الجمعة، 7 يوليو، 2017

سلسلة الردود على سلسلة نظرية التطور للدكتور عدنان إبراهيم - الحلقة 7


(الدقيقة : 13 الثانية : 25) يذكر الدكتور أن داروين شبه نفسه بالآلة أثناء بحوثه ودراساته، اذ تدخل المعلومات فيها ويتم معالجتها وتخرج بالنتائج.

الرد : من الصفات الأساسية للآلة أنها مبرمجة سلفا لقصد معين، وإذا صدق داروين في تشبيه نفسه بالآلة فهذا يعني أنه أثبت على نفسه أنه كان مُبرمجا، يريد إثبات التطور بأي شكل، وليس باحثا علميا نزيها يرى الادلة والدراسات ويمشي معها حيث ذهبت.

(الدقيقة : 18 الثانية : 33 ) يتكلم الدكتور (هنا و في فقرات سابقة) عن بعض أخطاء داروين مثل أخطاؤه الإملائية و ضعفه في اللغة، ويرى أن هذا بسبب الإنشغال بالعلم، كذلك عن بطء عقل داروين ولكنه بنفس الوقت عميق، وبأنه فقد إيمانه بالتدريج وعلى مدى سنين وليس كما يفعل ملاحدة العرب اليوم كأن يلحد بمجرد نقد لآية أو يلحد في أسبوع أو في شهر.

الرد : لم أرَ إنسانا يُمدح بأخطائه مثل داروين, ولا مثل ما يفعله الدكتور معه! ولم أكن أعرف أن هذه العيوب يمدح بها أحد إلا داروين : (أخطاء إملائية - ضعف لغة - ضعف تذوق أدبي نهائي - عدم معرفة بالموسيقى ولا حتى السلام الوطني - بلادة وبرود – ضعف في البديهة و في الحوار) كل هذا بسبب العلم ؟ العلم يسبب امراضا اذن ! و فوق هذا إلحادُ يُمدح عليه لأنه أُخرِج بالتدريج وليس جاء بالتدريج كما يعتقد الدكتور ، لأنه ليس له ابحاث في هذا الموضوع تدل على انه جاء بالتدريج. نظرا لظروفه، حتى أنه لم يعلنه إلا بعد أن ماتت ابنته ! وهو من الشخصيات المداجية للمجتمع ويكره المصادمة لذلك لم يخرج الحاده بشكل واضح وسليم. إن هذا من أعجب ما رأيت في حياتي! و الأعجب من هذا أن الدكتور يدعي له أن يدخل الجنة بحجة أنه لا يدري! مع أنه كان يدري بوجود إله ثم تخلى عنه ! أي شيء يفعله داروين يُمدح وأي شيء يتركه يُمدح ! حتى كفره بعد إيمان! وأكثر الحلقات مدح في مدح. لماذا كل هذا مع أنه لم يقدّم علما بل نظرية ؟ أي لم يزد على العلم ولا شيئا حقيقيا, والنظرية ليست منه أصلا! والتطور حسب مؤلف كتاب "داروين مترددا" ديفيد كوامن الذي ذكره الدكتور يستطيع طالب الدكتوراه أن ينالها دون ان يقرأ حتى لكتاب اصل الانواع لداروين، فلماذا كل هذه العظمة والفكرة موجودة من قبله ومن بعده ؟

(الدقيقة : 24 الثانية : 12) يذكر الدكتور أن علم الأحياء لم يكن يسلك المسلك الطبيعي (مسلك السبب والنتيجة) وإنما كان مسلكاً وعظيا، حيث أن رجال الدين الذين يعظون في أيام الآحاد في الكنائس، كانوا في الغالب علماء أحياء، ويستخدمون معلوماتهم في الأحياء في التدليل على تصميم الله وقدرته، ولهذا كان المسلك الطبيعي (مسلك النتيجة والسبب) مسلكا غريبا في ذلك الوقت.

الرد : هذا الكلام غير صحيح, كثير من علماء الأحياء كانوا قبل داروين, و هم الذين يدرسون على منهج علمي وليس داروين، لأن منهجهم وصفي, والمنهج العلمي كان موجودا قبل داروين وهو ينطبق على الأحياء وغيرها. كيف يقول الدكتور أن البحث في السبب هو نزعة غريبة؟ أين فرانسيس بيكون ومنهجه التجريبي؟ أين علماء الأحياء وعلماء الطبيعة؟ من يسمع هذا الكلام يتصور أنه لم يكن هناك منهج علمي وأن داروين هو من سار على المنهج العلمي وأن من قبله كانوا متخلفين ويقولون أن الله يخلق وكفى دون أن يبحثوا في أسباب الظواهر، ولأنهم يؤمنون بالله لم تكن لهم بحوث وتجارب ! هذه أوهام الملاحدة ومع الأسف أن الدكتور يرددها, و هي فهم صبياني يتّهم به الملحد المؤمنين عندما يقول أنكم تؤمنون أن الله خلق وهذا يجعلكم لا تفكرون في شيء ! مع أن الكلام نفسه يُوجَّه للملحد, فالملحد يؤمن بالصدف والعشوائية، إذن عليه الا يبحث عن شيء إذ كلها صدف! والصدف لا تتكرر! ما دامت الصدف هي التي تفعل، فماذا نستفيد من البحث في سبب حصول شيء؟ صدفة أخرى ستأتي وتغيره!

منهج داروين منهج تفسيري لما كان وما سيكون, والمنهج التفسيري نظري ولا يمكن أن يكون علميا, لهذا تسمى نظرية إلى الآن وإلى الأبد ستبقى كذلك. كان قبل داروين باستير مكتشف الجراثيم و جريجور مندل والكثير من العلماء الأفذاذ الوصفيين التجريبيين الذين أضاءوا للبشرية, اي ان المنهج العلمي كان موجودا قبل داروين وهو من كسره، و لم يضئ داروين لأحد لكنه يُضاء, تماما مثلما يُضيء عليه الدكتور بمدائحه المتواصلة, لأنه لم يقدم أي إضاءة جديدة مفيدة، فضلا عن أن النظرية ليست نظريته أًصلا, وهذا نص لإخوان الصفا يذكر أكثر ما دار حوله وهو قبل داروين بمئات السنين:

" ثمّ اعلم يا أخي بأن النبات متقدم الكون و الوجود على الحيوان بالزمان , لأنّه مادة لها … و هو كالوالدة للحيوان … و ذلك أنّه يمتص رطوبات الماء و لطائف أجزاء الأرض بعروقه إلى أصوله ثمّ يحيلها إلى ذاته , و يجعل من فضائل تلك المواد ورقاً و ثماراً و حبوباً … و يتناول الحيوان غذاءً صافياً هنيئاً مريئاً كما تفعل الوالدة بالولد . ثمّ اعلم يا أخي , أيدك الله و إيانا بروح منه , بأن الحيوان ما هو تام الخلقة كامل الصورة كالتي تنزو و تحبل و ترضع , و منها هو ناقص الخلقة كالتي تتكون من العفونات و منها ما هو بين ذلك كالحشرات و الهوام بين ذلك , التي تنفذ و تبيض و تحضن و تربي . ثمّ أعلم بأن الحيوانات الناقصة الخلقة متقدمة الوجود على التامة الخلقة بالزمان في بدء الخلق . و نقول أيضاً أن حيوان الماء وجوده قبل وجود حيوان البر بزمان , لأن الماء قبل التراب , و البحر قبل البر في بدء الخلق . و اعلم يا أخي بأن الحيوانات التامة الخلقة كلها كان بدء كونها من الطين أولاً , من ذكر و أنثى توالدت و تناسلت و انتشرت في الأرض … من تحت خط الاستواء حيث يكون الليل و النّهار متساويين و الزمان أبداً معتدلاً هناك بين الحرّ و البرد و المواد المتهيئة لقبول الصورة موجودة دائماً . و هناك أيضاً تكون أبونا آدم أبو البشر و زوجته , ثمّ توالدا و تناسلت أولادهما و امتلأت الأرض منهم سهلاً و جبلاً و براً و بحراً إلى يومنا هذا " .

في هذا النص نجد نظرية داروين نفسها، في ترتيب التطور وكلامهم عن الجراثيم (العفونات) وأنها هي الأصل للحياة، وأن اصل الحياة خرج من البحر (الماء) و في خط الاستواء، كأننا نقرأ لنظرية داروين الحديثة !

و رحلة داروين ذات الخمس سنوات لا قيمة حقيقية لها، لأنها لم تقدم أي شيء مفيد فعلا سوى بعض الملاحظات، كملاحظاته على بعض الطيور التي لم يذكر حتى في أي الجزر تسكن, و وجد قواقع في عرض الجبل وصوّر لنا منظرا دراماتيكيا لزلزال سبّب ارتفاع الأرض بضعة أمتار, ولا اظن ان احدا رأى مثل هذا الزلزال العجيب الا هو ! هذا يشبه قصص ماركو بولو عن العجائب التي رآها في رحلاته، و وجد بعض الأحافير, هذه مشاهدات سائح وليست مشاهدات عالِم. يراد أن يُصنع لداروين قيمة بل أكبر قيمة, لكن هيهات.

