الاثنين، 21 فبراير، 2011

راسل و العلم و الدين "الرد على برتراند راسل .. من كتابه (العلم والدين) .."



كتاب Bertrand Russell "العلم والدين" طبع لأول مرة في فرنسا عام 1971،وهو مترجم عن الإنكليزية، وأعيد طبعه مرات عديدة كان آخرها في عام 2000. يحتوي الكتاب على عشر محاور رئيسية، اخترنا منها ما كتبه عن علاقة العلم مع الدين. نذكر هنا أن من كتابات "راسل" الأخرى: (الزواج والحب، تاريخ الأفكار في القرن التاسع عشر، تاريخ الفلسفة الغربية، تاريخ أفكاري الفلسفية، مفهومي للعالم).


يقول "راسل" إن العلم و الدين هما وجهان للحياة الاجتماعية،والدين كان له أهمية كبيرة ولفترة طويلة أكثر من قدرتنا على العودة إليه في تاريخ النفس الإنسانية،بينما العلم،وبعد وجود متقطع ومتدرج عند اليونان والعرب،أخذ أهميته بشكل مفاجئ في القرن السادس عشر،وقد استطاع منذ هذا القرن تشكيل وبشكل دائم أفكارنا و مؤسساتنا التي نعيش بينها اليوم. بين العلم والدين امتد صراع طويل،وقد خرج منه العلم وحتى السنوات الأخيرة منتصرا.
ولكن بعد قدوم،في روسيا و ألمانيا،أديان جديدة مزودة بوسائل جديدة (قدمها تطور العلم) للتبشير،وضعت نتيجة الصراع قيد التدقيق كما كان الوضع في بداية العصر العلمي، وجعل من الممكن إعادة اختبار ميدان الصراع و تاريخية الحرب التي قام بها الدين التقليدي ضد المعرفة العلمية.

الرد:

وهل الطرف المقابل لم يستخدم الوسائل التي ابتكرها العلم للتبشير بالإلحاد أيضاً ؟ فلماذا انتشر الدين إذاً وما زال ينتشر رغم انتشار العلم ؟ ولم تتحقق أمنية الملاحدة بأن يقضي العلم على الدين ؟ وهم يحسبون أن العلم هو الذي قضى على إيمانهم ، ولذلك يتوقعون أن يقضي بالتالي على إيمان الآخرين ، بينما الهوى هو من قضى على ايمانهم وليس العلم ، ناسين أن العلم مثلما يدعم الملحد هو يدعم المؤمن أيضاً كوسيلة محايدة ، لكن الملاحدة مصرّون على نسبتهم للعلم ونسبة العلم إليهم ، والتاريخ والواقع والعلم لا يؤيدون تلك الأمنية مع الاسف .

يستطيع اي ملحد إذا آمن بإله أن يستخدم العلم لإثبات إيمانه ، ويستطيع المؤمن اذا ألحد أن يستخدم العلم كشاهد إثبات . مثلما يستخدمه راسل وساجان وداوكينز وهاريس ، فيزيدون الملحدين إلحاداً بواسطة العلم ، وهذا نراه بوضوح ، فمثلاً عند المسلمين نجد استخدام العلم لدعم الإيمان ، كالإعجاز العلمي ، من أمثال مصطفى محمود وزغلول النجار و محمد متولي الشعراوي . وهؤلاء يزيدون الإيمان بواسطة العلم ايضاً ، ولا يبقى في نهاية المطاف إلا اختيار الشخص .  فليس العلم حجّة خاصة بالملحدين ، وإن كانوا يحبون ذلك .
 


العلم يهدف للكشف من خلال وسائل الملاحظة والبرهان المرتكزة على أحداث خاصة في العالم، ثم بواسطة القوانين يربط الأحداث الواحد بالآخر،وبعد ذلك (إذا استطاع) يتنبأ بالأحداث المستقبلية.هذا الجانب النظري للعلم مرتبط بالتقنيات العلمية التي تستخدمها المعرفة العلمية من أجل إنتاج ظروف لراحة الإنسان والتي كانت غير قابلة للتحقق من قبل،أو أنها كانت مكلفة جدا في عصور ما قبل ـ علمية. هذا الجانب الأخير يعطي أهمية كبيرة للعلم حتى في عيون الذين لا يؤمنون به.

أما الدين،ومن وجهة نظر اجتماعية،هو ظاهرة أكثر تعقيدا من العلم. فكل واحد من الأديان التاريخية الكبيرة يشكل ثلاثة جوانب : كنيسة (أو مكان للعبادة)،عقيدة، قانون أو (شرعة) للأخلاق الفردية. الأهمية النسبية لهذه العناصر تغيرت كثيرا عبر الزمان والمكان. فالأديان القديمة عند اليونان و روما،قبل أن تصبح أخلاقية بواسطة "الرواقيين"
Stoïciens ،(وهم نسبة إلى الرواق،أو المكان الذي كان يجتمع فيه تلاميذ زينون الرواقي، وتقوم فلسفته على إرجاع حوادث الطبيعة إلى العقل الكلي"الله"،وهذه الحوادث هي بقدرة العقل الكلي،والرواقية مدرسة سورية قديمة)، لم يكن لديها أشياء كبيرة تقولها فيما يتعلق بالأخلاق الفردية. ومع الإسلام مكان العبادة كان دائما له أهمية قليلة بالنسبة للسلطة الزمنية، وفي البروتستانتية الحديثة حدث تغير في عقيدة المتشددين أو أصبح لديهم نزعة للتغير.


الرد:
هذا الكلام كله مبني على افتراضات دون تقديم أدلة وشواهد ، الدين مبني على فكرة أخلاقية ، وليس فقط الدين ، بل كل أيديولوجية أو فكر جامع للناس لا بد أن يكون منطلقه أخلاقي ، وإلا فإنه لن يقوم . راسل يفترض ان الدين معادي بطبيعته للعلم ، فكيف إذاً يفسّر تكوّن الحضارات والعلوم حول الدين وعبر التاريخ كله ؟ اليست علوم الحضارة المصرية القديمة في التحنيط والبناء تدور حول المعتقد الديني ؟ ولأجله وجدت ؟ ألم يكن العرب أميين وجهلة ؟ وبعد الدين صاروا يقرأون ويكتبون وأوصلوا العلم إلى اوروبا ؟ لولم يوجد الاسلام بينهم ، فهل سيكونوا متعلمين ؟ أم سيستمرون على حال البداوة ؟ وكذلك الحضارة اليونانية والرومانية بل حتى عصر النهضة الحديث ،

إذاً الدين في أصله مناصر للعلم وليس عدواً له ، بل هو اساس وجوده . تاريخ العلم يثبت ذلك وليست افتراضات راسل الملحد . فايهما نصدق : افتراضاته ام تاريخ العلم ؟ وهذه هي الحضارات والعلوم وهذه هي الأديان ، ومن شاء فليدرسها حتى يتأكد ، ولا يمكن الفصل بينها ، فهل البناة والمهندسين والأطباء والمحنطين الفراعنة كانوا ملاحدة ؟ وبدافع من الإلحاد أقاموا هذه العلوم ؟ بينما كان رجال الدين الفراعنة يحاربونهم ؟ هذه هي فحوى افتراض راسل ؛ فقد كان الصراع محتدماً في اثينا بين انصار العلم والفلسفة والمنطق وبين أنصار الدين ، وكذلك عند المسلمين ، فقد كان علماء العرب والمسلمين يحملون السلاح ويتقاتلون مع رجال الدين ، طبعاً هذا لم يكن ، ولكن هذا مسايرةً مع إفتراضات راسل ، ومن الممكن أن نسميها : تاريخ راسل في الصراع الأزلي بين العلم والدين !!

إن الدين لا يقدم الحلول والاجابات للمشاكل العلمية والطبية ، وإنما الناس هم من دخلوا فيه واستنتجوا واستنبطوا منه باعتباره مصدرا من مصادر المعرفة . ولذلك لا يُترك الدين كله بسبب هذا الاسلوب الخاطئ في التعامل معه .
    


مع ذلك، هذه العناصر وبالرغم من حجمها المختلف والمتغير،إلا أنها ضرورية للدين كظاهرة اجتماعية،وهذا هو الجانب الرئيسي عند الدين في صراعه مع العلم. والدين (أي دين ) والذي يتجنب دائما التأكيدات التي يبرهنها العلم،يمكن أن يعيش بشكل هادئ في الأزمان والعصور الأكثر علمية. أما العقائد كما يراها Bertrand Russell فهي المصدر الفكري للصراع بين العلم والدين،ولكن مقاومة فظاظة هذه العقائد كانت واجبة عندما ارتبطت بمكان العبادة ومع التشريعات الأخلاقية. هذا الارتباط بمكان العبادة وضع في حالة من الشك هذه العقائد وأضعف من سلطة رجال الدين. من هنا يمكن القول أن رجال الدين كما رجال السياسة لديهم الحق في الخوف من الثورات التي فجرها رجال العلم.
يقول Bertrand Russell ،في كتابنا "العلم والدين " لا نشتغل على العلم بشكل عام ولا على الدين بشكل عام،ولكن نشتغل على نقاط شكلت ميدان الصراع،أو مازالت تشكل ميدان للصراع حتى الوقت الحالي. فيما يتعلق بالمسيحية،هذه الصراعات كانت وفق شكلين.فنحن،على سبيل المثال،نجد في الكتاب المقدس نصا يؤكد عملا ما ( الأرنب يجتر). مثل هذه التأكيدات وعندما دحضها العلم من خلال المراقبة والملاحظة، أصبحت عقبة أمام الذين يؤمنون أو يعتقدون بالكتاب أو (الكتب)المقدسة،وأكثر من ذلك،أصبح هناك شك بأن كل كلمة في الكتب المقدسة هي من عند الله.
ولكن فيما يتعلق بالكتاب المقدس أصبح الصراع أكثر جدية عندما وضع العلم هذا الكتاب في حالة من الشك.بشكل عام،الاختلافات بين العلم والدين كانت شكلا أولا للصراع،ولكنها انتقلت إلى ميادين متعددة تعتبر جوهرا بالنسبة للعقيدة المسيحية. في عصرنا،هناك الكثير من المؤمنين المسيحيين يرون أن العقيدة كما كانت في العصور الوسطى لم تعد نافعة بل تشكل عقبة أمام الحياة الدينية. ويرى Bertrand Russell أنه إذا أردنا فهم المقاومة التي تلقاها العلم،علينا التغلغل بخيالنا داخل نظام الأفكار التي جعلت من هذه المقاومة منطقية.

الرد:
هذا الكلام خاص بالعقيدة المسيحية واليهودية المحرفتان ، وحتى على هذا الإفتراض ، فلماذا تقوم حرب ، خصوصا وأن راسل يعرف من المؤمنين بالدين من هم علماء أكثر منه ، في الطبيعة والفيزياء والطب ، فكيف يفسّر هذا ؟ كيف يفسر وجود أشخاص مؤمنين ومحافظين على دينهم ومتفوقون في العلم ؟ والاسماء كثيرة .. فلماذا لم يحاربوا العلم ؟ بل هم نصروه ، مع أنهم محافظون على عقائدهم ؟ اين هذه المعركة التي لم يرها أحد ؟ هي موجودة في رأس راسل واضرابه ، والذين هم فعلا يحاربون الدين بإسم العلم ، ورجال الدين يحاربونهم بإسم الإلحاد وليس العلم .

والنص الديني قابل للتأويل ، وتتغير تفسيراته على مرور الزمن وزيادة العلم ، فالنص دائماً في مرونة ، والعلم ليس بالشيء الجديد كما يتصور راسل ، فلا وجود حقيقي لعصور ما قبل علمية ، هذه من افتراضات الملاحدة ، حتى يشوهوا الفترة التي كان يزدهر بها الدين ، في الوقت الذي يستمتعون فيه بمعطيات علوم القدماء ، فراسل يشرب قهوته بفنجان من الخزف ، الذي اكتشف العلم طريقة صنعه قبل عصور النهضة ، وفي ظل سيادة حضارات دينية ، ويقرأ الجريدة بالورق المصنوع ايام الحضارة الاسلامية ، ويشرب غليونه كما شربها الهنود الحمر قبل عصر النهضة ، حتى بدلته مصنوعة بنفس الطريقة التي صنع بها الإنسان ملابسه منذ عشرات القرون ، وبنفس طريقة النول القديمة . بل والكتابة التي يقرأها لم يصنعها عصر النهضة مع أنها أعظم ابتكار علمي للبشر، بل صنعت في العصور ماقبل العلمية كما يسميها ، فأين هي العصور ما قبل العلمية ؟ منذ وجد الإنسان وهو يتعلّم ، وهذا ما تقوله نظرية التطور التي يؤمن هو بها ، والعلم تطوَّر ، فلماذا اوقفه وهو لا يقف كما تقول النظرية ؟    




فلنتخيل وكما يقول Bertrand Russell أن إنسانا طلب من الكاهن لماذا يجب عليه ألا يرتكب جرما. الإجابة:"لأنك ستعدم" تظهر أنها كافية ومرضية،في نفس الوقت،لأن الإعدام بحاجة إلى مبرر،ولأن الطرق البوليسية لم تكن أكيدة بشكل كبير أو لها تأثير على المجرمين الهاربين من العدالة.ولكن هناك إجابة والتي،قبل قدوم العلم،كانت كافية بالنسبة للجميع: القتل هو جريمة ممنوعة من خلال "الوصايا العشر" التي أوحى الله بها على موسى في جبل سيناء. فالمجرم الذي يهرب من العدالة الأرضية لن يهرب من الغضب الإلهي. بالمقابل،هذه الحجة ترتكز على سلطة الكتاب المقدس،والذي يجب في هذه الحالة أن نأخذه بكليته. ولكن إذا الكتاب المقدس قال بأن الأرض لا تدور،فإنه علينا أن نصدقه أيضا،لأن إذا كنا لا نريد تصديقه فيجب ألا نصدقه بكليته أيضا،وفي هذه الحال نكون قد شجعنا الجريمة.طبعا هذا البرهان هو عبثي ولم يكن له إلا القليل من المناصرين.


