الجمعة، 24 يناير، 2014

من أنت حتى ترد على .. ؟ 2 "مغالطة : إذهب وأقرأ" ..



في بعض الحوارات ، نجد الطرف المدافع عن القضية محور النقاش يطالب الطرف الآخر بالرجوع والقراءة للمصادر التي تتحدث في القضية ..

مع ان المفترض ان المعترض هو من يبحث ليثبت إعتراضه ، وليس على المدعي أن يفعل ذلك . كلمة "إذهب وابحث" للمدعي ، في غير محلها .. وهي تساوي : كسل + رفض .. المدعي متأكد مما توصّل إليه ، إلا إذا قال لك أنه متشكك .

إذا سرت في طريق يؤدي للمكان الفلاني كما قيل لك ، ثم اكتشفت أنه ليس هذا هو الصحيح ، وعندك بينة ، فهل عليك أن تكمل الى اخر الطريق وتجمع كل ما قيل عن هذا الطريق ؟ أم أن تقف وتتراجع عندما اكتشفت الخطأ وهذا بحد ذاته كافي ؟ من يقول لك : إذهب وابحث لتتأكد من خطأ ما اكتشفته ، هو مثل من يقول لك : اذهب و أكمل هذا الطريق حتى تكتشف أنه صواب ! مع أنك اكتشفت انه خطأ ! وهو لم يقدم لك ولا معلومة تدل على انه صحيح . كل ما قدّم لك هو : أكمل المشوار ! وهذه مغالطة في الحوار ، وتملّص من تبعة إثبات الإعتراف .

الأجدر أن تـُُرَدّ على المعترض هذه الكلمة ، ويقال له : اذهب أنت و أقرأ حتى تدافع عن اعتراضك ، لأنك أنت المحتاج للبحث ، بدليل أنك قدمت اعتراض فقط . أما أنا فقد قدمت إدعاء مع بيّنة . والإحالة على عام كعدمها ، فلو قال : اذهب للكتاب الفلاني والصفحة الفلانية لكان أجدر .

الثلاثاء، 14 يناير، 2014

الفكرة والمثال



هناك من يكتب فكرة ويبحث لها عن مثال, و هناك من يكتب مثال فتتولد له فكرة, والنوع الأول كثيراً ما تجد فيه عدم التطابق بين المثال وما مُثـِّل به, أما النوع الثاني فتجد تطابقاً حاداً بين المثال والفكرة, لأن الفكرة أتت من المثال أصلا.

رأي حول الأمراض العقلية و النفسية




علماء النفس يقسمون الأمراض إلى أمراض نفسية و أمراض عقلية, ويبدو أن ما يسمونه المرض العقلي هو مرض نفسي تطور وصار واضح ومؤثر على كل السلوك أو أغلبه فسموه مرض عقلي, بينما الفرق هو فرق بالدرجة وليس بالنوع, المرض العقلي مثل الفصام والمرض النفسية مثل الكآبة والخجل, وتقسيمهم هذا لم يقم على فروق دقيقة, فإذا زادت المشكلة وأثرت على كل حياة الشخص سموه مرض عقلي, كأن صار لا يهتم بملابسه ولا طريقة كلامه ولا حركاته, لكن إذا صار عقله يعمل بشكل عادي لكن عنده حبسة في مجال معين أو عدة مجالات محدودة سموه مرض نفسي, فالمرض النفسي إذا أخذ مساحات أوسع من حياة الشخص سموه مرض عقلي, فهو تصنيف توصيفي وليس تصنيف علمي.

تلاحظ أن سلوك المريض العقلي أو النفسي ليس غريبا عن سلوك الإنسان العادي بالكامل, فكل مرت به بدايات أو صور  مصغرة من المرض النفسي أو العقلي, كالبلادة في التفكير, أو الفزع من الأحلام, أو الوسوسة أو الإهمال أو الهيستيريا أو الأوهام أو سماع أصوات أو رهاب, وغيرها, فكل هذه الأعراض مرت بكل شخص عبر مراحل حياته وبدرجات, مثل أنواع الفوبيا, بل هي موجودة بنسب ضئيلة في الشخص العادي تظهر في مواقف وتختفي.

كل من رأيناهم أصيبوا بجنون بعد أن كانوا عاديين هم مروا بمواقف أليمة وبعدها تغيروا وأصبحوا يسمون مجانين أو مختلين عقليا, مع أن بعضهم كانوا متفوقين في الدراسة, فكل الحالات صارت بعد مواقف أليمة, بعضهم تغير بسبب ضغط وظيفي مثلا, مثل أن يمر بموقف يكون فيه عقوبة شديدة على أخطاء غير محددة وهذا يُدخل الشخص في حالة من التوهان والرعب وعدم التوازن, فتكون العقوبة شديدة وأنت لا تستطيع أن تحدد ما هي الأخطاء التي ستحاسب عليها فلا تدري أي أفعالك سيكون غلطة تعاقب عليها, لكن أن تعمل في مصنع مثلا وتحدَّد لك مواضع الخطر هنا ستأمن أكثر لأنه يمكنك تجنبها, لكن يأتي شخص ويقيمك ويمكن ان يدمر حياتك من وجهة نظره هو وليس على نقاط واضحة و ثابتة, فيكون مصيرك معلق بوجهة نظر شخص يقيمك, هذا يسبب ضغط نفسي كبير, كأن تكون معلما ويدخل عليك مجموعة من المقيمين الذين سيحدد تقييمهم مستقبلك الوظيفي كله , ولا يحددون أسس واضحة لنجاحك بل يضعون أسس غامضة كالشخصية ومراعاة الطلاب والفروق بينهم و الاستعداد الذهني.. إلخ, هذا سيجعلك خائفا وتائها لأنك لا تستطيع تحديد مصدر الخطر, وبالتالي هذا التوهان سيجعل بعضهم يتوتر أكثر ويرتكب أخطاء أكبر, بل إن بعضهم يكاد يختنق ولا يستطيع أن ينطق بكلمة من الخوف, وخاصة إذا كان حريصا على أن يأخذ تقييما جيدا, فشدة الحرص هي أحد أسباب الضغط النفسي الذي قد يؤدي للأمراض عقلية.

كلما ارتبكت النفسية كلما ارتبك الأداء العقلي, وهذا يعني أن الأمراض العقلية أساسها نفسي, انظر حجم الأخطاء التي تقع فيها وأنت خائف ومقدار الأشياء التي تنساها أو تكسرها في لحظات الإحراج, لدرجة أن تنسى أشياء عادية كرقم بطاقتك أو تلفونك أو حتى اسمك بالكامل, وما أكثر التصرفات المضحكة في حالة الارتباك, والخوف من ضحكات الناس يعني خوف من أن يكشف جنوننا في تلك اللحظات, هذا إذن هو خلل عقلي بسبب ضغط نفسي, فالعقل ليس منفصل عن النفس, فالعقل هو مخزن المعلومات التي تهم الشعور وليس آلة منفصلة. و كل شخص انتَقد أداءه أثناء مقابلة شخصية لوظيفة أو جامعة, وندم بعد المقابلة أنه قال أو لم يقل مع أنه كان يعرف. ولهذا نتائج الطلاب تختلف حسب توترهم النفسي في الامتحان أكثر من الأسباب الأخرى.

الرهاب الاجتماعي من نتائج هذا الشيء, أن تكون أمام أناس لا تدري كيف سيقيمونك, وكل يلاحظ من جانب لا تستطيع تحديده, وكأنك بمشرحة والجميع يستعرضك!

حين يتعرض الشخص لضغط نفسي كبير ومستمر يبدأ الشعور يبحث عن مهارب, كأن يهرب للخيال عن الواقع. مثل شخص كان يعيش بشكل عادي ولكن تعرض لحادث وأصيب بتشوهات في وجهه وأصبح يتحسس من نظرات أصدقائه و زملائه في العمل وشكل هذا ضغطا مستمرا عليه, وتدريجيا أصبح شخص انطوائي ومنعزل عن الناس و يعيش في الخيال. الشعور إيجابي, وكون الشخص يعيش في حالة كبت فسيبحث الشعور عن مخرج و بديل, ومن هنا تأتي حالة الفصام إذا لم يجد مخرجا سليما, فيعيش وكأنه بعالم آخر, و لو كان الفصام حالة مرضية في المخ لما صار الشخص يرجع للواقع, ولكنه يرجع للواقع, وهذا دليل أنه في حالة هرب, و تجد مريض الفصام ليس عنده قابلية للناس ولا يستمتع بوجودهم بل بعضهم حريص ألا يراهم, وكأنه يقول الناس ليس فيهم خير, و ممكن يكون جالس ويتكلم مع نفسه ويضحك مع نفسه, فينفصل عن واقعه إلى درجة أن بعضهم لا يشعر بتقلبات الجو ولا يهتم للبرد و الحر, ولا يراعي المجتمع وشروطه, فهي كأنها حالة راحة وتخدر من معاناة, فلا يهتمون بملابسهم وهذا تبع الراحة والتحرر من القيود, لكنه لا ينسى حاجاته الضرورية ويكون واقعي إذا احتاجها.