ثم : هل علماء الخنافس والمواعظ كما يصفهم الدكتور لم يقدّموا أسبابا ولا علوما؟ كيف يصنفون كعلماء و هم لم يدرسوا الأسباب؟ وجود سبب أول لا يعني عدم وجود الأسباب الفرعية, وهذه بديهية يعرفها حتى الأطفال, أما عدم وجود سبب أصلا فهذا يعني ضياع الأسباب كلها بل ضياع العقل, وهذا ما يقوله الملحد فهو لا يجعل سببا للوجود كله ويقول : جاء كل شيء من اللاشيء, فإذا كان الوجود كله قادم من لا شيء فمن باب أولى ألا يبحث العقل من أين جاءت هذه القطعة أو ذلك الشيء, لأن الأصل كله جاء من لا شيء ! وهذا الذي جاء به داروين وليس المنهج العلمي كما يتصور أتباعه والمعجبون جدا به, فداروين غير مؤمن, أي يؤمن أن الكون جاء من لا شيء، وما ضاع أصله فطبيعي أن تضيع فروعه, وهذا يُميت البحث العلمي، لهذا كثرت الخرافة والنظريات بسبب انتشار هذا المذهب المادي الملحد الذي يسمّيه بالطبيعي.

إن العكس هو الصحيح, العلم منذ أن استلمه الملاحدة بدأ بالانحراف عن مساره تبعا لهواجسهم وتدينهم الملحد, فابتعد عن العقل وصاروا يسخرون من العقل, وما يُبعد عن العقل يبعد عن الحقيقة والواقع, لهذا صارت كل معطياتهم نظريات، بل وتُفضَّل على العلم والتجريب, ماذا بعد هذا؟ العلم قبله - وبعده في بعض الجوانب - كان يسير على الطريق الصحيح, وهو دراسة الظواهر كما هي ويُستفاد من نتائجها, وهذا ما ينفع الناس وهو الذي مكث في الأرض. كل من يقرّ بهذه النظرية هو واحد من اثنين: إما ملحد تخدمه النظرية, أو متقزّم يرى عمالقة بسبب الإعلام ويفرح إذا استطاع أن يعيد كلامهم.

وإذا كان عند المؤمن الإيمان بالله فالملحد عنده الصدفة أيضا, والصدفة لا تُحسب سببا طبيعيا! لو أنصف الدكتور لقال أن العلوم في رحاب الدين منذ الخليقة, وليست في رحاب العلمانيين والجشعين والماديين, لأن الدين هو الذي ينقل الإنسان عن مستواه الضيق ويربط الميتافيزيقا بالواقع, أما الدنيوي فلا يهمه إلا الحياة التي هو فيها من خلال الصراع والتنافس, وبالتالي فنظرة العلماني والملحد هي إلى : كيف أعيش أفضل وكيف أكسب أكثر وكيف أصارع أعدائي.. وهكذا. لهذا ليس غريبا أن تكون الكتب والكتابة والقراءة في البيئات الدينية, والتاريخ يشهد بذلك, فالأسواق لم تكن فيها كتب, لكن الأديرة والكنائس والمساجد والمعابد والمدارس هي التي وجدت فيها الكتب والعلم.

عجيب أن يكون هذا الوصف المحتقِر للعلماء المؤمنين من إنسان مؤمن وليس ملحد, وهذا الوصف ليس بسبب علمهم بل بسبب إيمانهم, وهنا المشكلة. من البداية وحتى هذه الحلقة لم أسمع كلمة ثناء من الدكتور في حق مؤمن, بل استهجان وتقليل شأن, بما يجعل الشخص يُوحَى إليه أن الإيمان وصمة تمنع الإنسان عن التعلم والانطلاق, وهذا الانطباع للأسف نأخذه من داعية إسلامي كبير, على الأقل في هذه الحلقات فقط.  

وكلام الدكتور أن المذهب الطبيعي هو فهم الكون من خلال أن لكل ظاهرة سبب طبيعي غير صحيح, فكل علوم البشرية قبل الفلسفة المادية كانت تقوم على السببية, لكن ما أضافه ما يسمى المذهب الطبيعي هو أنه يقول أن الكون مادة فقط ولا يوجد خالق, أي هو مذهب إلحادي في الحقيقة وليس مذهب طبيعي. وحتى العلماء المؤمنين يبحثون من خلال مسلك السبب والنتيجة، فلا يضير الإيمان إذا عرف العالِم أن المطر لا ينزل إلا بسحاب، وأن السحاب لا يأتي إلا برياح ولا يتكون الا بحرارة وتبخر، ويعلم أن هذا كله من عمل الله الخالق. فمعرفة الأسباب الصغرى لا تعيق الايمان بالسبب الكبير، بل الدين يحث على ذلك.

(الدقيقة : 26 الثانية : 52) يذكر الدكتور ملاحظات داروين عن طيور الريا في الارجنتين واستغراب داروين لماذا الريا ذات الحجم الكبير في الشمال والريا ذات الحجم الصغير في الجنوب، وأنه لا توجد ريا كبيرة في الجنوب ولا ريا صغيرة في الشمال.

الرد : لماذا يستغرب داروين هذه الاختلافات البسيطة بين الحسونيات أو بين طيور الريا وكأنه اكتشاف جديد؟ هذه الاختلافات معروفة وتجدها في كل مكان, فنجد بين الحمام في القفص الواحد اختلافات في الحجم و اللون, ولا داعي أن نسافر عبر البيغل لنشاهد هذا, وكذلك بين الخيول والذئاب وحتى بين البشر هنالك فروقات في التكوين. و كل نوع له بيئة يعيش فيها.

التفسير الأقرب أن يكون لها دور في التوازن البيئي وليست صدفة ضربتها فجعلتها بهذا الشكل وناسب ذلك بيئتها. كيف ستفسّر طبيعيا كبر حجم طيور الريا في الشمال وصغرها في الجنوب؟ كون داروين لا يستطيع أن يفسّر فهذا خلل في جوهر النظرية. البشر أنفسهم في بيئة واحدة ومختلفون, لماذا هذه الاختلافات ما دامت البيئة واحدة؟ لا يستطيع الدارويني أن يصمد لأسئلة من هذا النوع.

لو كانت البيئة هي سبب تكوين الأحياء، لكان عندنا ألف سؤال وسؤال وتناقض, لو سألتك لماذا في جزيرة العرب لا توجد أفاعي ضخمة ؟ لقلت بسبب البيئة وقلة الموارد, إذن : لماذا الجمل موجود في الصحراء وهو بهذه الضخامة؟ لو كانت البيئة هي ما صنعته كما صنعت الأفاعي أو الثعالب الصحراوية لجعلته صغير الجسم ونحيفا. وكذلك في البشر, لماذا سكان الصين أجسامهم صغيرة وسكان أفغانستان مثلا أجسامهم كبيرة وطويلة؟ لن تجد تفسيرا مُرضيا يكون تبريره عبر البيئة ومناسبة الجسم لها, إذن أين نظرية التطور لتحلّ هذا الإشكال؟ هذا ينفي فكرة الانتخاب الطبيعي من أًصلها, وبالتالي سقوط نظرية داروين ومعها داروين.    

(الدقيقة : 49 الثانية : 30) يذكر الدكتور أن البيغل اخذت مجموعة من سكان جزر أرض النار (تييرا ديل فويجو) إلى بريطانيا لتعليمهم التهذيب والأصول الانجليزية وآداب المائدة والتحية الخ، وكان من ضمنهم شخص سموه (جيمي بوتن) ، وهذا الشخص تصادق مع داروين، وفي احدى الرحلات على البيغل مروا على أرض النار ليرى داروين صديقه جيمي بوتن، ولكن داروين انصدم عندما رآه، فقد رجع بربريا همجيا ! وحينها قال داروين : "مستحيل أن يكون أمثال هؤلاء أخوة لنا" ، وقال أيضا في كتابه : " هل مثل هذه الأجناس لديها اللياقة والقدرة أن ترتقي حقا ؟ أم أنها غير قادرة على ذلك عقليا وأخلاقيا؟" ويصف الدكتور كلام داروين أن هذا من سقطاته، ويعرض الدكتور في المقابل موقف مُعاصر داروين (ألفرد راسل والاس) الذي عاش مع الهنود الحمر في نهر الامازون وإعجابه بحياتهم وكتابته قصيدة جميلة يتمنى لأولاده أن يتربوا ويكبروا كما يتربى اولاد هؤلاء الهنود ، منها أنه يتمنى لأولاده ان يكونوا "أغنياء بلا ثروة ، سعداء بغير ذهب" .

