الأحد، 12 يناير، 2014

هل اللغة العربية تضعف أم تقوى مع الزمن؟ 2.. (اقتراح لتطوير اللغة العربية) ..


من المفترض أن تأخذ اللغة العربية الفصحى من العامية لأن العامية مصنع كلمات وهي من منطلقة من أساس العربية الفصحى, فالكلمة العامية تنتمي إلى جذر عربي سواء جاءت على الأصل أو منقولة من جذر عربي آخر من خلال الاستعارة, إلا أن تكون منقولة من لغة أخرى وهذا هو الأقل وليس الأكثر خصوصا عند عاميات داخل الجزيرة العربية. مثلا في الفصحى الصغير يسمى طفل, وفي بعض اللهجمات العامية يسمون الأطفال "بزورة" وهي مأخوذة من "بذور" و "بذر" جذر عربي, فهل نقول عن هذه الكلمة أنها عامية؟ إن الاستعارة أكبر مولد للكلمات, واللغة الفصحى استعمالها محدود وبالتالي توليدها محدود فلا بد أن يستفاد في التوليد من العاميات التي تأتي بإبداعات رائعة, مثل كلمة "أشره عليك" التي تعبر عن شعور لا تعبر عنه الفصحى, مع أن أصلها فصيح فهي أتت من "الشره" وهو الطمع بالمزيد, وحين يشره المحب على محبوبه هو كان يطلب أو يتوقع منه أكثر. فالعامية تصنع مجازات ولابد أن تستفيد منها الفصحى, فالفصحى ليست داخله في الواقع والواقع هو الذي يصنع استعمالات.

ولهذا الكثير ينتقدون الفصحى بأنها ميتة وجامدة ولا تساير الواقع, لكن العامية تساير الأحداث, مثل كلمة "زعل" لماذا لا تأخذها الفصحى؟ فهي تعني غضب لكنه بارد حسب الاستعمال العامي وبالتالي استفدنا التفريق بين درجتي الغضب, لكن في الفصحى اليوم لا نجدها تستعمل, مع أن جذرها عربي. والكلمة لا تكون عربية إذا العرب استعملتها فقط, بل تكون إذا كان الأصل عربي وجرت على النظام اللغوي العربي حتى لو لم تستعمل من قبل.

 ومثلها كلمة "الحداق" للصيد بالبحر كما يستعملها سكان الخليج ليفرقون بها بين صيد البحر و البر, فصيد البحر حداق و صيد البر صيد أو قنص, ولكن في الفصحى كلها "صيد" سواء في البر أو في البحر, و أصلها من الاحداق وهي الاحاطة, حيث تحيط الشبكة بالسمك, فالعامية تقدم تفصيلات أكثر للواقع وللأشياء اليومية, و العربية الفصحى تمثل لغة الدين وهي الجامعة لكل الشعوب وهي الأجمل والأكمل, والعامية تأخذ من الفصيح التي هي أصل اللهجات العامية فلماذا لا تأخذ الفصيح من بناتها العامية؟ فالعلاقة بين الفصحى والعامية يحتاج إلى دراسة موسعة ويُعمَل لها رسائل دكتوراه في الجامعات بحيث يُجمَع كلمات من العامية وتضاف للقاموس الفصيح, فتجد كلمة عامية في موريتانيا غير موجودة عند غيرهم وليس لها مقابل في الفصيح, وكذلك عند الشوام وعند المصريين وعند اليمنيين وهكذا, فيتغذى القاموس العربي من العاميات وبالتالي يُبث فيها الحياة, وبالتالي تخف الفواصل بين العامية والفصيحة.

حين يكتب أحد مقال بالفصيح المطعَّم بالعامي ذو الأصل الفصيح فسيفهمونه العوام أكثر فتتحول العربية لاحقا إلى لغة محكية وتعود إلى صدارتها مرة أخرى! ويزول التخصص, لأنها تكون لغة الجميع. تجد كلمات في اللهجات العامية رائعة وتحتاج من يأخذها, فدائما تجد عند العاميات تفاصيل أكثر. ما سبّب الجمود اللغة العربية الفصحى افتقارها للكلمات التفصيلية, وليس عيبا في اللغة لكنها لغة رُكِنت قرونا طويلة عن الحياة الواقعية الفعلية.

بدلا من أن نأخذ كلمات أجنبية لم لا نأخذ من العامية؟ فيأخذون كلمات أجنبية ويعربونها مع أنك تجد لها بديل عامي في كثير من الأحيان! مثل "الدركسون" أو "المقود" يسمونه بالخليج بـ"السكان" وهي كلمة ذات أصل فصيح ففي المعجم الوسيط: السَّكان: ما تسكن به السفينة وتمنع من الحركة والاضطراب وتعدل في سيرهأ". كلما اختفت العلاقة بين الاسم والمسمى اشتهر الاسم, لهذا كلمة "سكان" قابلة للالتصاق أكثر من كلمة "مقود" لأن "مقود" تستعمل لأشياء أخرى, ومثل كلمة "جير" لصقت أكثر من "ناقل الحركة" لأن ناقل الحركة تُستخدم لأشياء أخرى غير "الجير". وهذا ما يفسر التصاق بعض الكلمات من لغات أخرى في أذهان الناس أكثر من الكلمات التي تستحدث من نفس اللغة.

لنأخذ مثلا الكلمة العامية: "نز", من الفزع المفاجئ, لا تجد لها مقابل مطابق في الفصيح مع أن أصلها فصيح, ففي معجم الرائد: "نز الغزال إذا عدا". وكلمة "بزر" بمعنى "طفل" عامية أتت من النطق المصري لكلمة "بذر" وكأن الأطفال بذور. خصوصا لهجة البدو في الجزيرة العربية وقبائل الجنوب فكلها تقريبا أصلها فصيح, مع أن قبائل الجنوب أثرت عليهم السبأية التي كانت قبل العربية, فعندهم مثلا كلمة "اجزع" بمعنى اذهب, مع أن الجزع بالعربية تعني خوف, و"ثب" عندهم تعني "تعال" مع أنها بالفصيح تعني اقفز, حتى كثير من أسماء المدن في اليمن ليس ذات أساس عربي مثل "حضرموت" و"مأرب". مع أن بدو الجنوب عندهم كثير من الكلمات ينطقونها نطق فصيح, أما بدو وسط الجزيرة فالصوتيات عندهم مكسرة إلى حد ما.

دراسة أصول الكلمات عمل ممتع جدا, لأن تكونها هو عبارة عن فن, ويعبر عن حركة الثقافة والحضارة وانتقالها, ومن الخطأ أن نستخدم كلمة لا نعرف ما مصدرها ولا من أين جاءت, هذا نقص في العلم وأحيانا حماقة, فقد يستعمل أحد كلمة كما اعتادها دون أن يعرف مصدرها ويأتي أحد فاهم ويحرجه, فمعرفة اللغة هي نصف الثقافة.

  

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق