الخميس، 9 يناير، 2014

التكبر لا يجعلنا نفهم وليس الغباء




هناك أناس أذكياء ومتواضعون, لكن هناك أناس يبدون أذكياء و مثقفين لكنهم متكبرون, هؤلاء هم في الحقيقة أغبياء لكن الظروف التي هم فيها لم تبين كبرهم بشكل واضح.

التكبر ليس من السهل اكتشافه, فرعون مثلا الظروف هي التي أبرزت كبره ولولاها لما بان تكبره بهذا الوضوح. كلٌّ تقيس كبره على حسب المتاح أمامه وقدرته على الظلم, فالظروف هي التي توضح الكبر أما النية فواحدة. هناك اناس ناجحون في المجتمع لكن لم يتغلغل فيهم الكبر, وهناك أناس أقل منهم نجاح بكثير وأكثر نسبة كبر, فالكبر ليس مرتبط بالمكانة, مثل غاندي بالرغم أنه بمكانة ملك عند الهنود إلا أنه لا من كلامه ولا من هيئته ولا من تصرفاته لم يتضح فيه الكبر ولم يشعر بمكانته, دائما من يحس بمكانته في المجتمع وحاضرة قيمته فيه عند نفسه هذا متكبر, فيحس بقيمته ليس من مافي داخله بل مما في يده, يحس بقيمته كمالك ومسيطر أكثر من قيمته كإنسان, ويعرّف بنفسه من خلالها ويذكر للناس مكانته وألقابه بمناسبة أو بدون مناسبة, لهذا يفرحون أن يوصفوا بالألقاب الخارجة عن الذات, والمفترض ألا يفرحوا لأنها تبعد عن ذاتهم وتربطهم بالمادة أكثر, فالمفترض أن يقول أنا فلان بن فلان وأعمل مهندس مثلا, لكن أن يقول أنا الدكتور فلان أو الطيار فلان هنا هو قدم القيمة المادية على القيمة المعنوية وصارت طائرته أثمن منه! المفترض أن يذكر اسمه أولا إذا كان يحب نفسه فعلا, وهذا يشير إلى أن الماديين هم في الحقيقة لا يحبون أنفسهم ويفضلون عليها قيودهم المادية والاجتماعية. وهذا دليل سيطرة المادية على الحياة أن تكون وظيفتك ومكانتك الاجتماعية تقدم على اسمك, فتقول رجل الأعمال فلان بن فلان أو الدكتور فلان بن فلان أو الكولونيل فلان بن فلان... إلخ, وهكذا صار الإنسان تابع, فأين الحرية؟ هذه تبعية للوظيفة والمكانة الاجتماعية, فهي إهانة للنفس وليست تكريما, تكريم النفس أن يقول أنا فلان بن فلان أعمل أستاذا في جامعة كذا, فهذا مجرد مجال عمل وليس كلَّ الشخص حتى يحصر نفسه فيه. هذه مع الأسف أدبيات الحضارة المادية والتي تدعي الإنسانية, تقدم المادة على الإنسان في كل مجال!

المتواضع هو من ينسى المادة ويذكر الإنسان, فالمتواضع يذكر إنسانيته أكثر من منصبه وإنسانية غيره قبل منصبه ومكانته, والمتكبر يذكر منصبه أكثر من شخصه, فبدلا من أن يقول أنا فلان يقول: أنا المدير! أو أنا الرئيس! ..إلخ.

المتكبر تجده يسخر من تواضع الأقوياء بدل أن يعجب به, ويعتبر أن مكانتهم ناقصة بسبب تواضعهم, وكلما زادوا أبهة وتجبر كلما احترمهم أكثر.

الكبر هو سبب صم الآذان فهو الذي يجعل صاحبه لا يسمع الحق, قال تعالى: { فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ }. إذا اكتشفت التواضع في أحد اعرف أنه قابل لأن يفهم وفيه خير حتى لو كانت أفكاره ملوثة, وحتى لو كانت مكانته كبيرة في المجتمع فالمتواضع لن يدري عنها. لكن المتكبر حتى لو كانت مكانته صغيرة إلا أنه ينفخها ويكبرها مثلما يُنفخ البالون, بينما تجد آخر ملياردير أو مسؤول كبير إلا أنه أبسط و أقل تكبر, مثل الملك إدوارد الثامن الذي تنازل عن العرش لأنه أحب فتاة ليست من عائلة راقية في المجتمع حسب نظرة القصر, فخيروه بين حبه وبين منصبه فترك منصبه وآثر حبه والإنسان في داخله, فهذا بالرغم من أنه ملك إلا أنه ليس متكبر, ومثل خالد بن يزيد الذي تنازل عن العرش لأجل طلب العلم ودراسة الكيمياء حتى يفيد الناس كما يُنسب عنه.

من علامات الشخص الصناعي (المخالف لطبيعته) أنه لا يعرف كيف يربط الصفة المعنوية بالموصوف, لكن يعرف ربط الصفة المادية بالموصوف جيدا, فحين يقول أن فلان متكبر لو تنظر إليه لن تجده متكبر بل العكس, ولو يقول عن أحد أنه طيب لن تجده طيب بل العكس, فعالم المعنويات هذا لا يعرفونه ويأخذونه بالتخرص. وهذه من نقاط ضعفهم ومن الأشياء المثيرة للضحك فيهم, فإذا بدؤوا يصفون الناس بالطيبة والأخلاق ويوزعونها لن تجد ولا صفة واحدة صح وتطابق الموصوف! ضعف بصيرتهم المعنوية يجعلهم ضعاف ومتخبطين, فلا يعرفون الوفي مثلا والذي سيخلص لهم, والمنافق يعتبرونه مخلص ووفي لهم. فالشخص الصناعي لا يعرف المعنويات, حتى الحياء والخجل هم لا يعرفونه مع أن بعضهم يبدون خجولين لكنهم في الحقيقة لا يعرفون الخجل ويأخذونه بالإتيكيت.