الإنسان لا يستطيع أن يتحمل الكبت والضغط الشعوري المؤلم لوقت طويل, فلا يمكن أن تتحمل ضغط مستمر و متواصل, فأكثر منظر مرعب هو أن تكون في مأزق و لا تستطيع أن تعمل حياله شيئا, تخيل أنك تحت أنقاض مبنى لا سمح الله وأنت حي ولا تستطيع أن تتحرك وليس حولك أحد, هذه أبشع صورة, في مثل هذه الحالات سينفجر الشعور, وهذا يذكرنا بالمعاناة التي مروا بها معاناة اللا مخرج الخانقة, وتذكرنا بالمعاناة التي مر بها المنتحر قبل انتحاره. فيبدو أن المصابين بالفصام هم مروا بظروف يائسة لم يجدوا مخرجا فاتجه الشعور لمخرج جديد خارج نطاق المجتمع, فمادام أنه لا مخرج من خلال المجتمع فيبحثون عن مخرج خارجه. لكن ربما يسأل أحد لماذا السجناء لم يصابوا بأمراض عقلية ماداموا يعيشون بمكان مغلق؟ ولكن السجناء ليسوا كلهم يعيشون تحت ضغط, وأيضا السجن عند بعضهم هو راحة من الاحتكاك بالمجتمع, وبعضهم يعيش على أمل الخروج, هذا غير الزيارات وغير أن معه أحد في السجن, مع أ، بعضهم أصيبوا بأمراض نفسية وعقلية. لكن المشكلة حين تكون سجين وأنت خارج السجن, فالسجين عنده أمل للخروج لكن أن تكون سجين في سجن الذات هنا المشكلة.

يبدو أن هذه المشاكل العقلية تأتي بسبب مواقف تكون فوق قدرة الإنسان على عمل أي شيء, في هذه الحالة لا بد من مخارج, كثير من مرضى الفصام نعرف لهم أسباب من بعدها أصيبوا بالفصام. ويبدو أن الهرب للخيال يتحول إلى إدمان وحالة من الاستئناس بالذات, فيبدو أن الشيزوفرينيا بدايتها مزاج وتدريجيا تتحول إلى عادة, فيتعود أن لا يقابل الناس ويجلس لوحده ويكون هذا برنامجه اليومي, وأحد علامات الشيزوفرينيا أنه لا يجلس إلا بمكان واحد, لماذا؟ حياة التغير والتنقل هي التي سبت له التعب فيبحث عن استقرار و أمان فيجلس بنفس المكان الذي استأمن به في الجلسة السابقة ولا يجد دافعية للتغيير, يجلس بعضهم ساعات طويلة بنفس البقعة كل يوم, هذا يدل على خوف ورغبة في مكان آمن ومألوف يستقر فيه. و مثل هذه الحالة مرت بنا كلنا بشكل بسيط و أولي بعد أن تعرضنا لضغوط شديدة, البحث عن مكان آمن وهادئ بعيد عن الناس والهرب للخيال, والبعض يهرب بالجلوس في مكان واحد وإدمان متابعة الأفلام والمسلسلات لساعات طويلة وهذه من صور الشيزوفرينيا, أو إدمان ألعاب الفيديو أو إدمان أحلام اليقظة.

في أعراض الفصام يذكر علماء النفس الحالات المتطرفة والنتائج النهائية للفصام ولا يذكرون بدايتها, وحين يتكلمون عن البدايات والأسباب يحيلون إلى أشياء مجهولة ككيمياء و فيزياء الدماغ أو الوراثة وغيرها, مع أن بداياتها أو صورها البسيطة موجودة عند الجميع, والمرضى هم أناس تطرفوا بهذه المهارب الموجودة عند الجميع, وليسوا مصابين بمرض غريب ليس له أساس عند الناس العاديين.  

كون الشخص يُجن بعد مروره بظرف أو ظروف قاسية شيء معروف عند ثقافة الشعوب, مثل قصة المرأة في رواية ديفد كوبرفيلد التي جنت بعد أن تخلى عنها زوجها في يوم زفافها, فشيء معروف أن الجنون يأتي بعد صدمة أو بعد حالات الخوف المفاجئ, لماذا بعد حادثة صار مجنونا؟ لو كانت المسألة تركيبة فيزيائية أو كيميائية في الدماغ لكان مجنونا منذ ولد وليس بعد موقف, فلم يأتي مؤثر خارجي على فيزياء المخ, وإن وُجد تغير كيميائي أو فيزيائي فهو نتيجة وليس سبب. المصابون باختلال عقلي هم مروا بمواقف أليمة ولكننا لا ندري عنهم. و قد تكون الصدمة خارجية وقد تكون الصدمة داخلية أو سرية لا يعرفها الآخرون.

كل المصابين بالفصام لديهم حساسية مفرطة أو حرص مفرط في الأساس وهربوا منها لشيء آخر, فصاروا مثلا ينعزلون عن الناس ولا يثقون بهم وصارت الهلاوس كأنها إدمان يجأ إليها لكي يرتاح. و لاحظ أن المصابين بالفصام كلهم عندهم خوف من الناس, وهذا شيء طبيعي فالناس هم سبب المشكلة. والأصوات التي يسمعونها نسمعها نحن وليس فقط هم, فالشيطان يأتينا كلنا, أليس يأتينا أحيانا وكأنه أحد يوصل لعقولنا كلام قبيح نكرهه ولكن بدون صوت؟ ولسنا نحن من قاله, أو أوامر بأن نفعل شيئا لا نريده كأن نضرب أحدا أو نخرب شيئا, مع أننا لا نريد فعل هذا ولا نحب ولا أن نفكر فيه. قال تعالى: {كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} هذا هو المس وليس أن الشيطان يدخل بداخل جسمنا, فالمس من الملامسة وليس من الدخول, فالمس يكون من خارج الشخص وليس من داخله, فمن يمسُّك يكون خارج عنك. الشيطان يستغل وضعهم الكئيب وجنوحهم للخيال فيلقي فيهم ما يريده من الأفكار و الصور ويخوفهم. معرفة الله والعبودية له تقطع هذه المشكلة, وهي خير علاج لكل داء.

هذا غير أن الحكم على الشخص بالمرض العقلي يزيد المشكلة سوءا ولا يخففها, لأن هذا يفقد الثقة بالعقل وإذا فقدت الثقة بالعقل صار الإنسان بلا عقل, وما بعد العقل إلا الجنون, وإذا سكت صوت العقل ارتفع صوت الوسوسة.

لاحظ أن الأطفال لا يصابون بالفصام بل يصيب البالغين, و نسبته عند الذكور أكبر من الإناث, وأكثر حدوثه بين العشرين والأربعين من العمر, وهذا شيء طبيعي فهذه المرحلة هي الأكثر ضغوط.



التَّهَّام شر الأنام بشهادة رسول الله عليه الصلاة والسلام



هناك سلاح يستخدمه الأشرار (الصناعيون) اسمه قوة الافتراء أو قوة الادعاء, فحين تكون حرامي وتبادر باتهام غيرك بأنه حرامي سينشغل بالدفاع عن نفسه ولن يوجه الاتهام لك, و استعمل هذه الخدعة الصحابي حذيفة بن اليمان حين ذهب يتجسس على معسكر المشركين وقال لهم ابو سفيان ليسأل كل منكم من بجانبه عن اسمه, خوفا من أن يكون هنالك جاسوس, فبادر حذيفة وسأل من بجانبه عن اسمه بصوت عالي فقال له اسمه ولم يرد عيه السؤال فنجا من المأزق! وهذا ما يجعل كل الصناعيين عندهم مبادرة بالتهمة, وعلى قدر ما يزود الصناعي (الشر) على قدر ما تزود المبادرة بالتهمة, وهذا يكوّن منطقة حماية للذات.

الاتهام يقدم إيحاء بأنك أبعد ما تكون هذه الصفة وأنك غير خائف أن تُتهم بها وأنك تكرهها وترفضها و ليست من شيمك. قال صلى الله عليه و سلم: (إن أبغض خلق الله عبد اتقى الناس لسانه), وصدق رسول الله, فلاحظ أنه قال أبغض خلق الله أي الأكثر صناعي. وعند الحوار مع مثل هؤلاء دائما يخرجون بك خارج الموضوع ويتجهون لاتهامك شخصيا, وما يدفعهم لهذا هو إما أن تثبت عليك التهمة أو إذا لم تثبت عليك سيسامحك فتفرح بسكوته عنك! فهو إن لم يكسب لن يخسر شيئا, وهذا يصنع حولهم هالة من الذعر, وإذا لم تثبت عليك التهمة لن يعتذر منك على ظلمه لك, فهم لا يعتبرون كيل التهم ظلم بل يعتبرونه من زيادة التحرز والتثبت! مع أن الاتهام ظلم بحد ذاته وعلى المتهم الاعتذار, فلو كان حريصا على الفضيلة لحرص على الاعتذار وإصلاح ما أفسد من سمعة ونحوه, لاحظ الاتهام بالزنا عليه حد وهو مجرد اتهام, مما يعني أن الاتهام ظلم, قال تعالى: {إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} فسمى المتهم بلا تثبت فاسق.  

الاتهام سلاح يلجأ له الصناعيون ليبرئوا أنفسهم ما يتهمون غيرهم به, وهذا ما يسمى على مستوى المرأة بسلاطة اللسان, في هذه الحالة لا تدافع عن نفسك بل هاجم ولكن بنفس الصفة التي اتهمك بها.

الشخص الصناعي (المخالف لشعوره الفطري) هو من يستعمل كيل التهم ويستعجل بها حتى لا يُلتفت له, مع أن التهم التي يقذف بها غيره يعرفها ولم يعرفها إلا لأنها فيه. هذا الفعل هو رأس الحربة للصناعي بهجومه على الطبيعي .

والرد على مثل هؤلاء يكون بالإيمان بأنه فيه ما يتهمك به ويبرئ نفسه منه, اي بإيمانك بنظرية أن عكس ما يدعيه الصناعي هو الصحيح, فلم يقلها في غيره إلا وهذا العيب فيه, مثل أن يأتي شخص صناعي ويتهمك بأنك قاطع رحم, وبهذا هو يظهر نفسه بأنه واصل لرحمه, لكن لو كنت تؤمن بأن ما يدعيه الصناعي ويحاول أن بصوره عن نفسه عكسه هو الصحيح لاستطعت أن تقلبها عليه وتحضر أدلة لتثبت تهمته عليه هو, وحتى لو لم تستطع أن تحضر أدلة توقف عند التهمة وفكر فيها وستجد أدلة أنها فيه, وحينها لن يستطيع مواجهتك وسيهرب إلى تهمة أخرى. التهام يدافع عن نفسه بكيل التهم والمفرقعات حوله ليشغل الناس بأنفسهم عن نفسه. قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (إنَّ اللهَ تعالَى لم يبعثْني طعَّانًا ولا لعَّانًا) والطعان هو التهام, قال تعالى: {ويل لكل همزة لمزة}.

الطيبون يستطيعون أن يتهمون لكنهم لا يحبون المجال هذا كله ولا يحبون الاستعجال فيه, لأنهم ليسوا بحاجة إلى خطوط حماية, قال الشاعر الشعبي: (يا حسين ما يشتك غير الرديين *** أما الطيب وسيع بطانه) وقال المتنبي: (لكل امرئ من دهره ما تعودا). وقال أيضا: (إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه  *** وصدق ما يعتاده من توهم).

قال تعالى : {لَا يُحِبُّ اللَّـهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ}, هؤلاء يجهرون بالسوء وهم لم يُظلموا بعد بحجة أنهم يخافون أن يظلموا, قال تعالى: {وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} والتهَم إثم وتجر للعدوان, والعدوان يبدأ بتُهم. وهذه من علامات المنافقين, فهم يحبون أن يكون الناس سيئين و يحبون أن تشيع الفاحشة.


الاتهام شيء ثقيل على الإنسان الطيب وخفيف على الأنذال, مع أن الطيب قد يرى الكثير مما لو رآه الصناعيون لقفزوا للاتهام وطاروا به, بينما الصناعي يفترض الشر أصلا حتى لو لم يره, ولا يواجهك ويتهمك مباشرة بل يؤلب غيرك عليك ويطعنك من الخلف.

الأحد، 12 يناير، 2014

هل اللغة العربية تضف أم تقوى مع الزمن؟ 3 .. (لم لا نبتكر كلمات جديدة؟)




ما الذي يمنع أن يصنع الناس الآن جذورا جديدة لكلمات تعبر عن معاني جديدة وأشياء ومبتكرات جديدة ومشاعر جديدة وتخضع للنظام العربي من حروف و أوزان عربية؟  لماذا فقط الأولون يستطيعون أن يصنعوا جذورا ونحن لا؟ مع أننا أحوج منهم فالأشياء التي تحتاج تسميات الآن أكثر من السابق, واللغويون يقسمون الاسم إلى منقول و مرتجل, منقول مثل "صالح" ومرتجل مثل "أُد", ومرتجل أي جديد ومبتكر على حروف وأوزان عربية لا يعرف أصلها. كلمات كثيرة احتارت بها المجامع اللغوية ولم تستطع أن تتفق فيها على اسم عربي مثل "التلفزيون", وقالوا سنسميه "التلفاز" أي أنهم نقلوا جذر أجنبي الآن وأصله لغة فرنسية وحولوه للنظام اللغوي العربي من خلال الحذف, فصارت تلفاز بدلا من تلفزيون بالفرنسية وأبدلوا الحرف v"" بالفاء, فلماذا يرفضون أن نصنع جذورا جديدة؟ لم لا نبتكر اسما للتلفاز ونسميه مثلا : أراصون؟ والراديو نسميه مثلا: أربج؟ لو ابتكر أحد أمامك كلمة "تلفاز" لضحكوا عليه, لكن لأنها أتت من أصل فرنسي أصبحت مقبولة! وهذا فيه ضعف وتبعية وفخر للفرنسيين, مع أن كلاهما غريب على اللغة العربية: أراصون وتلفزيون!

هناك أشياء كثيرة ليس لها أسماء, مثل تعبة الطائرة بالوقود وهي في الجو, ومثل الحيوان المقطوعة رجله الخلفية من الأعلى, لا يوجد لها كلمات في الفصحى, فلماذا لا نبتكر لها اسما جديدا؟ وكثير  من تراتيب الحروف يمكن انتاج جذور جديدة منها مثل "طكف" أو "طفك", فنقول مثلا أن عملية اخراج الماء من الغواصة حتى ترتفع تسمى: "طفك".

وهذه المعاناة موجودة في كل اللغات, ولهذا تكثر الاختصارات في اللغة الانجليزية مثلا, لأن الاختصار يقدم اسم جديد, مثل: SUV أو  FBI أو CEO , وهو مثل الاجتثاث باللغة العربية حيث مثلا تَختصر كلمة "عبشمي" كلمة "عبد شمس", ومثل "بسملة" و "حوقلة" التي لا أصل لها ولكنهم اجتثوها, فالاختصار قدم كلمة جديدة, والاسم دائما يبحث عن التميز حتى يلتصق بمسماه, لهذا تنتشر الألقاب بين الناس بسبب تشابه الأسماء.

التحجر والجمود هو ما يجعل العامية تتوسع وتزيح الفصيحة, لأن العامية تزداد ثراء و الفصحى مجمدة. ما جعل اللغة الانجليزية محكية في كل العالم أنها تقبل الكلمات وتتجدد, فتأخذ من كل اللغات وتتوسع.

والقرآن لن يتضرر إذا ابتكرنا كلمة جديدة, فهذا ابتكار من داخل اللغة, وهو أهون من نقل كلمات أجنبية.


هل اللغة العربية تضعف أم تقوى مع الزمن؟ 2.. (اقتراح لتطوير اللغة العربية) ..


من المفترض أن تأخذ اللغة العربية الفصحى من العامية لأن العامية مصنع كلمات وهي من منطلقة من أساس العربية الفصحى, فالكلمة العامية تنتمي إلى جذر عربي سواء جاءت على الأصل أو منقولة من جذر عربي آخر من خلال الاستعارة, إلا أن تكون منقولة من لغة أخرى وهذا هو الأقل وليس الأكثر خصوصا عند عاميات داخل الجزيرة العربية. مثلا في الفصحى الصغير يسمى طفل, وفي بعض اللهجمات العامية يسمون الأطفال "بزورة" وهي مأخوذة من "بذور" و "بذر" جذر عربي, فهل نقول عن هذه الكلمة أنها عامية؟ إن الاستعارة أكبر مولد للكلمات, واللغة الفصحى استعمالها محدود وبالتالي توليدها محدود فلا بد أن يستفاد في التوليد من العاميات التي تأتي بإبداعات رائعة, مثل كلمة "أشره عليك" التي تعبر عن شعور لا تعبر عنه الفصحى, مع أن أصلها فصيح فهي أتت من "الشره" وهو الطمع بالمزيد, وحين يشره المحب على محبوبه هو كان يطلب أو يتوقع منه أكثر. فالعامية تصنع مجازات ولابد أن تستفيد منها الفصحى, فالفصحى ليست داخله في الواقع والواقع هو الذي يصنع استعمالات.