الرد:

هذا الحوار يكشف التزييف الذي طرأ على الكتاب المقدس ، ولا وجود لهذا التعارض في القرآن . كان الأجدى أن يبيّن هذا التعارض بين العلم والقرآن ، ليس فقط الكتاب المقدس ، فالقرآن كتاب مقدس ايضاً . بل إن القرآن يثبت دوران الارض وكرويتها ، ويتفق مع نظرية الإنفجار الكبير والتوسع الكوني وانفجار النجوم .


إن "الوحدة المنطقية" هي في نفس الوقت قوة وضعف. إنها قوة لأنها تضمن أن أي شخص يقبل مرحلة من البرهان عليه أن يقبل كل المراحل التالية؛ وإنها ضعيفة لأن أي شخص يرفض إحدى مراحل البرهان فإن عليه رفض جميع المراحل التالية أو على الأقل جزءا منها. وبالنسبة للكنيسة في صراعها مع العلم،فقد أظهرت في نفس الوقت القوة والضعف الناتجين عن التماسك المنطقي لمعتقداتها.


الرد:
الفكر الملحد يتعارض مع العلم ويسابقه ، ولا ينتظر حتى يثبت العلم ، فإذا وجد راسل على المسيحية أخطاء ، فليس هذا يعني أن الفكر الملحد ليس فيه أخطاء وتعارضات مع العلم ، يكفي أنه يبني الأيديولوجية على نظريات لم تثبت ، بل وُجِدَت لخدمة هذه الايديولوجية المادية ، كنظرية التطور، فكيف يبني عليها قبل أن تثبت علمياً طالما أنه يقدّس العلم إلى هذه الدرجة ؟ وما النظرية سوى افتراضات يستطيع اي انسان ان يفترض ما يشاء ، حتى ولو كان لديه بعض الادلة ، فلا يمكن أن يعتبر الإفتراض علماً .

ولا يصدق بوجود إله مع أنه لا يملك دليل علمي على عدم وجوده ، كل ما عنده من حجج ، هو ما انتقد به رجال الدين ، فإذا انتقدت من ليس على الحقيقة ، فلا يعني هذا أنك على جانب الحقيقة ، فالحقيقة تحتاج إلى من يبحث عنها ، فشخصٌ يدلك على طريق معين ، واكتشفت انه مخطئ ، وانت لا تعرف الطريق ، فهل خطؤه جعلك تعرف الطريق الصحيح ؟   


ولكن الشكل الذي وصل فيه العلم إلى قناعاته يختلف كليا عن علم اللاهوت القروسطي.فالتجربة أظهرت أنه من الخطر الانطلاق من مبادئ عامة أو التصرف بواسطة الإسقاط أو الاستقراء،بداية لأن المبادئ يمكن أن تكون زائفة،ثم لأن البرهان يرتكز على مبادئ يمكن أن تكون خاطئة.


الرد:
الإكتفاء بالعلم عن الدين ، أليس مبدأ عاماً عنده وعند بقية الملاحدة ؟ حتى قبل أن يكتمل العلم ويثبت له ما اراد ؟ بل معتمدين على نظريات . أليس الإلحاد مبدأ عام ؟ ولم يثبت الدليل العلمي على عدم وجود إله ؟ ثم هل من العقل أن تُرْفَض المبادئ العامة والقيم كلية ؟ أو أن تمحّص ؟ احتمالية وجود خطأ أو زيف في منطلق من المنطلقات لا يقتضي رفض المبادئ كلها والعيش بلا مبادئ ، فالعلم أخطأ عدة مرات ، وما زال ، ولم يُرفَض ، رغم تعرضه للخطأ . فيجب إما الرفض المطلق لكل ما وقع فيه خطأ ، سواء في علم أو مبادئ ، أو القبول بفكرة التمحيص ، والمبادئ يمكن تمحيصها لمن اراد ، مثلما العلم بالإمكان تمحيصه .
    


العلم ينطلق،ليس من فرضيات عامة،بل من أفعال خاصة محددة،تكتشف من خلال المراقبة أو التجربة.ومن خلال العديد من هذه الأفعال نصل إلى قاعدة عامة،وحتى الأفعال هنا إذا كانت حقيقية فإن الحالة تبقى خاصة. هذه القاعدة لم تثبت كليا،ولكن تم قبولها كبداية لفرضية العمل. وإذا تكررت الأفعال لمرت عديدة فإن هذا يساهم بتأكيد الفرضية،وإلا ترفض ويتم البحث عن غيرها



الرد:
هذا هو منهج البشرية من الاساس ، ولا جديد في الأمر ، فهم يبحثون عمّا يتكرر ويثبت نفسه ، وكلما زاد التكرر زاد اليقين فيه ، سواء في أمور مادية أو معنوية ، فيما يتعلق بالمجتمع و بالزراعة او الحيوان او الفلك ، هذا هو منهج المعرفة اساسا للبشرية كلها ومنذ القدم . الجديد والخاطئ في الوقت ذاته ، هو ما يقدمه الفكر الالحادي كعادته في الخطأ ، بالاكتفاء فقط بالحقائق المختبرية ورفض كل وسائل وطرق المعرفة الاخرى ، التي استفاد منها الانسان ولا يزال ، بما فيهم الملاحدة انفسهم . فهم يستفيدون من معرفة يرفضونها ولا يعترفون بوجودها . وهي المعرفة الحدسية والمعرفة العقلية والمعرفة العاطفية . فهم ينفون أي شيء ليس له وجود مادي . ولا يقرون إلا بما له جرم مادي يدخل المختبر . وهذا تناقض في العقل المادي الملحد الذي لا يقبل بما ليس له جرم ، في الوقت الذي يقبل فيه نظريات التطور وعلم الاجتماع مع انها ليست علما خالصا وليست ذات جرم يدخل للمختبر .

والبرجماتية هي أم التناقض ، فتجعل صاحبها متناقضاً في طبيعة الاشياء ، لأنه يقول ويفعل حسب مقتضيات المصلحة التي يراها الآن ، فتأتي مصلحة مناقضة في آن آخر تجعله يناقض قوله وفعله السابق ، فالبرجماتية هي حتمية التناقض ، وبالتالي فكل برجماتي متناقض بالحتمية . لدرجة أن التناقض والبرجماتية يصلحان أن يكونا مترادفان لفظيا . 

لماذا يقتصرها راسل على العلم التجريبي فقط ؟ بالتالي فلمنهج العلمي ليس باكتشاف جديد ، بل هو حتمية تاريخية . وموجودة منذ وجد الإنسان . فقد تم استئناس الحيوانات بناء على تجريبها وتكرار التجارب المفيدة معها ، وعلى هذا الاساس بنيت الحضارة .

الفكر المادي يحاول ان يرسخ في أذهان الناس ما يراه مفيدا لنظريته ، فيقدم المنهج العلمي على أنه ابتكار جديد ، مثلما يقدم الصراع الأزلي بين العلم والدين على أنه حقيقة دائمة حتمية . مثلما يحاول أن يربط بين الإلحاد والعلم على أن كل ملحد علمي . اعتماداً على فكرة : كرر ما تريده حتى يصدّقه الناس .

كل ليبرالي براجماتي ، وكل براجماتي ليبرالي ، بالحتمية أيضاً . 

. ومهما كان عدد الأفعال التي تثبت الفرضية فإن هذا لا يجعلها أكيدة،علما أننا يمكن أن ندعوها "احتمال كبير"،وفي هذه الحالة ندعوها "نظرية"وليست "فرضية".


الرد:
إذا كان ما ذكر يسمّى نظرية ، فاين هي الحقيقة العلمية إذاً ؟ كأنه يريد أن يعظّم كلمة "نظرية" ويرتقي بها إلى مستوى "حقيقة" ، حتى يسهل إبتلاع نظرية التطور وتوابعها من نظريات غير ثابتة علمياً .
    

     

المعتقد الديني وكما يشير Bertrand Russell في كتابه،يختلف عن نظرية علمية،لأن المعتقد الديني يدعي امتلاك الحقيقة الأبدية وهي ثابتة بالمطلق، بينما العلم يحتفظ دائما بطابع مؤقت: إنه يتوقع بتغييرات لنظرياته الحالية ويرى هذه التغييرات أنها ضرورية وهي قادمة عاجلا أم آجلا، كما أن العلم يأخذ بالحسبان أن منهجه هو بشكل منطقي غير قادر للوصول إلى توضيح كامل ونهائي.


الرد:
الدين يعتمد على الظن المؤكد ، المبني على أدلة كثيرة وليس على دليل واحد ، هذا بالنسبة للمؤمن نفسه ، أما ما يقدمه الدين نفسه ، فهو مثل ما يقدمه العلم ،فهو يقدم كلامه على أنه حقائق وليس على شكل شكوك ، مما يسقط كلام راسل حول العلم . فافتح اي كتاب علمي للتلاميذ ، ستجده يتكلم عن الحقيقة والطبيعة بثقة ، ولا يقول ان هذه الحقائق سوف تتغير جذريا كما يقول راسل ، إذاً راسل يقول كلاما غير واقعي عن طريقة عرض العلم .  

 العلم إذا يطلب منا الابتعاد عن البحث عن الحقائق المطلقة.


لكن البشرية تحتاجها ، فما العمل والعلم لا يريدها كما يقول راسل ؟ إذاً فعليه أن يخرج من هذا الميدان ، بل إنه أخرج نفسه ، إذاً فلماذا يُذكَر العلم في مجال عن الحقائق المطلقة ويقدَّم كبديل عن الإله على أيدي الملاحدة ، في الوقت الذي ينهى فيه عن التطرق للحقائق المطلقة ؟ وكيف يكون بديلاً للإله من لا يريد ويعجز عن التطرق للحقائق المطلقة التي هي شاغلة للناس فعلاً ، أكثر من معرفة خواص الطبيعة المادية او الحيوانية ، التي هي من مجالات العلم ؟  

مع ذلك، يوجد جانب في الحياة الدينية يقول عنه Bertrand Russell بأنه الأكثر قيمة،وهو الجانب المستقل عن الاكتشافات العلمية،ويستطيع أن يبقى حيّا مهما كانت قناعاتنا المستقبلية حول موضوع الطبيعة والكون. فالدين ارتبط في الماضي،ليس فقط بالمعتقدات و أماكن العبادة، بل بالحياة الشخصية لأولئك الذين يشعرون بأهميته. حيث نجد عند كبار القديسين و الصوفيين وفي نفس الوقت،إيمانا بالعديد من المعتقدات والروحانيات أيضا فيما يتعلق بغاية الحياة الإنسانية.وبما أن الدين ليس فقط مجموعة من المعتقدات بل يضمن "حالة روحية" مختلفة عن الإيمان بمعتقد ثابت،فإن العلم لا يستطيع أن يفسره بالكامل. ربما انحطاط وتراجع المعتقدات يجعل من الصعوبة "وبشكل مؤقت" وجود هذه الحالة الروحية لأن هذه الأخيرة ارتبطت بشكل كبير بالمعتقدات اللاهوتية. لكن لا يوجد أي سبب يجعل من هذه الصعوبة أبدية،حيث هناك العديد من المفكرين الأحرار قدموا ومن خلال حياتهم تجربة تؤكد أنه ليس بالضرورة أن تكون الحياة الروحية مرتبطة بمعتقد أو دين.

