الاثنين، 6 يناير، 2014

أيهما أهم الإنسان أم الفضيلة؟





الشخص الطبيعي لا يتسامح مع الشرير (الصناعي) ولا يستطيع أن يرحمه, ولا يستطيع أن يظلمه أيضا. فكرة الرحمة بالمجان أو التسامح بالمجان فكرة غير أخلاقية, فلماذا ترحم شخص ظالم ولم يقدم أي بادرة طبيعية؟ هل أكافئه على ظلمه؟ الله سبحانه وتعالى توعد من لم يتوبوا عن الشرك وعن الظلم قبل الموت بعدم الرحمة واللعن والذي هو الطرد عن الرحمة, ومستحق اللعن هو من ليس لديه أي رغبة في أن يتغير للأفضل رغم كل المنبهات, ويكره الحق ويطمئن للباطل ومهما تأت من آية يصر ويريد أن يفسد الآخرين حتى يكونوا مثله, كما يفعل الشيطان, لهذا الله أعد النار لمن لن يرحمهم. لا ظلم ولا قسوة في تطبيق العدل على من يصر على معاداة العدل ومعاداة الأخلاق ومعاداة الخير, لأنه في هذه الحالة الفضيلة أثمن منه لأن شعوره تلاشى تأثيره على الحياة وعزله الشخص عنها. اللعن لا يأتي من موقف واحد أو ذنب واحد, اللعن يكون للحالة الميؤوس منها والتي لا تأتي بخير أبدا, ولهذا شخص كل سلوكه طيب لا يصح أن يُلعن من موقف واحد.

قد يقول بعضهم لماذا الله لا يتسامح مع الجميع؟ هل تسامحه ضيق؟ التسامح بالمجان بيع للفضيلة بالمجان, وتجعل الإنسان أثمن من الفضيلة, مع أنه في الحقيقة لو سُئلت ما هو أثمن من الإنسان لقلت الفضيلة, لأن الإنسان الفاضل يضحي بنفسه لأجل الفضيلة ويعجب به الآخرون, ويشهدون له بتقديم الفضيلة على الإنسان من خلال هذا الإعجاب, ودائما المضحى به أقل قيمة من المضحى لأجله, وإذا قلت الفضيلة هي ستؤدي إلى الله في الأخير لأنها طريق الله, الدين باختصار هو الفضيلة والأخلاق مع الخالق والمخلوقين والمخلوقات. لهذا التسامح المسيحي غير فاضل لأنه تدليع للشخص على حساب الفضيلة والمخطئ فيه أهم من الفضيلة ومن الخطيئة, وهو إحدى صور الكبر, وإحدى صور المذهب الإنساني الذي يجعل الإنسان فوق كل شيء حتى فوق الإنسانية, فالإنسانية فوق الإنسان وهم يجعلون الإنسان فوق الإنسانية وهذا تحايل على الاسم.

إذا صدقنا بهذا الناتج الفلسفي أن الفضيلة أثمن من الإنسان سقطت فكرة الماديين أن الإنسان يعيش لأجل المصلحة ويحب ويكره لأجل المصلحة فهذه تنطبق على الماديين فقط, مع أن شعورهم يحب ويكره لأجل الفضيلة, أي في الله, والإنسان الطبيعي يتطابق مع شعوره. قال تعالى:{ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} أي كل إنسان إذا نظرنا إلى الشعور وحده, لأن كل شعور هدفه أن يصل إلى الله وليس كل شخص, وأقصد بالشعور الفطرة. ومادام الدين كله أخلاق إذن الفضيلة هي طريق الله وهي التي يعبر عنها القرآن بلفظ المعروف.