ولهذا الكثير ينتقدون الفصحى بأنها ميتة وجامدة ولا تساير الواقع, لكن العامية تساير الأحداث, مثل كلمة "زعل" لماذا لا تأخذها الفصحى؟ فهي تعني غضب لكنه بارد حسب الاستعمال العامي وبالتالي استفدنا التفريق بين درجتي الغضب, لكن في الفصحى اليوم لا نجدها تستعمل, مع أن جذرها عربي. والكلمة لا تكون عربية إذا العرب استعملتها فقط, بل تكون إذا كان الأصل عربي وجرت على النظام اللغوي العربي حتى لو لم تستعمل من قبل.

 ومثلها كلمة "الحداق" للصيد بالبحر كما يستعملها سكان الخليج ليفرقون بها بين صيد البحر و البر, فصيد البحر حداق و صيد البر صيد أو قنص, ولكن في الفصحى كلها "صيد" سواء في البر أو في البحر, و أصلها من الاحداق وهي الاحاطة, حيث تحيط الشبكة بالسمك, فالعامية تقدم تفصيلات أكثر للواقع وللأشياء اليومية, و العربية الفصحى تمثل لغة الدين وهي الجامعة لكل الشعوب وهي الأجمل والأكمل, والعامية تأخذ من الفصيح التي هي أصل اللهجات العامية فلماذا لا تأخذ الفصيح من بناتها العامية؟ فالعلاقة بين الفصحى والعامية يحتاج إلى دراسة موسعة ويُعمَل لها رسائل دكتوراه في الجامعات بحيث يُجمَع كلمات من العامية وتضاف للقاموس الفصيح, فتجد كلمة عامية في موريتانيا غير موجودة عند غيرهم وليس لها مقابل في الفصيح, وكذلك عند الشوام وعند المصريين وعند اليمنيين وهكذا, فيتغذى القاموس العربي من العاميات وبالتالي يُبث فيها الحياة, وبالتالي تخف الفواصل بين العامية والفصيحة.

حين يكتب أحد مقال بالفصيح المطعَّم بالعامي ذو الأصل الفصيح فسيفهمونه العوام أكثر فتتحول العربية لاحقا إلى لغة محكية وتعود إلى صدارتها مرة أخرى! ويزول التخصص, لأنها تكون لغة الجميع. تجد كلمات في اللهجات العامية رائعة وتحتاج من يأخذها, فدائما تجد عند العاميات تفاصيل أكثر. ما سبّب الجمود اللغة العربية الفصحى افتقارها للكلمات التفصيلية, وليس عيبا في اللغة لكنها لغة رُكِنت قرونا طويلة عن الحياة الواقعية الفعلية.

بدلا من أن نأخذ كلمات أجنبية لم لا نأخذ من العامية؟ فيأخذون كلمات أجنبية ويعربونها مع أنك تجد لها بديل عامي في كثير من الأحيان! مثل "الدركسون" أو "المقود" يسمونه بالخليج بـ"السكان" وهي كلمة ذات أصل فصيح ففي المعجم الوسيط: السَّكان: ما تسكن به السفينة وتمنع من الحركة والاضطراب وتعدل في سيرهأ". كلما اختفت العلاقة بين الاسم والمسمى اشتهر الاسم, لهذا كلمة "سكان" قابلة للالتصاق أكثر من كلمة "مقود" لأن "مقود" تستعمل لأشياء أخرى, ومثل كلمة "جير" لصقت أكثر من "ناقل الحركة" لأن ناقل الحركة تُستخدم لأشياء أخرى غير "الجير". وهذا ما يفسر التصاق بعض الكلمات من لغات أخرى في أذهان الناس أكثر من الكلمات التي تستحدث من نفس اللغة.

لنأخذ مثلا الكلمة العامية: "نز", من الفزع المفاجئ, لا تجد لها مقابل مطابق في الفصيح مع أن أصلها فصيح, ففي معجم الرائد: "نز الغزال إذا عدا". وكلمة "بزر" بمعنى "طفل" عامية أتت من النطق المصري لكلمة "بذر" وكأن الأطفال بذور. خصوصا لهجة البدو في الجزيرة العربية وقبائل الجنوب فكلها تقريبا أصلها فصيح, مع أن قبائل الجنوب أثرت عليهم السبأية التي كانت قبل العربية, فعندهم مثلا كلمة "اجزع" بمعنى اذهب, مع أن الجزع بالعربية تعني خوف, و"ثب" عندهم تعني "تعال" مع أنها بالفصيح تعني اقفز, حتى كثير من أسماء المدن في اليمن ليس ذات أساس عربي مثل "حضرموت" و"مأرب". مع أن بدو الجنوب عندهم كثير من الكلمات ينطقونها نطق فصيح, أما بدو وسط الجزيرة فالصوتيات عندهم مكسرة إلى حد ما.

دراسة أصول الكلمات عمل ممتع جدا, لأن تكونها هو عبارة عن فن, ويعبر عن حركة الثقافة والحضارة وانتقالها, ومن الخطأ أن نستخدم كلمة لا نعرف ما مصدرها ولا من أين جاءت, هذا نقص في العلم وأحيانا حماقة, فقد يستعمل أحد كلمة كما اعتادها دون أن يعرف مصدرها ويأتي أحد فاهم ويحرجه, فمعرفة اللغة هي نصف الثقافة.

  

عصر الإقطاعية الفكرية والثقافية!


النهضة الحضارية تسبقها نهضة فكرية, والنهضة الفكرية تتطلب أن يدخل الجميع في كل المجالات وألا يمنعوا من التفكير والدخول في مجالات الحياة، كأن تحصر على متخصصين مثلما هو حاصل الآن في الحضارة الغربية ومقلديها, لهذا الغرب الآن لا يعيشون نهضة, بل إن الثقافة الغربية تعيش حالة جمود بسبب سلطوية المتخصصين, وما وصلوا له هو وصول الرأسمالية وليس الناس, فهي التي تشتري العقول وتنتج، أما بقية الناس لا دخل لهم بشيء وتحت رحمة المتخصصين, ويرددون ما قاله المختصون في كل مجال. النهضة يكون فيها الجميع نشيطاً و عاملاً و مفكراً, 

الغربيون عاشوا نهضة في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، لكن منذ النهضة الصناعية التي هي سيطرة الرأسمالية بدأت تتلاشى النهضة عن المجتمع، وفي القرن العشرين والواحد والعشرين اختفى صوت الناس, بدليل أن علماء عصر النهضة لم  يكونوا متخصصين وكانوا موسوعيون يكتبون بكل مجال, ويُنظر لكلامهم أكثر من البحث عن مراتبهم العلمية, أما الآن فلا بد أن يكون قبل الاسم حرف يرمز إلى التخصص حتى تتكلم!

في زمن أي نهضة تنتشر الكتب والحوارات والنقاشات الحرة ويشارك فيها الجميع, والقول فيها مُقدّم على القائل, وفي زمن الجمود يحدث العكس, فتُقدّم قيمة القائل على قيمة القول وتكثر النجومية التي تحتكر الأفق, ومع زيادة الوقت تزداد نجوميتها وتألقها حتى يُقبل منها بالثقة بالاسم. والنجومية ما هي إلا منتج رأسمالي, فيُلمِّعون من يريدون ويخفون من لا يريدون. 

ففي الغرب هم يعيشون تغييباً وليس نهضة, وحتى من التاريخ يبرزون ما يشاؤون, فانظر كيف أخفوا دور الحضارة العربية الإسلامية في بناء حضارتهم, بينما كل نهضتهم معتمدة على الحضارة الإسلامية, وانظر ما يحدث في الغرب للعلماء الذين يتبنون نظرية الخَلْق من إقصاء وتهميش, أو من يعارضون التطرف في حرب اللاسامية, وهذا على سبيل المثال لا الحصر. 

الرأسمالية مثل كشاف كبير يسلط ضوءه على ما يريد من الحاضر أو الماضي, ويشيح بعينه من على رأس الهرم عما لا يريد, نحن نعرف نظرية داروين لكن لا نعرف النظريات التي تنتقدها وهي كثيرة وعلمية أكثر, ومثلها نظريات أصل الكون التي هي كثيرة لكنهم اختاروا واحدة وركزوا الأضواء عليها. لا تقوم النهضة إلا بحرية رأي، والغرب يفتقر إلى حرية الرأي, وإن كان لا يفتقر لحرية الجنس كما لا يفتقر إليها الحيوان!