الرد : الدكتور اعتبرها سقطة اخلاقية فقط، وهي اكثر من ذلك ، بل حتى سقطة تنبؤية ، لأنه بعد داروين وانتشار التكنولوجيا والتقنية وهجر الارياف تحولت كل هذه الشعوب التي يقول انها بدائية الى المشاركة حتى في العلم والكشوف، لدرجة صعوبة وجود من يعيشون تلك الحياة التي رآها داروين، بل حتى الاسكيمو وصلتهم وسائل التقنية والتكنولوجيا، اذن تنبؤ السيد داروين العنصري الاخلاقي سقط بأن هؤلاء لا يمكن ان يكونوا اخوة لنا، و لك ان تتفرج على حسن اخلاقه من خلال هذه العنصرية المقيتة التي تصوّر انه من المستحيل ان يرتقي هؤلاء ويكونوا اخوانا للانجليز. الحقيقة انهم الآن اخوان للانجليز، وفي امريكا كمثال، حيث يعيش الهندي الاحمر مع الانجليزي والالماني والاسود الافريقي والصيني وسكان الامازون، كلهم في مجتمع واحد، وكذلك في ستراليا، يجلسون على المائدة ويتناولون طعامهم بالملعقة والشوكة كما يحب داروين ان يجسد الاخلاق بآداب المائدة الانجليزية فقط.

ألا يكفي هذا الكلام من داروين ليقول الدكتور أنه عنصري ونظريته عنصرية؟ لماذا لم يقل أنه عنصري وقال أنها سقطة؟ لكن الأشِياء الحسنة لا يقول الدكتور عنها أنها جاءت عارضة عنده بل ينسبها إليه، بينما وصف الدكتور بعض معارضيه بالعنصرية مباشرة، أما عنصرية داروين المتكررة في كتابه فليست عنصرية، بل سقطة.

هذه ليست سقطة، هذه منهجية, وأجرى تجاربه في اثبات العنصرية عندما اخذ هذه الشريحة من أشباه البشر هؤلاء كما يراهم ويصفهم، وجعلهم يحتكون بالمجتمعات الراقية في نظره، وأجلسهم على المائدة الانجليزية ذات الشماغ الأحمر، لكنه عاد إلى صاحبه فيما بعد و وجده رجع للبدائية مرة اخرى، كأنه نسي ان الانسان ابن بيئته ومجتمعه، و كونه يختلف عنهم في عاداتهم وتقاليدهم يثير السخرية به والتهكم، هذا غير الادوات : من أين له ان يحضر سكينا وشوكة وملعقة وطاولة وكرسي في الغابة وأناسا يتحدثون الانجليزية؟

إن فكرة التطور عنصرية, وهي من أسباب احتقار السود, وهذا داروين "المهذب والمؤدب جدا" كما يقول الدكتور يمارس العنصرية بأبشع صورها, بل يشكك بإمكانية ان يتطوروا او يتعلموا يوما من الايام، والواقع افسد هذه النظرية كما افسد العلم فكرته عن الكولاكنث. والسبب أنهم يستعمرون أرضهم ويريدونهم أن يتصرفوا مثلهم ! لم تمر فكرة الكرامة و رفض الأجنبي المحتل في بال داروين. الحقيقة أن قلة الأدب هي ما يتكلم به داروين نفسه وليست منه, والسبب أنه رجع لعاداته التي تعوّدها ولم يقبل ما أعطوه الإنجليز. هل نسي أن الإنجليز غزاة ومتعدون على أرضهم؟ وتقليدهم يسبب وصمة عار وخيانة للوطن ؟

لكن السؤال هو : لماذا لم يفكر داروين هكذا؟ لأنه ينطلق من روح إنجليزية عنصرية إمبريالية. إذن داروين عبارة عن ملحد عنصري, إضافة إلى عيوبه الأخرى, و دعك من كلمة "سقطة" لرجل فاضل ونزيه, هذا تعذير لا قيمة له، لأنه انكشف, فيجب أن تسمى "كشفة" وليست "سقطة". التعامل الحسن والأسلوب المهذب الذي مدح الدكتور داروين به حقٌّ فقط للإنجليز والأوروبيين المتطورين – بل و ليس لعامتهم بل لخاصتهم، لأنه لا يردّ على العوام ولا يتحاور معهم، وهذا دليل على تفكيره الطبقي المتكبر، إضافة إلى عنصريته، إذن داروين عنصري وطبقي، ولتكن السقطة سقطتان- أما هؤلاء فلا يستحقون إلا هذه الأوصاف القذرة! وما هذه النظرية إلا لدعم الاستعمار والإمبريالية أصلا والتبرير لها، لأنها ظهرت في زمن الاستعمار لتبرره ولتعطيهم حقاً أو شبه حق في السيطرة على الشعوب الضعيفة وإذلالها ونهب خيراتها بحجة البقاء للأفضل وبحجة عدم قدرة تلك الشعوب على التعلم لأسباب بيولوجية تطورية كما يثبت داروين من خلال تجربته العنصرية, والتي على أساسها باعوا فلسطين لليهود. النظرة العنصرية الغربية لا حيلة معها, لأنها ترى أعمالهم ولا ترى أعمالها, إذا دافع فردٌ عن نفسه أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، بينما هم يحتلونهم ويسرقون خيراتهم ولا ينظرون لهذا, فلا حيلة مع العنصرية. والعنصرية مرض غربيّ بشكل عام, فأول عيوب الغرب هي العنصرية, فما بالك بزمن داروين, لهذا يبحثون عن تأصيل علمي لها و جاءهم الفرج مع داروين.

موقف داروين من سكان (تييرا ديل فويغو) يثبت أرستوقراطيته وعنصريته, أي أنه إنسان غير خيّر, بينما ألفرد راسل والاس إنسان خيّر وأعجب بحياة الهنود الحمر عندما عاش معهم في نهر الامازون, والناس سوف ينقسمون بنفس هذا الانقسام عندما يرون الشعوب الفقيرة, فالناس الطيبون سوف يعجبون بالبراءة والطيبة, والأِشرار سيتصورونهم ضعفاء وحقيرين وأغبياء وغير قابلين للتطور, و كلاهما ذهب لنفس المكان. المفترض ان يُمتدح والاس ويشنّع ويُعاب على داروين من باب العدل. أبعد هذا يكيل الدكتور المديح لداروين والثناء على أخلاقه وشخصيته؟ ألا يشعر الدكتور بوجود تناقض؟ أم أن كل شيء في موضعه؟

السبت، 1 يوليو، 2017

سلسلة الردود على سلسلة نظرية التطور للدكتور عدنان إبراهيم - الحلقة 6





(الدقيقة : 9 الثانية : 15) يذكر الدكتور أن داروين وجد احفورة فيها هيكل عظمي عملاق لأحد الحيوانات، يشبه الأرماديلو (المدرّع) في الأوروغواي، وأن هذا المدرع العملاق يبدو انه انقرض.

الرد : اول ما تبادر لذهن داروين انه نوع منقرض، و لم يقل أنه نوع كبير قد يكون موجودا أو قد تكون بقايا لآكل نمل ضخم، لم تكن لدى داروين وسائل بحث، فقط رآه فتخيل أرماديلو ضخم، ربما رأى بقايا عظام او بقايا درع فافترض ذلك وقد لا يكون دقيقا في تصنيفه، سيّما أنه لم يعرضه على العلماء ولم تجر عليه ابحاث، فقط رآه. ولم ينقله معه. ولا توجد احصاءات في زمنه لأنواع الحيوانات، بل حتى الآن لا توجد احصاءات كاملة لكل الاحياء على الارض. لكن أي تطوري يحب ان يقفز لفكرة الانقراض، لأنها عمود نظريته، فنظريته تعتمد على الفائز والمغلوب، فلا بد أن يثبت وجود المغلوب، أما الفائز فهو الموجودات المحظوظة، أما 90% من الكائنات فقد انقرضت. هكذا يقولون بجزافهم المعهود.

الانقراض الطبيعي أمر أساسي في نظرية التطور, ولا تتم بدونه، إن لم يكن موجودا لأوجدوه، وإلا ستسقط النظرية بدونه، لأنها مبنية على اساس الصراع والبقاء للأقوى، اذن لا بد من وجود أضعف ومهزوم وبالتالي منقرض. كأن الطبيعة دوري تصفيات كأس العالم.