الرد:
كيف تكون هذه الحياة الروحية الخالية من المعتقد والدين ؟ كيف تكون روحانية بدون إله ؟ لا بد من تصديق ، أي معتقد ، حتى تنشأ الروحانية ، ولو كان هذا صحيحا لاستطاع الانسان ان يصنع لنفسه دين ويعيش الروحانية من خلاله ، لكن هذا لا يكون ، لأنه يعلم أنه هو من صنع هذ الدين وليس حقيقياً . من الواضح أنه يأخذ موضوع الروحانية تهاون شديد ، وأنه يستطيع أن يصنع الروحانية بإرادته ، وتوجيهها لاي مجال يريده ، الحالة الروحانية ليست بهذه السهولة ، لدرجة أن مجموعة كبيرة من المؤمنين لا يعيشون روحانية مع وجود المعتقد عندهم ، فكيف بمن لا معتقد له ولا يصدق بشيء ؟

على قدر قيمة المعتقد عند الشخص ، يكون إضفاء القداسة والروحانية ، فمن يعتقد بخرافة تتعلق بمرض معين أو طعام معين ، لن تضفي عليه روحانية مثل ما يضفي عليه الإعقاد بوجود اله مدبر لها الكون ، فهذا اعتقاد وذاك اعتقاد ، فليست كل الإعتقادات تعطي قدسيات وروحانيات . بدليل ماديّة راسل لم تضفي عليه قدسية للمادة برغم ماديته ، ولا توجد روحانية عند الماديين الملاحدة رغم تأليههم للعلم تقريباً ، والسبب هو أن القدسية لا تكون إلا بحيّ عاقل ، والعلم والمادة ليس حياً عاقلاً ، أو أشياء جامدة مرتبطة بعاقل ، كما هو حال الوثنية . والتقديس يختلف عن الروحانية ، فالملحد يقدس العلماء ولكنه لا يعيش حالة روحانية ، لأن الحالة الروحانية تحتاج إلى واحد فقط (قانون) ، واحد هو مصدر كل الجمال والقوة والعلم والوجود ، وإليه يصير كل شيء ، حتى الوثنيين ومتعددي الآلهة ، فالروحانية منصبّة على الإله الأكبر ، وهذا موجود في الوثنيات التعددية ، لا بد من واحد ، إذاً فالروحانية والعبادة هي لإله واحد ، وإن تعددت الآلهة أو تعددت المقدسات ،

تجد عند المسلمين والمسيحيين مقدسات كثيرة وأحياناً مادية ، من اماكن واشياء وأحجار وأعمال أدبية وفنية أو اشخاص أو قبور ، إلخ ، لكن المعبود هو واحد فقط ، لكن الحالة الروحانية مرتبطة بواحد ، لأن الأكثر من واحد لا يستطيع أن يأخذ الروحانية مع وجود شركاء غيره ، فالروحانية هي حالة الإنعتاق المطلق للروح الإنسانية ، ولا تكون إلا لمطلق القوة والخير والجمال والحب والقدرة والحكمة .. أي من واحد إلى واحد . المقدسات تكتسب قيمتها من ذلك الواحد ، فالحجر الأسود والكعبة عند المسلمين أو المسجد الاقصى هي مقدسات وليست معبودات ، مرتبطة بالمعبود الواحد الذي له حالة الروحانية ، والحالة الروحانية لا تفرغ على المقدسات ، بل المقدسات تثير حالة الروحانية .

حالة الروحانية هي من أجل ان يفرغ الانسان حبه وطاقته كلها وثقته كلها وآماله ، تحتاج إلى طرف آخر يكون قادر على كل شيء ، وفي حالة التعدد للإلهيات ، لا يكون الواحد منهم قادراً على كل شيء ، إذاً فلا يستحق الواحد منهم الروحانية كلها ، الروحانية تحتاج إلى واحد . فرغم تعدد الآلهة في اليونان ، تجدهم ينصبون على زيوس الأكبر ، والملحدون كذلك يتوجهون إلى شيء واحد وهو العلم ، إذاً فأصل العبادة هو التوحيد ، الملحدون يبحثون عن بديل واحد عن الإله ، وليس عن عدة بدائل ، وهذا يدل على ارتباط العبادة بالتوحيد .           

الأربعاء، 2 فبراير، 2011

الإلحاد و الإيمان و الأخلاق "رد على موضوع : العلم ، الدين ، اليقين ، وأزمة لحضارة الإسلامية - بهجت - نادي الفكر العربي"


مقتبس:إن الإنسان لا يؤمن بالله و يعتنق الأديان لأسباب عقلية و حاجات منطقية ، و لكنه يؤمن على خلفية عاطفية .

الرد: هذا كلام جزافي ، ويعني أنك تنفي إرتباط الدين بالمصلحة والنفعية عند اصحاب الاديان ، وهذا غير صحيح ؛ فهم يريدون من الاله أن يعطيهم الزرع ويمنع عنهم الاخطار والعواصف ، إضافة إلى ارتباط المحبة الغير مرتبط بالنفعية، وان يعطيهم الخصب والذرية ، وهذه الاشياء هي من صميم الاهتمام العقلي ، وأنت بلا شك ستتهجم على الدين بمثل هذه الأشياء في مواضع أخرى . وإلا فبماذا سيهتم العقل إذا لم يهتم بمصلحة الانسان ؟ ولا اظنك تنكر مثل هذا الشيء ، ولا تنكر أن هذا هو من صميم المصلحة ، فالمصلحة هي من صميم اهتمام العقول ، فإذاً تديّنهم لم يكن مبنيا على حاجات عاطفية كما توهّمت من أول جملة كتبتها .
مقتبس:وهناك أسباب متعددة لهذا الإيمان ، فمثلا يتعلم الإنسان منذ الصغر أنه لابد أن يؤمن بالله ليكون إنسانا طيبا يحبه المجتمع ،و أن الله سيساعده لو آمن به، وأيضا سيعاقبه لو لم يفعل ، و أن الإيمان و التدين يجعلان الإنسان فاضلا ، رغم أن هذه الفضيلة لم ألاحظها في المتدينين !.

الرد: هذه هي مشكلتك ، فأنت من النوع الذي لا يأخذ الحقيقة من الحقيقة ، بل ياخذها فقط من كل من ادعى انتسابه اليها ، وهكذا تُظلم الحقيقة في تقييمها من خلال من ينتسبون اليها ولا اقول من يطبّقونها . وهكذا انتميتَ الى الفكر الغربي الالحادي من خلال من يطبقونه وليس من الفكر نفسه ، وهذه سمات العقل المقلّد وليس العقل المتفلسف . وما هي إلا شعوب تقلّد شعوباً ، في منأى عن الفكر .

وهذه معاناة العقلية الليبرالية العربية : معاناة أصالة وتقليد . وكل واحد منهم يعرف أنه لا يملك رأياً أصيلاً ، بل منقولاً من ثقافة اخرى مختلفة الجذور والغايات . بل إنهم نسوا الاصالة في خضمّ التقليد ، وحسبوا أنهم يفكّرون بينما هم يقلّدون . والأفضل تقليداً هو الاذكى في الصف . هذه التقليدية هي مشكلة العقل العربي الاولى وليست الدين . بل حتى الدين – مع الاسف – قائم في اكثر الاحيان على التقليد ، وكأن أوروبا فكرت لتقف عقول العالم عن التفكير ، ويتحولوا إلى مقلّدين .

وعقلية الحفظ والتسميع لا تزال تطاردنا : متدينين أو ليبراليين ، ملحدين أو مؤمنين ، إلا من قلّ . فالشخصية المثالية عند الليبراليين هي باختصار شخصية الجنتلمان الغربي ، و هم السلف الصالح عندهم . والجميع من حفظة المتون الدينية أو الإلحادية . إذاً لنأخذ من المثقفين الغربيين والمصب الغربي مباشرة ، فالمصبّ أصفى دائماً . فلا تميّز ولا إبداع ولا يحزنون .

هذا هو سر تخلّفنا : روح التقليد .
مقتبس:هناك رواية شهيرة للكاتب الإنجليزي صامويل بتلر Erewhon وهي مجرد عكس لكلمة nowhere ، إشارة إلى أن المكان افتراضي غير موجود ،وهو يتحدث عن شخص يدعى هيجز سافر إلى بلد بعيد ، ثم اضطر إلى مغادرته في بالون ،و عندما عاد بعد عشرين عام ،وجد أن هناك دين جديد ،و أنه لا سواه أصبح محور هذا الدين ،و أنه يعبد تحت اسم طفل السماء ،وأصبح الشعب يحتفل بيوم رحيله بالبالون باسم عيد الصعود ، و عندما حاول هذا الهيجز فضح المهزلة كلها ، أقنعه رجال الدين بألا يفعل ، لأن النظام الأخلاقي في البلد كلها يقوم على تلك الأسطورة ، و عندما تتحطم الأسطورة سيصبح الناس كلهم أشرارا ،و هكذا غادر الرجل المدينة التي يعبَد فيها بكل هدوء !.

هذه هي الفكرة إذا .. كلنا سنصبح أشرارا لو لم نؤمن بالمسيحية ( أو الإسلام ) ، و لكن على النقيض من ذلك ، سنجد أنه كلما زاد يقين الناس ،و إيمانهم بشكل دوجمائي ، كلما كان الشر أكثر استحكاما ، ففي عصور الإيمان عندما كانت كل أوروبا مؤمنة بالمسيحية حرفيا ، ظهرت محاكم التفتيش بتعذيبها و إجرامها ، و أحرقت ملايين النساء المسكينات كساحرات !.

الرد:

 "ملايين الساحرات" هذه مبالغة ، فويل ديورانت ذكر أن النساء المُحرقات هن سبع ساحرات في الفترة الواقعة في القرن السابع عشر في انجلترا . وبالطبع هذا القانون الذي اعتبرته قاعدة عقلية : سنجد أنه كلما زاد يقين الناس ،و إيمانهم بشكل دوجمائي ، كلما كان الشر أكثر استحكاما ، هذا القانون مغالطة وقفز على الحقائق ، فإذا كان الدين يأمر بالعدل مثلاً ، وزاد يقين الناس بهذا الأمر ، فهل هذا سيؤدي إلى إستحكام الشر ؟ وإذا كان يأمر بالخير ، فكيف يؤدي إلى إستحكام الشر ؟ المشكلة هي عندما تُطاع الأهواء منسوبةً إلى الدين ، فهاهنا يستحكم الشر ، وهنا يتحوّل الدين إلى ايديولوجية براغماتية تتلاعب بالنصوص على حسب أهواء الاقوياء ..

وهذه الإنحرافات موجودة في كل الأديان والمذاهب والفلسفات ، والفلسفة المادية خير مثال على ذلك ، ورافعي شعارات الإنسانية طالما استغلوها لتبرير الإستعمار ، وتخليص الشعوب من الدكتاتورية ليحلوا بدلاً منهم ، وليس الأمر خاصاً بالأديان يا سيد ، وأعتقد أن الكلام منطقي . فما الحيلة أمام من يرفع الشعارات ليستغلها ويؤولها كما تريد أهواءه ، ولك أن ترجع إلى التاريخ بكل فلسفاته وأديانه لترى مثل هذه الإنحرافات ، وليس الأمر مقتصراً على الدين ..

وما الإستعمار والنازية إلا صدى لأفكار مادية تؤمن بالبقاء للأفضل والأقوى ، وهو جزء من فلسفتك ، وبإسم الحرية ونشر الديموقراطيات تدخّل الغرب في شؤون داخلية لبلدان ضعيفة وأفسدوا فيها إستقرارها ، مما نتج عنها حروب طائفية لم تكن موجودة في ذلك البلد . والعقلاني لا يعرض الأمور من زاوية واحدة فقط ، على الأقل حتى لا ينكشف هواه بسهولة .

فخطابك هذا يصنّف على أنّه عمل دعائي معادي للدين وتبعيّة لفلسفة إلحادية ، ولا يصنّف على أنه تحيّز للحقيقة وبحث عنها ، فمن يبحث عن الحقيقة يبدأ من الحقيقة ويناقش في البديهيات ، لا أن يقدّم فلسفة جاهزة على أنها هي الحقيقة ، وهو لم يرينا بحثه وتمحيصه لها ، كيف سنثق بأنه مدرك لها ومتحقق من صحتها وليس ضحية لتأثير إعلامي ؟ 

وكل بحثك منصب على نقد الدين وليس على نقد الفلسفة التي تنتمي إليها ، أو على الاقل إثبات صدقها ، فقوة إثباتك جاءت من الخلل الجاري على الأديان ، وليس قوة في الفلسفة التي تؤمن بها ، ولم تُعرض ولا مرة الفلسفات المادية الإلحادية بمفردها في المنتديات العربية دون أن تتكئ على جدار الدين ، لأنها لا تستطيع أن تقف على أرجلها . فمن يحملها مثل من يحمل خشبة ، لا بد له من أن يسندها على جدار وإلا سقطت ، لأنها في روحها سخيفة جداً وخاوية . كلامك ينطلق من فلسفة معينة يريد نشرها وإثباتها ، وهذا يسمى عملاً دعائياً وليس علمياً ، فالباحث يشك حتى في الفلسفة التي ينتمي إليها ولا يرفعها عن مستوى النقد .
مقتبس:إن المنظمات الدينية في العالم كانت دائما تعارض كل تطور لصالح البشرية ، و ترفض كل رقي في المشاعر و الأفكار ، و تقاوم كل إصلاح في القانون الجنائي ، وكل تقدم في حقوق الإنسان و المساواة بين البشر ، و تؤثم كل محاولات إيقاف و حصر الحروب ، وكل تقدم في حقوق المرأة و الأقليات والتسامح الديني .. كل المؤسسات الدينية كانت غالبا ضد رقي و تطور الإنسان .

