية لها مقبضين كلاهما على شكل حصان! فهل نقول أن هذا العصر حجري أم ذهبي؟ إنها مجرد تخرّصات ليس إلا، و لمَّا وجدوا قطع سلاح من البرونز أصبح يسمى ذاك العصر كله بالبرونزي وهكذا تخرّص في تخرّص. كيف يُصنع مثل هذا الكأس الذهبي الدقيق الصنع بأدوات حجرية؟

لقد وضعوا كلاما وخيالا علميا عن النياندرتال ثم نفوه بأدلة جزيئية، لو لم يتم نفيُه بتلك الأدلة لاستمرّ على حاله كلاما علميا مقدّسا والويل لمن يخطّئ هؤلاء العلماء الأجلاّء! الحقيقة أن الإنسان منذ وجد وهو إنسان، بكامل قدراته وقواه التي لا تتغير. ثم : ما الذي أدى لانقراض إنسان النياندرتال وها هو يصنع الأدوات ويطبخ بالقدور ويشعل النار؟ هل هذا شيء يعقل؟ كيف ينقرض بالكامل بينما الأجناس البشرية الموجودة كلها موجودة؟ مع أن الحروب الطاحنة مستمرة، وتوجد أمة أقوى من امة ولكن لم تقض عليها بالكامل، لماذا يقدّمون كلاما لا يُعقل ويراد منا تصديقه؟ ما الذي جعل النياندرتال ينقرض بالكامل مع أنه يصنع أدواته ويصيد ويطبخ؟ وكيف قضينا عليهم؟ ولماذا نقضي عليهم ولم نقضي على القرود؟ ما هذه الأفكار الامبريالية المريضة؟ كفكرة البقاء للأقوى؟ في كل تاريخ البشر لم ينقرض أي نوع من أنواع البشر، لأن فكرة الانقراض مجنونة أساسا، بل غير معقولة حتى عند الحيوانات والأشجار. كان الأجدى أن تنقرض أعداء الإنسان مثل الحيات والعقارب والحيوانات المفترسة التي لا يزال يقتلها من أمد الآمدين. لم ينقرض من ذلك شيء سوى النياندرتال الذكي والمسالم والصياد والذي يصنع الاسلحة ويشعل النار ويطبخ طعامه، كيف يقضى عليه وهو يحمل سلاحا؟ ولا تنس أنه هو الأكثر. هذه من مفرقعات التطوريين، المفرقعة الثانية أن اكتشاف النياندرتال والديناصورات كلها قبل طباعة كتاب داروين بثلاث سنوات تقريبا! إنه عمل منسق.

الكلام حول الانقراض غير منطقي ولا واقعي. الخطر يأتي من الكثافة وليس من الانقراض، وهذا دائما مطلقا. لذلك توجد مكافحات طبيعية للكثافة في الطبيعة ولا توجد مكافحات طبيعية للانقراض. مثل الامراض والحيوانات المفترسة والحرائق الخ، هذه كلها تكافح الكثرة، لكن لا توجد مكافحات طبيعية تكافح الانقراض أو القلة، لأنه لا يمكن أن يكون. هيا شدوا حيلكم وأفيدونا أن الذباب او الجراد او القمل او الجرذان انقرضت بكل الأدوات الكيماوية!   

الاستدلالات على العصور بما فيها الاستدلال على الإنسان كلها استدلالات أدبية وليست علمية. بسبب بسيط وهو أننا لم نطّلع على كل حياتهم، هذا يشبه من وجد قبرا قديما مبنيا من الجص (الجبس)، فيقول حينها معمّما أن أهل ذاك الزمان كانوا يستخدمون الجصّ في كل شيء في حياتهم، ويسمي عصرهم بـ (العصر الجصّيّ). هذا ضربٌ من الخيال العلمي وليس العلم. ومن سيأتي بعدنا على هذه الطريقة في التفكير، سيقول عن عصرنا أنه العصر السيراميكي، لأنه هو المادة الوحيدة التي تبقى بلا تحلل، وسيستغرب من كثرة استخدامنا للسيراميك وسيسمينا أصحاب العصر السيراميكي أو الحمّامّي أو الحمّامّيون لكثرة استخدامنا الحمامات، لأن كل الإثباتات سوف تتحلل إلا النقوش الموجودة على السيراميك، وذلك بسبب كثرة استخدامنا لدورات المياه، مما يدل على إسرافنا في الأكل، مما يعني ضخامة أجسامنا، ويسمونا الانسان الديناصور وهكذا .. وسوف يكون هناك إختلافات بين الباحثين : هل المغسلة كانت تستخدم كمرحاض أم ماذا؟ أم أنها هي الصحون التي نأكل بها؟ مما يدل على كثرة استخدام الحمامات ما دامت هذه هي الصحون الكبيرة التي كانوا يأكلون بها، أما البانيو (حوض الإستحمام) فسوف يستنتجون منه أننا كنا نعيش حياة اجتماعية، وأنه عبارة عن صحن كبير يقدّم لضيوف كثر. وسيستدلون من ذلك على كثرة العائلة، هذا إذا افترضنا أن حضارتنا انقطعت وجاء باحثون يدرسوا آثارنا، ويحاولون معرفتنا من آثارنا.. المسألة خيال.

وفي خبر صادم لنظرية التطور والتطوريين، إذ كانوا يعتقدون أن الإنسان المعاصر وجد في أفريقيا قبل 200 ألف سنة، لكن جاءت إكتشافات تثبت أن الإنسان أقدم من ذلك بكثير.