في زمن الجمود ينتشر النقل ويقل التفكير ويُحصر في فئات متخصصة يقف الناس طوابير على أبوابها, يقبلون بلا تمييز إلا ما قل ونُبِذ من الأكثرية. في الغرب كل شيء يسند للمتخصصين الملمَّعين, والإسناد للمتخصصين هو قتل للنهضة والنهضة الفكرية بالذات. الاقتصار على التخصص هو قتل للحرية العقلية, فتجد متخصصين رابضين على ذلك المجال العلمي كله ومن الصعب أن يخترقه أحد إلا أن يأتي بشيء معجز يُرضى عنه.

معنى نهضة ثقافية وفكرية هو تساوي الفرص للجميع في التفكير والتأليف والاقتراحات والأخذ والرد وهذا لا تجده في الغرب, فلابد أن تكون متخصصاً عن الحيوان أو الدراوينية أو الطب أو الدين... الخ, حتى يحق لك أن تتكلم في أي منها!

التخصصات عبارة عن احتلال لكل مجال, بوابة لا تدخلها إلا بكرت التخصص حتى تتكلم في هذا المجال, وواقعنا الحالي مأخوذ من الغرب ونسخة مشوهة منه فالصحف والوسائل الإعلامية ودور النشر تبحث عن النجوم والمتخصصين وتلاحقهم أكثر بكثير من ملاحقتها للإبداع و الجديد, مع أن المتخصص لا يعني دائماً أنه مبدع ولا فاهم حتى لتخصصه. التخصصات هي قيود على الحرية الفكرية, ويمكن أن نسمي هذا العصر عصر الإقطاعية الفكرية, فكل مسيطر على إقطاعه الذي تخصص فيه.

لو كان التخصص هو الطريق الصحيح لماذا لا يوجد متخصصون في الاختراع أو الإبداع الفني أو الأدبي؟؟! لماذا لا يوجد قسم في الجامعات اسمه قسم الإبداع؟ مع أن الإبداع هو هدف النهضة! مما يعني أن التخصص عدو الإبداع وليس دائماً صديقه, وعلماء أي نهضة كانوا موسوعيين وليسوا متخصصين, مثل الفارابي ودافنشي وابن سيناء وغيرهم, حتى نيوتن كان يسمي نفسه فيلسوف ولم يكن يسمي نفسه عالماً.

وأكثر معاناة المبدعين هي من إخوانهم المتخصصين بشهادة جميع المبدعين بلا استثناء ربما, مع أن المتخصصين عالة على المبدعين والمكتشفين فهم يتخصصون في إبداعهم! فيأكلون موز المبدعين السابقين ويرمون قشوره في وجوه المبدعين الجدد! فلا هو الذي أبدع ولا ترك غيره يبدع! يرفضون الجديد وهم يعيشون على جديد الأولين! شخص مثل هذا ليس إلا حجر عثرة في مجال تخصصه. 

وإن كان الكلام لا يعم جميع المتخصصين, فمنهم من أبدع من خلال تخصصه وهو في هذه الحالة يسمى مبدعاً أكثر من كونه متخصصاً, ويُعرف بإبداعه أكثر من أن يعرف بتخصصه, مثلاً الفيلسوف "كانت" كان أستاذاً للفلسفة في الجامعة ومع ذلك أبدع في مجاله, لهذا يسمى الفيلسوف "كانت" ولا يسمى الأستاذ "كانت" أي كأنه خرج من تخصصه.

السبت، 11 يناير، 2014

لماذا لايستجيب الله لدعائنا؟ 2


هناك أناس علي الحق وهناك اناس يريدون الحق وبينهما فرق, الله سبحانه قال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّـهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، فكون الحق معك لا يعني بالشرط أنك مع الحق، و كون لك حق لا يعني بالشرط أنك أنت للحق. لهذا لا يصح القول ان الله سيستجيب لكل مظلوم بالشرط، فقد يكون المظلوم ظالما في قضية أخرى، وقد يكون المظلوم لا ينصر الله وبالتالي الله لا يستجيب لدعائه فينصره، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، ولم يقل جاهَدوا في سبيل انفسهم.

كونك على حق في قضية معينة و قضيتك عادلة و أنت مظلوم فيها ليس شرطا يعني أن الله سيستجيب لدعائك، قال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره}، والله يتولى من تولاه {ألا إن اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وجعل نفسه عبدا بمعنى الكلمة في محياه ومماته وعبادته : {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}. فهل أنت بحثت عن الحق كل الحق في كل القضايا ونصرت الله فيها؟ ام انك تدافع عن هذا الحق لأنه معك؟ وتطلب الله أن يكون معك لأنك على حق ولست مع الحق؟ وهذا لا يعني بالشرط انك مع الله و تريده ان يكون معك! الله هو الحق، اي تعبده بكل الحق وليس بحق معين له علاقة بمصالحك، الله لا يُخدع بل يَخدع من يخادعه. وهذا ما يفسر شكوى الكثيرين منا من انهم يدعون ولا يستجاب لهم.

وهذا يخالف تخصيص وقت مفضل لاستجابة الدعوة  أو مكان أو دعوة الوالدين أو المسافر أو المظلوم..إلخ، لان الله ربط الاستجابة بنصرة الله وبالتقوى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، ولم يقل من المسافرين او المظلومين, والله ينصر من تولاه في أي وقت و أي مكان حتى لو لم يدعو في ذلك الشأن، لان الانسان لا يعرف كل ما يفيده حتى يدعو به كله، وربما دعا بشيء يضره، فالدعاء عبادة، بل هو مخ العبادة لكن له أصوله وآدابه مثله مثل اي شيء.

تلاحظ في القران كل من ذكر الله أنه استجاب لدعواتهم عن رضا منه وبركة هم أناس صالحين ومسلّمين حياتهم لله بالكامل. مثل دعوة نوح وابراهيم وزكريا ويعقوب ومحمد ويونس وأيوب.

و قوله تعالى:{ادعوني استجب لكم} هذا اطلاق يقيده آيات أخرى مثل : { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، وآية: {ولينصرن الله من ينصره}، وآية {أليس الله بكاف عبده}. هذا الأساس، وربما يدخل فيه المضطر، {أمن يجيب المضطر إذا دعاه}، كما استجاب ليونس وقد خرج مغاضبا، لكنه تاب وكان من المسبحين.

وربما تكون الاستجابة استدراج مثل آية: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}، فالله استجاب لدعائهم لكنه استدراج لتثبت التهمة عليهم، {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} ، مثلما استجاب للكفار بطلب المعجزات، وكقار يني اسرائيل استجاب الله لهم في مواضع كثيرة لكنه كان استدراجا لهم. فليست كل اجابة علامة رضا، فقد تكون اختبار مثلها مثل النعم، {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}، فالإجابة نعمة انشكر ام نكفر.

الخميس، 9 يناير، 2014

التكبر لا يجعلنا نفهم وليس الغباء




هناك أناس أذكياء ومتواضعون, لكن هناك أناس يبدون أذكياء و مثقفين لكنهم متكبرون, هؤلاء هم في الحقيقة أغبياء لكن الظروف التي هم فيها لم تبين كبرهم بشكل واضح.

التكبر ليس من السهل اكتشافه, فرعون مثلا الظروف هي التي أبرزت كبره ولولاها لما بان تكبره بهذا الوضوح. كلٌّ تقيس كبره على حسب المتاح أمامه وقدرته على الظلم, فالظروف هي التي توضح الكبر أما النية فواحدة. هناك اناس ناجحون في المجتمع لكن لم يتغلغل فيهم الكبر, وهناك أناس أقل منهم نجاح بكثير وأكثر نسبة كبر, فالكبر ليس مرتبط بالمكانة, مثل غاندي بالرغم أنه بمكانة ملك عند الهنود إلا أنه لا من كلامه ولا من هيئته ولا من تصرفاته لم يتضح فيه الكبر ولم يشعر بمكانته, دائما من يحس بمكانته في المجتمع وحاضرة قيمته فيه عند نفسه هذا متكبر, فيحس بقيمته ليس من مافي داخله بل مما في يده, يحس بقيمته كمالك ومسيطر أكثر من قيمته كإنسان, ويعرّف بنفسه من خلالها ويذكر للناس مكانته وألقابه بمناسبة أو بدون مناسبة, لهذا يفرحون أن يوصفوا بالألقاب الخارجة عن الذات, والمفترض ألا يفرحوا لأنها تبعد عن ذاتهم وتربطهم بالمادة أكثر, فالمفترض أن يقول أنا فلان بن فلان وأعمل مهندس مثلا, لكن أن يقول أنا الدكتور فلان أو الطيار فلان هنا هو قدم القيمة المادية على القيمة المعنوية وصارت طائرته أثمن منه! المفترض أن يذكر اسمه أولا إذا كان يحب نفسه فعلا, وهذا يشير إلى أن الماديين هم في الحقيقة لا يحبون أنفسهم ويفضلون عليها قيودهم المادية والاجتماعية. وهذا دليل سيطرة المادية على الحياة أن تكون وظيفتك ومكانتك الاجتماعية تقدم على اسمك, فتقول رجل الأعمال فلان بن فلان أو الدكتور فلان بن فلان أو الكولونيل فلان بن فلان... إلخ, وهكذا صار الإنسان تابع, فأين الحرية؟ هذه تبعية للوظيفة والمكانة الاجتماعية, فهي إهانة للنفس وليست تكريما, تكريم النفس أن يقول أنا فلان بن فلان أعمل أستاذا في جامعة كذا, فهذا مجرد مجال عمل وليس كلَّ الشخص حتى يحصر نفسه فيه. هذه مع الأسف أدبيات الحضارة المادية والتي تدعي الإنسانية, تقدم المادة على الإنسان في كل مجال!