لكن حين تشاهد الطبيعة ترى أن الأحياء أبعد ما تكون عن الانقراض, أبعد شيء ممكن أن يتعرض للانقراض هو الأحياء – إلا بفعل الإنسان-, ولو كان الانقراض موجودا في الحيوان لوُجد في النبات, ونحن نرى النبات كيف يحاول أن ينشر بذوره, وبعض الأشجار تطلق آلاف البذور في موسم واحد, والبذور لديها قدرة للبقاء لآلاف السنين، حتى انهم زرعوا بذورا محفوظة من ايام الفراعنة و نمت بكل سهولة، من خمسة الاف سنة. والرياح والأحياء تساعدها في ذلك, فأين خطر الانقراض؟ وكيف نقبل فكرة أن نوعا كاملا انقرض؟ التوازن الطبيعي هدفه منع طغيان أحياء على أحياء، اذن التوازن الطبيعي موجود علميا، لكن لا يوجد نظام مكافحة الانقراض في الطبيعة، فهل هذا عيب في الطبيعة أو على رأيهم في الانتخاب الطبيعي أن يُقاوم الاكتظاظ ولا يُقاوم الانقراض مع ان الطبيعة خسرت 90% من احياءها التي تعبت لكي توجدها ولم تضع نظاما لحمايتها من الانقراض؟

وداروين نفسه يقول أن الأحياء تتوالد بأعداد أكبر مما تحتمله الموارد لو تُركت, وانظر لعدد الحيوانات المنوية الكبير حتى تخصب بويضة واحدة, وانظر للحرص الشديد على البقاء والحياة, و انظر لكثرة التناسل و كيف تضحي الأم بنفسها من أجل الصغار, و بعض الأمهات ترعى صغارها إلى أن تفقس ثم تموت هي, في ظل كل هذا كيف نقول بسهولة أن هناك أنواع انقرضت بالكامل؟ هذا غير الثبات المناخي وتجهيز الأرض. كل هذه العوامل يخترقها الانقراض؟ لا يوجد داعٍ منطقي للانقراض إلا بافتراض خيالي، كنيازك تصطدم بالأرض وتثير غبارا يسبب تجمدا, وهذا نفسه غير منطقي. إذا كانت البعوض أو الذبابة الواحدة تضع مئات الألوف من البيوض في أسبوع واحد، فكيف نفكر أن الذباب من الممكن أن ينقرض؟ الخطر هو من تزايد عدد الأنواع وليس من انقراضها, أي العكس تماما, فأكثر المعاناة هو من تزايد الأنواع، ويأتي التوازن الطبيعي ليحافظ على توازن الأعداد ويخفف عدد السكان عن طريق الافتراس والهجرة والامراض...إلخ .

كيف نصدق أن نوعاً كله انقرض من تلقاء نفسه؟ لا يكون هذا إلا إذا كانت البيئة متقلبة, لكن التغيرات المناخية منتظمة و دورية, فتأتي سنوات جدب وسنوات خصب مثلا, وحتى الجدب نفسه ليس كافيا لأن يجعل نوعا كاملا ينقرض, ولاحظ الاصطياد الجائر من الإنسان كاصطياد سمك التونة ومع ذلك لم تنقرض. ولو انقرض نوع لانقرضت بقية الانواع، لأنها كلها تعتمد على نفس نظام التنفس والطعام ودرجة الحرارة.

فكرة الصراع على الموارد فكرة سطحية وقادمة من فكر يتكلم عن البشر واعتُسف على الطبيعة, البشر فعلا يتصارعون على موارد واحدة ومع ذلك لم ينقرض أي عرق من أعراق البشر, أما في الطبيعة فكل نوع مخصص له رزقه لوحده لا يريده غيره، من ينافس النمل الابيض على الخشب اليابس؟ لكل نوع في الطبيعة مأكله ومشربه، أما البشر فهم يتصارعون على الموارد نفسها. وهذا فرق.

الموارد في الطبيعة وفيرة وكثيرة, فكم من الأشجار مهيأة لتأكلها الماعز؟ لو يتضاعف عدد الماعز آلاف المرات لن تأكلها كلها. كيف نطبق هذا على سمك القرش مثلا ؟ فبحار العالم كلها مفتوحة له وكلها متداخلة, هل سيكون هنالك صراع موارد بين القروش مثلا والمحيطات مليئة بالأسماك؟ في الطبيعة الموارد والرزق أكثر من الأفراد بأضعاف كثيرة لكنه يحتاج لعمل. الحيوانات المفترسة عددها قليل بالنسبة لعدد طرائدها في الطبيعة, وهذا من التوازن الطبيعي. كل غزال و حمار وحشي و كل جاموس في العالم هو طعام للأسد, فالموارد أكثر مما يستطيع أن يأخذ وتتناسل أكثر من تناسل الأسود. هل يوجد تناسب بين الضأن والأعشاب الأرضية على محيط الأرض كله ؟ والموارد الطبيعية الغذائية تتجدد أيضا بعكس أكثر الموارد البشرية التي لا تتجدد كالبترول والعقار. من الحمق إسقاط وضع البشر ومدنيتهم على الطبيعة، فالبشر يتصارعون على الموقع، لأنه قريب من كذا او كذا وليس لأنه موقع. لذلك تتفاوت اسعار العقارات بجنون، أما بالنسبة للحيوانات فلا مشكلة اين المكان، المهم ان تتوفر الحاجات.

بما أنه لا يوجد تغير مفاجئ في التضاريس أو المناخ ولا يوجد نضوب موارد, إذن ما الداعي للانقراض؟ ما هو النوع ذو الموارد القليلة في الطبيعة حتى ينتج بين أفراده أو بينه وبين الانواع الاخرى صراع؟ الصراع بين الحيوانات هو صراع على المكان بدافع أن ينتشروا في أماكن أخرى, وليس صراعا على الموارد. لو كان هناك نضوب موارد لما رأيت الغابات الخضراء لأن الأحياء التي تتصارع عليها ستكون أكلتها, لو كان هناك صراع على الموارد لانقرضت بعض النباتات لأن هناك حيوانات تعيش عليها.

لو كان هناك صراع موارد فمن باب أولى أن يكون على المياه، فتكون الحيوانات الأقوى تقف عند الماء وتمنع غيرها, لكن في الطبيعة لا يوجد احتكار كما هو موجود عند البشر، فلديهم احتكار لمكان واحتكار لمنفعة، والـ 1% يملك ما لا يملكه الـ 99% من البشر, فتطبيق الحالتين غير ممكن. لا يوجد في الطبيعة شيء اسمه ملك الغابة، لكن في البشر يوجد. حتى الصراع بين أفراد القطيع ليس بسبب الموارد بقدر ما هو بدافع غريزة الانتشار, بدليل أن الهجرة تأتي جماعية لكل النوع, لو كان هناك حرب على الموارد لما وُجدت هجرات جماعية ضخمة إلى نفس المورد, و لكان هناك منعٌ لحضور البقية من قبل الأقوياء حتى يتمتعوا بالمورد وحدهم كما يفعل البشر, لكنهم حريصون أن يبقوا مع بعضهم. في المرعى لا تجد أغناما تطرد أغناما، بل الكل يبحث عن رزقه ولا يمنع غيره, فأين هي حرب الموارد؟ وأين الصراع والبقاء للأقوى؟

يقولون أنه يظهر من بعض الأنواع طفرات حسنة تجعل النوع الذي لم تظهر له ينقرض, لكن ما دام أنه نوع و له نمط معين من التغذية يعيش عليه و له فم يأكل به، فما الداعي لانقراضه؟ والأقوى منه : ماذا سيفعل سوى أن يتغذى مثله على نفس المورد الذي يتجدد ؟ لا يوجد داعي لانقراضه، فوجود احد تفوق عليه لا يعني هذا نهايته. أيضا داخل القطيع نفسه هنالك تفاوت في القوة بينهم والكل يعيش ولا يوجد صراع بين القوي والضعيف, وحتى الصراع على سيادة القطيع والتزاوج محصور في الذكور الكبار فقط وليس صراعا قاتلا، المهزوم فقط يذعن ويبتعد وتنتهي المعركة، هذا كل ما في الامر، وأغلب حالات الانتصار هي لصاحب المكان والاكبر عمرا. وهذا الصراع له عدة فوائد ، منها أن إنشغال كل طرف بالآخر مع الجلبة والاصوات تكون هناك فرصة للحيوانات الصيادة لتقليل عدد الذكور التي لا داعي لها في القطيع، فهذه فرصة ذهبية، لأنها مشغولة بالصراع ولا تنظر ما حولها، وصيدها سيكون سهلا.

أًصلا لا يوجد داعٍ للصراع غير ما نجده في موسم التزاوج بين الذكور بدافع الانتشار والتوسع بدافع بقاء النوع. الحيوانات لا تأكل معادن ولا تتصارع عليها كما يفعل البشر، الأصل في المنظومة الغذائية هو النبات، والنبات انواع كثيرة وهو أكثر سكان الارض بدون مقارنة، فسبحان المسخِّر، وبعضها موسمي وبعضها دائم، ولها قدرة على انتاج الثمار والاوراق. لاحظ أن داروين تأثر بنظرية الانفجار السكاني لمالثوس، ولذا هو واقع في خطأ إسقاط الحالة االبشرية على الطبيعة.

