السبت، 28 فبراير، 2015

هل فعلا يوجد أناس ناجحون وسعداء دون أن يعرفوا الله؟

جوابا على سؤال زائر في سجل زوار المدونة:
اقتباس: " اخي العزيز الوراق.. لدي تساؤل يتعلق بالنفس  
قرأت لك مرة تقول (انسى ذاتك تزدهر) او (اخرج عن ذاتك) وافكار من هذا القبيل

وهي افكار جميله ,لكن , الا ترى واقعيا ان هناك اشخاص يهتمون بأنفسهم جدا بالمقام الاول ,وارى بعضهم لا يهتم حتى بأبويه بقدر ذاته, ومع ذلك هم سعداء ومزدهرون ولديهم حياة اجتماعيه جيده (اللتي يقول العلماء انها من اهم اسباب السعاده والصحه العقليه على عكس المتدينين اللذين يروجون ان الانعزال عن الناس افضل كي لا يلهي عن الله)
رغم ان بعضهم سبب اجتماعيتهم هي مرونتهم وليس لأنهم معطاؤون بل لأنهم يعرفون كيف يكسبون القلوب باللسان والاسلوب الجيد
ايضا عندما تقول انه يجب على الانسان ان يجعل الدنيا خلفيه والله هو الاساس كي يصبح سعيدا
السؤال كيف يستطيع الانسان فعل ذلك وبنفس الوقت يكون ناجحا؟ لأن التركيز على النجاح والعمل يجعلك ناجحا والعكس صحيح
ارى اناس بعيدون عن الله ولكن مدمني عمل ومستغرقون في دك طريق النجاح بأي مجال وسعداء لأن النجاح يجعلك فخورا بذاتك,والنجاح ليس منطقه واحده بل يستطيع ان يصبح ناجحا في اكثر من مجال وكل ماوصل للنجاح في نقطه استمر لما افضل منها وهكذا
هؤلاء بعضهم يعيشون بدون حتى ان يؤدو فروضهم ومع نلاحظ بهم نفس ايجابيه وشخصيه محبوبه
هناك شخصيه مشهوره بتويتر وهي امرأه صحفيه اظن انها لا دينيه وتعيش بالخارج
تقول انها قابلت امرأه قالت لها انا سعيده جدا جدا جدا ولا اعرف ماهو السبب ولا اقول لأحد هذا لأنهم يصدمون ولا يصدقون ,واعتبر هذا الامر هو سري !
اذن هناك اشخاص فعلا سعداء رغم انهم غير قريبين من الله وربما لا دينيون وربما متدينين ولكن من دين آخر غير الاسلام
انا لا اتهكم او اجادل انا فقط اتسائل واريد ان اعرف هل فعلا فكرة ان السعاده هي بالقرب من (((الله فقط!))) هي فكره صحيحه وواقعيه؟
لأن الفكره كمنطقيه هي قويه لكن كواقع هي تخالفه صحيح ان القرب من الله سعداء لكن ليس هم فقط هناك العكس وايضا سعداء
واقصد بالسعاده هي راحة البال والرضا عن النفس والناس وعن الواقع وراحة الفكر وهدوء العقل وان تنام وانت مبتسم"
التعليق:
من هو المرجعية في الحكم على السعادة؟ هل هو كلام الناس عن أنفسهم؟ يجب أن يكون هناك مرجعية منطقية في فهم السعادة, كل شيء يحتاج إلى معيار, حتى الجيوش المهزومة تقول عن نفسها أنها منتصرة حتى آخر لحظة! ومن ذا الذي يعترف بالهزيمة أو الخطأ؟ نادر. ومتصنعي السعادة أكثر من السعداء, ومتصنعي المعرفة أكثر من العلماء الحقيقيين, ومتصنعي الشجاعة أكثر من الشجعان حقا, فلا تأخذي الأمور بالظواهر.

هل يمكن أن تصدقي وجهة نظري في أكثر رواد التسلية والترفيه والإثارة أنهم فاقدين للسعادة؟ لذلك هم يبحثون عنها في الإثارة, بل منهم يبحث عن السعادة في أواني الكحول والمخدرات, والباحث عن الشيء فاقد له (قانون), وبالتالي كل طالب تسلية وترفيه وألعاب هو كئيب أو مصاب بالملل والدليل بحثه. ومن هنا الحضارة الغربية المادية حضارة الكآبة والتعاسة لكثرة اللهاث وراء التسلية والمتعة بشتى أنواعها, ويؤيد هذا كثرة المنتحرين في الدول الغربية بالنسبة للعالم الثالث رغم عدم التناسب في عدد السكان ولا في الإمكانات المادية, السعادة والمادية قطبي مغناطيس. إنهم ينفقون الأموال الطائلة مقابل لحظات من السعادة والانتعاش الذي قد يأتي وقد لا يأتي وفي الأخير يزول وتحل محله الكآبة.

مغنية فرنسية أسلمت وتحجبت تقول : "كنت أغني الأغاني السعيدة والراقصة والجمهور يهتف بكل سعادة معي, لكني كنت أتعذب من الداخل وأريد أن أصرخ في وجوههم أنني أكذب عليكم! أنا أريكم أسناني وكأنني أبتسم!" كل أولئك الجمهور ولو كنتِ معهم ستقولون أنها إنسانة ناجحة وسعيدة, ألا ترى كل الناس تعرفها وتثني عليها؟ ألا تراها ناجحة؟ وثرية؟ وتبتسم وتغني الأغاني السعيدة؟ كلهم سيبصمون بالعشرة أنها سعيدة وأنت معهم وأنا لو كنت معهم!

شعور الإنسان عبارة عن مجموعة من الحاجات و الأولويات, كلما تحقق شيء منها يعطي شيئا من السعادة, لكن هل تنتهي طلبات الشعور؟ طبعا لا, إذا لم يكن هناك تقدم و رقي نحو حاجات الشعور العليا سيقوم الشعور بإفساد اللذة في الحاجات الدنيا, ومن هنا نفسر فقدان اللذة في أمور كانت لذيذة, وغياب البهجة عن أمور كانت تبهج. وغياب تذوق المتعة ينتج الرغبة بالانتحار مرورا بالكآبة, لأن المتعة هي التي تعادل الألم فإذا غابت المتعة لم يبق إلا الألم وتكون الحياة عبرة عن مزيد من الألم لا داعي له. مَن لا يستجيب لسلم الشعور سيكون نصيبه السأم والكآبة, أو تمثيل السعادة والتهرب عن مواجهة الذات, وللتهرب وسائل كثيرة. هذا غير أننا قد نسعد من شيء وبنفس الوقت نحن خائفون من شيء آخر وقلقون عليه, إذن هل توجد السعادة بهذا المعنى الشائع؟ طبعا لا هي وهم, لا يوجد إنسان سعيد بشكل كامل على وجه الأرض أًصلا لا مؤمن ولا غير مؤمن.