المتواضع هو من ينسى المادة ويذكر الإنسان, فالمتواضع يذكر إنسانيته أكثر من منصبه وإنسانية غيره قبل منصبه ومكانته, والمتكبر يذكر منصبه أكثر من شخصه, فبدلا من أن يقول أنا فلان يقول: أنا المدير! أو أنا الرئيس! ..إلخ.

المتكبر تجده يسخر من تواضع الأقوياء بدل أن يعجب به, ويعتبر أن مكانتهم ناقصة بسبب تواضعهم, وكلما زادوا أبهة وتجبر كلما احترمهم أكثر.

الكبر هو سبب صم الآذان فهو الذي يجعل صاحبه لا يسمع الحق, قال تعالى: { فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ }. إذا اكتشفت التواضع في أحد اعرف أنه قابل لأن يفهم وفيه خير حتى لو كانت أفكاره ملوثة, وحتى لو كانت مكانته كبيرة في المجتمع فالمتواضع لن يدري عنها. لكن المتكبر حتى لو كانت مكانته صغيرة إلا أنه ينفخها ويكبرها مثلما يُنفخ البالون, بينما تجد آخر ملياردير أو مسؤول كبير إلا أنه أبسط و أقل تكبر, مثل الملك إدوارد الثامن الذي تنازل عن العرش لأنه أحب فتاة ليست من عائلة راقية في المجتمع حسب نظرة القصر, فخيروه بين حبه وبين منصبه فترك منصبه وآثر حبه والإنسان في داخله, فهذا بالرغم من أنه ملك إلا أنه ليس متكبر, ومثل خالد بن يزيد الذي تنازل عن العرش لأجل طلب العلم ودراسة الكيمياء حتى يفيد الناس كما يُنسب عنه.

من علامات الشخص الصناعي (المخالف لطبيعته) أنه لا يعرف كيف يربط الصفة المعنوية بالموصوف, لكن يعرف ربط الصفة المادية بالموصوف جيدا, فحين يقول أن فلان متكبر لو تنظر إليه لن تجده متكبر بل العكس, ولو يقول عن أحد أنه طيب لن تجده طيب بل العكس, فعالم المعنويات هذا لا يعرفونه ويأخذونه بالتخرص. وهذه من نقاط ضعفهم ومن الأشياء المثيرة للضحك فيهم, فإذا بدؤوا يصفون الناس بالطيبة والأخلاق ويوزعونها لن تجد ولا صفة واحدة صح وتطابق الموصوف! ضعف بصيرتهم المعنوية يجعلهم ضعاف ومتخبطين, فلا يعرفون الوفي مثلا والذي سيخلص لهم, والمنافق يعتبرونه مخلص ووفي لهم. فالشخص الصناعي لا يعرف المعنويات, حتى الحياء والخجل هم لا يعرفونه مع أن بعضهم يبدون خجولين لكنهم في الحقيقة لا يعرفون الخجل ويأخذونه بالإتيكيت.

الحياء شعبة من الإيمان, ولا يجتمع حياء و تكبر. الإنسان أما أن يكون طيب أو خبيث فالناس معادن, قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} فالله وزع الناس على نوعين لا ثالث لهما, والطيب إما أن يكون طيب واضح أو بحاجة لتوضيح, مثل صحن الذهب النظيف أو صحن الذهب المتسخ الذي بحاجة لتنظيف, لكن هناك صحن من طين مهما نظفته لن يكون ذهب ولا ينظف وكلما زدته ماء كلما زاد تلوثا, لهذا الإنسان المصلح ليس يصنع شيء غير موجود في داخل الشخص بل فقط يظهر المعدن الأصلي ويزيل ما يعيقه فيظهر جمال هذا الإنسان, فالأرضية أصلا خصبة, مثلما ذكر في الحديث أن كلام الحق مثل المطر ينزل على أرض خصبة فتنبت و ينزل على قيعان لا تقبله.

الفهم والتغير للأفضل ليس مرتبط بخرافة الذكاء والغباء بل مرتبط بالكبر من عدمه, المتكبر لن يستطيع أن يفهم والمتواضع سيفهم ويتعلم, فالمتكبر حين تنتقد فكرة خطأ عنده لن يستمع لنقدك بل سيقول: من أنت حتى أسمع كلامك و أطيعك؟ وهذا ما قالوه للأنبياء :{ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }, وقالوا لشعيب :{ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ}, بمعنى أن رهطه أهم منه لأنهم قوة, وحتى محمد لولا رهطه لقتلوه, فهم لا يفهمون إلا لغة القوة, ولو بحثت عن معنى كلمة "عظيم" عندهم لوجدت أنه ثري أو ذو سلطة مادية, أي أن القيمة مادية, فلا يهتم بمعنى كلامك ومدى صحته بل ينظر إلى أنه محاولة فرض رأي وسلطوية عليه وعلى شخصيته, أي أن المادي ينظر لكل موضوع من جانبه المادي والاجتماعي, لما يُدخِل الشخص حسابات السيطرة والشخصية هذا معناه أن الشخص متكبر وأن الصواب والخطأ مُخرج من الحسبة, وكل متكبر مادي (قانون), فيقول هل أنت أكبر مني لأخضع لك أو أنت أصغر مني فتخضع لي أو متساوين فتكون أنت في شأنك وأنا في شأني.

الإنسان إما كله طيب أو كله خبيث لكنه مزيّن, هذا من ناحية الداخل, لكن في الخارج تجد من كلا النوعين سلوكا طيبا وسلوكا غير طيب, لكن من الداخل هو إما كله طيب أو كله خبيث, وهذا تابع لنظرية الاختيار, فهذا التقسيم سببه حرية الاختيار بين الخير والشر.

الكبر فيه من كل الصناعي, ففيه من الكذب والتعجل والظلم..إلخ, وكأنه باقة شوك مجمعة من كل الصناعي. لهذا علينا أن نبحث عن اكتشاف الكبر لأنه هو الذي سيكشف لنا الإنسان. 

الثلاثاء، 7 يناير، 2014

وهم الإدمان



يبدو أن النشوة من خلال السكر و المخدرات والخمور هي وهم و خرافة. و وهم نشوة السكر والمخدرات يشبه وهم التدخين, لاحظ أول مرة تناول فيها المدخن سيجارة كانت شيئا مقززا وكريه الرائحة ثم فيما بعد أصبح لا يستغني عنه في أي لحظة استمتاع أو ألم, وما جعله يستمر عليه هو فكرة, و دائما تقوم على قدوة واقعية أو مركبة تتعلق بالمزاج والنشوة ومظهر التميز والعمق... إلخ. و الشيطان يزين القبيح مستغلا المشاعر الفطرية, وهي حق يوصل بباطل ليعبر عنه ويتنفس الشعور من خلاله, كما قال الشيطان :{لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}.

وحتى الإدمان هو وهم, فالإدمان تصور وليس حقيقة بيولوجية, لأن هذه المادة المدمَن عليها ليست حاجة طبيعية للجسم كالطعام أو الشراب. متعاطي المسكرات والمخدرات هو يتخيل شخص آخر يريد أن يصل إليه, أي صورة يريد أن يصل إليها, إما صورة إنسان سعيد وناجح ومبدع -هذا في حالة السعادة-, أو إنسان ذكي وعبقري لكن الدنيا تكالبت عليه والحظ لا يطاوعه, وكلتاهما صورتان تقدمان شيء من الراحة. و لاحظ الرابط في كلتا الحالتين هو التفوق والفهم والعبقرية حتى وهو فاشل. ودائما الإدمان على تدخين أو مسكرات يرتبط بهذين الرابطين, وهما حركتا الشعور أصلا الإيجابية أو السلبية, ثم يتحول إلى عادة مرتبطة بالعقل الوسيط, فهذه الصورة المثالية المركبة + العادة تنتج ما يسمى الإدمان.