الرد: هنا يوجّه اللوم لمن يفعلون ذلك ، وهم الذين وصفناهم في السابق من باب العدل إن كان مهماً ، ولا يوجّه لأصل الدين ، فدين الإسلام مثلاً يأمر بالعدل ، أي كل وسيلة تحقق العدل أكثر سيتبناها المسلم بناء على أمر دينه ، هذا إذا كان يهتم بدينه . فحينها لن يقف في وجه اي تطوير يخدم العدالة مثلاً ..وهذا بموجب أمر الدين .. أما الممارسات الشخصية فيجب أن تحسب على الاشخاص أو الجهات والمؤسسات ، إن كان العدل مهماً ، إلا إذا كان يأمر الدين بها نصاً ، فحينها تُحسب على الدين من باب العدل أيضاً ..

وبخصوص الأخلاق فما تقدّمه – كالعادة – رؤية من جانب واحد فقط وتعميم . فأنت تعلم أن الأديان بشكل عام طالبت بالأخلاق مثل كف الاذى والاحسان الى المحتاجين وبر الوالدين والايثار والإنفاق على المحتاجين .. إلخ ، وهذه أشياء لم تذكرها لأنك لا تريد ذكر الحقيقة . ودين الاسلام بالذات ووحده قائم على الأخلاق فقط ، بغض النظر عن تصورات اتباعه .
مقتبس:إن الأديان تتبنى مجموعة ضيقة من قواعد السلوك ، التي ليس لها علاقة بسعادة البشر ، إن هدف الأخلاق الدينية ليس أن تجعل البشر سعداء ، بل تجعلهم خائفين و مطيعين لقادة الأديان .

الرد: العدل وكف الأذى والإحسان إلى الناس ، ألا يحقق ذلك سعادة ؟ ثم لماذا تتكلم عن السعادة ؟ وأنتم أيها الماديون تقولون : لا دخل ولا ارتباط بين الحقيقة والسعادة ؟ فهذه الأشياء ( الأخلاق والسعادة ) ليست من اختصاص المادي ، فما الذي يسوّغ له أن يتحدّث عنها وفكرُه يرفضها ولا يقيم لها وزناً ؟

وما تقوله غير صحيح ، لأنه مخالف للاحصاءات – لو كنت منصفاً – التي اثبتت ان المؤمنين بشكل عام أسعد من الملحدين واقل انتحاراً . وبإمكانك الرجوع إلى الاحصاءات أو طرح السؤال على زملائك الملاحدة فلهم مقالات في ذلك ، أو سؤال اي طبيب نفسي ( راجع موضوع حلاوة الإيمان لنورا محمد الملحدة ، وكذلك العضو Beautiful Mind داعية الإلحاد في موضوعه : مشاعري كملحد ) ، ولكنك لا تريد أن تقول الحقيقة التي تعرفها ، فماذا أفعل لك ؟ وأنت غير موضوعي ولا عقلاني ؟ بل صاحب هوى فقط ؟

تعلمتُ من حواري مع الملحدين الذين يدّعون العقلانية والعلم أن أعكس دعوى كل من ادّعى شيئاً لنفسه ، وحتى من غير الملحدين ، وأشكرهم على هذه الإفادة . فدعوى الموضوعية والعلمية والعقلانية أعكسها حتى أفهمهم ، وصرت أطبّق ذلك على الكل ، فمن ادعى العلم والكرم والموضوعية ، فإني سأبحث وأفتّش عن الجهل والبخل والهوى فيه .
مقتبس:كذلك يؤمن الناس بسبب الخوف .. الخوف من العالم و من المجهول ومن الانكسار و البؤس و أيضا الخوف من الموت . في مواجهة الخوف يشعر الإنسان بالحاجة إلى أخ أكبر يساعده و يحميه ، هذا الأخ لابد أن يكون بالغ القوة و يخصه بالحب و الرعاية ، كذلك لابد أن يكون قويا ليبطش بأعداء أصدقائه الأرضيين ، وهل الله الذي تؤمن به الأديان غير ذلك ؟

الرد: طلب الأمن من العقل ، وكما قالوا : ( من خاف سلم ) ، والخوف هو الذي جعلك تلتزم بإشارات المرور ، فهل صار العقل أن ترمي مخاوفك وترمي بنفسك في الخطر ؟ وهل الإلحاد يفكّ هذه المخاوف ؟ إن هذه المخاوف تزُور الملحد بشكل أثقل من المؤمن ، فهل تريد منا ان نكون كالنعامة تدس رأسها حتى لا ترى مخاوفها ؟ كأنك تقول : غص برأسك في عالم المادة ، وكافح مخاوفك بالسّكر والنوم والشهوات ، حتى تدقّ ساعة العمر . حينئذ الامر مختلف حتما سيكون . كما قال المتنبي – الذي ضمّه بعض ملاحدة العرب إلى قائمة الإلحاد - :

تمتّع بانتباهك والمنام .. ولا تأمل كرىً تحت الرجامِ ..

فإن لثالث الحالين معنىً .. سوى معنى انتباهك والمنام ..

وكلامك أن الخوف هو فقط ما دفع للإيمان ، هو كلام غير دقيق ، ويخفي نصف الحقيقة – كالعادة – فكما أن الخوف يدفع للإيمان ، فكذلك الحب يدفع للإيمان ، فحب الاخلاق والفضائل يدفع إلى حب الله المتّصف بها ، وحب من يتّصف بها من البشر . وهاتان هما حركتا الشعور الإنساني : الحب والخوف .
.
مقتبس:...
يزعم المتدينون أن الكون خلق بواسطة إله قدير ، و عليم بمستقبلنا وهو الذي يقدر ما يحدث لنا من خيرات أو كوارث ،وهم يبررون المآسي بأنها نوع من التطهير لذا هي خير . هذه المبررات الفجة لا تقنع أحدا دون أن يتخلى عن عقله و عن مشاعره الإنسانية ، فلو كان الله يعلم مستقبلنا مقدما فهو يشاركنا هذه الآثام ، و أيضا فمن غير المعقول أن تكون الكوارث الطبيعية بسبب الأخطاء التي يرتكبها البشر ، فلا علاقة بينهما ،و أيضا ما جريرة الأطفال الذين يعانون من المرض و الفقر ،و أي ذنب اقترفوه كي يكفروا عنه بكل تلك الوحشية ؟.

الرد: لا أحد مسلم حقيقي يدّعي ان هذه الكوارث كلها انتقامات وما إلى ذلك ، لأنه عندها سيدعي معرفة الغيب ، والمسلم يعلم أن من يدّعي معرفة الغيب فهو مشرك ، والمسلم يؤمن أن لله في خلقه شؤون ، وله اسرار لا يطلع الناس عليها . بدليل ان مصائبا على بعض الناس قد تكون فوائد للبعض الآخر ، فماذا نقول : هل الله عذّب أم أكرم ؟ كما قيل : مصائب قوم عند قوم فوائد ؟
مقتبس:يرفض العقلانيون الأديان لسببين أحدهما ثقافي و الآخر أخلاقي .

الرد: العزف على نغمة الأخلاق والمشاعر لا تتناسب مع الملحد ، فهو يرى في الاخلاق بقايا من ملابس الدين ، وقيوداً تحد من انطلاقة السوبرمان الشهواني ، وتعارض فكرة البقاء للأقوى ، فما هذا التناقض ؟ كيف للعقلاني أياً كان أن يقبل هذا الفكر الإلحادي المتناقض ؟ فالملحد المادي الرأسمالي ( أو الستاليني ) الدارويني البراجماتي يستعمل الاخلاق إذا كانت ستؤيد رايه ، ويدوسها عندما تقف في وجه ما يريد . هذه هي البراجماتية المتلوّنة إذا مُزجت مع الالحاد الجاف لتخفّف قساوته .

ومنطقياً ، كيف يشاركك في الإثم من أعطاك الإختيار الكامل ؟ لا أحد يستطيع أن ينكر حريّة الإختيار للإنسان ، ولا أحد يستطيع اثبات جبريّة الإنسان . فلو أن أحداً اشترك مع عصابة في جرائمهم بمحض اختياره ، وهذه العصابة لم تلزمه بالاشتراك معها ، فلا يستطيع أحد أن يجرّم العصابة بخصوص هذا الشخص ، لأنه هو من اختار بنفسه . فهل يجوز له أن يضع اللوم على العصابة ؟ وهو المختار ؟ حتى أن الشيطان نفسه تبرّأ من جريرته في حق من إتّبعوه وأسكتهم .

وهذه المغالطة تدل على شيئين ، إما أنك تعاني من نقص في الدقة في معرفة الأخلاق ، أو أنك تُغالط لكسب مشاعر الجماهير
مقتبس:أما السبب الثقافي هو أنه لا يوجد سبب يدعونا للاعتقاد بصحة الأديان ( بما في ذلك المسيحية و اليهودية و الإسلام ) فهي ترتكز بشكل محوري على فكرة راسخة ( دوجما ) عن وجود إله قادر و عاقل ،وهذه الفكرة تدحضها عبثية الحياة ،و أن الكون محكوم بالفناء ، فالحياة على الأرض ستنتهي بخمود الشمس ، و الكون ذاته سيتقلص و ينتهي طبقا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية ،

الرد: أليس القانون الفيزيائي للطاقة يقول بأنها لا تفنى ولا تستحدث من العدم ؟ إذاً فلماذا أفنيتها ، ضاربا عرض الحائط بأي قانون علمي لا يوافق هواك ؟ ليست هذه صفات من يحب العلم لأجل العلم . فهي لا تفنى بل تتحول من شكل إلى آخر ، وهل كل شيء يتحول من شكل إلى شكل نقول عنه أنه عدم ؟ فهل تحول السائل إلى بخار نقول عنه أنه عشوائي ؟ بدليل أن الماء تغيّر عن وضعه السابق ؟ 

وهل لو كان الكون لن يتغير ولن تخمد الشمس ، فهل سيجعلكم هذا مؤمنين ؟ سوف تقولون أن الكون أزلي ، ولن يتغيّر شيء ، ولو كان هناك من إله لتغيّر !! هذه عقليّة من لا يريد ، يجعل كل شيء دليلاً له حتى ولو كان دليلاً ضده .. كذلك القرآن أخبر عن التبدّل في نهاية الكون ، فهذا يفترض أنّه يؤيده ، وأخبر عن خمود الشمس أيضاً ..

وما دام الكون عبثياً فما شأن العلم ؟والعلم يدرس النظام الكوني ، وهذا شيء عجيب !! أنتم تردّون على اصحاب الخرافات دائماً بأن الكون منظّم وليس فيه خوارق للعادة ، ثم عدتم لتقولون أن الكون عشوائي ! جاعلين أنفسكم في مكانهم !! ألم تحاربوا بحقائق الطب عشوائية وعبثية المشعوذين ؟ فما بالكم عدتم مثلهم مشعوذين علميين ؟ فهناك من يستطيع أن يمشي على الماء بلا قوانين جاذبية وآخر يستطيع أن يخرق الصخور ، هذا كلام السحرة والمشعوذين ، وها أنتم تعودون إليه ، منكرين نظام الكون !!

فياللعجب : أن تثبت عبثيّة الكون بالعلم !! هكذا الهوى يفعل بصاحبه ، وهذه هي دوغمائية الأهواء ، فهي تقفز على الصخور وتمشي على الماء لتثبت عدم وجود إله !! باحثة عن إله غير موجود ..
مقتبس: وهناك أيضا أن الإيمان الديني يدعونا إلى الاعتقاد أن واجبنا هو التسليم المسبق بمجموعة من المعتقدات لا تدعمها الشواهد المادية ، و بهذا ننكر كل الشواهد المادية التي تتعارض مع معتقداتنا ، وهذا الانحياز هو بالطبيعة ضد التفكير العلمي .

الرد: طبعا لا يوجد شاهد مادي يتعارض حقيقة مع أصل الإسلام ، ولو كان موجوداً فهل ترى ستخبّئه وأنت تكنّ هذا الحقد الديني ؟ وهل حياتك كلها تسير على منطق وأدلة وبراهين ؟ ألا تستعمل الإيمان في حياتك ابداً ؟ ولا حتى في محبة أصدقائك لك ، فتعتمد على الادلة والبراهين فقط ؟ إذا كان الجواب بنعم ، فأنت آلة ، وإن كان بلا فأنت تُخادع وتُغالط القرّاء لكي تكسب القضية .
مقتبس: هناك أيضا سبب أخلاقي لأن هذه الأديان تكرس قيما و أفكارا تنتمي إلى عصور تاريخية سابقة كان فيها الإنسان أكثر قسوة و غباء .

الرد: أولاً جمعك الأديان في سلة واحدة هو مغالطة وعدم دقة ، لأنها تختلف اختلافا جذريا بينها ، وهذا ليس اسلوبا علمياً للبحث ، بل أن تفرد كل دين على حدة ، إن هذا الخلط يعني عشوائية في الطرح .. أليس هذا كلام علمي ؟؟ أرأيت كيف أن العلم ضحيّة بينكم ؟؟ 

أنتم تؤمنون بالعشوائية في الاصل وليس بالعلم ، وتقولون أن كل إيمان يحرّك الإنسان بموجبه ، فطالما آمنتَ بالعشوائية فسيؤدي بك إيمانك إلى العشوائية في تفكيرك وحياتك ، إذاً فما الذي يجعلك منظما ومرتبا ومنطقياً وعقيدتك هي العشوائية ؟ على دعاة الإلحاد أن يتنحّوا عن هذه الموضوعات الخمس : العلم والسعادة والأخلاق والعقل والمنطق لأنها كلها ضد العشوائية ، وهي ليست من اختصاص فكرهم . ومن يستحق أن يرفع شعار العلم هو المؤمن بالله ، لأنه يؤمن بنظام الكون وبإله لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .. والعدمية هي الفكر المناسب للملحد ، وهذا ما صار يفعله الكثير من الملحدين الذي صاروا يهزءون بالعلم بدافع عقيدة العشوائية والعدمية ..

والسياق الذي تطرحونه في حشر الاديان معاً دائماً سياق نقدي ، وربطكم للجواد المريض مع الصحيح يقلل من قيمة الصحيح ، ويحدّ من إنطلاقه ، وهذه حيلة معروفة . لأنكم تذكرون أشياء كثيرة في سياق نقد الدين ، وهي ليست موجودة في الإسلام مثلاً ، وهذا ليس من العدل والموضوعية . إن الفكر المادي يخوّل للمخادعة ، ولا بأس في الأكاذيب والمغالطات ، وأنت تقول أنك تنفر من الرذيلة ، وهذه مغالطات فكيف لا تنفر منها ؟ من أجل أن تعرف أن الكلام سهل والفعل صعب .. 

ونحن لا نصدق هذه الخدعة ( خدعة الإنسان البدائي ) ، وإن كان يصدقها الكثيرون حتى من المؤمنين ، لإنها خدعة تسوّغ لفكرة التطوّر ، فالإنسان هو الإنسان منذ وجد بمشاعره وأحاسيسه وذوقه وعقله ، وما اختلف هو فقط اسلوب حياته المادي ليس إلا ، ولم يتغير شيء في داخله ، وقد قرأت أقدم النصوص التاريخية التي تثبت ذلك الأمر ، ومشاهدة فنونهم ومقتنايتهم يثبت هذا الأمر ، بل إن هناك اساليب متطورة في حضارات قديمة لم تصل إلى الحضارة الحديثة أو أنها إنقرضت ، وألغاز الحضارات القديمة شاهد على ذلك .

ومن قال لك أن الإنسان الآن هو اكثر رقّة وذكاء ؟ على الأقل كان المتحاربون القدماء يتلاقون خارج المدن والقرى ، أما الآن فالحرب دائرة داخل المدن وتلقى الصواريخ المحملة بأسلحة بيولوجية ايضاً ، وبمنتهى الرقّة تُرمى على رؤوس الأطفال . هذا هو التطور للافضل أخلاقياً ، اليس كذلك ؟

مقتبس:إن فكرة الله هي مجرد امتداد لمفهوم الطغيان الشرقي القديم ، و هذا المفهوم لا يليق بالإنسان الحر الكريم . عندما نسمع في دور العبادة أولئك المتوسلين طلبا للرحمة و الغفران عن ذنب لم يقترفوه ، نجد أن الأمر كله تحقير لا يليق بالرجال المحترمين . إن الواجب الوحيد هو أن نبذل غاية جهدنا بشجاعة و نبل ،ولو أتت النتائج دون ما نريد فحسبنا أننا فعلنا ما لم تفعله الأوائل .

الرد: إن فكرة الإلحاد هي امتداد لفكرة الطغيان الغربي المادي العنصري الإمبريالي ، مستعمر الشعوب وسارق الثروات . وهذا ليس افتراءً ، فالبقاء للأفضل وسيطرة الدماء الزرقاء والسوبرمان وطموحات الرأسمالية والامبريالية ، هذه كلها من الغرب ، فمن هو الأطغى عبر التاريخ ؟ كم مرة استعمر الغرب الشرق ؟ وكم مرة استعمر الشرق الغرب ؟ ، إذا علمت أن الغرب استعمر الشرق اثنتا عشرة مرة عبر التاريخ ؟ لماذا تكره الحقائق لهذه الدرجة ؟ حتى حقائق التاريخ لم تسلم ، لماذا لا تنفر من هذه الرذيلة أيضاً كما هي عادتك ؟

ماذا فعلتم سوى تقنين الرذائل الأخلاقية من مادية وشهوانية وكذب وخداع ؟

إن الفكر المادي هو تماما مثل فكر السوق ، فيضطر البائع غالباً إلى الكذب والمغالطة وإخفاء العيوب والتزيين والتزويق ، ومداعبة المشاعر والعواطف من باب فن التسويق . هذا هو الفكر المادي تماماً ، فكر مأخوذ من السوق . هو نفس فكر الباعة والتجار اليهود في أوروبا المتربّين في الأسواق بإختصار ..

وهل أخبروك أنهم يستغفرون عن ذنوب لم يقترفوها ؟ هل عرفت حياتهم ؟ أليس من المعروف أن الأصل في تصرف وسلوك الإنسان هو الخطأ ؟ وأن العلم لم يتقدم إلا بسلاسل طويلة من الأخطاء ؟ وأن الطفل لم يتمكن من السير إلا بعد الكثير من العثور والسقوط ؟

من صفات الإنسان المحترم هو الإعتراف بأخطائه ، لا أن يفتخر بما وصل إليه نتيجة أفكار غيره وليس هو
مقتبس:يجب أن نتحرر تماما من أية أوهام حول الحياة بعد الموت ، فالإنسان الحر الشجاع يؤمن بنهائية الموت ، و أن الحياة البشرية تنتهي بفناء الجسد ،

لاحظ كلمة (يؤمن) في عبارتك : "يؤمن بنهائية الموت" .. أين العلميّة في هذه العبارة ؟

لقد عدت في حساب المؤمنين يا أخي المؤمن بدون علم . وهذا الإيمان بريء من الشجاعة التي نسبتها إليه ؛ لأنك تقول : (نتحرر من الأوهام ) ، فهي دعوة للتحرر من وهم إلى وهم آخر ، وكلاهما بلا دليل مادي ، وهذا يشبه أسلوب النعامة الجبان حيث تدس رأسها حتى لا ترى الحقائق . ولا أحد يصف النعامة بالشُّجاعة . فالشجاعة إقدام على علم ، وبالأدق : إقدام بناء على إحساس 

. مثل ما يقفز اللاعب في الجمباز وهو يحس بأنه سوف يحقّق ما يريد دون ان يؤذي نفسه . ولولا أن المقاتل الشجاع يملك إحساسا بالنصر لما قاتل ، ولذلك عندما يفقد المقاتل هذا الإحساس فإنه يرفع الراية البيضاء ويستسلم ، مما يدل على أن الشجاعة هي إقدام عن ثقة واحساس ، ولا يُلام المقاتل عند الإستسلام في هذه الحالة ، بل يُلام لو استمر في إقدامه رغم معرفته بالنتيجة مسبقاً ..

أما الإقدام بدون أي إحساس ولا علم ، فهو تهوّر وحُمق ، بل جبنٌ يشوبه حمق ، مثل من يتشبث بمقعد السيارة وهي تهوي من الجبل ، فأنت تريد التشبّث بالدنيا فقط مع أنها هاوية ، ولا تريد أن تفكر فيما بعدها ، وهذا الأسلوب في التفكير لا يدل إلا على أو لا يفعله إلا من بلغ به الجبن والحُمق حداً يوقف تفكيره . وهو يشبه حال الصيصان عندما تتجمع مرعوبة خائفة من القط ولا تريد أن تراه ، وتولّيه ادبارها ويد القط تختطف ما تشاء ، مثل يد الموت . وهي تظنّ أنها قامت بأحسن طريقة للنجاة .

والشجاعة هي أن تفعل شيئاً ، بينما ما تريده فكرتك هو ألا تفعل شيئاً ، أي إلحاد ، فأينها وأين الشجاعة ؟ تماما كحال الصيصان . وهذا يذكرنا بالآية وتبارك القائل : ( ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه) ، (أثّاقلتم إلى الأرض) ، والخلد حيوان يحفر ويدس رأسه في التراب . الشجاعة حلوة بس نفهمها . وتصوّر مدينة تُقصف بينما أهلها خلدوا إلى الأرض ، فهل تستطيع أن تسميها مدينة صامدة وشجاعة ؟؟

هذه هي فكرتك عن الشجاعة .. ألا تفعل شيئاً .. فالإلحاد هو شجاعة سالبة ، أي الجبن .. وطلبك عدم التفكير فيما بعد الموت يذكّر بحال الصيصان ، و هذا شيء عجيب و أنتم تدّعون الإنتساب للعلم والتفكير أن تطلبوا من الناس الا يفكروا في هذا ، وهو طلب جاهل ، لأنه لا احد يستطيع أن يوقف التفكير أصلاً . وهل تصدق اذا قلت لك أن هؤلاء المرضى النفسيين في الغرب والمكتئبين والمنتحرين كلهم بسبب هذه الفكرة ؟ وليست لاسباب اقتصادية او اجتماعية كما يحاول دعاة الإلحاد أن يبرروا ؟ مع أن الأسباب الإقتصادية لا تخرج عن إطار المادية ، فأهل المجاعات لم ينتحروا كما انتحر هؤلاء ، ولو كانت الاسباب الاقتصادية تؤدي للانتحار لكان الاجدى أن ينتحر أهل المجاعات ، ولكنهم لم ينتحروا ما دامت هناك ورقة على الشجرة .

كل المفاهيم الغربية وشروحها تدل على عدم فهمهم لها ، فرأيهم في الحب متناقض ، وفي الشجاعة متناقض ، والإنسان مجهول وغامض ، ثم تأتي بعد ذلك أحكام عليها . كل أمور الإنسان وليس الأديان فقط لا يعرفون فيها شيئاً . هل المنهج التجريبي استطاع ان يخبر عن الانسان بقدر ما اخبر عن المادة ؟

وهم دائما يتمسكون بفكرة جزئية ويريدون تعميمها على الإنسان كله ، والغرب هو الأجهل في معرفة الإنسان . بينما هو الأكثر علماً في معرفة المادة . وهذا بسبب ماديتهم . والغرب هو أكثر المصابين بالامراض النفسية اكتئابا وانتحارا وانفصاماً ، هم الأسوأ نفسياً والأصح جسدياً .

وكمثال على التضارب الغربي في المفاهيم عن الإنسان : يقول شوبنهاور أن إرادة الحياة هي المحرّك الأول لسلوك الإنسان ، بينما يقول نيتشه أن إرادة القوة هي المحرّك الاساسي للسلوك الإنساني ، ثم يأتي فرويد ويقول : بل الجنس هو المحرك الأول للسلوك الإنساني ، ولاحظ التناقض ، ففرويد يقول القوة لأجل الجنس ثم يأتي نيتشه ويقول العكس من ذلك ، ثم ياتي ماركس ويقول : بل الإقتصاد هو المحرك الاساسي لسلوك الانسان عبر التاريخ ، وهكذا .. وكل من هؤلاء تتبعهم الملايين من الغرب وغيرهم .
مقتبس:و أن فكرة البعث و خلود الروح هي فكرة طوباوية و مجرد أخيلة و أوهام للتغلب على خوف الإنسان من الموت ،و دفعه للسلوك الاجتماعي الحسن ، ولكن الفضيلة الجديرة بهذا الاسم ليست فقط في الامتناع عن الرذيلة ، بل عدم اشتهائها ، بالرغم من الإنكار الكامل للنعيم و الجحيم .