إذن ما هو البديل الذي يمكن أن يوجَد إذا كانت السعادة الكاملة خرافة؟ يوجد الاطمئنان, هذا الاطمئنان لا يمكن أن يوجد بدون معرفة الله والارتباط به, لأن علْم الإنسان وقدراته محدودة بينما مطالبه أكبر من علْمه ومن قدراته, والله أكبر من علمه وأكبر من قدراته, إذن سيتوجه إلى ما في علمه وقدرته ويتوكل على الله فيما هو خارج عن علمه و فوق قدراته, هنا يحصل اطمئنان.
والقرآن لم يتكلم عن سعادة بل تكلم عن حياة مطمئنة وشعور داخلي بالأمن حتى لو وُجِدت الأخطار أو الأذى, مع الإيمان فإنها تأخذ حجمها الطبيعي, فلا يفرح الإنسان بما عنده فرحا شديدا يؤدي إلى الفخر واحتقار الآخرين, وهذا منطقي لأن كل شيء سيزول وكل شيء يستطيع أن يعوض عنه غيره من ماديات الحياة. وكذلك لا تكبر الأضرار والخسائر والمصائب أكبر من حجمها الطبيعي, فلا يكسره الجزع وينهار لأنه يعرف ربه وأنه راجع إليه وليست الدنيا نهاية المطاف, والحياة الدنيا قصيرة ويمكن أن تعاش بأبسط الوسائل حسب الإمكان, والغني والفقير مصيرهم إلى التراب سواء بسواء . والعاقل لا يعول كثيرا على الدنيا قد يكون يخطط لما بعد عشر سنوات بينما وفاته بعد عشرة أيام وهو لا يدري! وأنا لا أدعو لترك التخطيط لكن ليكن خلفية وليس رأسمالنا ونهاية أمرنا, فلا أسخف من أن يكون النجاح في الدنيا على مبدأ أكون أو لا أكون في أمور نستطيع بدونها أن نكون. وهذا معنى أن تكون الدنيا خلفية للآخرة, أي ليست هي رأس المال, والشيء الذي ليس هو رأسمالنا لا نسقط إذا تضرر أو سقط, ولا نطغى على الناس إذا نجحنا في الدنيا لأنها خلفية, وكونها خلفية لا يعني إهمالها كما تتصورين, بل على العكس تماما يعني إتقانها! لأننا دائما نتقن غير الضروري أكثر من الضروري, والسبب الارتباك. كذلك نستطيع أن ندافع عن غيرنا أفضل من الدفاع عن أنفسنا, ونستطيع أن نبين ميزات غيرنا أكثر من أن نبين ميزات أنفسنا ، ونبدع في حالة الأمن ولا نبدع في حالة الخوف, مع أننا أهم عند أنفسنا من غيرنا ،و أيضا ندرك الشيء عندما ننظر إليه من جهة خارجة عنه فنعرف ما يجري حولنا والسبب هو النظرة إلى الدنيا من منطقة الآخرة. بدون هذا سنكون داخل المعمعة ولا يستطيع أن يميز من هو في داخل الزحام ما هي المشاكل ولا المخاطر من حوله.

أما وصفك للدين بأنه يدعو للعزلة فهذا ليس صحيحا دائما, فالعزلة لها مواضع مناسبة لها وكذلك الدخول في الحياة والمجتمع له مواضع وهذا نجده في القرآن, فتارة يقول : {جادلهم} وتارة يقول {أعرض عنهم}. إذا لم يكن من تواجدنا مع بعض الناس نفع واحترام فالعزلة هنا تكون أنسب لأننا قد نبدع أكثر, بل أغلب المبدعين أبدعوا في عزلتهم, والرسام لا يبدع وهو في وسط الجمهور بل ينفرد لوحده في الغالب وكذلك الكاتب والمؤلف.   

أنت تعرفين مشاهير وأغنياء لا أظننا نصل إلى ما وصلوا إليه من أدوات السعادة وبالنسبة لي لو عشت عمر نوح, انتحروا! هل تعرفين ما معنى انتحروا؟! هل تخيلتيها؟! الناس يغبطونهم على سعادتهم وهم ينتحرون! أنا أسألك لماذا انتحروا؟ هل ينقصهم نجاح وهم قد ابتلعوا النجاح ابتلاعا؟! هل تنقصهم رغبات لم يحققوها وهم ينامون على بنوك؟! ما مشكلتهم؟ أنت أجيبي. وإلا فاعترفي أنك لا تعرفين ما حقيقة السعادة ولا النجاح, لأن كل أدوات السعادة عندهم وأكثر من المطلوب. بالمقابل المؤمن الحقيقي يعيش في اطمئنان وراحة بال حتى في أسوأ الظروف, ولا يفكر إطلاقا بالانتحار وربما لا يحصّل في يومه على نصف دولار.

أكثر الكتب التي تتكلم عن السعادة والأكثر مبيعا تدور حول النجاح, والنجاح عبارة عن ثروة وعلاقات وانتهى الأمر! وانتحار كثير من المشاهير والأُثرياء يثبت خطأ هذه الفكرة, لماذا انتحرت ابنة أوناسيس الأسطورة المالية والوارثة الوحيدة له؟ لماذا انتحرت الفنانة المصرية داليدا وهي في قمة النجاح؟ لماذا انتحر ملك الفكاهة "الاجتماعية" روبن ويليامز؟ إنه يضحك على طول واجتماعي من الدرجة الأولى! اجيبي على هذا فقط! بل ديل كارنيجي معلم الناس كسب العلاقات والتخلص من القلق وجد منتحرا بطلقة مسدس في رأسه من يده! والروائي الأمريكي المشهور همنجواي الذي يعتبر أفضل كاتب قصة قصيرة في العالم وحاصل على جائزة نوبل ( من قمم النجاح في نظرك وليس نظري ) فعلت نفس الشيء يده برأسه بواسطة مسدس صغير وأنيق! وفي أوج الازدهار والشهرة والنجاح! أسألك ما الذي كان ينقصهم؟ أجيبي! فلوس؟ علاقات؟ جوائز؟ اعلام؟ كله فل! هذا التصنيف العلماني الرأٍسمالي للسعادة تصنيف ناقص.

نعم, أتفق معك يوجد من هم سعداء في الباطل نفسه حتى وليس فقط في البعد عن الله, بل لا يجدون سعادتهم إلا كلما انغمست أظافرهم في دماء غيرهم, هم يجدون متعة لكن لا يجدون اطمئنان, وحياتهم الداخلية مليئة بالكآبة والأحلام المزعجة لذلك يهربون من أنفسهم إلى الواقع والمجتمع والمال والإثارة ليشغلوا أنفسهم عن موضوع الطريق وهدف الحياة, بل منهم من يخدر نفسه بالمخدرات كلما هاجت عليه هذه الأفكار والحاجات للارتباط بالله. لو كانت السعادة في المال فلنحكم على الـ99% في العالم بأنهم تعساء! وهذا غير صحيح, وما ذنبهم أن يحرموا من السعادة لأن ليس عندهم ثروة؟

اقتباس: " الا ترى واقعيا ان هناك اشخاص يهتمون بأنفسهم جدا بالمقام الاول ,وارى بعضهم لا يهتم حتى بأبويه بقدر ذاته, ومع ذلك هم سعداء ومزدهرون ولديهم حياة اجتماعيه جيده (اللتي يقول العلماء انها من اهم اسباب السعاده والصحه العقليه على عكس المتدينين اللذين يروجون ان الانعزال عن الناس افضل كي لا يلهي عن الله)
رغم ان بعضهم سبب اجتماعيتهم هي مرونتهم وليس لأنهم معطاؤون بل لأنهم يعرفون كيف يكسبون القلوب باللسان والاسلوب الجيد"
أي بعبارة أخرى: "يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ عنك كما يروغ الثعلب"! هل هؤلاء يعجبونك فعلا؟ وهل هؤلاء ناجحون؟ مهما جمعوا من مال ومهما خدعوا من بسطاء؟ وتعتبرين أنهم ناجحون ومزدهرون ومحبوبون وأخلاقيون وإنسانيون ورأسماليون؟! هم يعرفون حقيقة أنفسهم ودنائتها ومن هنا ألمهم بينهم وبين أنفسهم, وغِيرتهم ممن هو أكثر أخلاقا وبراءة منهم. أنت تمتدحين لنا الأشرار بعد أن ألبستيهم الساتان والحرير! هذه هي النهاية.

