الأحد، 12 يناير، 2014

عصر الإقطاعية الفكرية والثقافية!


النهضة الحضارية تسبقها نهضة فكرية, والنهضة الفكرية تتطلب أن يدخل الجميع في كل المجالات وألا يمنعوا من التفكير والدخول في مجالات الحياة، كأن تحصر على متخصصين مثلما هو حاصل الآن في الحضارة الغربية ومقلديها, لهذا الغرب الآن لا يعيشون نهضة, بل إن الثقافة الغربية تعيش حالة جمود بسبب سلطوية المتخصصين, وما وصلوا له هو وصول الرأسمالية وليس الناس, فهي التي تشتري العقول وتنتج، أما بقية الناس لا دخل لهم بشيء وتحت رحمة المتخصصين, ويرددون ما قاله المختصون في كل مجال. النهضة يكون فيها الجميع نشيطاً و عاملاً و مفكراً, 

الغربيون عاشوا نهضة في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، لكن منذ النهضة الصناعية التي هي سيطرة الرأسمالية بدأت تتلاشى النهضة عن المجتمع، وفي القرن العشرين والواحد والعشرين اختفى صوت الناس, بدليل أن علماء عصر النهضة لم  يكونوا متخصصين وكانوا موسوعيون يكتبون بكل مجال, ويُنظر لكلامهم أكثر من البحث عن مراتبهم العلمية, أما الآن فلا بد أن يكون قبل الاسم حرف يرمز إلى التخصص حتى تتكلم!

في زمن أي نهضة تنتشر الكتب والحوارات والنقاشات الحرة ويشارك فيها الجميع, والقول فيها مُقدّم على القائل, وفي زمن الجمود يحدث العكس, فتُقدّم قيمة القائل على قيمة القول وتكثر النجومية التي تحتكر الأفق, ومع زيادة الوقت تزداد نجوميتها وتألقها حتى يُقبل منها بالثقة بالاسم. والنجومية ما هي إلا منتج رأسمالي, فيُلمِّعون من يريدون ويخفون من لا يريدون. 

ففي الغرب هم يعيشون تغييباً وليس نهضة, وحتى من التاريخ يبرزون ما يشاؤون, فانظر كيف أخفوا دور الحضارة العربية الإسلامية في بناء حضارتهم, بينما كل نهضتهم معتمدة على الحضارة الإسلامية, وانظر ما يحدث في الغرب للعلماء الذين يتبنون نظرية الخَلْق من إقصاء وتهميش, أو من يعارضون التطرف في حرب اللاسامية, وهذا على سبيل المثال لا الحصر. 

الرأسمالية مثل كشاف كبير يسلط ضوءه على ما يريد من الحاضر أو الماضي, ويشيح بعينه من على رأس الهرم عما لا يريد, نحن نعرف نظرية داروين لكن لا نعرف النظريات التي تنتقدها وهي كثيرة وعلمية أكثر, ومثلها نظريات أصل الكون التي هي كثيرة لكنهم اختاروا واحدة وركزوا الأضواء عليها. لا تقوم النهضة إلا بحرية رأي، والغرب يفتقر إلى حرية الرأي, وإن كان لا يفتقر لحرية الجنس كما لا يفتقر إليها الحيوان!

في زمن الجمود ينتشر النقل ويقل التفكير ويُحصر في فئات متخصصة يقف الناس طوابير على أبوابها, يقبلون بلا تمييز إلا ما قل ونُبِذ من الأكثرية. في الغرب كل شيء يسند للمتخصصين الملمَّعين, والإسناد للمتخصصين هو قتل للنهضة والنهضة الفكرية بالذات. الاقتصار على التخصص هو قتل للحرية العقلية, فتجد متخصصين رابضين على ذلك المجال العلمي كله ومن الصعب أن يخترقه أحد إلا أن يأتي بشيء معجز يُرضى عنه.

معنى نهضة ثقافية وفكرية هو تساوي الفرص للجميع في التفكير والتأليف والاقتراحات والأخذ والرد وهذا لا تجده في الغرب, فلابد أن تكون متخصصاً عن الحيوان أو الدراوينية أو الطب أو الدين... الخ, حتى يحق لك أن تتكلم في أي منها!

التخصصات عبارة عن احتلال لكل مجال, بوابة لا تدخلها إلا بكرت التخصص حتى تتكلم في هذا المجال, وواقعنا الحالي مأخوذ من الغرب ونسخة مشوهة منه فالصحف والوسائل الإعلامية ودور النشر تبحث عن النجوم والمتخصصين وتلاحقهم أكثر بكثير من ملاحقتها للإبداع و الجديد, مع أن المتخصص لا يعني دائماً أنه مبدع ولا فاهم حتى لتخصصه. التخصصات هي قيود على الحرية الفكرية, ويمكن أن نسمي هذا العصر عصر الإقطاعية الفكرية, فكل مسيطر على إقطاعه الذي تخصص فيه.

لو كان التخصص هو الطريق الصحيح لماذا لا يوجد متخصصون في الاختراع أو الإبداع الفني أو الأدبي؟؟! لماذا لا يوجد قسم في الجامعات اسمه قسم الإبداع؟ مع أن الإبداع هو هدف النهضة! مما يعني أن التخصص عدو الإبداع وليس دائماً صديقه, وعلماء أي نهضة كانوا موسوعيين وليسوا متخصصين, مثل الفارابي ودافنشي وابن سيناء وغيرهم, حتى نيوتن كان يسمي نفسه فيلسوف ولم يكن يسمي نفسه عالماً.