الرد: سوف نختلف هنا على تعريف الفضيلة بلا شك ، ثم ما الذي سيدفع هذا الإنسان إلى النفور من الرذيلة وحب الفضيلة بلا مقابل ؟ هل أنت تفعل شيئاً بلا مقابل ؟ إلا على اعتبار براجماتيتكم التي تستعمل الفضيلة إذا تسايرت مع المصلحة ، وتتركها إذا تعارضت معها . وكيف للماديّ ابن السوق والمادة والمصلحة الذي لا يؤمن إلا بالحواس والمصلحة وبحياة واحدة ، أن يتخلى عن مصالحه وشهواته لأجل فضيلة وبدون مقابل ؟ مع أن الفرصة متاحة والحياة واحدة ولا من إله يحب هذه الفضيلة ويعاقب على عكسها ؟

كن واقعيا ، ففكرتك هذه أكثر طوباوية من الفكرة التي انتقدت طوباويتها ، خصوصاً وأنت تعلم أن من يؤمنون بهذه الفكرة لم يستطيعوا الالتزام بالفضيلة تماما وترك الرذيلة تماما ، مع أنهم يؤمنون بوجود نار . فيا لك من ملاك ماديّ أسمى وأرقى من كل البشر المؤمنين . ستبتعد عن الرذائل بلا مقابل ، وستفعل الفضائل بلا مقابل ..

ثم من قال لك أن الدين لا يريد من أتباعه أن ينفروا من الرذيلة ؟ أو يريد أن يخافوا منها ؟ ألم يقل الله في القرآن : ( وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) ، ولم يقل : ( خوّفكم من الكفر والفسوق والعصيان .. ) . ثم هذه النفس المادية الطاهرة الملائكية ، كيف ستكون كذلك وهي تؤمن بحيوانية الإنسان ؟ وتؤمن بحق البقاء للاقوى ؟ وسحق الاضعف ؟ وسحق الضعفاء هو الرذيلة بعينها . هذا الملاك لا يؤمن بغير المادة ، أي أن المشاعر لا يؤمن بها لعدم وجود مادي لها ، فإذاً هذا الملاك لا يؤمن بالحب ولا بالرحمة ، بل ولا بالتقزز لأنها كلها أحاسيس لا قيمة لها أمام ملاك مادي أو بالملاك السوبر .

فإنسان يؤمن بكل هذه الرذائل المادية ، كيف سيكون فاضلاً ؟ هذه الأفكار تفتح الشهية للرذائل ، بما فيها البخل وحب المال ومبادرة الشهوات ، ومبدؤهم المادي معروف : عش يومك ولا تفكر بالمستقبل إلا بالجانب المادي فقط .

ولا تستطيع أن تثبت أن هذه الافكار الداروينية تجعل من الإنسان صاحب أخلاق ؛ لأن الشيء لا يأتي من نقيضه . من يؤمن بالبقاء للاقوى لن يسمح لنفسه بالرحمة لأنها ضد الفكرة . وستكون حينئذ ضعفاً . ومن يؤمن بالأدلة المادية فقط ، لن يكون صاحب حدس ولا يؤمن بالمشاعر ، لأنها عكس فكرته المادية .

ومن يقول : أنا عقلاني ومادي ، لن يناسبه ان يكون حساسا ومرهفاً ، فهذا عدم تناسب . لهذا لا يليق بالملحد المادي أن يعزف على أوتار الأخلاق . لأن كل أفكاره المادية والعلمية ليس فيها شيء يتعلّق بالأخلاق ، فداروين لم يكتشف مبادئ أخلاقية ، وماركس لم يحفّز الناس على الأخلاق بل اعتبرها برجوازية ، وفرويد يشنّع على الناس الحياء والخجل وستر العورات . فقردٌ شبق جنسياً كما قالت العرب : اسفد من قرد ، هذه هي الشخصية التي يصنعها هذا الفكر ، اين أنت وعالم الملائكة ؟ الذين ينفرون من الرذيلة نفوراً ، بل لا تتنازع لديه الرغبتين ، أنت تنفر فقط . بدون صراع داخلي ، فسبحان من أوجد هذه الفصيلة الملائكية بين البشر !!

ومتى سيتطور ذلك القرد الشبق إلى ملاك ينفر من الرذيلة بلا صراع داخلي في نفسه ؟ إذا علمنا أن الإنسان العادي احتاج لكي يصل لهذا المستوى إلى 6 ملايين سنة كما تقولون .. وها أنتم أولاء تعيدونه إلى نقطة الصفر : قرداً أنانياً شهوانياً لا يعترف بالإحساس 
.
مقتبس:لا وجود لإله خارج المادة أو فوقها ، بل لا وجود للوجود خارج المادة . ليست هناك قوة روحية ، أي روح للكون أو روح للإنسان، وإنما قوة التطور هي خاصية للمادة التي تكون الإنسان و تصنع الحياة .

الرد: لماذا لم تتطوّر المادة إلا في الإنسان بالذات والكائنات الحية فقط ؟ وهذا الكلام القطعي ، هل نسمّيه علماً ؟ أو أنه رغبة ؟ حدد ذلك ، الرغبة واضحة لكن العلم ليس واضحاً فيها . فما سر هذه الثقة بأنه ليس هناك إلا المادة والتطور فقط ؟ هذا كلام مؤمن سلبي وليس كلام رجل علم .
مقتبس: إن أفضل ما نعبر به عن ذلك هي أن ( العقل كامن في المادة)،

الرد: كيف يكون ذلك ؟ ارنا عقلاً في المادة بخلاف الإنسان ؟ فإن وُجِد فعقل الإنسان هو فعلاً مادة ، وإلا فالإنسان روح والمادة خاضعة لتلك الروح كما تخضع بقية المواد للروح ، فأنت تنوي أن تكسر هذا الحجر ثم تنفّذ ، فهذه الروح هي التي كسرت الحجر ، وليست المعادن في داخل جسمك هي التي كسرته ، لأننا لم نجد حجراً يقفز من نفسه ويكسر حجراً آخر ، إلا إذا أردت أن تعتبر نفسك حجراً فهذا شأنك ، وحينها سيكون كلامك صحيح في أن المادة لها عقل وهي التي تتصرف ، وسيكون شيئاً مخيفاً - وأحيانا مضحكاً - لو حدث ذلك . 

ففكرة أن عقل الإنسان مادة ، فهذا خصوص لا يدعمه العموم ، فلماذا هي المادة الوحيدة التي تتصرّف ؟ ولماذا بقية المواد لا تتصرف أبداً ؟ فكأن كل المادة عدا الإنسان تضاد فكرتك وليس معها ، فيا للعلمية في الموضوع . وعلى فكرة أنا أسمي ما تقول ( فكرتك ) وهذا بحد ذاته بدافع الإحترام فقط ، وإلا فكل ما تقوله وغيرك منقول من المادية الغربية تماما كما يقولون ، فأنا أناقشك كعالم بينما أنت ناقل فقط .
مقتبس:و أن الخير و العدل كليهما يوجدان في العقل .

الرد: هذه ليست مادة ، بالإضافة إلى أن المادة لا تنتج ولا مادة حتى ، فكيف تنتج المعاني ؟ يا للشطح العقلي البعيد عن العلمية . فالمادة لا تتطور ولا تنتج ، و تحولاتها وانتقالها لا يكون إلا بمؤثر ، هذه هي المادة ، فكيف تحمّلها ما لا تطيق ؟ هذه غرابة في التفكير والشطح العقلي وخرافية حديثة في التفكير ، فما ينطبق على الصخرة ينطبق على العقل ، وقوانين المادة واحدة ، فلماذا المادة تتطور هنا ولا تتطور هناك ؟ هل يوجد في قوانين المادة قانون يدعى : قانون تطور المادة ؟ والقانون يعني أنه يشمل كل المادة ، فهل التطور من قوانين المادة ؟ وكلمة (قانون) شاملة .

نحن نعرف قوانين الكتلة والكثافة .. إلخ ، لكننا لا نعلم قانونا يدعى تطور المادة . إذا وجد قانون عام لكل المادة يدعى تطور المادة فاستشهد به بالمرجع العلمي ، فأنتم تسمّون كل شيء بما فيه الانسان مادة ، وتتكلمون عن التطور ، وليس في قانون المادة العلمي شيء يدعى قانون التطور !!

كأنك تقول : أن هذا الشيء نبات ، ومن خواصه أنه يطير ويرجع إلى مكانه ، وله ريش وأجنحة وعيون !! فبما أنك قدّمت المقدمة المنطقية على أنه نبات ، فعليك أن تقدّم القانون الموجود في النبات الذي يتعلّق بالطيران ، وإلا فالمقدمة خاطئة ، وإذا هو ليس بنبات لأن النبات لا يتمتع بالطيران والعودة إلى المكان نفسه ، وكذلك العقل ليس بمادة لأنه لا تنطبق عليه كل قوانين المادة . وأنت تريد أن تثبت تطور الإنسان ، وتثبت أيضاً أنه مادة فقط وليس فيه روح ، وهذا تناقض ، إذاً فأحدهما خاطئ ، إما أن تكون القوانين المادية ناقصة وعليكم تكميلها ، أو أن العقل ليس بمادة فقط وترتاحون من عبء إثبات قانون جديد ليس موجوداً في المادة !!
كيف تدّعون العلمية وأنتم بعيدون كل البعد عنها ؟؟ هذا يذكّرني بقصة سمعتها من جدي عن صخرة كانت في الطريق ، وكلما لمسها الناس تكبر وتكبر !! يا للخرافات المسماة بالعلم !! يبدو أنكم خلطتم خيال العلم وخيال عجائز إنجلترا بالعلم الحقيقي !!

وإدعاؤكم أنكم تعرفون أصل الإنسان بينما لا تعرفون فرعياته إدعاء باطل ، لأنه من يعرف الاصل يعرف الفرع ، فالداروينييون يدّعون معرفة اصل منشأ وتطور الإنسان ، وهم يعجزون أن يفسّروا ظاهرة بسيطة من ظواهر الإنسان مثل الضحك ، فضلاً عن بقية الظواهر الإنسانية التي يتهربون من نقاشها ، بل وتجدهم يستغربون كداوكينز وغيره من ظاهرة التدين لدى الشعوب ، فهم لا يعرفون شيئاً عن ظواهر الإنسان ولكنهم يعلمون أصله وفصله !!! فالإنسان هو ضد فكرة التطور ويكشف جهل القائلين بها ، لأنهم يجهلونه ويسمونه: الإنسان .. ذلك المجهول .

وهذا يشابه لوضع شخص تقابله في الشارع ، ولا يعرف من أنت ولا جنسيتك ، ولكنه يعرف أين وُلدت وكيف وُلِدت !! هذه معرفة مضحكة ، معرفتهم بالإنسان !! وهذا هو واقعهم ومطابق لواقع التطوريين .
مقتبس:إن البشر يتبنون الأفكار التي يجدون فيها منفعة لهم ، وأن الأفكار الخاطئة و الوعود المخادعة سرعان ما ستنقرض و يطويها النسيان ،و أن الأفكار الجديدة النافعة و السديدة ، ستنهض من جديد و بقوة حتى تلك التي كبتت أو نسيت ،

الرد: هذا الكلام ينطبق ايضاً على نفس ما تنقله من الغرب .

مقتبس:و لكن يوجد ما يعيق التطور المأمول ، و ذلك أن البشر دائما يخلطون القديم الضار و الجديد النافع سويا ، كمن يخلط الماء النقي الجديد بالماء الآسن فيفسد الأول. إن العقل البشري لا يستطيع أن يعمل بشكل جيد لو اختلطت فيه القيم و الأفكار و الأشخاص . فلا يستطيع العقل البشري أن يقوم بواجبه لو عاش فيه أينشتين و المسيح و بوذا و داروين وعمر بن الخطاب جميعا ،و لكن نظمنا التعليمية تخلق مثل تلك الفوضى .
إن الكتب السماوية لن تكون ضارة طالما أبقت رأسها في السماء ،و لكنها ستكون خطرة و مدمرة لو وضعت أرجلها على الأرض !. إن الدين الذي ينفصل عن الواقع ليس سوى جنة العبيط !.إن الدين الغيبي نافع فقط للطغاة الذين يستغلونه لتدجين شعوبهم ،و لكن البشرية لابد أن تعود سريعا للأمانة أو تنتهي . (إننا لو لم نتخلص من التوراة فستتخلص منا التوارة ) ،

الرد: لاحظ كلمة : طغاة ، ودين رأسه في السماء ولا يلامس الأرض ، توراة .. هذه نغمات يعزف عليها الفكر الراسمالي الغربي كثيراً كي يستحل أماكنها ويكون هو المسيطر على العالم الذي يسهل قياده كلما ابتعد عن القيم بواسطة الإلحاد ودعاته المنتشرين في الدول النامية ، والذي لا يحرّم على الإنسان شيئا عدا أن تُمسّ المصلحة الخاصة ، وهو المحرّم الوحيد في ديانة الإلحاد ، فلا أخلاق ولا يحزنون سوى أخلاق السوق . 

إنه فكر جهنّمي يستغلّ أنصاف المتعلّمين في الدول النامية . لأنهم يرون النصف المادي للحقيقة ، وكل صاحب فكر مادي وإلحادي هو نصف متعلم ؛ لفقدانه النصف المعنوي والجوهري . ولا أظنك تنكر أن هدف الراسمالية هو بسط نفوذها على العالم ، وهذه حقيقة لا مراء فيها . 

وإلا فهي ليست راسمالية . والأخلاق تقف عائقاً في سبيل تلك السيطرة ، لذا يريدون تدميرها من خلال تدمير الدين ويتحول الناس إلى رعاع ماديين تصرّفه الدعايات والإعلام ، فياللخدمات المجانية التي تُقدّم لهذه العجلة الرأسمالية بإسم كل من يريد أن يضع نفسه في إطار العصرنة والتقدم ، وكل من لا يشعر بثقة بنفسه ومحتاج للتزيُّن الجسدي والعقلي من منتجات الغرب المسيطر .

وليس لك حق ان تتهمني بالشخصنة بينما انت تصنف الفكر الديني كما تشاء ، فها أنا اصنف الفكر المادي كما أراه ، وكذلك أنت تحدثت عن نفسية المتدينين ، ويحق لهم ان يقولوا عن المادي أنه نصف متعلم ويشعر بالنقص وضعيف شخصية وغير ذلك، بدليل تمظهره بالعلم شكلا بلا مضمون وتقليده للأقوياء في العالم ، وكيف لمادي يرى الإنسان مثل الصخرة أن يتكلّم عن المثل والقيم ؟ 

فالمادي له الحق في أن يتكلم عن المصلحة والمال والشهوة فقط ، مثل أخلاق الذرّةإن كان للذرة اخلاق - والصخرة المثالية وإنسانيّة الصخور, أما العلم والأخلاق فليسا فكر مناسب لهما . والماديون رغم احتقارهم للمعنويات ، إلا أنهم يضطرون لوضعها ككليشات ليخدعوا الآخرين لينظمّوا للمادية ، التي تخرجهم في الآخر أشلاء بلا روح ( عدميين ) . 

وكل مادي يقدم المادة على طبق من المعنويات ، ولو كان صادقاً لقدّمها كما هي ، وعندها سينفر الناس من هذا الفكر اللاأخلاقي والغريب عن ذات الإنسان . وما دام المعنوي أجمل ، فلماذا لا تختار المعنوي ؟ هذا لأنكم تعرفون أن الناس لا تريد إلا المعاني ، فأنتم تريدون أن تُدخلوا الناس إلى نفق المادة المظلم عن طريق المعنويات والقيم ، وهذا خداع وتناقض ، أي تزيين شيطان.
.
مقتبس: هذا إذا لم نتعلم كيف نقرأها بعقل ناقد ، وهذا يصدق أيضا على القرآن

الرد: ويصدق أيضا على الفكر المادي الملحد المعروف المصادر والغايات والأساليب أيضا, فليس بمنأى عن الدرس مهما دعمته الهيمنة العالمية, أليس كذلك؟ أليست هذه عدالة علمية؟
مقتبس: .إن المؤمن المتهوس الذي يحمل سيفا و رمحا ،و يقاتل من أجل الرب ، لن يكون شديد الخطورة ،و لكن الخطورة كلها في نفس المؤمن المتهوس الذي يمتلك أسلحة التدمير الشامل و يستخدمها.

الرد: هذه جملة منقولة من إسرائيل رأسا, والملحد المتهوس الذي يصنع-وليس يمتلك فقط - أسلحة الدمار الشامل ويطورها وهو الوحيد الذي أطلقها وقتل بها وبغيرها 100 مليون من البشر, ألا ينطبق عليه هذا الكلام ؟ وكأنه يقول القتل والسيطرة حلال لي وحرام على غيري, كن عادلا ولو مرة ! من يبحث عن السيطرة والقتل سواء كان من المتدينين أو الملحدين , أليس تفكيرا لا إنسانياً؟ هل انت ضد الدموية أم ضد المؤمنين ؟ حدد موقفك!
مقتبس:إن على المسلم المعاصر أن يقرأ القرآن بنفس العقل النقدي الذي يقرأ به التوراة و تعاليم بوذا و الأوبناشادا الهندية .

الرد: وبنفس العقلية يقرأ الفكر الإلحادي المادي الغرائزي أيضا, أليس هذا إنصاف؟
مقتبس:إن الكتب الدينية ربما تنبض بالحياة و تمتلئ بالقصص المشوقة ، و لكن يعيبها أنها تصف الحياة بشكل طفولي ،

الرد: إن العكس هو الصحيح, الملحد يرى الحياة بشكل طفولي, فالطفل يهتم بالعاجل والماديات أكثر من المعنويات, ويرى الجانب المادي للحياة, وتبهره الأضواء, ومتشبث بالحياة, واناني وبخيل,وفردي, ويقدس القوة ويخضع للأقوياء, سطحي التفكير, الغاية عنده تبرر الوسيلة إلخ من صفات الأطفال التي هي نفسها صفات العقلية الملحدة.
مقتبس: فهي تنتمي للفكر ما قبل التطوري ،

الرد: تقصد التطور المادي بالطبع, وهي ليست كتب علمية حتى تفقد صلاحيتها على كل حال !
مقتبس: وترى الأرض محورا الكون ، كما أن رؤيتها للأخلاقيات لا يزيد عن بعض القصص الخرافية ،

الرد: أنت ترتكب مغالطة جمع الاديان في سلة واحدة, وهذه معروفة عند الفكر الملحد, والقرآن مثلا لم يقل مثل هذه الفكرة وهذا نقص في الدقة العلمية, أليس كذلك؟
مقتبس:و التاريخ الذي تعرضه عبارة عن مجموعة من الأساطير و الشائعات . لا يمكن تصنيف التوراة و القرآن سوى أنهما سجل يوضح كيف كان يفكر الناس في الماضي ، و فيم كانوا يعتقدون ،وكمقياس يوضح كيف تطور الإنسان عقليا وروحيا كثيرا منذ ذلك العهد .


الرد: هذه وجهة نظر وليست علماً ، والإنسان لا يتطوّر معنوياً ولا مادياً ، إنما تتطور وسائل حياته المعيشية ، فالسيارة بدل العربة ، والعمارة بدل الخيمة ، لكن الإنسان هو الإنسان ، جسماً و روحاً ، فالحب يكون في الخيمة مثلما أن يكون في العمارة ، وهكذا .
مقتبس:إن دارس التوراة و الفقيه في القرآن سيكونان جاهلان تماما إذا قورنا بدارس العلوم العصرية ،ولو دخلا نفس الاختبار من أجل الحصول على وظيفة ، فسوف يكونان محظوظان لو اكتفوا بطردهما ، دون أن يودعا مستشفى الأمراض العقلية . نعم فالإنسان الذي يستمد معارفه من التوراة أو القرآن ، لا يصلح للوظائف العامة المعاصرة ، بل لا يكون أمينا على تربية أبنائه ، ولا إدارة شؤون مجتمعه .

الرد: من الواضح الإنبهار المادي ، خصوصاً في قيمة الوظيفة في هذا الخطاب ، ودارس العلوم العصرية لا يستطيع أن يقدّم للإنسان مثل ما يقدّم القرآن للإنسان إذا هو تدبّره من توازن واطمئنان وحل للمشاكل النفسية والاجتماعية والمستقبلية ، فدارس العلوم يستطيع ان يقدم حلول لمشاكل الشوارع والطيران والمجاري والصرف الصحي ، ولكن لا يقدم حلول لاسئلة الانسان الكبرى ومشاكله الداخلية المزمنة ..

فيا ليت الهندسة تستطيح حل المشاكل الاسرية ، ويا ليت الكيمياء او الفيزياء تخبرنا عن سر وجودنا ومصيرنا بعد الموت حتى نطمئن بقدر ما هي تخبرنا عن كيفية صناعة أداة كمالية كالمنظفات لا تقدم ولا تؤخر مما هو في داخل الإنسان ، فالإنسان قبل اكتشاف الكهرباء هو الإنسان بعدها ، والإنسان قبل الكمبيوتر هو الإنسان بعده ، فلا تنبهر كثيراً بالمادة وعلومها ، وتحسب أنها كل شيء ، فهل سنكون تعساء لو لم يكتشف المكوى أو آلة جز الأعشاب ؟ لا تعط المادة أكبر من حجمها فأنت إنسان . وانصر الوجود الحي في داخلك . لأن ما في داخلك اثمن مما في خارجك

وأنت تخلط بين المادة والإنسان, فكيف تكون قيما وأنت لا تعرف أن للإنسان بعدا غير مادي؟ هل يحق لمن يحمل مثل هذا التفكير أن يكون أمينا على تربية ابنائنا الذين هم كتلة من المشاعر الغضة ، بينماهو كتلة من الحديد التي تعمل بميكانيكية ولا تحترم شعور الإنسان لأنها ببساطة لا تعترف بهذا الشعور لأنه ليس له جرم مادي ولا يمكن إدخاله للمختبر.
مقتبس:رغم هذا فالتوراة و القرآن ما زالا يباعان في الشوارع ، فهما كعمل أدبي شديدا التأثير بما يبدوا معهما هوميروس زائفا و شكسبير مجرد هاو و المتنبي ضائعا ،

الرد: سوف تكون في نظري عالما لو استطاع عقلك تفسير هذه الظاهرة التي أستغربتها أنت, وأنا أتحدى أن تقدم تفسيرا علميا يقنع كل صاحب عقلية علمية , وأنا أعرف مسبقا انك لاتستطيع بسبب أنك لا تحترم الشعور الموجود في داخلك وتحترم المادة الموجودة في خارجك.
مقتبس: إن قصيدة الحب التي تنسجها التوراة وحدها تعبر بروعة عن عاطفة الرجل الشبق تجاه المرأة التي يعشقها مخلصا و بلا حياء .

الرد: أرجو ألا تتكلم عن الشبق الجنسي والحياء, فمن يحمل مثل فكرك هو آخر من يعيب على الشبق الجنسي, ولا أظنني محتاج للتدليل على ذلك, فأنت تحمل فكرا ماديا قردياً غرائزيا شهوانيا لا يحلل ولا يحرم , والحياة في نظره مادة , وعلى الإنسان أن يستمتع بقدر ما يساتطيع بالجنس وبغيره قبل أن يفارق هذه الحياة الواحدة , فلماذا تستعمل كلمة شبق جنسي ؟ أليس للتنفير؟ أرأيت كيف تقديمكم المادية الشهوانية على طبق من الفضائل ؟ إنها حركات مخادعة ومكشوفة بسبب التكرار. هل الفكر المادي ضد الشبق الجنسي ؟ أعطني نصا ! أم أنه يدعو إليه وبكل شراهة ؟ إذا بأي حق تعيب على الشبق الجنسي وفكرك مشبع به ؟ بل يحيل العقد النفسية كلها إلى الكبت الجنسي ويدعو للتفسخ , بل حتى نكاح المحارم ، وهذا موجود في المنتديات الإلحادية, بغض النظر عن ما تذكره عن التوراة ، فهذا موضوع آخر لكن دعنا في الناقد قبل المنقود , الذي جاء ليقيم وهو مليء بكل العيوب التي يحذّر منها (حاميها حراميها!)