التقييم ليس مجالا للمزايدات والتلاعب بالألفاظ, وإلا سيأتي آخر يقول هناك مجرمين طيبين ومقبولين ماداموا لا يؤذوننا, وظروفهم أجبرتهم لماذا تسجنونهم؟! المحبة ليست لعبة بحيث كل من نافق لنا وتزلف نحبه! ونحن نرى أنه بخيل وأناني ولا يهمه إلا نفسه ويرى فينا لقمة سائغة لمكرِه! هؤلاء الذين تمتدحينهم هم الماكرون والمخادعون وتسمين مكرهم فن وشطارة "مرونة"! أرجوك لا تتلاعبي بالألفاظ, لأنك أنت تحبين الصادقين معك ولا تحبين المنافقين معك, وتحبين من يضحي لأجلك أكثر ممن يعطيك من الكلام الرخيص ويذهب ويتركك في مشكلتك! فلا تغيري الحقائق وتلبسي الأمور, فتغيّرين ملابسها وتصبح مقبولة كما يفعل التاجر! الحقائق حقائق, المكار والمحتال مكروه, والأٍسلوب المعسول يتخذ أحيانا أٍسلوبا للمكر {زخرف القول غرورا}. الأناني مكروه مهما نافق, بل إن نفاقه يزيدنا خوفا منه لا قربا! حتى هؤلاء مجبرون على الإعجاب بالصادقين والطيبين ويتحول ذلك الإعجاب إلى غيظ وحقد وتقليل شأن في تلك النفوس النتنة المادية.

لا أخلاق بلا تضحية, هذه حقيقة. إن استطعت أن تفنديها فنديها بالمنطق وليس بالمزايدة ويوجد ولا يوجد, فكلمة "يوجد" ليست دليلا على شيء, لأنه من وجهة نظرك أنه يوجد, وأنا أقول لا يوجد, وأنا لم أقم بإحصاء على العالم وأنت لم تقومي بإحصاء, لكن معي المنطق وأنت ليس معك.

لا يوجد أحد يحب المادي المصلحجي الأناني –و لا حتى نفسه "شعوره"- الذي يضحك على الناس ويعطيهم كلاما معسولا بينما هو يحتقرهم في داخله ويحتقر عقولهم, أحضري لي شخصا يحب هذا ويقبله! بل إن كل السب والشتم وشعر الهجاء ينصب على هؤلاء في آداب العالم كله, قال تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚهُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ}.


الأخلاق المصلحية ليست أخلاقا بل نفاق وتجارة, قيمتها في عالم الأخلاق لا تزيد عن صفر. قد أتحمل من يتمصلح مني لكن كيف أتحمل من يهينني بعبارات نفاق كاذبة كي يستغلني على أساس أنها ستمر علي! من عنده كرامة لا يرضى أن يكون مستغفَلا, والصادق يحب أن يكون الجميع معه صادقا. هذه الأخلاق التجارية الغربية هي استغفال واستحصال! يأخذ ما بجيبك ويضحك على عقلك, فتذهب بلا جيب وبلا عقل وبلا كرامة, وبعد هذا نطالَب بأن نسميه أخلاقي! هو يلهف فلوسنا ويضحك على عقولنا ويأخذ معها صفة الأخلاق! جميل!

الأخلاق ليست حلويات تاجر يغير أغلفتها ويسوقها, الأخلاق مبادئ وصبر وتضحيات وثبات وتحمل. قد يخدع منافقك هذا بعض الناس بعض الوقت لكنه لن يخدع كل الناس كل الوقت. ماذا ينفع الكلام المعسول والنفاق الاجتماعي في المواقف والحاجات وفي أي بنك يُصرف؟ أكثر الكلام المعسول يخرج من قلب مسموم موغل في الأنانية و قذارة الفردية المفرطة التي لا تعير قيمة لا لعقول الناس ولا لأخلاقهم. العقلاء تأخذهم الريبة من كل من يسرف في الكلام المعسول والاهتمام الذي لا داعي له, لأنهم يرون ثعلبا يبحث عن المقتل, والسطحيون والتافهون يصدقون ويكونون ضحايا أفاعي النفاق السامة. السطحيون والعوام هم موضوع العمل عند الرأسمالية لأنهم الأكثر.

اقتباس: " ايضا عندما تقول انه يجب على الانسان ان يجعل الدنيا خلفيه والله هو الاساس كي يصبح سعيدا

السؤال كيف يستطيع الانسان فعل ذلك وبنفس الوقت يكون ناجحا؟ لأن التركيز على النجاح والعمل يجعلك ناجحا والعكس صحيح"
 أختلف معك في أن التركيز على العمل يكفي لجعل الشخص ناجحا. أين موضوع توفيق الله؟ ألستم تقولون باستغلال الفرص؟ أليست الفرص قدر؟ النسبة الأكبر من أثرياء العالم يؤمنون بالحظ, لاحظي كثرة عبارات "good luck, bad luck" عندهم. عالم الرأٍسمالية عالم صراع ولا يسمح الكبار للصغار أن ينافسوهم, فالمجال ليس مفتوحا تماما كما يقولون, وبالتالي لا يمكن لأحد أن ينجح بسهولة إلا أن يكون معهم ومستفيدون منه بشكل أو بآخر, ثم يزدردونه فيما بعد. وهذا يقود إلى الشك في كثير من الناجحين والبارزين في أكثر المجالات, هل برزوا بأنفسهم أو أُبرِزوا؟ وبينهما فرق. إذن الناجح الحقيقي هو من يبحث عن الحق ويستطيع أن يعيش بموجب الحقائق والمثاليات الحقيقية, هذا هو الناجح من وجهة نظري.

بل إن التركيز أقوى أسباب إفساد الشيء, وكل تركيز ينتج فشل إما في المركَّز عليه أو حوله, فإن نجح سيكون على حساب غيره, لأن الحياة كل والتركيز جزء, لا يمكن لنظرة جزئية أن تأخذ الكل في الاعتبار. لاحظي التركيز على دقائق الفقه والتشدد فيه عند البعض ماذا أنتج, أنتج تطرف و وسواس. تركيز الحضارة الغربية و من لف لفها على المصالح ونهْب الثروات عن طريق الخداع والبطش أنتج نضوب الموارد وكثرة الصراعات والحروب العالمية والتلوث البيئي وانحسار الغابات بسبب القطع والتنمية الاقتصادية وتركز الثروة في 1% وكثرة الفقراء والمديونين. وصدق الله العظيم: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} إنه الكسب والتهالك والتركيز عليه, إنه وهم الكسب, لأن الإنسان المادي الدنيوي في خسر كما أخبر الله عنه, {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. العقل والحكمة في شمولية الاهتمامات وليس في تركيزها, وأغلب من تسميهم ناجحين لعبت الظروف والوراثة والصدف ما لا يقل عن تسعين بالمئة, فماذا بقي للتركيز؟

ولنكن واقعيين, ستقولين الثروة والازدهار في الغرب جاءت من الجد والاجتهاد و العلم والابتعاد عن الدين وعزلته, أقول لك جزء بسيط منها, والباقي من السرق والاستعمار واستغلال الشعوب الضعيفة ونهب خيراتها بدءا بسرقة الكتب والآثار. لن يعجبك هذا الكلام أدري, لكن هو الحقيقة. لا تصدقي كل من يقول أنه حصل شيئا بمجهوده فقط, وقد قالها إمام الرأسماليين قارون من قبله: {إنما أوتيته على علم عندي}. بل حتى إحدى الدراسات أثبتت أن أكثر أغنياء العالم من متوسطي الذكاء أًصلا, ويشترون أفكار غيرهم بالمال الذي ورثوه -من آباء وأجدادا سرقوه أو احتالوا لأجله في الأكثر- ويقولون من مجهودنا! 

اقتباس: "ارى اناس بعيدون عن الله ولكن مدمني عمل ومستغرقون في دك طريق النجاح بأي مجال وسعداء لأن النجاح يجعلك فخورا بذاتك,والنجاح ليس منطقه واحده بل يستطيع ان يصبح ناجحا في اكثر من مجال وكل ماوصل للنجاح في نقطه استمر لما افضل منها وهكذا"
هذه نظرة قاصرة مع احترامي, وينطبق على كثير منهم قوله تعالى: {عاملة ناصبة, تصلى نارا حامية}. أيّ نجاح آخره الشيخوخة والموت؟! هل نجحوا في التغلب عليها؟ هل سلِموا من هموم هذا النجاح ومسؤولياته؟ وهل هو فعلا نجاح صاف وبريء؟ لا تأخذك المظاهر. إنه الشيطان يمد لهم ويمنيهم حتى يأتيهم الموت فجأة وهم غافلون عن الآخرة ومنهمكون في الدنيا كما تنهمك الديدان في أكلها, استعبدَهم وجعلهم آلات كدح وجمع أموال.

هذا غير فكرة العلاج بالعمل, فكثير منهم يهربون من أنفسهم إلى الكدح حتى يرتموا على أسرّتهم ويناموا بسهولة بسبب تأنيب الضمير, وتأتي وتنظري إليهم على أنهم سعداء! "انظر إنهم يكدحون ويعملون بجد وإقبال!" هكذا ينظر الرأسٍمالي إلى عماله تماما مثل نظرتك! بينما الديون وأوهام الثروة وهموم الوسادة هي التي تدفعهم إلى هذا الكدح والانشغال.

لا سعادة بدون الله, فهي منه يعطيها من يكون عبدا له لا لغيره, وهي الاطمئنان. الغرب إعلام والإعلام بيد الرأس مال يقول فيه ما يشاء ويصدقه بسطاء العالم.. هذه الحكاية. انظري إلى مظاهرات "احتلوا وول ستريت" لتعرفي حقيقة الغرب كما هي في الواقع لا كما في الميديا الرأسمالية.

وبيني وبينك, تمجيد فكرة الكدح والعمل يسوق لها الرأسماليون المرتاحون من الكدح والعمل ليجعلوا الشعوب عبيدا, ويزينوا هذه الصفة عند الناس ويجعلوها قيمة مقدمة على الأخلاق المعروفة حتى أوصلوهم في الكدح في مصانعهم إلى 12 ساعة في اليوم وأكثر. هذا ما يسمى قيم العمل الغربية. أيّ حياة لشخص يعمل 12 ساعة في اليوم؟ لم يبق له إلا أن يأكل وينام, ثم يُخرج كبته بالكامل في الويكند بشكل هيستيري, ما الفرق بينه وبين العبد؟! إنها حياة العبد للرأٍسمالي أو ما نسميها بالعبودية الجديدة. و من حارب العبودية القديمة هو الذي يريد أن يصنع عبودية جديدة أقل شرفا من العبودية القديمة, لأن السيد الزراعي قديما مسؤول عن عبيده أما السيد الرأسمالي فليس مسؤولا عنهم ويستطيع أن يسرحهم في أي لحظة.  

لا نجاح جزئي يكفي عن النجاح الكلي, نجاحهم يشبه من عنده عشر سيارات وليس عنده منزل! أو من يسير على قطار بعد فترة يوجد جسر منهار, ومازال يسير, لكنه سيصل إلى الوادي عاجلا أم آجلا. شمولية النجاح أهم من النجاح والتميز, أن ننجح قبل الموت وننجح بعد الموت أهم من أن ننجح في واحدة فقط, أن ننجح وينجح ما حولنا وينجح العالم أفضل من أن يتجمع النجاح عندنا أو في مكان ما على حساب آخر, وهذا ما فعلته مادية الغرب الأنانية جعلوا العالم غير متوازن بل حتى شعوبهم ليس فيها توازن, فأمريكا أقوى وأغنى بلد فيها 60 مليون فقير من شعبها, وفيها أكبر أغنياء العالم أيضا, وإذا كان هذا تعاملهم مع شعبهم كيف سيكون تعاملهم مع الآخرين؟ الغرب يملكه المال وليس الرجال. هل هذا نجاح شامل؟ هل يفيدك أن تنجحي في مادة بدرجة 100% بينما مادة أخرى درجتها صفر؟ هل يفيد أن أنجح في الثروة وأفشل بالأخلاق مثلا؟ لا بد من الحكمة في تقييم الأمور. النظرة الجزئية أعدى أعداء الحكمة, كل جزئي غير حكيم. والجزئي هو من يجمع العام في الخاص, فيقول مثلا: السعادة في الثروة والعلاقات, أو يقول مشاكل الإنسان في الجنس كم قال فرويد أو أن الحياة كلها في إرادة القوة كما قال نيتشه.

الحكمة تعني الإحاطة, جزئية الغرب لم تحمهم من فقرائهم وفقراء العالم ولن تحميهم, ولم تحمهم حتى من الإرهاب, لأنهم تعاملوا مع الشعوب الأخرى باحتقار وقسوة وأنانية, هذا الاحتقار هو الذي دفع اليابان والصين مثلا وغيرها لأن تصبح منافسه لها ويريدون أن يأخذوا البساط من تحتهم بل كادوا. الحليب يراق في البحر وفي أفريقيا وفي سوريا يموت الأطفال والرضع من الجوع! هل أسمي هؤلاء ناجحين؟ من وجهة نظرك نعم, لأن النجاح عندك جزئي, أما بالنسبة لي فهو فشل. دول الغرب ومن معها تملك من القوة ما تستطيع أن تحل به مشاكل الدول الفقيرة والضعيفة وإيقاف أي نزاع فيها, لكنها تتفرج, بل ليتها تتفرج ببراءة, و هاهو الشعب السوري يموت ويقتل من سنين دون أن يتدخل أحد, أين مثاليات الغرب وحقوق الإنسان ودعاوى السلام؟ إنه النجاح الذي تتكلمين عنه هو الذي جعلهم يفعلون هذا, فبئس النجاح.  

اقتباس: "هناك شخصيه مشهوره بتويتر وهي امرأه صحفيه اظن انها لا دينيه وتعيش بالخارجتقول انها قابلت امرأه قالت لها انا سعيده جدا جدا جدا ولا اعرف ماهو السبب ولا اقول لأحد هذا لأنهم يصدمون ولا يصدقون ,واعتبر هذا الامر هو سري !"
 وتوجد شخصية ملحدة عربية له كتاب عن مدى السعادة التي وجدها في الإلحاد, حاصل على دكتوراه علوم من روسيا و بروفسور رياضيات في جامعات تركيا, إلى الآن نجاح وسعادة أليس كذلك؟ في النهاية عُثِر عليه منتحرا وفي جيبه رسالة انتحار قال فيها أنه سئم من تصنع الحياة, إنه الدكتور إسماعيل أدهم.

اقتباس: "اذن هناك اشخاص فعلا سعداء رغم انهم غير قريبين من الله وربما لا دينيون وربما متدينين ولكن من دين آخر غير الاسلامانا لا اتهكم او اجادل انا فقط اتسائل واريد ان اعرف هل فعلا فكرة ان السعاده هي بالقرب من (((الله فقط!))) هي فكره صحيحه وواقعيه؟لأن الفكره كمنطقيه هي قويه لكن كواقع هي تخالفه صحيح ان القرب من الله سعداء لكن ليس هم فقط هناك العكس وايضا سعداءواقصد بالسعاده هي راحة البال والرضا عن النفس والناس وعن الواقع وراحة الفكر وهدوء العقل وان تنام وانت مبتسم"
مادام أنها قوية منطقيا وجميلة كما قلتي فهذا ما يهمني, أما الواقع فلا أحد يعرفه أصلا مئة بالمئة, والواقع لا يخدم أحدا بعينه فهو يأتي يمينا ويأتي شمالا, كلما تبحث عن شيء تجد أدلة عليه في الواقع. كل شيء غير مدعَّم منطقيا هو سطحي ولا يقوم كدليل, لأن الإنسان عنده قدرة على التمثيل غير عادية فإذا أراد يستطيع أن يضحك هو يتقطع من الألم, كلٌّ يستطيع ادعاء السعادة بالكلام. ليس عندنا مصدران للمعرفة أحدهما المنطق والآخر هو الواقع, بل إن الواقع لا يمكن معرفته إلا من خلال المنطق.