إذا رحمت الشخص الشرير المحب للشر والكاره للخير دائما ولنت معه صار هو أهم من الأخلاق ومن الحقيقة, فلا تهم الأخلاق المهم هو! لا يمكن للشخص الطبيعي المحترم لشعوره أن يبدي المودة مع الصناعي وكأن شيئا لم يكن, بل إن الابتسامة للصناعي المعادي للطبيعي هي ذنب. لكن هذا لا يعني الظلم والاعتداء أبدا لأنه أيضا شر وصناعي, فالإنسان الطبيعي ليس له سلطة مادية سيمارسها على الصناعي فهو لن يصرخ في وجه الناس أو يؤذيهم, فحتى الكافر لن يأتيه أذى من الشخص الطبيعي, ولكنه لن يجامل على حساب شعوره, فالحب والكره هو في الله. كثير من الصناعيين يمارسون الشر و الصناعي كما يشاؤون وإذا اقتضت مصلحته جاء يعتذر منك بكلام مصفصف ويريدك أن تنسى كل ما بدر منه وكأن شيئا لم يحصل! معتمدا على أن التقادم يسقط الخطأ وأن ذكر خطأ في الماضي يعتبر حقد, مع أن التوبة هي التي تسقط الخطأ وليس التقادم, فالخطأ والصواب لا علاقة لهما بالوقت, اعتذاره هذا من عدم احترام الحقيقة, فهو لم يتغير حقيقة, وإذا غفرت لمن لم يتغير أنت نفسك تغيرت وأصبحت تلين مع الصناعي, فيكون الله غير راضي وأنت راضي. التسامح هو في ما هو لك ولكن ما لله لا تسامح فيه. كل هذا ليس في إطار الانتقام بل في إطار الرضا وعدمه والمحبة وعدمها والقبول وعدمه, فلا محبة إلا في الله ولا نفور إلا في الله.

من الخطأ أن نتصور أن الله يغفر للجميع بشكل مطلق على مبدأ الغفران المسيحي والفداء, لأن هذا يدخلنا في عقيدة فداء إسلامي, آمن بالله يغفر لك كل شيء, و المسيحي يقول: آمن بالمسيح يغفر لك كل شيء!

الشعور هو يكره ويحب في الله حتى عند الصناعيين, فالصناعيون أنفسهم يكرهون الصناعي القاسي الذي لا يرحم, لهذا كوننا ندعو الناس لأن يحترموا شعورهم الفطري هذه دعوة إلى الله.

الشخص الطبيعي يستطيع أن يقول للصناعي وبكل جرأة أنت تحبني وأنا لا أحبك, والواقع هو الحكم, فالشخص الصناعي يتابع الشخص الطبيعي وينشغل به بينما الطبيعي ينسى وجوده ولا يعبأ به.

الشعور كل حركاته لله, وطريق الله هو الفضيلة, إذن كل فضيلة سيتعلق بها الشعور رغما عن صاحبه, فالشعور جهاز مبرمج ليصل إلى الله. صحيح أن الشخص الصناعي يظهر للشخص الطبيعي كره ولكن هناك كره أساسه حب وكره أساسه كره, فتصور أحدا يحبك و أنت لا تحبه ولا تعبأ به, إذا كان صناعي سينقلب حبه عداوة وكره من باب الانتقام للأنا المعظمة الصناعية, فهناك كره حبي وهناك كره كرهي, أصحاب الكره الحبي تجده يلاحق من يكرهه وينشغل به, فلاحظ دائما كل الصناعيين بداخلهم يحسون بالغيرة والمحبة والضعف أمام الطبيعيين, ويشعرون بإعجاب يتنامى ويزداد كلما صار طبيعي أكثر. الكره الكرهي لا يجعلك تنشغل بالشخص و تشعر برغبة بالابتعاد عنه وليس تنشغل به مثل الكره الحبي, وفي بعض الأحيان صاحب الكره الحبي يغفل عقله الصناعي فيخرج الحب, إذن كثرة الانشغال والتفكير بشيء هذا دليل على الحب, وكما قالوا: (من سبك حبك) أي من سبك كثيرا ودائما. مثل انشغال الملحدين بالدين الذي يكاد لا يتوقف أبدأ, والذي جعلهم لا يستطيعون أن يعيشون حياتهم وإلحادهم, فيحاولون أن ينتقمون منه لماذا لم يأت على هواهم, قال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ}. الملاحدة والليبراليون ينجذبون المرأة المحجبة أكثر من غير المحجبة, وخاصة إذا صارت شريفة وأخلاقها عالية حينها يتعلقون بها كثيرا, والشيطان يصور هذا الانجذاب على أنه رغبة جنسية وليس هذا هو الواقع ولكنه الشيطان يقعد للإنسان كل مرصد, فكونها شجاعة ومصرة على مبدأها يجعلهم يحبونها حتى لو لم تكن جميلة, ويتركون غيرها ممن هن أجمل منها لكنهن لسن فاضلات.

قال تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مؤمنين} الاختيار حر ولكنه لا يغير الشعور, فشخص مثل داوكنز مع أن اختياره رافض للدين إلا إنه لم يستطع أن يتخلص من تعلقه به, فيقول أنه يكره الدين وهو في الحقيقة يحبه, لو كان فعلا يكرهه لاجتنب حتى التفكير فيه مثلما يتجنب التفكير في نوع الطعام الذي لا يحبه.   

هناك تعليق واحد :