إن مثل هذا الفكر المادي ليس أهلا لأن يقيم شيئاً غير أسعار الذهب والعملات والشهوات, ومن يقرأ كلامك يتصور أنك أتيت لتحمي الفضيلة والحياء وتكره الفجور والفواحش , ما أكثر التلاعب في خطاب الملاحدة, وما أفقره للموضوعية العلمية ! إنهم مثل من يرى الشروخ والتكسرات في بيت جاره وهو يقف من موقعه على صندوق الزبالة , هذا واقع الناقد الملحد للأديان , نعم هي مليئة بأخطاء الأتباع وتحريفاتهم الكثيرة والضارة والمنافية للأخلاق والعقل في أحيان كثيرة ، ولكن المادي يقف على الخطأ الكامل الذي لا يمكن إصلاحه, فالأديان يمكن إصلاحها لكن الفكر المادي لا يمكن إصلاحه ؛ لأنه باختصار مصدر كل الرذائل, وما يُسمى رذائل ليس إلا تصرفات مادية كالسرقة والغش والاختلاس إلخ ...
مقتبس:التوراة هي تجسيد فني موشى بأجمل الإبداعات,

الرد: لا أظن أن هذا رأيك الشخصي إن كنت قرأت التوراة, ربما هو رأي من تنقل عنه من الغربيين, لأن النسخة العربية لا تبدو كذلك ! وعلى كل حال أحترم ذوقك الفني , مع أن السمة الغالبة على أسلوب التوراة هي الركاكة و التفكك والتناقض والمادية والتعصب والفقر الفني والبلاغي , مما يثبت أنها كتبتها أجيال بعد اجيال وليس الكاتب واحد ، وهي تطفح بالتحريف البشري, ربما هو ما أعجبك فيها .
مقتبس: لحياة قبيلة ذات عقلية عدوانية عنيفة و مفعمة بالخيال وقوة التصور . تطورت هذه القبيلة لتصبح أمة خلال الغزوات المدمرة لجيرانها .إن هذه القبيلة استغرقتها تماما فكرة أنها شعب الله المختار إلى الحد الذي يجعلها تعتقد أنها ورثته في أرضه ،و أنها لن تغادر هذه الأرض سوى إلى النعيم المقيم في السماء .هذا الاعتقاد الجامح عينه ،هو الذي أدى إلى حروب أخرى بين هذا الشعب و شعوب أخرى أشد بأسا و تحتكر الرب بدورها ، مما أدى إلى هزيمة الشعب اليهودي و اندثاره ، وهكذا ظهر القرآن تتويجا لهذا النصر ، و لكن المنتصرون تبنوا آلهة تلك القبيلة البائدة و أنبيائها، لأنهم لا يملكون بديلآ أفضل,

الرد: أليست عندهم اصنام آلهة يعرفونها؟ لماذا لم يتبنوه ا؟ لماذا تخلوا عنها واضطروا لأخذ آلهة القوم المهزومين وأنبياؤهم ضاربين عرض الحائط بآلهة الأمة المنتصرة ؟ هذا كلام لا يدخل العقل مثل بقية خطابكم غير العقلاني .
مقتبس:و هكذا وجدنا الرومان يعبدون أحد عبيدهم وهو يسوع الناصري ،ووجدنا العرب يقدسون أنبياء التوراة .
إن المجتمع الذي تهيمن عليه الأدبيات الدينية في البيت و المدرسة ، سيكون مجتمعا غاية في التعصب و القسوة ، سيكون خطرا على جيرانه ، بل سيكون أسوأ كثيرا حتى من المجتمع الأمي أو التافه الذي يكتفي بقراءة القصص المسلية ،و حل الكلمات المتقاطعة . إن الكتب المقدسة أضحت عديمة الجدوى سوى في جانب واحد هام هو دراسة تطور فكرة الإله خلال التاريخ البشري ،

الرد: إذا كانت هذه الجدوى لماذا تشتكي من سيطرتها على الناس ولا تعرف لماذا؟ الأجدى أن تدرس لماذا تنتشر وتسيطر على عقول الناس بينما هوميروس لم ينجح هذا النجاح كما قلت, أكثر من أن تدرس موضوع تطور الإله غير المهم لأن الأول يهمك أكثر وهو ألا تسيطر على عقول الناس أكثر من موضوع تطور الإله عبر التاريخ , فهو ما يعيق تحويلهم إلى ملاحدة, وها أنا ذا اساعدك في بحثك وأوجهك للأهم الذي يفيدك في مسعاك الخيّر لنشر فكرك المادي الإباحي, وأعانهم الله على الأمراض النفسية والانتحار!
مقتبس:من الإله البدائي العنيف الذي لا يبرع في شيء سوى في إثارة البراكين و الزلازل و نشر الأوبئة ، و إصابة أعدائه بالصمم و العمى ،و قتلهم وإغراقهم و تشريدهم ، مرورا بإله اكثر إحسانا ، فهو يخلق الفصول الأربع ،و يصنع الليل و النهار ، وهو على كل شيء قدير ، انتهاء بإله حكيم رحمن رحيم ، الذي لا مثله شيء ،ولا يتجسد في لحم و دم .

الرد: هل تستطيع أن تستمر على وصف هذا الإله في جميع مواضيعك بهذه الأوصاف ؟ أم أنك ستغيّر رايك ؟ ويكون إلهاً جبارا متكبراً وكأنه لم يتطوّر ؟؟
مقتبس:عند هذه النقطة تتقدم الفلسفة و العلوم الحديثة لتعالج الموضوع بحكمتها ، فتتطور فكرة الإله في قوة الحياة Life Force و شهوة التطور Evolutionary Appetite .
إن تطور فكرة الله هو نفسه تطور الحياة العقلية للإنسان لتكون أرقى و أكثر نبلا .إن فكرة الله تقفز قفزا مدهشا في التوراة ومن ثم القرآن من إله نوح العنيف الهمجي المولع بالذبائح ، إلى إله أكثر رقيا هو إله ( أيوب ) الأكاديمي المتحضر الذي يراهن الشيطان ، متحديا أنه لن يستطيع أن يغري أيوب الضائع على اليأس من رحمة الله .هذا الإله يستكمل تطوره و يرتقي إلى إله ميخا ، وهو لم يعد الإله الدموي المحب للأضاحي ، بل هو يقول أن الله لا يريد منك أن تضحي بشيء ، فقط هو يريدك أن :" تراعي العدل في عملك ،و أن تحب الرحمة ،و تسير مع الله في تواضع !".. إنه إله رائع حقا لن تعرف الأديان له نظيرا ، حتى يظهر إله الفلاسفة و العلماء ( الإله الكامن في المادة .. التطور الخلاق ) .و لكن هناك خلط بين الآلهة ،


الرد: هذا الكلام صفصفة لا قيمة لها ، لأنه بموجب كلامك يقتضي إرتباط المجتمعات التي وجدت فيها تلك الآلهة بنفس الصورة التي صوّرت بها الآلهة في تلك المرحلة بالضبط ، وهذا ما يُسقِط فكرتك . وإذا كان إله نوح همجي ، فما فرقه عن إله موسى المذكور في التوراة الذي يطالبهم بقتل الفلسطينيين ويعطيهم أرضهم ويطالبهم بالذبائح من البقرة إلى العصفور ؟ 

عليك بموجب الصفصفة اثبات ان الناس في تلك الفترة مشابهين لتلك الآلهة أو للصورة التي رسمتها أنت عن آلهتهم ، لأنها كما تزعم من إنتاج خيالهم أو تطورهم . وبموجب ذلك أنت تثبت عصراً يدعى عصر نوح وعصر أيوب وعصر موسى الذي له سماته التاريخية ، إذاً أنت عترف بالانبياء ، بناء على فكرتك في اكتشاف تطوّر الآلهة ، فأنت اكتشفت هذا الوجود من خلال اكتشاف تطور الإله في التوراة ، إذاً فنوح حقيقي وبقية الأنبياء كذلك ..

وكأنك الآن تتكلم عن تطور الفكر البشري وانتقاله من الهمجية إلى التحضر ، ويجب إثبات ذلك تاريخيا ، لأن النصوص والوثائق والأحافير لا تحكي كما تقول ، بل نجد نصوصاً مغرقة في القدم مليئة بالإنسانية ، ونصوصا متأخرة مليئة بالوحشية والعكس .. وقطع أثرية مغرقة في القدم وتحمل حسا فنيا رائعاً ، قديمة هي إلى حد العصر البرونزي والحجري ، والعكس بالعكس . لأن فكرة بدائية وتطور الانسان فكرة خاطئة أساساً ، فالإنسان هو الإنسان ..

فإن كان هناك من تطور فهو في الآلات المادية والتنظيمات المدنية فقط ، ولكن إحساس الإنسان لا يتغيّر ، نحن مثلاً في العصر الحديث يفترض أن الناس يكونوا اكثر مدنية و رقة بموجب كلامكم الذي لا نعتقد منه شيئاً ، ومع ذلك قامت حربين عالميتين ، وربما نحن بانتظار الثالثة . 

وقتل الإنسان أخوه بوحشية أفظع من القديم ، بدليل قصف المدن وقتل الأبرياء ، وهذا ما لم يكن في الماضي ، فضلاً عن عدم قيام حرب عالمية في القديم أو وجود اسلحة دمار شامل غير رقيقة على الإطلاق . وما تطوّر هو آلات القتل والتعذيب ، فالشرّ إذاً هو الذي تطوّر وليس الخير ، لأن الاخلاق تراجعت بينما ادوات القتل والتعذيب تطورت في الحديث ، لم يتطور الخير بل تطوّر الشر ، لأن الشيطان يحكم .
مقتبس:ماذا نفعل ؟
إن خلاص العالم هو في العلم ، إنه الأداة الوحيدة التي تجعلنا نفهم هذا العالم حولنا و أن نتحكم فيه . إن العلوم تتقدم ربما ببطء و لكن بثبات و قوة ..

الرد: ماذا تقتحم غير الماديات ؟؟
مقتبس:هي تتقدم و تقتحم بينما ينسحب الدين و تندحر المؤسسات الدينية . إن العلم يساعدنا على أن نهزم الخوف الذي يتحكم في البشرية منذ عهود سحيقة .

الرد: هل اصبح الملحدون لا يخافون ؟ هل لا تزورك كوابيس مزعجة ؟ إنهم يهربون من التفكير بالمستقبل من شدة الخوف كما أفدّت أنت .. ( علينا أن نوقف التفكير بما بعدو الموت ) ، لماذا هذا الطلب ؟ لأنك تخاف من التفكير ، ولأنه تفكير يثير الخوف ، أليس كذلك ؟


مقتبس:يعلمنا العلم و ترشدنا ضمائرنا الحية إلى تضافر جهودنا من أجل صنع السعادة على هذه الأرض ، ونكف عن البحث في السماء على تحالفات مع الوهم .
إن واجبنا هو أن نقف على أقدامنا بشجاعة و ثبات ،و ننظر إلى العالم في عينيه مباشرة ،و نتعامل مع الحقائق كما هي سواء كانت مشجعة أو محبطة . علينا أن نقهر العالم بالذكاء ،

الرد: هذه الجملة : ( علينا أن نقهر العالم بالذكاء ) هذه منقولة مباشرة من الفكر الراسمالي الذي يريد أن يقهر العالم بالذكاء والمال .
مقتبس:و ليس أن نضيع حياتنا فرقا مما تأتي به المقادير . إن هذا العالم يتطلب منا المعرفة و الشجاعة و الرحمة و الحكمة ،و ليس التحسر على الماضي ، و البحث عن الحكمة من أفواه جهلة عاشت في زمن قديم .إننا نصنع عالما جديدا فقط بالأمل في المستقبل ، و ليس بالنظر إلى عالم ميت و أطلال خربة .
إن العالم الذي يمكن أن يصنعه ذكاؤنا سيتخطى أفضل أحلامنا .

الرد: لماذا تحيل هذه الامنيات على المستقبل ما دمت تمدح التطور الهائل للعلم ؟ لم لا تقول أننا وصلنا إليها وجنينا ثمارها الإنسانية والأخلاقية ؟ أنت تتمنى في المستقبل ان تتناول ثمرة مثلما المؤمن يتمنى ان يذوقها في الجنة ، متى سيقدم العلم ثمرته التي تتمناها بدلاً من الأمنيات العاطفية ؟

هذه خطبة جمعة إلحادية وصفصفة ، وأماني المادية لا تقدّم ولا تؤخر ، وفذلكة للتاريخ بما يتلائم مع رغبات وأهواء ، ويستطيع أن يبرمج أي أحد التاريخ على حسب ما يرى ، فهذا الكلام ليس علمياً ، الكلام العلمي هو انك اتخذت العلم المادي وسيلة لحل المعضلة ، وهذا يطرح سؤالا كبيراى: هل العلم المادي يستطيع أن يحل مشاكل الإنسان باعتباره إنساناً أم بإعتباره مادة ؟

فالحكمة والمعرفة والرحمة هذه إنسانيات ، فهل العلم المادي له معرفة بهذه الأشياء ؟ ماذا قدّم العلم بخصوص الإنسان وليس بخصوص مادة الإنسان ؟ من يحمل سلاح العلم المادي ويكافح به الجهل هو مثل من يحارب الطواحين ، ومثل من يريد أن يكتشف الصحراء على متن سفينة ، من أبسط اساسات المعرفة أن تعرف الشيء لأي مجال يستعمل ، وهذه فاتت عليكم ، فماذا يُنتَظَر أن تقدموا ؟

إذا كنت متفائلاً إلى هذا الحد أن العلم سيجيبك على الاسئلة الكبرى ، فأنا متشاءم وأضحك من الآن ، لأنكم لا تستطيعون ان تعرفوا بهذه الآلة الكليلة المادية شيئاً غير المادة ، سواء في الإنسان او خارجه ، وهذه وعود ابتلعتموها وتبلعونها غيركم ممن يتجرعونها ولا يكادون يسيغونها ، وهذا غرور ، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ، لم ولن يتحقق من هذه الأماني شيء ، ما سيتحقق هو الموت ، موت العالِم المادي والفيزيائي مثل موت الشحاذ الجاهل ، وتبقى الحقيقة محترمة لنفسها ولا تبدي جمالها إلا لخاطبها فقط . وليس لمن يريد أن يستغل شرفها .