الحياء شعبة من الإيمان, ولا يجتمع حياء و تكبر. الإنسان أما أن يكون طيب أو خبيث فالناس معادن, قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} فالله وزع الناس على نوعين لا ثالث لهما, والطيب إما أن يكون طيب واضح أو بحاجة لتوضيح, مثل صحن الذهب النظيف أو صحن الذهب المتسخ الذي بحاجة لتنظيف, لكن هناك صحن من طين مهما نظفته لن يكون ذهب ولا ينظف وكلما زدته ماء كلما زاد تلوثا, لهذا الإنسان المصلح ليس يصنع شيء غير موجود في داخل الشخص بل فقط يظهر المعدن الأصلي ويزيل ما يعيقه فيظهر جمال هذا الإنسان, فالأرضية أصلا خصبة, مثلما ذكر في الحديث أن كلام الحق مثل المطر ينزل على أرض خصبة فتنبت و ينزل على قيعان لا تقبله.

الفهم والتغير للأفضل ليس مرتبط بخرافة الذكاء والغباء بل مرتبط بالكبر من عدمه, المتكبر لن يستطيع أن يفهم والمتواضع سيفهم ويتعلم, فالمتكبر حين تنتقد فكرة خطأ عنده لن يستمع لنقدك بل سيقول: من أنت حتى أسمع كلامك و أطيعك؟ وهذا ما قالوه للأنبياء :{ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }, وقالوا لشعيب :{ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ}, بمعنى أن رهطه أهم منه لأنهم قوة, وحتى محمد لولا رهطه لقتلوه, فهم لا يفهمون إلا لغة القوة, ولو بحثت عن معنى كلمة "عظيم" عندهم لوجدت أنه ثري أو ذو سلطة مادية, أي أن القيمة مادية, فلا يهتم بمعنى كلامك ومدى صحته بل ينظر إلى أنه محاولة فرض رأي وسلطوية عليه وعلى شخصيته, أي أن المادي ينظر لكل موضوع من جانبه المادي والاجتماعي, لما يُدخِل الشخص حسابات السيطرة والشخصية هذا معناه أن الشخص متكبر وأن الصواب والخطأ مُخرج من الحسبة, وكل متكبر مادي (قانون), فيقول هل أنت أكبر مني لأخضع لك أو أنت أصغر مني فتخضع لي أو متساوين فتكون أنت في شأنك وأنا في شأني.

الإنسان إما كله طيب أو كله خبيث لكنه مزيّن, هذا من ناحية الداخل, لكن في الخارج تجد من كلا النوعين سلوكا طيبا وسلوكا غير طيب, لكن من الداخل هو إما كله طيب أو كله خبيث, وهذا تابع لنظرية الاختيار, فهذا التقسيم سببه حرية الاختيار بين الخير والشر.

الكبر فيه من كل الصناعي, ففيه من الكذب والتعجل والظلم..إلخ, وكأنه باقة شوك مجمعة من كل الصناعي. لهذا علينا أن نبحث عن اكتشاف الكبر لأنه هو الذي سيكشف لنا الإنسان. 

هناك تعليق واحد :

  1. كلامك صحيح
    انا واقولها بكل الم انسانه متكبرة متجبرة مع إنتي محسوبة على المتدينين
    أصبت بالذهان الاكتئابي بسبب العجب بالعمل وحب المدح والفخر

    منذ الطفولة وبذور الغرور تزرع فيّ فقد كلن الكل يمدحني في البيت والمدرسة ولم اسمع نقد جارح قط
    حتى كان الأستاذات يتنافسون على الحديث معي وهذه تصرح لي ان زوجها بات يغار مني لانها تحبّني أكثر منه لدرجة انها خطبتني له وتلك تقول لامي اعطيني بنتك وخذي بنتي واُخرى تغير اسمعا باسمي !!!

    كل شيء أريده حولي ...

    لما بلغت ٢٧ أصبت بابتلاءات عظيمة الى اليوم وعمري ٤٠ سنة

    قبل سنتين تذكرت حديث النبي ﷺ عن الله عزوجل " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني فيهما عذبته او القيته في النار "

    اخي صاحب المدونة
    اؤكد لك ان الكبر والرياء سبب معظم الابتلاءات

    فَلَو طهرت قلوبنا لرزقنا الله حياة طيبة


    اول ابتلاءاتي كانت بنسياني للقران بعد ان أتتنا حفظه فدخلت النا علم ٢٠٠٠ وبدأت اكتشف هذا العالم الجديد حتى شغلني وجرفتني الحياة فنسيته
    ثم أصبت بعد صدمة رهيبة بالذهان الاكتئابي وعمري ٢٧
    ولعلكم تعرفون فظاعة هذا المرض
    اصيبت بامراض خطيرة وانا من يرعاها رغم حاجتي للحنان والرعاية
    وعمري الان كما قلت ٤٠ ولم اتزوج


    لي اقل من أسبوعين فقط من ان عزمت ان أجاهد نفسي على الاخلاص من أمراض قلبي التي سببا لي متاعب بدني وعقلي وحياتي كلها

    للاسف حتى حسن الظن بالله لا استطيع ان احده في قلبي صورك الله داخلي مشوهة بسبب امراضي

    فلا تنسوني من صالح دعائكم

    ردحذف