انتشار الحيوانات هو الذي يمنع انقراض النوع بكارثة معينة. إذن ليس هنالك خطر انقراض للنوع بل خطر تزايد للنوع, وهذا ما يفعله التوازن الطبيعي بتقليل الأعداد, لو لم يوجد أعداء لكل نوع لامتلأت الأرض وبسرعة بكل الأنواع. إذن في الطبيعة كفاح لئلا تطغى الأنواع. قال تعالى : (ألا تطغو في الميزان) ، (من كل شيء موزون) . الكائن الحي وُجٍد ليبقى وليس لكي ينقرض, ولو كان غير صالح للحياة لما وُجد من البداية ولما استمر فترات طويلة قبل أن ينقرض, لكن ما دام وُجد وتناسل إذن هو صالح للحياة.

إذا افترضنا وجود كوارث مناخية أدت إلى انقراض نوع، فعلينا أن نقول أن البقية انقرضوا ايضا وليس هو فقط, وواقعيا ومنطقيا وتاريخيا لا يوجد تغير مناخي مثبَّت أدى لأن ينقرض نوع أو أنواع. شكل الكرة الارضية هو ما حدد المناخات عليها، فالوسط خط استواء وغابات، وبعده منطقتين شمال وجنوب شبه صحراويتين، ثم منطقتين باردتين مطيرتين وغابات، ثم منطقتين متجمدتين، وبين كل منطقة وجارتها تدرج، هذا هو مناخ الارض بشكل عام، ولا يمكن أن يكون إلا هكذا، مع وجود فوارق بسبب المرتفعات والمنخفضات والتيارات الهوائية. وإلا فالأصل هو مناخ الكروية، كأي كرة عندما تسلط عليها نورا سيكون ساطعا في وسطها، ويزداد الانحراف والميل كلما تقدمت شمالا أو جنوبا. سطح الكرة المائل دائما يحدد مناخاتها. كروية الارض ثابتة والشمس ايضا ترسل نفس الاشعة، اذن كيف يتغير المناخ ويُحدِث عصرا جليديا يطغى فيه الثلج على أماكن لم يكن يصلها؟ والثلج ماء، فمن أين جاءت كل مياه هذا العصر الجليدي المزعوم نظريا؟ العصور الجليدية ليست الا نظرية وليست حقيقة علمية، بدأها السويسري لويس اجاسيز عندما اراد ان يفسر وجود خدوش في بعض الخنادق الصخرية للانهار الجليدية وتراكم بعض الصخور في اماكن ليست في أماكنها الطبيعية، فافترض من خياله هذا الافتراض المبني على ملاحظات واسعة جدا وقابلة للنقد وتحتمل اكثر من تفسير.

 ويقولون ان الثلج في العصر الجليدي المزعوم وصل ارتفاعه لـ 2400 إلى 3000 مترا وغطى من ضمن ما غطى مساحة نصف اوروبا ونصف أمريكا الشمالية ! اذا كان الثلج غطى نصف امريكا الشمالية و نصف اوروبا فماذا عن نصفها الجنوبي؟ و قد اقترح آخر سبب تكون العصر الجليدي بأن مدار الأرض حول الشمس غير ثابت، فهو يتراوح قربا منها وبعدا عنها عبر ملايين السنين، وهذا اقتراح، لأنه لم يعش لملايين السنين السابقة حتى يخبرنا، وبالتالي اقتراحه ليس حقيقة علمية، بل انه منافي لفكرة الجاذبية، فما الذي يجعلها تبتعد وهي مجذوبة من الشمس كما يقولون؟ لكن الواقع يقول ان مدار الارض ثابت حول الشمس ولا يتغير، بدليل تغير الفصول وثبات المناخات الدوري المستمر. واضافوا سبب اخر وقالوا لأن زاوية ميل الارض تتغير، وأن كتل قارية متجمدة من الثلج يصل ارتفاعها من 2400 إلى 3000 متر ! وكيف ستتكون هذه الطبقات الهائلة ولا يوجد ماء ؟ اذا كانت الارض ابتعدت عن الشمس كل هذا البعد، فهذا يعني عدم وجود تبخر وسحاب، وبالتالي عدم وجود مياه تدعم التراكم الثلجي حتى يصل لهذا الارتفاع الهائل الذي قدره  2400 متر والذي لا يوجد مثله ولا حتى في القارة القطبية، لأن القارة القطبية اكثرها يذوب في الربيع وتنبت الزهور. ثم ماذا عن وسط خط الاستواء ؟ يبدوا انه لم يتضرر ابدا . كيف انقرضت الثدييات مع ان اوروبا وشمال امريكا ليست كل الارض، بل اكثر الاحياء تعيش قرب خط الاستواء؟

تكوين الارض الكروي هو ما حدد مناخاتها، ولن يتغير حتى يتغير تكوينها الكروي، فهل تغير شكل الارض؟ هل اصبحت مكعبة مثلا حتى تحصل كوارث عامة مناخية؟ لم يتغير شيء. الظاهرة المناخية نسبية ومحلية وتدريجية وليست في كل العالم, و كل الأحياء عندها قانون الانتشار الذي يحارب فكرة الانقراض, فالكوارث تكون موضعية وليست على مستوى الأرض كلها. لو كان هناك عصر جليدي لانتقلت الأحياء ببساطة لأماكن أدفأ, لا أن تموت في مكانها وتترك الثلج يتراكم فوقها. الكائنات الحية حريصة على نفسها وليست بهذا الغباء الجليدي! انظر إلى الطيور المهاجرة من الأماكن الباردة، تهاجر قبل أن يحل البرد, فكيف يأتي عصر جليدي ويكبسها فجأة وهي في اعشاشها فينقرض من ينقرض وينجو من ينجو؟ إلا إذا افترضت بالخيال أن كوكبا متجمدا هجم على أوروبا فجأة وجعل الثلج يرتفع 3000 متر كما يقولون في العصر الجليدي! وهكذا نجد أن نظريات العصور الجليدية نظريات فاشلة لأنها تصطدم مع حقائق علمية اخرى ومع الواقع، وكذلك نرى ان اهتمامهم بعلم الجيولوجيا لم يكن من فراغ، بل للتمهيد لنظرية التطور التي تعمد اكثر ما تعمد على موضوع الجيولوجيا. ولهذا اعطي داروين كتابا في الجيولوجيا قبل ان يسافر ليأخذه معه في الرحلة، لكي يربط بين الاثنين ويؤسس هذا على الآخر.

وفي المقابل : اذا كانت هناك دورات تبتعد فيها الارض عن الشمس مكونة العصور الجليدية، فلماذا لا توجد عصور اقتربت فيها الارض من الشمس وماتت الاحياء من الجفاف وأدت لانقراض انواع اخرى تكيفت مع البرودة كالماموث وغيره ؟ الخيال مفتوح وواسع. فقط اعطه اسما وإعلاما وينتهي الامر، فتسمى عصور بخارية، ولكن حتى هذا التبخر من الحرارة سينتج امطارا وسحابا وتُبرّد الارض نفسها! فما الحل ؟ الحقيقة انه لا يمكن لهذه التغيرات المجنونة أن تكون، لأن الارض محصنة بغلافها الجوي، ولو ارتفعت حرارتها لكثرت الامطار والسحب وعادت للاعتدال مرة اخرى، وبذلك يكون هناك نظام تكييف للارض. ولو انها ابتعدت عن الشمس وبردت لتوقف وجود المطر والسحب، لأنها تعتمد على الحرارة لأجل التبخر، وبالتالي لن يكون هناك عصر جليدي، لأن الجليد يتكون من الامطار، والامطار تحتاج الى حرارة، ولا توجد حرارة بسبب ابتعاد الارض عن الشمس، وبالتالي لا يوجد عصر جليدي حتى لو ابتعدت الارض عن الشمس. وهكذا نرى استحالة وجود عصر جليدي اساسا.