والإحصاءات عن نسب الأمراض النفسية والانتحار دائما في صالح الإيمان على الإلحاد واللادينية بل حتى الصحة وطول الأعمار وسعة الصدر والتحمل, وهذا إحصاءات عن "الواقع" وليس عن الخيال. ولو كانت هذه الاحصاءات في صالح فكرتك لاعتبرتيها أدلة صارخة! أنا أتكلم عن سعادة مفسَّرة وأنت تتكلمين عن سعادة غير مفسرة منطقيا, والإحصاءات عن الواقع في صفي أكثر. وقدمت لك نماذج ليس عن سعداء فقط بل يؤلفون في السعادة ويعلمونها للناس وانتحروا! هؤلاء أساتذة في السعادة! فما بالك بالمكتئبين الذين لم يصلوا حد الانتحار؟! إذن لا سعادة بدون إله حسب مفهومك عن السعادة.

ليس كل من رأيناه يضحك نقول أنه سعيد ولا من رأيناه يعمل نقول عنه سعيد. و من الذي ينام وهو مبتسم طول عمره؟ هل أنت كذلك؟ دعينا من عالم الأفلام. هؤلاء السعداء وهم لا يعرفون الله يجب أن تبيّني لماذا هم سعداء وهم لا يعرفون الله ولا تتحججي بالواقع, نريد أن نفهم على أي أساس هم سعداء. ما هو التبرير المنطقي لسعادتهم بدون اهتمام بإله ولا دار الآخرة ولا حق ولا باطل؟! طبعا لا يمكن, أنا ذكرت واقع ومنطق, وأنت لا تستطيعي أن تقدمي منطق لماذا بعدهم عن الله يأتي لهم بالسعادة. ثم أين هذا الإنسان مرتاح البال طول حياته وينام مبتسما كل يوم ..إلخ؟

الدنيا ليست دار سعادة بل إن أتعس من فيها هم طالبوا السعادة! فهي تتهرب ممن يلاحقها.  ومن يطلب أكثر هو الأحوج أكثر, ومن يرفه عن نفسه أكثر هو المتضايق أكثر, ومن يتصنع الضحك أكثر هو الفاقد للضحك الحقيقي أكثر, ومن يطلب الإثارة أكثر هو المعاني من السأم أكثر, مثل من يتنقل ويسافر أكثر هو الفاقد للاستقرار أكثر, وطالب النجاح أكثر هو الفاقد للنجاح أكثر لأنه فاقد للطمانينة وغير مستقر في داخله ولا يشعر أنه ناجح لذلك يلهث إلى وهم سماه النجاح. كل لاهث غير سعيد وشديد الفقد, كل هؤلاء الذين قدمتيهم لإثبات وجود سعادة بدون الله أعتبرهم صورا لمرضى أو فاقدي السعادة. لو كانوا سعداء لما تعبوا كل هذا التعب بحثا عن سعادة.

إذن السعادة هي الطمأنينة, والطمأنينة لا تعني الكسل بل تعني عمل المتاح وعدم البكاء على ما لا يتاح, أداء الواجب وترك النتائج على الله, والامتلاء الداخلي, فتقل الحاجة إلى المسكنات أو الملهيات أو المرفهات أو المليارات.. إلخ من القائمة الثقيلة المرهقة التي سنموت ونتركها كما يرتاح الحصان من تسحيب عربة ثقيلة تحمل أدوات السعادة. ألا تلاحظين أنهم جعلوا الحياة صعبة؟ وكأن المبدأ "لا حياة بلا نجاح" بعد أن حددوا ما هو النجاح, والذي هو نجاح في الصراع مع الآخرين –تنافس- وترك ضحايا, كيف أستمتع بالنجاح وهو على حساب غيري؟ هذا اسمه تيسير إلى العسر, لما نسوا الله يسرهم إلى العسرى وإلى الطموح الشاق المليء بالأخطاء والأخطار, فالوصول إليه صعب والمحافظة عليه أًصعب. إنها حياة القلق والعسر التي تجعل الصدر ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء وتفتح الباب للأمراض النفسية والجسمية.


الجمعة، 27 فبراير، 2015

متى يمكن الثبات على شيء؟ / الفن / الإتقان وترتيب الداخل / متى نكره شيئا ما بشكل فعلي؟ / الضمير الخفيف والضمير الثقيل


أي شي ليس له أساس شعوري يصعب الثبات عليه (قانون) ، فمثلا لا يمكن لأحد أن يتوب عن السرقة ويعود لها مرة أخرى ثم يتوب ثم يعود مرة أخرى ويجد نفسه تلقائيا يسرق أو يضرب الناس بدون سبب و دون أن يدري ، لأن الأخلاق أساسها الثبات، و شعور الإنسان أساسا يرفض الظلم والشر، لكن الاستماع لموسيقى مثلا فإحساسنا الفطري لا يشعر أن في هذا ارتكاب خطأ لأن من يسمع الموسيقى أو يعزف يعرف أنه لا يضر أحد ولا يسرف بالمال (( طبعا إذا التزم بالضوابط مثل احترام وقت الصلاة وعدم ازعاج الجيران وعدم الغناء بكلام فاحش وعدم الاختلاط وإبعاد كل صور المجون ، لأن الفن شيء والمجون شيء آخر. والإسلام لم يحرم الجمال ولا الأصوات الجميله وإلا لكان الاستماع للبلابل والشلالات من المحرمات ، فهناك أناشيد دينية ووطنية وأناشيد تمجد الخير والشجاعة ..الخ. والله سبحانه أنكر الأصوات القبيحة (إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) لأنه صوت قبيح وصاخب ومفاجئ ، إذن المعروف جميل والمنكر قبيح ، والأصوات الموسيقية جميلة)) لكن العقل الذي يظن الموسيقى شرا ينتبه ثم يشعر الإنسان بالندم ، ثم يجد الإنسان نفسه منجذب الى سماع أغنية جميلة مرة أخرى, لأن الشعور لا يرفض الجمال لكن يرفض الشر.

الشعور الفطري يحب الجمال والتناسق والنظام وهذا موجود في الفن والموسيقى بشكل عام إذا سلمت من المجون والخلاعة ، والجمال زينة إذا سلم من المحذورات ، فالموسيقى جمال طبيعي لأنها أصوات طبيعية ، والإسلام لا يحرم الزينة وبالتالي لا يحرم الفن بل يحرم المحظورات في الفن (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وقال عن الخيل والأنعام (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ).

والفن يطهر النفس من النشاز ويعيد للشعور نظامه وترتيبه, لأن الشعور يريد أن يكون كل شيء على أصوله و يحب الإتقان ويكره الفوضى سواء فيما نسمعه أو نشاهده أو نلمسه أو نقوله أو نفعله، بينما الحياة مليئة بالتناقض والفوضى الذي تسببه أفكار الشر المختلطة مع أفكار الخير في المجتمعات. فالفن بكل صوره من نحت ورسم وعماره وموسيقى ونشيد وتلوين وغيرها ، حتى الأعمال الفنية المفيدة ماديا كالنجارة والسباكة وتنسيق الحدائق....الخ، وحتى أعمال النظافة والترتيب تعيد للشعور توازنه الذي فقده بسبب النشاز من المشاكل التي سببها أفكار الشر فينا أو في غيرنا, والتي سببها في الأخير هو الشيطان. لهذا يقترح الأطباء دائما العلاج بالعمل وربما لا يعرفون كيف يعالج العمل، وحتى مراقبة الطبيعة وتأمل الحيوانات والأحياء والنبات تقدم نفس الخدمة التي يقدمها الفن.

يحصل التطهير بقدر الإتقان ، والإتقان معناه التناسق والنظام ، فكلما كان عملك متقناً أخذت نصيبك من استعادة التوازن الداخلي ، فرتب ما في الخارج ينعكس على ما بالداخل ورتب ما بالداخل ينعكس على ما بالخارج. رتب عقلك تترتب نفسك ورتب نفسك يترتب عقلك (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ). لكن ليست كل مشاكل الشعور يستطيع العمل أو الفن ان يرتبها ، وهنا تحتاج الى التأمل والتفكير والبحث عن الله وطلب العلم الراسخ (عقل وشعور) لكي تُحَل المشاكل الأكبر ويحصل ترتيب أكبر ، وبعد التأصيل يسهل التفصيل دائما (قانون) ، فإذا كان مخطط البناء مثلا متكاملا ودقيقا من كل النواحي سيسهل التنفيذ ولا يكون فيه أخطاء.

شعورنا إذا كره شيء فهو قد اكتشف النشاز والشر في ذلك الشيء لهذا يستمر في كراهية ذلك الشيء، أما مالم نفهم الشر فيه فقد نقع فيه، فمثلا هناك من يحرم على نفسه سماع أي موسيقى وأي أغنية وأي أنشودة مع أنها قضية خلافية، وبعضهم يحرم الشعر كله إلا جزءا صغيرا منه, سيجد نفسه يقع في مخالفة هذا القرار لأنه لم يقتنع من الداخل. لكن مثلا القتل أو تعذيب الحيوان أو السرقة او الاغتصاب أو ترك الصلاة نجد أنفسنا نحرمها ونستمر في تحريمها بشكل عام ، والسبب لأن الشر فيها واضح ويعرفه شعورنا ، لاحظ مثل المشروبات الغازية أو الاكثار من القهوة والشاي أو من الشكولاتة بعضهم يستمع تحذيرات كبيرة عنها واقتنع عقله لكن يجد نفسه يطلبها ويبحث عنها والسبب أنه لم يقتنع اقتناعا كاملا أنها ضارة ، فعقله اقتنع لكن احساسه لم يقتنع ، لكن تناول السم نبتعد عنه مباشرة لأننا متأكدون من ضرره .

بإمكانك أن تهوّل شيء على أولادك وتحذرهم أشد التحذير منه لكن ستجدهم يعصونك أحيانا، بينما أشياء تحذرهم منها ويستمرون في البعد عنها ، هنا يأتي الاقتناع والبديل. أحيانا يكون الكلام مقنع مثل من يقول لأولاده: لا تلعبوا في الشارع لأنه خطر, لكن لا يقدم لهم بديل إلا شقة ضيقة ، سيجد الطفل نفسه في اختبار صعب إما أن يعصي والده أو يقع في الضجر بينما يرى الأولاد يلعبون من الشباك ، سيقع الطفل في حالة الممارسة ثم الندم ثم الممارسة مرة أخرى وهكذا..، لأنه لم يُقَدّم له بديل، ولن يستمتع بممارسة هذا الخطأ حتى لو فعله بسبب ضغط الضمير الخفيف.

الضمير الخفيف هو في الأمور التي لم يحصل الاتفاق فيها بين العقل والقلب مثل المثال السابق ، أما الضمير الثقيل فهو ما اتفق فيه العقل مع القلب في مثل النفور من الأشياء الفظيعة كالجرائم والإسراف في المعصية والظلم والقسوة على الضعفاء ..الخ، لأن العقل يقول عنها خطأ والشعور يقول عنها كذلك.


الأربعاء، 25 فبراير، 2015

لماذا يهتم الناس بالقصص والافلام والروايات؟


جانب من جوانب اعجاب الناس بالقصص والروايات والافلام هو جانب التعلم، فمثلا ينظرون كيف العروس تلبس وكيف يكون الاحتفال بها لكي يقتبسونه لحياتهم، وكذلك المواقف والتصرفات المفاجئة وردود الافعال والرد على الكلمات والتهجم الخ، وكأنه يساهم في بناء شخصية الإنسان، لأن كل إنسان يبحث عن القدوة الافضل في كل شيء.

جانب آخر : وهو متابعة القصة والحبكة، لأن شيئا له بداية تريد ان تعرف نهايته والمداخلات التي فيه، لأنه يوجد مثير أو مقدمة مثيرة ويريد أن يعرف الحل ، بحثا عن حاجات الشعور، علّه يجد شيئا يساعده في بناء شخصيته. لهذا فالاطفال يعشقون القصة اكثر من المتقدمين في السن.

وجانب آخر وهو الشخصيات، وهو مهم جدا، لأنه مثير وجذاب ، كلما تنوعت الشخصيات كلما وجد الانسان شخصية تعجبه، وهو تابع ايضا للبحث عن القدوة.

عند وصول الشخص الى القدوة الطبيعي الذي يبحث عنه الشعور، يخف عنه الاهتمام بالقصص والروايات ، ويبدأ يتحول النظر اليها الى متشابه، فهي افلام وقصص مختلفة لكنها في الاخير متشابهة.

من الدوافع ايضا : تجريب النفس من خلال القصة، بحيث تجعل نفسك مكان البطل، وترى : هل سيقدم البطل رأيا وتصرفا أفضل من رأيك ام لا. فتعمل نفسك "البطل الرديف" ، فإذا قدّم ما هو اعلى منك ولا تستطيعه اصبحت الشخصية لا تُنسى ، وإذا قدّمتَ افضلَ منه (في خيالك طبعا) سيتحول إلى دور ثانوي (كومبارس) ..

من الدوافع ايضا : نصرة الفضيلة والحماس الذي يأتي ويزداد مع عقدة القصة وحبكتها، لهذا يصاب بخيبة أمل عندما تُبتر القصة أو تنتهي نهاية غير سعيدة. و كل قصة لا يتضح فيها الخير أو الشر فاشلة، والأفشل منها ما ينتصر فيه الشر على الخير ..

هناك دوافع شكلية وسياحية مثل : التعرف على الأثاث والديكور والملابس ومناسبتها للمناسبات الاجتماعية، والمعالم السياحية والآثار ، والبحث عن جديد في هذه الامور، وهذا الدافع عند المرأة اكبر بشكل عام، بسبب ارتباطها بالمنزل والأسرة. ولا يعمم على الجميع، فهي تريد أن تعرف العالم من حولها من خلال الشاشة او الرواية، كرحلة سياحية.

وايضا من الدوافع : التعلم على الكلام، سواء من لغة ثانية او من نفس اللغة، لان الجميع في القصة والفيلم لديهم حضور بديهة.

هناك ايضا دوافع فكاهية، لانه لا تخلو القصة مهما كانت من موقف طريف أو شخصيات ظريفة.

ايضا الدافع الثقافي، فلا بد في كل قصة من معلومات جديدة ، لأن كل قصة تركز على بيئة جغرافية واجتماعية في زمان محدد، لأن الزمان والمكان من وحدات بناء القصة. هذا عدا اكتساب ثقافة لغوية وعادات وتقاليد من مجتمعات اخرى ، بما في ذلك أمثال وعبارات واستعارات وصور وطرق تفكير الى غير ذلك .. ولهذا صارت الافلام والروايات من اقوى عوامل نشر الثقافة الغربية مثلا. فمدمن الافلام الغربية عادة يأخذ حياته الاسلوب الغربي.

ايضا من الدوافع : تشغيل الخيال، وما يأتي به الخيال أجمل، بعبارة اخرى: أنت تستمتع بخيالك اكثر مما يُقدَّمه خيال غيرك .. لهذا القصص التي نقرأها تُشبِع الناحية الخيالية اكثر من تصوير نفس القصة على هيئة فيلم، لأنه يقلل دور الخيال، بل نصاب بالإحباط عندما تُمثَّل قصص قرأناها. لهذا الاطفال يحبون الشخصيات الكرتونية اكثر من الشخصيات الحقيقية، فمثلا قصة هايدي او روبنسون كروزو تمثل للأطفال بالكارتون افضل من شخصيات حقيقية لا تجذب انتباه الاطفال، لأنها اقل في إعمال الخيال ..

إن الانسان يعيش في الخيال اكثر من الواقع، أليسوا يقولون (لا حياة بلا امل)؟ والامل شيء لم يتحقق في الواقع .. وهذا يدلنا على ان التفكير الواقعي البحت والادب الواقعي شيء لا تبحث عنه النفوس، ولهذا هو فاشل، فالقصص الكلاسيكية والرومانسية تلاقي اقبالا اكثر من القصص الواقعية، مع ان الموضة في الادب الواقعي. وهذا يكشف لنا اهتمام الانسان بالدين والاخرة والحياة بعد الموت، وكأن شعور الانسان يعرف ان الواقع ليس نهاية المطاف كما يريد الماديون والأدب الملحد الفاشل مع الانسان الذي رضي بالحياة الدنيا واطمئن لها ولواقعها.

الاثنين، 23 فبراير، 2015

معجزة حفظ القرآن


من العجيب أنه على كثرة الحروب والاختلافات التي صارت بين المسلمين إلى درجة تكفير بعضهم بعضا إلا أنهم لم يختلفوا على القرآن, فلم تظهر فئة تقول أن قرآنكم خطأ وقرآننا صحيح, بل الجميع متفقون على كل آية في القرآن, وحتى من اختلفوا مع عثمان رضي الله عنه لم يختلفوا مع المصحف الذي جمعه, وهذا دليل على حفظ الله سبحانه للقرآن. لا يوجد كتاب أتانا منذ أكثر من ألف سنة وموثَّق مثل القرآن, وجاء رغم كل الاختلافات بين المسلمين, فلا أحد تجرأ أن يغير فيه ويدس فيه؛ لعلمه أنه سيفضح, لأن جميع المسلمين مجتمعين على المصحف. هناك فرِق خارجة عن الإجماع وخارجة عن الخلافة وخارجة عن الإسلام نفسه لكنها لم تخرج عن القرآن! هذا أمر عجيب, وهنالك أقاليم بعيدة عن مكة وعن العرب وبإمكانهم أن يزيدوا ويحرفوا. لماذا ضاع الإنجيل واختلف وصار عشرات الأناجيل -غير الأناجيل المفقودة- بينما القرآن محفوظ رغم اختلاف المسلمين؟ مع أنه ليس بينهما فارق زمني كبير, فالقرآن قبل 1400 سنة والإنجيل 2000 سنة, وحدث ولا حرج عن تحريف التوراة.

حفظ القرآن أعجوبة ومعجزة, العرب خطباء وبلغاء فعجيب أنهم لم يصنعوا مصحفا, لكن يظل لا اختلاف على القرآن ولا نص منافس له. فلم يظهر عدة نصوص للقرآن ونحتار أيها القرآن الصحيح. هذه معجزة فعلا, فالقرآن نزل منذ وقت بعيد وكان العرب أكثرهم لا يقرأ ولا يكتب, وكان هنالك صراعات سياسية والسياسي قادر على أن يجمع البلغاء والأدباء والمفكرين ليصنعوا مصحفا آخر, ولكن ما حصل هو أن حتى أطغى الطغاة خدموا حفظ القرآن. الله شاء أن يكون المصحف واحدا ولا تحتار أيهما الصحيح, ليكون مثابة للناس ونورا لمن يبحث عن طريق الله. ولو فكر الملحد في حفظ الله للقرآن فقط لكفاه ليصدق أنه من الله.


هنالك محاولات شاذة لتحريف القرآن ولكنها لا يعتد بها لأنها مفضوحة ومحط سخرية بين المسلمين ولم تسبب انقساما بينهم, المفترض أن يأتي من يقدم نورا آخر وكلاما جديدا أرفع مستوى من القرآن وأكثر شمولية وأجمل أدبيا وأقوى بلاغيا..إلخ, بحيث يغطي على القرآن ويجعل الناس يختلفون أيهما نصدق هذا القرآن أو هذا, وهذا مالم يحصل, إذن القرآن محفوظ.

التشابه بين القرآن والطبيعة ..



القرآن جد, وأسلوبه الجاد يذكرك بجد الحقيقة والطبيعة, مثل الحريق التي إذا اشتعلت لا تداهن ولا تجامل, ومع الجد مقترنٌ الجمال, مثل البحر والوادي والسيول, فكل شيء موجود في الطبيعة, جميعا يأتي الجمال والقسوة والرقة.. جمال وجلال.. جمال مع خوف ومع رجاء.. مثل الرعد ومثل الصواعق هنالك جمال وخوف ورجاء وكل شيء.. إلا الهزل, فالهزل هو الشيء الوحيد غير الموجود في الطبيعة, {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين}, كل هذا هو الطبيعة وكل هذا موجود في القرآن: {إنه قول فصل وما هو بالهزل}. ولاحظ أن القرآن يصف الكفار بأنهم يلعبون. هذا الفصل بين الجد والهزل يكفيك لتصدق بالقرآن, فهذا الفصل لم نعرفه في الفلسفات ولا في الأديان الأخرى, والضحك كله أساسا هو ضحك على عدم الجدية. الشعور الإنساني جاد ولا يلعب حتى لو لعبت أنت, وكلما تقترب من الحقيقة كلما تكون جادا أكثر.  

لا تدين إلا بنية الخير والصلاح والمعروف



لا يتدين الإنسان تدينا حقيقيا إلا بنية الخير, و أن يعرف بأن الله خيّر, هذا من أصول العقيدة بموجب القرآن. لهذا من يمارس الشر من خلال الدين ظانا أنه من الدين لا يمكن أن نقول أن نيته خير, مثل من يقتل أناس بريئين و يعتدي عليهم بغطاء من دينه, هو يعلم أن هذا العمل نفسه ليس خيّرا, فهذا ليس دافعه الخير بل حسبة مصالح, فقالوا له أنك ستكون شهيدا و تنتظرك الحور العين و ستدخل الجنة مباشرة و غيرها من الإغراءات, دون أن يركزوا له على خيرية العمل, ركزوا على الجزاء (وهو المصلحة) ولم يبينوا له خيرية العمل ولا أمر الله بالخير الذي هو طريق الله, فهو حين يقتل كل المخالفين له في الدين أو في المذهب هو يخالف القرآن في الآيات التي تتعلق بهذا الأمر, فهو يعتدي والقرآن يقول {لا تعتدوا}, يبلغ بالسكين و الله يقول {بالحكمة والموعظة الحسنة}, يضره من ضل و الله يقول {لا يضركم من ضل}, الله يقول {الذين لا يريدون علوا في الأرض} و هو يريد علوا ومكانة و جنة أرضية أو جنة سماوية ومشغول بهما عن التأكد من خيرية ما يعمل, لدرجة أنه لو مات بسببه مظلومون يقول : يُبعثون على نيتهم! و كأن المشكلة أن حقهم عند الله سيضيع! هو لن يضيع, المشكلة في الظلم الواقع عليهم منه هل يتحمله أم لا! فليست المشكلة مشكلتهم بل مشكلته هو! هو نقلها من مشكلته هو إلى مشكلتهم. الله حدد من يستحق القتل بالكافر المعتدي أو الفئة الباغية أو قاتل النفس بغير حق, فكيف يكون مجاهدا في سبيل الله؟ هذا سبيل الله, فسبيل الله يحدده الله وليس نحن, هؤلاء لا ينطبق عليهم وصف أنهم جاهدوا في سبيل الله بل جاهدوا في سبيل الجنة و الوعود, أو العزة والتمكين في الأرض. المؤمن رغبة الخير هي التي جعلته يؤمن بالله الذي يحث على الخير, وهي نفسها التي تجعله يجاهد في سبيل الله إذا اقتضى الأمر, إذن أول شيء يجب أن يهتم به هو خيرية ما يعمل و صلاحه, والله أمرنا بعمل الصالحات أي يجب أن نتأكد أنها فعلا صالحات, ونهى عن الأخذ بالظن والاستعجال بالشر والجهر به والفرح على عيوب الناس, وكل مجهود في مثل هذا المجال ليس من سبيل الله.

تركيزهم على الجزاء من العمل و إهمال خيريته هو عكس هدي القرآن, فالقرآن عندما حرض المؤمنين على قتال كفار قريش لم يكتف بوعدهم بالجنة بل شرح لهم خيرية العمل و أثبت أنهم مظلومين و أن كفار قريش هم المعتدين وأنهم فتنوا الناس وعذبوهم بلا ذنب, فحدد العدو وحدد الموقف الأخلاقي وهو موقف المدافعين وليس المعتدين, ووضح فساد أخلاق هؤلاء الأعداء ونكثهم للعهود وتكبرهم وظلمهم وفتنتهم للذين آمنوا وإخراجهم الرسول, كقوله تعالى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقوله: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}, فالعمل نفسه أثبت لهم القرآن أنه خيّر. لهذا من يعتدي باسم الدين بدافع المصالح التي أغروه بها -سواء دنيوية أو أخروية أو بهما معا- ليس دافعه الخير. وهذا لا يعني تشكيكا في أجر الشهيد في سبيل الله فهو لاشك أجره عظيم, لكن المشكلة بالتركيز على أجر الشهيد دون التركيز على خيرية العمل الذي يقوم به و أنه ليس شرا, فالله لا يعبد بالشّر وليس الشر طريقا إلى الجنة, و الموت في سبيل الشر ليس شهادة, فبماذا سيَشهد؟!

المشكلة أن مِن هؤلاء مَن يريدون الخير لكنهم أخذوا الدين كأيديولوجية وأوامر ونواهي لا تُعرَف حكمتها بل كما وردت و نُقلت أو استُنبِطت و شاعات, تلك الأيديولوجية تجبرهم أن يقمعوا دوافع الخير فيهم و تحرك دوافع المصلحة.

حتى تؤمن بالله يجب أن تعرف الله, لا أن تعرف جزاء الله ووعوده وجنته وحسب, الله أمر بالعدل والإحسان والبر, و قتل الأبرياء ليس فيه عدل و لا بر بل ظلم و اعتداء, وهو منكر إذا كان المنكر ما تناكره الناس كما هو تعريف المنكر, و العالَم هو الناس. والله قال جاهدوا في سبيل الله وليس في سبيل الجنة, و سبيل الله هو الخير كما يحدد معالمه القرآن. ذلك الذي يمارس الشر من خلال الدين هو مؤمن فعلا لكنه ليس مرتبطا بالخير, فهو يؤمن بالله ورسوله وكتبه و جنته و ناره وكلها تعني معاني الخير, لهذا تجد مثل هؤلاء يَعتبرون ما يؤمنون به يقينا قطعيا و ليس ظنيا, مع أنهم لم يروا الوعود الغيبية التي يقدمها دينهم مثل الجنة و الحساب في الآخرة, و هو بهذا مثل من هو مؤمن جدا بالشيوعية و وعودها ومستعد أن يضحي لأجلها.

إذن الإسلام والإيمان الذي أراده الله هو الإيمان بالله الخيّر, و هذا هو الإيمان الراسخ و المستبصر وهو الذي لا يزول أو يتأثر بالتقلبات بإذن الله, أما الإيمان الأيديولوجي فهو معرّض للسقوط أو الشروخ كلما تواجه مع الحياة و الواقع و النجاح و الفشل. وما الملحدون إلا مؤمنون سابقون لكنه إيمان غير مستبصر. ولا يمكن الاستبصار إلا على أساس الفضيلة والخير, و هو ما سماه الله بالمعروف, فلا يُعرف إلا الشيء الخيّر أي الحق, لأن المعرفة أساسها الشعور الفطري. لهذا الله ذكر لنا أسماءه في القرآن؛ لكي نعرفه, فليس لله اسم واحد مثل الأصنام, بل ذكر الصفات التي نحبها مثل الغفور الرحيم الحليم الشكور إلخ.., فعن طريق الخير نؤمن بالله و نحبه و نعرفه, لأن الله خيّر وصفاته صفات خيّرة لا تحتوي على أي شر, والمعروف معروف لأنه خيْر.

الخطورة تأتي من عزل الدين عن الأخلاق, لأنه بهذا يمكن أن يُستعمل الدين في الشر الخالص لأنه فُصِل عن أساسه الأخلاقي وصار أيديولوجية. الله ذكر في القرآن صورا من الشر, مثل قوله :{والله لا يحب الظالمين}, {إن الله لا يحب المعتدين}, {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}, {بأي ذنب قتلت}, أين من قتل الناس الأبرياء -لأجل ضغوط ومصالح صاروا هم وقودها- من هذه الآيات؟ مع أن القرار ليس بيد أولئك الأبرياء, لكن ليُضغَط بهم على من بيده القرار لأنهم هدف سهل, وكل من لا يملك قرارا في موضوع ما ولم يشارك فيه هو بريء في ذلك الموضوع. الإنسان العادي يستطيع أن يحس و يرحم فأين هو منها؟ لهذا تستغرب من مشهد شخص مظهره متدين لكنه سريع في الشر بطيء في الخير, يحب أن يغتاب الناس ويؤذيهم و مستعد أن يسرق و يكذب لأجل مصالحه ويسمي كل ذلك خير, بينما هو غير معروف و لم يتعارف الناس على خيريته. هذا لأن دينه فُصِل عن الأخلاق وبالتالي لم يعد متدينا حقيقةً بل متبع لأيديولوجية مصلحية قد لا يعرف دوافعها.

بعض الناس لا يريدون أن يُربط الدين بالأخلاق, لأنه حينئذ لو مارس عمل غير أخلاقي فسيحاسبه الناس بناء على الأخلاق, لكنه يحتج بأنه متبع لنصوص دينه, ونصوص دينه هي الخير لكن نحن لا ندري, فالحسن والقبيح والأخلاق و اللاأخلاق يراها بمعاكسة أوامر الدين وليست شيئا معروفا بالفطرة كما سمى الله الأخلاق والخير بالمعروف. وينتقي بعض النصوص التي تناسب هواه ويهمل غيرها أو يؤولها.
إذن قاعدة "لا حسن إلا ما حسنه الشرع ولا قبيح إلا ما قبحه الشرع" خطأ, لأن الشرع لا يمكن أن يغطي كل شيء, فليس صحيحا أن كل شيء سكت عنه الشرع ولم يذكره نصا هو مباح وحسن, لأن هناك أشياء منكرة لكن لم تُذكر, وإلا لقال الله: يأمرون بالشرع وينهون عن خلافه, بدلا من: {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}. من يؤمن بهذا سيكون في حلٍّ من مرجعية الأخلاق في الأفكار والسلوك و فقط متقيد بهل ورد تحريم لذلك الشيء بذاته أم لم يرد, و حتى عقله سيكون ضعيفا لأنه منفصل عن شعوره وحسه الأخلاقي ومرتبط فقط بالمصلحة و بما يعرف من نصوص وشرع وكيف تؤوَّل أو تقاس. الشرع خيّر لكنه لم يذكر كل الخير, الشرع محدد لكن الخير غير محدد, لذلك الله حث على الخير والبر والتقوى وقال: {و بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يحدد الصالحات لأنها لا تحصى, لكن منطق تلك الفكرة يحصي الخير ويحدده والخير لا يحصى وأيضا يحصي الشر والشر لا يحصى. تلك فكرة علمانية دينية تفصل الدين عن أكثر الحياة وتحدده في جزء محدد منها الذي غطاه الشرع. هل الشرع ذكر شيئا عن تلوث الجو بأدخنة المصانع؟ أو كفن الزوجة إذا توفيت مثلا؟ لهذا أكثر الفقه اجتهادات و استنباطات, ولهذا يقال : مذهب الفقيه فلان أو الفقيه فلان, وكلمة مذهب تعني فهم, أي فهم فلان. و لو كان كل شيء مذكور بالشرع لما احتاج الفقهاء للاستنباط و القياس, ولصار أي أحد عالما بمجرد معرفته بالنصوص.


الله خلق الإنسان بفطرة و أساس خير وتكلم في كتابه عن العموم لكي نقيس عليها و نفصّل منها, و لو كان الإنسان بلا فطرة خيّرة لقدم الله له رسالة مفصلة عن الخير. لو كان الخير كله مذكور في الشرع بتفاصيله لما دعا الشرع لعمل الخير والصالحات و ترك الباطل والشر, فهذه كلها كلمات عامة وكونها عامة دليل أنه لا يمكن إحصاؤها, فالحياة واسعة و متغيرة, ولهذا تأتي استفسارات و استفتاءات جديدة من الناس كل يوم. والله تكلم عن الاستنباط, وهذا يدل أن النصوص لم تغطي الحياة لهذا يستنبطون.