السكر هو وهم السكران عن السكر, أما السكر بحد ذاته فهو معاناة وعدم تركيز وشعور بالحمى والحرارة وهذيان كهذيان المحموم وضعف ورغبة بالنوم وربما الاستفراغ لأن الجسم يرفض هذه السموم, هذه الصورة المثالية المزينة تركب أحيانا على شيء قبيح فيزين, مثل صورة الحرب والتي لولاها لما ذهب الناس للحرب وهم يهزجون الأهازيج, صورة البطل المنتصر الشجاع المشهور..إلخ, مع أنهم يسمونه يوم كريهة, , ومع أنه خارج مع احتمالية 50% على الأقل أن يُقتَل.

هذه الصور المرسومة هي التي تدفع للفعل دائما, إذن الإنسان ابن أفكاره وتصوراته وليس ابن بيئته, والندم دائما هو الدليل على خطأ الصورة المركبة أو القدوة المتبعة, فإذا صرت تشعر بالندم اعرف انك ضحية فكرة مزينة لم تكن بهذا الجمال, وأكثر المدخنين يتمنون أنهم لم يدخنوا وأكثر المدمنين على المخدرات يتمنون أنهم لم يعرفوا هذا الداء ويتمنون أن يتخلصوا من تلك الصورة التي رسموها. 



البعض يتصور أن التدخين يؤدي إلى تعاطي المخدرات أو الخمور, وهذا فهم خاطئ والواقع لا يثبته, ما يُطلب في التدخين غير ما يُطلب في المسكرات والمخدرات, متعاطي الكحول أو المخدرات يريد أن يتخلص من وعيه وعقله و واقعه, أما المدخن فلا يريد هذا.

الإنسان أصلا حساس وهذه الحساسية لا يمكن أن يهديها مسكن إلا المنهج الطبيعي, بدونه تبقى متنامية ويكون هم الفرد البحث عن وسائل لتخفيف أثر الحساسية إما بالهروب عن المجتمع بالنوم وتعاطي المنومات والمهدئات والمسكرات وبالحالات المتقدمة بالانتحار. والحساسية هي ضغط الشعور الذي يريد أن يبحث عن طريق ربه, قال تعالى: { ألا بذكر الله تطمئن القلوب}. وقال سبحانه: {إن الإنسان لفي خسر} الخسارة تسبب قلق, الإنسان يعيش لكي يخسر.. الإنسان يخسر ماله وصحته.. حتى المنتصر مهزوم.. والقوي مغلوب على أمره.. والبحث عن اللعب واللهو وتصنع السعادة والانغماس بالمجتمع مهرب آخر من الشعور الضاغط و انشغال عن النفس, كل الحلول هذه عبارة عن مهدئات رغم اختلافها وتناقضها, وهذا يفسر سبب الإدمان على المخدرات وهو الرغبة بالهروب من الواقع أيضا.

تخدير الإيمان إيجابي وتخدير الإدمان سلبي, فتخدير الإيمان هو ترفع عن المشاكل ونظر إليها من فوق أما تخدير المشكلات فهو هروب, فالإيمان لا يجعلنا نبتعد عن الواقع لكن لا يجعله هو واقعنا والمسيطر علينا.

إدمان التعاطي يعني إدخال مؤثرات غير طبيعية, وهذا يعني حالة مرضية لوجود مؤثر خارجي يرفضه الجسم ويشوش على الذهن, وتعاطي هذه السموم كالحشيش لا ينتج إبداع كما يتوهم الكثير, فالمرض لا ينتج إبداع.

حول الشذوذ الجنسي (2)..



الشواذ جنسيا خطيرون على المجتمع, لأن الشذوذ مرض يحب العدوى والانتقال, والشاذ أو الشاذة يحبون التنويع وزواج المثليين لا يحل المشكلة, لأن الشذوذ ما وجد إلا بسبب التنويع لأنه لم يكفه الجنس الآخر ولم يكتف بالطبيعة, فمن مشاكل الشذوذ دائما محاولة التوسع والتجديد, وهذه العملية تأخذ أشكال أقلها العرض والطلب وهذا بحد ذاته مقزز ومفجع خصوصا للصغار لأنهم الأكثر تعرضا له لكونهم الأقرب لجسم المرأة, والمتزوجين ليس منهم خطر على الناس الخطر أكثر ما يأتي من الشواذ سواء ذكور أو إناث, وشيء مرعب ومفجع أن يأتي أحد من مثل جنسك ويعرض عليك الجنس معه وأنت خالي الذهن وخاصة إذا صاروا مجموعة, إنها صدمة غير متوقعة وموقف محرج, هذا إذا سلمنا بعدم وجود أي ضغوط أو تهديد. ورعب الأطفال في العالم وبالذات الأطفال الذكور هو من الشاذين أكثر من الجنس الآخر, هذا إن وجد رعب من الجنس الآخر أصلا. ولولا فكرة الشذوذ لما صار على الأطفال خطر, والشاب لولا فكرة الشذوذ لما كان عليه خطر لأنه لن تأتي امرأة وتغتصبه مثلا, والشذوذ عند الرجال أكثر.

والعرض نفسه على من ليس لديه هذا المرض شيء مخيف ومقزز ومخالف للطبيعة, تخيل أن يُعرض عليك شيء مخالف لطبيعتك البشرية ومخالف لعاداتك وسلوكك فجأة وعلى انفراد! وربما كل شخص يذكر مواقف مرت عليه من عروض مثلية عندما كان صغيرا وكيف كانت مفجعة ومخيفة, هذا غير التحرش أو الاغتصاب الفظيع. تخيل منظر طفل يحاول شخص كهل بمكانة والده أو أخيه الأكبر اغراءه جنسيا! شيء جدا فظيع! لكن لو شاب يحاول اغراء شابة أهون بكثير, ليس تهاونا في الزنا لكنه متوقع, وكل شيء غير متوقع يسبب فزع ورهاب واختلال ثقة في الآخرين والحياة, مثل مدرس يغري طالب أو مديرة مدرسة تحاول اغلاق المكتب على طالبة, شيء مخيف وصدمة! إذن مرضى الشذوذ يسببون للآخرين صدمات عندما يحاولون نقل مرضهم, بل حتى من يسمع بعض القصص يصاب بصدمة, لكن الصدمة تخف إذا عرف أن رجل زنا بامرأة.

يحاول الشواذ أن يثبتوا أنهم لا يهتمون للجنس الآخر إطلاقا وهذا كذب, لو كان فعلا شاذ و يكره الجنس الآخر لكان يعجب بالأبعد عن الجنس الآخر, فالأطول شاربا ولحية وخشونة وشكلا رجوليا يكون هو الأكثر إغراء للرجل الشاذ وهذا غير واقع. وغالبا ما يكون المفعول به يشعر بنقص فيجعل نفسه مثل المرأة ويتحرك حركاتها ويلبس مقارب للبسها حتى يأخذ تودد وعطف ومحبة, هو بحاجة لحب ومكانة وقيمة واهتمام واستغلها الشيطان بهذا الشكل. وبالنسبة للموجب قد يكون السبب فشل في إقامة علاقة مع المرأة وعدم قبول من الجنس الآخر, أو بدافع طلب التميز وإثبات التفوق في الانحلال والليبرالية, وبعضهم بسبب الخوف من حمل المرأة, وبعضهم بسبب غياب المرأة وانعزالها في المجتمع, مثل ما يحدث أحيانا عند البحرية الذين ينعزلون أشهرا في البحر, فله عدة أسباب, وكله من تزيين الشيطان.

والشذوذ الجنسي كله عبارة عن وهم فهو شيء غير موجود, هو تمثيل لعلاقة جنس بجنس آخر ولا يقوم إلا على هذه الفرضية, فلا يوجد شيء اسمه شذوذ بحد ذاته, فالشذوذ هو تمثيلية لعلاقة جنسية بين جنسين مختلفين يجريها اثنان من جنس واحد (تعريف للشذوذ الجنسي), إنها محاكاة, مثل الطفل الذي يحاكي قيادة السيارة بالصحن.  