ارتفاع الحرارة لا يستطيع ان يقضي على الحياة على الارض، لكن ابتعاد الارض عن الشمس يستطيع ان يقضي على الحياة، لذلك هم ركزوا على ابتعادها ولم يركزوا على قربها، هكذا هم يفكرون فيما يخدم نظرياتهم الالحادية، وإلا فالافتراضان (افتراض القرب وافتراض البعد) كلاهما جائز، فلماذا اختاروا واحدا وتركوا الآخر؟ هكذا نعرف غاية نظرياتهم وأنها ليست مجرد بحث علمي نزيه. إن لكل فعل ردة فعل، وما دامت الارض مجذوبة للشمس، فعودتها من الابتعاد ستكون ردة فعل تنتج عصور اقتراب وتبخر، أي عصور احتراق، هكذا العلم والمنطق وقوانين نيوتن، لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة ومعاكسة له في الاتجاه، فيبتعد بمقدار ثم يقترب بنفس مقدار ابتعاده ثم يعود للتوازن وهكذا، والسؤال هنا يضا : اذا تمت ردة الفعل لابتعاد الارض عن الشمس، الا يعني هذا انها اقتربت ممن هو جاذبُها فترتطم بالشمس؟ هكذا نجد ان نظرية العصور الجليدية مؤسسة على أساس خاطئ وهو ابتعاد الارض عن مداها، لأن الابتعاد سينتج ردة فعل، و ردة الفعل ستنتج كارثة، اذن الارض مضبوطة في مدارها منذ خلقت، و اي ابتعاد او اقتراب سينتج كارثة الارتطام بالشمس على السواء. أي شيء ينحرف عن مداره سينتج ردة فعل. اذن قوانين نيوتن عملت ضد افتراضهم، وهكذا العلم يقف دائما في وجه الالحاد، وبالتالي لا توجد عصور جليدية ولا يحزنون. وهذه الصخور التي وجدها مجتمعة في نهاية النهر قد تكون جاءت بها السيول في فترات طوفانات النهر، وهذا شيء وارد، والأسباب كثيرة عبر ملايين السنين في أن تُنقل صخور أو حصيات من مكان لآخر. وأما الشقوق فيجب ان تفحص نوعية التربة وعوامل التعرية ونوعية الصخور والامطار والثلوج، هذه تكفي لان تفعل هذا ، لا يحتاج كل هذا الى افتراض وجود عصر جليدي ارتفع فيه الثلج 3000 متر ! ان هذا مثل من يصنع آلة كهربائية لفتح علبة المشروب الغازي ! ان ارتفاع الثلج هذا المزعوم كاف لجرف الجبال كلها وسحق رؤوسها وليس لعمل مجرد خدوش فيه، بينما نحن نرى الجبال في وضعها العادي، والثلج اذا ذاب او نزلت قطعة ثلجية، ستنزل معها صخور من أعلى الجبل الى اسفله فقط، فكيف تنقله الى مكان بعيد؟ لا يستطيع فعل ذلك الا الماء، الثلج لا يمكنه فعل ذلك. جماعتنا هؤلاء لم ينظروا الى قوانين نيوتن، و هم علميون خالصون كما يقولون.

(الدقيقة : 18 الثانية : 15) يقول الدكتور ان داروين يجمع ملاحظات عن الحيوانات وغيرها في رحلة البيجل ولم تنقدح حتى الآن – حينها – فكرة نظرية التطور ولم يكن لديه الإطار النظري لها، وأنه كان مجرد باحث في الجيولوجيا لدراسة وجمع العينات خلال الرحلة ولم يكن مهتما بالبيولوجيا.

الرد : كيف يقول الدكتور أن داروين لم يكن لديه إطار نظري للنظرية؟ الفكرة رائجة جدا في زمنه, حتى جده ألّف في التطور, والواقع أنه ذهب لإثباتها, وهو لم يبحث عن الجيولوجيا كما يقول بل عن الأحياء, والدليل أن اهتمامه منصب بالأحافير وعظام الحيوانات وتنوّع الأحياء وأحجامها, وهذا واضح في ملاحظاته ومشاهداته وأسئلته للسكان، كلها تدور حول الحيوانات والطيور. هذا المشهد البريء لا ينطبق على الصورة. داروين ذهب بفكرة مسبقة, وهنا المشكلة، عندما تكون الفكرة جاهزة ويُبحث لها عن إثباتات.

ترى ماذا كان هدف هذه الرحلة أًصلا؟ وماذا كان يفعل الطاقم في السفينة؟ وأين بحوث العلماء المرافقين لداروين؟ هل كان لهم بحوث مختلفة أم مرافقين له؟ هل كانت الرحلة أصلا لداروين؟ الهند وأمريكا وجنوب أفريقيا مستعمرات بريطانية وليست أماكن مجهولة حتى يذهبوا يكتشفوها جغرافياً. يبدو أن هدفها في الأساس هو من أجل نظرية التطور, ولاحظ أنها تركز أكثر ما تركز على المناطق في خط الاستواء حيث توجد الأحياء بكثافة أكبر, و في المستعمرات البريطانية حتى توجد التسهيلات, فهي رحلة حكومية, إذن السياسة تبنّت الداروينية وأرسلت داروين و ليس باحثا حرا من تلقاء نفسه. و كون داروين يُرسل له الجزء الثاني من كتاب مبادئ الجيولوجيا فهذا يدل على أنه نتيجة مسبقة لإثباتها, و ربما يتلقى توجيهات, خصوصا أن نطاق رحلته في مناطق نفوذ بريطانيا. ويبقى السؤال : ما هي أهداف هذه السفينة؟ لا يمكن القول أنها رحلة كشوف جغرافية لأنها مناطق مُكتشفة بل و مُحتلة.

كيف يسافر برحلة علمية وليس له هدف؟ هذا غير منطقي, المنطقي أنه ذهب ليثبت نظرية التطور التي كثر الكلام فيها ، وهل هو العالم الوحيد على ظهر السفينة؟ هل هذه الرحلة مجهزة بكل تكاليفها وطاقمها لأجل باحث فاشل دراسيا لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره؟

(الدقيقة : 28 الثانية : 5) يذكر الدكتور أن داروين عندما وصل الى ساحل تشيلي ودخل الى حوالي 150 ميلاً ، وجد طبقات بارتفاع 1500 متر مليئة بالقواقع والاصداف، وحلل داروين ذلك بأن الأرض ارتفعت من قاع البحر حتى خرجت فوق سطحه، وذكر داروين أيضا أنه وجد شجرة مترسبة في الطبقات.

الرد : من غير المنطقي أن البحر وصل إلى 1500 متر للأعلى, و من غير المعقول أن الجبل ارتفع بفعل الزلازل 1500 متر ! كيف يرتفع الجبل لوحده من قاع البحر ولا يرتفع ما حوله؟ ربما تكون أعشاش لطيور تنقل قواقع، والطين غطاها فاصبحت متحجرات, لأنه توجد أنواع من الطيور تعيش على القواقع بعد أن تطير بها وترميها لتنكسر فتأكل ما بداخلها. و ربما كان في الجبل عيون ماء تتواجد فيها القواقع, أو ربما كان الناس ينقلونها لسبب ما، لاعتبار ديني أو غير ذلك، وهناك احتمالات أخرى كثيرة، وما دامت هناك احتمالات واقعية الحدوث أو قريبة من الواقع، فلماذا ننصرف الى احتمالات درامية خيالية، كأن ينتق الجبل من البحر او أن يطغى البحر على رؤوس الجبال؟ دون من هذا وتنحل المشكلة. كل هذه منطقة طيور وتعشيش. نحن نرى تراكم طيور البحر والطيور المهاجرة على الجبال والجزر بأعداد هائلة في مواسم هجراتها، وتحتاج للتغذية، وكثير من الطيور تختار الجبال مساكن لها بالعادة، كل هذا وارد. وهذا منظر نستطيع مشاهدته الان، منظر طيور البحر التي تأخذ صيدها من قشريات البحر واسماكه واصدافه ومحاره وتطير بها حتى تأتي طيور أخرى تريد ان تخطف منها صيدها، وتترك البقايا في اعشاشها. ومنظر طيور تحمل القواقع والعظام وتلقيها على رؤوس الجبال لتنكسر، فتأتي الامطار والطين لتغطيها فتصبح متحجرات. هذا وارد جدا أكثر من أن يكون الجبل خرج من قاع البحر، لدرجة انه لم يتسن لها أن تهرب فخرجت معه!   

المعروف في العادة أن الزلازل لا ترفع الأرض، بل تهز الأرض أو تشققها. وإذا كان هذا الجبل في قاع البحر، فلماذا لم يوجد فيه إلا قواقع؟ لماذا لم يجد آثار مرجان أو أسماك أو كل ما يتوفر في قاع البحر في العادة؟ هو لم يجد شعب مرجانية حتى نقول أنه قاع بحر, بل وجد قواقع، والقواقع هي غذاء للطيور. وجود قواقع ليس إثبات ان قاع البحر ارتفع. وإذا كان ارتفاع 1500م كان في قاع البحر, ماذا عن ال 1500 م الباقية؟ أين كانت إذا كان الجبل ارتفاعه عن سطح البحر 3000 متر كما قال؟ وإذا كان داروين وجد شجرة مترسبة مما ينبت في البر في هذه الطبقات، فهل هذه الشجرة نبتت في قاع البحر مثلا ؟

(الدقيقة : 36 الثانية : 50) يذكر الدكتور لقاء داروين مع الحاكم الانجليزي لجزر جالاباجوس وكيف أن الحاكم اخبره أن بإمكانه تمييز السلاحف ذات الرقاب القصيرة والطويلة من اي جزيرة، فذات الرقبة القصيرة في الجزر الرطبة المعشوشبة، وذات الرقبة الطويلة في الجزر الجافة التي ينمو فيها الصبار، و أن داروين وجد في الجزر ذاتها انواعا مختلفة من طيور البرقش مختلفة المناقير، تصل الى 13 نوعا، بعضها مدبب وبعضها نحيف، وأن المدبب لتكسير الحبوب والنحيف لالتقاط الديدان والحشرات، وأن داروين جمع عينات من هذه الطيور و أرسلها للمتحف دون أن يحدد من أي جزيرة أخذها.