وأكثر معاناة المبدعين هي من إخوانهم المتخصصين بشهادة جميع المبدعين بلا استثناء ربما, مع أن المتخصصين عالة على المبدعين والمكتشفين فهم يتخصصون في إبداعهم! فيأكلون موز المبدعين السابقين ويرمون قشوره في وجوه المبدعين الجدد! فلا هو الذي أبدع ولا ترك غيره يبدع! يرفضون الجديد وهم يعيشون على جديد الأولين! شخص مثل هذا ليس إلا حجر عثرة في مجال تخصصه. 

وإن كان الكلام لا يعم جميع المتخصصين, فمنهم من أبدع من خلال تخصصه وهو في هذه الحالة يسمى مبدعاً أكثر من كونه متخصصاً, ويُعرف بإبداعه أكثر من أن يعرف بتخصصه, مثلاً الفيلسوف "كانت" كان أستاذاً للفلسفة في الجامعة ومع ذلك أبدع في مجاله, لهذا يسمى الفيلسوف "كانت" ولا يسمى الأستاذ "كانت" أي كأنه خرج من تخصصه.

هناك تعليقان (2) :

  1. عبد الرحمن12 يناير، 2014 6:35 م

    للأسف، إن الذي ذكرته صحيح، وكان له أثر كبير على البحث العلمي بالذات من حيث لا يدرك أكثر الناس
    في أواخر عصر النهضة الاوربية قبل الحرب العالمية الأولى تمت أغلب المنجزات العلمية في عصرنا كالنظرية النسبية العامة والخاصة ووضعت أسس نظرية الكوانتم وعلم الوراثة والترموديناميك والكهرباء وعلم النفس والذرة .... وأنجزت أعظم الاختراعات كالتلفاز والسيارة والطيارة والهاتف والمصباح......
    ماحدث بعد الفترة التي سميتها حضرتك بالاقطاعية الثقافية أن الانجازات العلمية لم تبتعد كثيراً خارج الحدود المرسومة مسبقاً وحتى الاختراعات لم نعد نشهد بعد الحرب العالمية الثانية تلك الانجازات الثورية التي حدثت قبلها

    ردحذف
  2. شكراً على هذه الإضافة الجميلة من قلم جميل..
    وطبعاً أشاركك الرأي في نضوب العطاء العلمي لعدة أسباب، منها موضوعنا وهو الإقطاعية العلمية والثقافية، ومنها أن العلم الموجود في واقعه جاء لحاجات الإنسان، وحاجات الإنسان المهمة محدودة، فكان يريد مثلاً أن يطير فطار، يريد أن يرتاد أعماق البحر فاستطاع، يريد أن يعالج الكوليرا والجدري ويعرف أسبابها فاستطاع، ويريد وسائل اتصال عن بعد فوجد الهاتف والراديو والتلفزيون واللاسلكي والإنترنت، وصار الباقي توسيعاً وتطويراً وتكبيراً وتصغيراً..

    وزد على هذا اراتباط العلم بالمادة وارتباط المادة بالحواس، والحواس محدودة، والميتافيزيقيا مجهولة، والتعمق في أي شيء يوصل إلى حد الميتافيزيقيا الذي لا يمكن تجاوزه ، وسبحان الله القائل {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} فالعلم له حدود وهو على مشارفها الآن، حتى أن بعض العلوم تقفلت تقريباً كعلم الجغرافيا والخرائط ولم نعد بحاجة ماسة لمكتشفين جغرافيين إلا على نطاق محدود ومحلي.

    أما فكرة أن العلم قادر على كل شيء فهي فكرة طوباوية يهرع إليها الإلحاد ومبنية على جهل بحدود العقل وحدود العلم، فكيف يعلم كل شيء من لا يعلم حتى نفسه؟! وعلك تشاركني الرأي في هذا.

    وتاريخ العلم مثلما وضحت أنت يدل على ذلك، فنحن في زمن النضوب العلمي وليس الخصوبة، إذا قارنا زماننا بالنصف الأول من القرن العشرين مثلاً والنصف الثاني من القرن التاسع عشر، فلن تجد مجالاً للمقارنة في الكثرة والنوعية والقيمة للمكتشفات والمبتكرات، انظر إلى الطائرة عمرها أكثر من مئة سنة وهي هي سوى بعض الترفيه والتوسيع والتكبير وإدخال الكمبيوتر.. إلى غير ذلك، ومحرك السيارة مثلها لم تتغير فكرته الأساسية لأنه سد الحاجة.

    هذا العلم قام على أساس مادي مصلحي وتدعمه رؤوس أموال، ليس لأجل العلم بل لأجل التكنولوجيا والتصنيع وبالتالي البيع والمال.. هذا كل ما في الأمر! وليس علماً لأجل العلم، بل هو علم لأجل القوة والمال والسيطرة، ولو عارض العلم هذه الثلاث لهُمّش وأبعد، ولهذا توجد أفكار علمية وابتكارات تحاربها الرأسمالية لأنها تؤثر على مصالح ناجحة.

    ودمت بخير..

    ردحذف