الاثنين، 6 يناير، 2014

أيهما أهم الإنسان أم الفضيلة؟





الشخص الطبيعي لا يتسامح مع الشرير (الصناعي) ولا يستطيع أن يرحمه, ولا يستطيع أن يظلمه أيضا. فكرة الرحمة بالمجان أو التسامح بالمجان فكرة غير أخلاقية, فلماذا ترحم شخص ظالم ولم يقدم أي بادرة طبيعية؟ هل أكافئه على ظلمه؟ الله سبحانه وتعالى توعد من لم يتوبوا عن الشرك وعن الظلم قبل الموت بعدم الرحمة واللعن والذي هو الطرد عن الرحمة, ومستحق اللعن هو من ليس لديه أي رغبة في أن يتغير للأفضل رغم كل المنبهات, ويكره الحق ويطمئن للباطل ومهما تأت من آية يصر ويريد أن يفسد الآخرين حتى يكونوا مثله, كما يفعل الشيطان, لهذا الله أعد النار لمن لن يرحمهم. لا ظلم ولا قسوة في تطبيق العدل على من يصر على معاداة العدل ومعاداة الأخلاق ومعاداة الخير, لأنه في هذه الحالة الفضيلة أثمن منه لأن شعوره تلاشى تأثيره على الحياة وعزله الشخص عنها. اللعن لا يأتي من موقف واحد أو ذنب واحد, اللعن يكون للحالة الميؤوس منها والتي لا تأتي بخير أبدا, ولهذا شخص كل سلوكه طيب لا يصح أن يُلعن من موقف واحد.

قد يقول بعضهم لماذا الله لا يتسامح مع الجميع؟ هل تسامحه ضيق؟ التسامح بالمجان بيع للفضيلة بالمجان, وتجعل الإنسان أثمن من الفضيلة, مع أنه في الحقيقة لو سُئلت ما هو أثمن من الإنسان لقلت الفضيلة, لأن الإنسان الفاضل يضحي بنفسه لأجل الفضيلة ويعجب به الآخرون, ويشهدون له بتقديم الفضيلة على الإنسان من خلال هذا الإعجاب, ودائما المضحى به أقل قيمة من المضحى لأجله, وإذا قلت الفضيلة هي ستؤدي إلى الله في الأخير لأنها طريق الله, الدين باختصار هو الفضيلة والأخلاق مع الخالق والمخلوقين والمخلوقات. لهذا التسامح المسيحي غير فاضل لأنه تدليع للشخص على حساب الفضيلة والمخطئ فيه أهم من الفضيلة ومن الخطيئة, وهو إحدى صور الكبر, وإحدى صور المذهب الإنساني الذي يجعل الإنسان فوق كل شيء حتى فوق الإنسانية, فالإنسانية فوق الإنسان وهم يجعلون الإنسان فوق الإنسانية وهذا تحايل على الاسم.

إذا صدقنا بهذا الناتج الفلسفي أن الفضيلة أثمن من الإنسان سقطت فكرة الماديين أن الإنسان يعيش لأجل المصلحة ويحب ويكره لأجل المصلحة فهذه تنطبق على الماديين فقط, مع أن شعورهم يحب ويكره لأجل الفضيلة, أي في الله, والإنسان الطبيعي يتطابق مع شعوره. قال تعالى:{ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} أي كل إنسان إذا نظرنا إلى الشعور وحده, لأن كل شعور هدفه أن يصل إلى الله وليس كل شخص, وأقصد بالشعور الفطرة. ومادام الدين كله أخلاق إذن الفضيلة هي طريق الله وهي التي يعبر عنها القرآن بلفظ المعروف.

إذا رحمت الشخص الشرير المحب للشر والكاره للخير دائما ولنت معه صار هو أهم من الأخلاق ومن الحقيقة, فلا تهم الأخلاق المهم هو! لا يمكن للشخص الطبيعي المحترم لشعوره أن يبدي المودة مع الصناعي وكأن شيئا لم يكن, بل إن الابتسامة للصناعي المعادي للطبيعي هي ذنب. لكن هذا لا يعني الظلم والاعتداء أبدا لأنه أيضا شر وصناعي, فالإنسان الطبيعي ليس له سلطة مادية سيمارسها على الصناعي فهو لن يصرخ في وجه الناس أو يؤذيهم, فحتى الكافر لن يأتيه أذى من الشخص الطبيعي, ولكنه لن يجامل على حساب شعوره, فالحب والكره هو في الله. كثير من الصناعيين يمارسون الشر و الصناعي كما يشاؤون وإذا اقتضت مصلحته جاء يعتذر منك بكلام مصفصف ويريدك أن تنسى كل ما بدر منه وكأن شيئا لم يحصل! معتمدا على أن التقادم يسقط الخطأ وأن ذكر خطأ في الماضي يعتبر حقد, مع أن التوبة هي التي تسقط الخطأ وليس التقادم, فالخطأ والصواب لا علاقة لهما بالوقت, اعتذاره هذا من عدم احترام الحقيقة, فهو لم يتغير حقيقة, وإذا غفرت لمن لم يتغير أنت نفسك تغيرت وأصبحت تلين مع الصناعي, فيكون الله غير راضي وأنت راضي. التسامح هو في ما هو لك ولكن ما لله لا تسامح فيه. كل هذا ليس في إطار الانتقام بل في إطار الرضا وعدمه والمحبة وعدمها والقبول وعدمه, فلا محبة إلا في الله ولا نفور إلا في الله.

من الخطأ أن نتصور أن الله يغفر للجميع بشكل مطلق على مبدأ الغفران المسيحي والفداء, لأن هذا يدخلنا في عقيدة فداء إسلامي, آمن بالله يغفر لك كل شيء, و المسيحي يقول: آمن بالمسيح يغفر لك كل شيء!

الشعور هو يكره ويحب في الله حتى عند الصناعيين, فالصناعيون أنفسهم يكرهون الصناعي القاسي الذي لا يرحم, لهذا كوننا ندعو الناس لأن يحترموا شعورهم الفطري هذه دعوة إلى الله.

الشخص الطبيعي يستطيع أن يقول للصناعي وبكل جرأة أنت تحبني وأنا لا أحبك, والواقع هو الحكم, فالشخص الصناعي يتابع الشخص الطبيعي وينشغل به بينما الطبيعي ينسى وجوده ولا يعبأ به.

الشعور كل حركاته لله, وطريق الله هو الفضيلة, إذن كل فضيلة سيتعلق بها الشعور رغما عن صاحبه, فالشعور جهاز مبرمج ليصل إلى الله. صحيح أن الشخص الصناعي يظهر للشخص الطبيعي كره ولكن هناك كره أساسه حب وكره أساسه كره, فتصور أحدا يحبك و أنت لا تحبه ولا تعبأ به, إذا كان صناعي سينقلب حبه عداوة وكره من باب الانتقام للأنا المعظمة الصناعية, فهناك كره حبي وهناك كره كرهي, أصحاب الكره الحبي تجده يلاحق من يكرهه وينشغل به, فلاحظ دائما كل الصناعيين بداخلهم يحسون بالغيرة والمحبة والضعف أمام الطبيعيين, ويشعرون بإعجاب يتنامى ويزداد كلما صار طبيعي أكثر. الكره الكرهي لا يجعلك تنشغل بالشخص و تشعر برغبة بالابتعاد عنه وليس تنشغل به مثل الكره الحبي, وفي بعض الأحيان صاحب الكره الحبي يغفل عقله الصناعي فيخرج الحب, إذن كثرة الانشغال والتفكير بشيء هذا دليل على الحب, وكما قالوا: (من سبك حبك) أي من سبك كثيرا ودائما. مثل انشغال الملحدين بالدين الذي يكاد لا يتوقف أبدأ, والذي جعلهم لا يستطيعون أن يعيشون حياتهم وإلحادهم, فيحاولون أن ينتقمون منه لماذا لم يأت على هواهم, قال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ}. الملاحدة والليبراليون ينجذبون المرأة المحجبة أكثر من غير المحجبة, وخاصة إذا صارت شريفة وأخلاقها عالية حينها يتعلقون بها كثيرا, والشيطان يصور هذا الانجذاب على أنه رغبة جنسية وليس هذا هو الواقع ولكنه الشيطان يقعد للإنسان كل مرصد, فكونها شجاعة ومصرة على مبدأها يجعلهم يحبونها حتى لو لم تكن جميلة, ويتركون غيرها ممن هن أجمل منها لكنهن لسن فاضلات.

قال تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مؤمنين} الاختيار حر ولكنه لا يغير الشعور, فشخص مثل داوكنز مع أن اختياره رافض للدين إلا إنه لم يستطع أن يتخلص من تعلقه به, فيقول أنه يكره الدين وهو في الحقيقة يحبه, لو كان فعلا يكرهه لاجتنب حتى التفكير فيه مثلما يتجنب التفكير في نوع الطعام الذي لا يحبه.