الرد : يجب أن تعاد دراسة مشاهدات داروين حسب معطيات العلم الحديث, فهل فعلا هذه السلاحف كما قال له الحاكم البريطاني قبل اقل من 200 سنة؟ ونفس الشيء للحسونيات؟ أو الأحافير التي ذكرها؟ أو التفسيرات التي قدمها؟ هل عُرضت على العلم الحديث بوسائله الأكثر تقدما؟ داروين يعتبر باحث قديم، فكيف تكون أبحاثه معتمدة إلى الآن مع تطور العلم؟ هل بُحث عن تفسيرات أخرى غير تفسيرات داروين؟ أم أنها تفسيرات مقدسة لا يمكن طرح غيرها ومحاولة لعسف العلم لاجل اثباتها؟ ولماذا يجمع هذه الحسّونيات ويحفظها كعينات؟ هل هذا بدافع البحث الجيولوجي يا دكتور؟

(الدقيقة : 41 الثانية : 45) يتحدث الدكتور عن اختلاف مناقير الطيور المحاكية التي درسها داروين ، كما تحدث سابقا عن اختلاف مناقير الحسونيات، وأن داروين في رحلة عودة البيجل للمملكة المتحدة لم يجد او يدرس شيئا ذا بال بخصوص نظرية التطور.

الرد : ما هو الشيء المميز بحسونيات داروين؟ حتى الحمام أشكال مناقيرها تختلف رغم أنها تعيش في نفس المكان, ومن نوع واحد، وليس فقط الحمام بل نجده في أصناف الكلاب والماعز والقطط والدجاج .. إلخ, هذه سلالات لنفس النوع وهذا أمر معروف. المكان ليس هو ما جعل الشكل هكذا ولا يوجد ما يثبت ذلك. والنباتات أنواع وأشكال متنوعة يستطيع أن يأكل منها الطائر. الطبيعة ليست مختبر مغلق بل مفتوحة و فيها من كل شيء، لهذا الطبيعة لا تجبر نوعا أن يتغيّر أو ينقرض, فما بالك بطيور أسهل ما يكون عليها الانتقال إلى حد الهجرة؟ و هل هذه الطيور لا تنتقل بين الجزر؟ هل جلس داروين سنة كاملة و وجد أنها لا تذهب لجزر أخرى؟ الطيور المهاجرة تقطع محيطات وليس فقط تنتقل لجزيرة قريبة. وهل أجريت أبحاث حديثة على نفس طيوره وأنها لا تغادر جزرها رغم التجاور بين الجزر و وجود جزر صغيرة كثيرة فيما بينها؟ و هل كل جزيرة من الجزر متخصصة في نوع الغذاء وبعضها تنتج غذاء قاسي يحتاج إلى تكسير؟ أم أنها في دائرة مناخية واحدة وبالتالي طبيعة الحياة فيها متقاربة؟ و كل الطيور لها هجرة بعضها قصيرة وبعضها بعيدة. هذا أهم جزء في الرحلة قدّم هذه المعلومة المعروفة والمليئة بالنقص, وكأنه يخبرنا أن الكلاب لها أصناف مختلفة, فأين الجديد في الموضوع؟

كأن الرحلة عبارة عن تمثيلية, يريدون أن يصبغوا العلمية على نظرية التطور وأنها نتيجة لرصد ظواهر في هذه الرحلة, لهذا يعيدون ويزيدون في هذه الرحلة, حتى يقال أن النظرية لم تنقدح في ذهنه إلا بعد أن استوقفته هذه المشاهدات على الطبيعة, أي بعد بحث عملي وليس مجرد كلام نظري. مع أنه في رحلته لم يأت بجديد, هل هو التنوع داخل النوع الواحد؟ هذا شيء معروف, وهل اكتشف تكيّفا؟ هذا شيء معروف ايضا. ما زالت النظرية عبارة عن تفسيرات وليست معطيات, ما قيمة العينات التي جاء بها؟ كأنه أتى بمناقير مختلفة لحمام! لا توجد كشوف علمية في هذه الرحلة، فقط صبغة علمية كباحث سافر لمدة خمس سنوات يدرس في الطبيعة والأحياء! وربما لو سافر عالِم غيره لوجد كشوفات كثيرة مفيدة. انظر أنه لم يخبر من أي جزيرة أخذ كل نوع من تلك الطيور. الدكتور يعتقد أنه نسيانٌ منه، لكن يبدو أنها مقصودة, حتى لا يأتي من يحرجه ويكتشف مكانها, ولو ذهب باحث الآن سيجد اختلاطا بين الطيور, ولهذا السبب لم يذكر داروين عند كل عينة في أي جزيرة تعيش, وهذا من الدقة العلمية البحثية التي يصفه بها الدكتور ويسرف، شيء منطقي ان تذكر العينة وتذكر مكانها، أي باحث لا تفوته مثل هذه. أقل ما يقال في هذا أنه بحث علمي ناقص!

في الأخير هي رحلة تمثيلية لإعطاء الصبغة العلمية على نظرية فلسفية أبعد ما تكون عن العلم و خالية من أي تجارب لهدف و دعم إلحادي. لهذا ندم قبطان السفينة أنه اصطحب داروين, مما يشير إلى أنه سافر لأجل داروين، وإلا فكيف يندم لو كان داروين مجرد أحد المسافرين؟ كل شيء يشير إلى أن الرحلة هي لأجل داروين بتوصية من أعضاء نادي إكس وأمثالهم المتوغلين في النفوذ. هم مثل من سافر بفيلسوف عنده تصور نظري مُسبق ليطلعه على الطبيعة والمتاحف العلمية ويقول بما انه سافر إذن هو عالم وتجوّل وبحث وليس فيلسوفا! ومعروف أن فكرة الترحال في طلب العلم من أقوى ما يدعم قيمة العالِم بغض النظر هل أفادت أو لم تفد, و هي فكرة قديمة كان يتزين بها الباحثون عن الغرائب مثل ماركو بولو في بعض تفاصيل رحلاته الغير معقولة، كالرجال الغريبين الذي قال انه وجدهم اثناء رحلته، اذ وجد أوجههم في بطونهم !

من غير المناسب أن يقدّم داروين نظريته وهو جالس في لندن, سوف يعترض عليه الكثير ويوصف بعدم العلمية. من الواضح أن الفكرة متبلورة وخالصة بدليل أن ألفريد والاس تكلم بها نفسها مما استعجل بداروين لنشر كتابه, ولامارك يتكلم عن التطور نفسه, والفكرة قديمة أصلا, فكيف يصوّرون لنا أنه اكتشف النظرية كاكتشاف جديد بعد رصد الظواهر؟ مع أن هذه التفسيرات معروفة من قبله وهو فقط غيّر في بعض جزئياتها؟ فكيف نقول أن نظرية التطور انقدحت في ذهنه؟ لماذا يجمع أنواع متشابهة ويبحث عن الاختلاف بينها لو لم يكن يفكر بالتطور قبل أن يسافر؟ وهل من مهام الجيولوجي أن يجمّع رؤوس الطيور وعظامها؟  

(الدقيقة : 43 الثانية 35) يذكر الدكتور تواضع داروين في عرض ما لديه على المختصين، وأنه لا يعبأ برأي وامتداح العامة له، انما كان يهتم برأي العلماء وثنائهم مثل لايل و هوكر، ويعتبر هذا شرفا كبيرا بالنسبة له.

الرد : ما دام داروين لا يعبأ بالعامة إذن هو يعبأ بتقييم نادي إكس الملحد الذين يسميهم "العلماء". الحقيقة أن همّ داروين والداروينيين هو العامة, بدليل إلزام تدريس نظرية التطور بالمدارس مع أنها نظرية لم تثبت علميا ومعاقبة مخالفيها و وصفهم بالجهل وكأن الجهل مرض معدي! فبدل أن يُعلَّم يُبعَد! ولهذا يمثـّل داروين أنه يهتم بالعلماء من أجل العامة, لأن تزكية العلماء تنفعه عند العوام. لأن فكرة التطور كلها واضح ان المقصود بها هم العوام وليس العلماء, والدليل أنها تتجنب الاحتكاك بالعلماء وتفصلهم من جامعاتهم ولا تنشر ابحاثهم الا ما وافق التطور منها، بشهادة أولئك العلماء الكثر، ولا تحب ان تدخل في نقاشات، والرد التطوري دائما (اذهب واقرأ) اي انك جاهل، دون ان يكلف نفسه مناقشة الافكار، وربما هذا ما سوف يحصل لي، فالدكتور فيما يبدو ربما لن يرد علي، وجوابه لي : اذهب واقرا لداورين مرة ومرة ومرة حتى تستوعب داروين، اذن هي نظرية للعوام والمصدقين وليست للمختصين والباحثين والعلماء، وليست مطروحة للنقاش. وهذا البحث الطويل الذي اقدمه الان من سيرد عليه من التطوريين ويناقشه ؟ اتوقع ان تجلس ردودي بلا رد ولا مناقشة من احد. المفترض ان الباحث عن الحقيقة يفرح بأي نقاش موضوعي، لا أن يتضجر، حتى لو كانت كمية غبائي هائلة، فمن حقي أن اتعلم.

أي دارويني يحب أن يعلّم العوام أكثر من أن يبحث عن الحقيقة مع المعارضين للنظرية, إذ غالبا يكتفي بوصفهم بالجهل ويحيلهم على القراءة, ولا يُتعب نفسه إن خرجوا عما يقول. والسبب هو بعدها الاجتماعي من أنها تقر بالطبقية والعنصرية من جهة, ومن جهة أنها تنحي الدين وتشرع للرأسمالية والإمبريالية والبقاء للأقوى. وأي تطوري سوف يقرأ ردي ربما لن يكلف نفسه بالنقاش الطويل، و أولهم الدكتور نفسه كما يبدو, وسيصف هذا الكلام بأنه عامي، ويتجه للشرح للعوام بنفس الوقت! مع أن هذه ردود على حلقاته الخاصة به.

حتى الآن لم أناقش داروينيا استمر بالحوار، بل هو الذي ينسحب, لا ليفكّر بل ليردّد على العوام. هم يحبون من يستمع ولا يحبون من يناقش. ويتهمون مخالفيهم بسيطرة الدين والأدلجة عليهم والجهل وينصرفون عنهم إلى العوام خالي الذهن ليؤثروا فيهم ويلقنوهم ويبدون إعجابهم بتلك العقول المتفهمة، أي خالية الذهن. كان المفترض على داروين أن يحرص على المعارضين وأن يناقشهم بدلا من التكبر عليهم و وصفهم بالعوام والاختفاء عنهم لأربعين سنة, كل أبناءه الدراونة صاروا مثله يهربون عمن يفكر إلى من لا يفكر, أي يهربون من العلماء أو على الأقل المفكرين والمتشككين والباحثين إلى البريئين أو المعجبين. وعلى هذا الأساس تم طرد أساتذة من الجامعات في الغرب لمجرد تشكيكهم في هذه النظرية, الدكتور نفسه إذا مرّ على ذكر المعارضين يبتسم ابتسامات سخرية, ويصفهم بالجمود وسيطرة الدين عليهم, هذا مقدّما قبل أن يسمع ما عندهم كما يبدو من طريقته في تناول المعارضين! والمفترض في الدكتور أن يطلب من الجميع أن يفكروا في كلام المعترضين والمشككين ويتحاور معهم بدلا من أسلوب المحاضرة والإلقاء, لا أن يقدّمها كحقيقة مسلّمة وهي ليست مسلّمة, فلا توجد حقائق علمية غير قابلة للنقاش، فما بالك بنظرية؟ و لم يفرد حلقة أو حلقات للردود على الاعتراضات، بل إنه يسخر منها ويهمشها بحجة انصرافه للعلم وتأثير الدين، وهذا نقص في الموضوعية بلا شك، حتى ولو وعد الدكتور انه سيطرح سلسلة معارضات النظرية لاحقا، فهذا خطأ منهجي.

(حتى نهاية الحلقة) ينقل الدكتور كلام داروين حول الحوار والنقاشات، ويذكر أنه يراها فارغة وتضيع الوقت، ويبدو أن الدكتور يؤيد ذلك.

الرد : اي انسان يصف اي حوارات بأنها فارغة فهذا لا شك أنه متكبر وخائف، وليس متواضع، ومن يملك الحقيقة لا يبالي بخوض اية نقاش. لأنه يعرف ان النقاش سيكون مفيدا، لأن معه الحقيقة التي سوف تقنع عاجلا أو آجلا. اللي على راسه بطحة يحسس عليها.

طبعا هو يسمي الحوار والنقاش والمجادلة نزاعات فارغة, مع أنه ليس كل نقاش يوصف بهذا الوصف, فحتى الناس العاديين بشر و لهم عقول يجب أن تُحترم, ومن حقهم ان يناقشهم اذا كان متواضعا كما يصفه الدكتور. وقد يرى من يُوصف بأنه عامي ما لا يراه عالم، فالعلم ليس ملكا لأحد, وإن كان داروين شاهد حيوانات ونباتات، فالناس شاهدوا أيضا، فهو لا يتكلم عن المريخ، بل أرض يعيش فيها البشر. وليس كل من سمي عالما يعتبر عالما، وليس كل من لم يسمى عالما ليس بعالم, فقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر. هذه بديهيات أخلاقية كان يجب أن يتحلى بها داروين الارستوقراطي ساكن القصر في الريف الانجليزي, و من سيرته نجد أنه ليس هناك من هو أفرغ منه وقتا! فهو لا يعمل و يقيم في الريف بشكل دائم ويقضي ساعات على قراءة جرائد ولا ادري ما مصادر دخل هذا النبيل الارستوقراطي ! على الأقل لو كان يرد على أبرز ما جاء في النقاش مع الناس، لكنه يهرب منه بناء على نصيحة أستاذه لايل, ولهذا هرب وسكن في الريف مبتعدا عن عاصمة العلم وبعيدا عن الأسئلة الحرجة بحجة التفرغ للعلم, و صار هذا ديدن أتباعه الداروينيين, لأنهم يعرفون حجم الأسئلة صعبة الرد التي تنتظرهم, فكأنها خطة عمل لكل دارويني أن يلقِّن ولا يناقش, معتمدين على قوة الإعلام الذي سوف يصاحبها والذي لن يملك خصومها مثلها, ولو كان عندهم حق لما هربوا عن الجدال والنقاش بحجة التفرغ للعلم, لأن النقاش هو أبو العلم وهو الذي يثريه ويفتح العيون على أمور كانت خفية, وبما أنه تحمَّل السفر خمس سنوات لأجل العلم, لماذا لا يتحمل نقاشا ولو سخن قليلا لأجل العلم؟ النبي نوح تحمّل جدال قومه حتى قالوا : يا نوح لقد جادلتنا فأكثرت جدالنا, وقال تعالى {وجادلهم بالتي هي أحسن} والله لم يقل : جادل علماءهم، بل جادلهم كلهم, إذن ما يدعو إليه الدكتور مخالف للمنهج الرباني, والله أمر بالجدال لأن معهم حق و باحثين عن الحق, والباحث عن الحق يريد من يناقشه ويجادله لا أن يهرب منه. من وسائل العلم المهمة هي النقاش مع المخالفين وليس مع المطبلين والمزمّرين, لو كان من جاءه تلميذ مطيع وطلب المزيد لا أظنه سيستخسر الوقت مع أنه عامي.

هذا يقدح في نزاهة داروين , فصاحب الحق لا يهرب, فأن يأتيك أحد يسألك وتهمِّشه فهذا تكبر, قال تعالى معاتبا رسوله (عبس وتولى ان جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذّكّر فتنفعه الذكرى). كيف يُعجب الدكتور هذا الأسلوب الارستوقراطي المتكبر المترفع ولا يعجبه الأسلوب القرآني وهو داعية مسلم ؟ لذا يتحتم عليه إن قرأ أو سمع تعليقي أن يردّ احتراما للعلم, ولا يكفي أن يصفني بالجهل وسيطرة الدين وينصرف. ولا بد أن يكون في نقاشنا ما يفيد, لن يكون صراخا في الهواء فقط, قد أستفيد وأقتنع بكلامه, أو على الأقل أقدِّم ما يقدَح ذهنه لما يفيد, وكذلك القراء سيستفيدون, أليس الحوار من طرق التطور والتقدم؟ لماذا الداروينيون يكرهونه مكتفين بأحكام مسبقة يطلقونها جزافا؟ أتمنى ألا يكون الدكتور مثلهم وأن يرد على افتراضاتي أو افتراءاتي احتراما للحقيقة, وسأكون ملتزما بأدب الحوار إن شاء الله إن كان يخشى من الصراع أو الإزعاج. وما دامت الحلقات كلها كما هو واضح موجهة للناس العاديين، أي العوام, بدليل شدة التبسيط وتكرار الاسم أكثر من مرة, جزاه الله خيرا، فكيف يكون العوام مهمّين بأن يوصًّل لهم وليسوا مهمين بأن يُرَد عليهم ويُناقَشُون؟