الاثنين، 16 فبراير، 2015

كل إنسان هو خادم لأفكار..


كل حكاية الإنسان هي حكاية أفكار, فالإنسان لا يعيش للمتعة كما يتصور الماديون بل من أجل أفكار. وما بعد حال الملحد دليلا, فهو شخص ترك الدين من أجل المتعة والشهوات ومع ذلك يترك أوقاتا ثمينة كان من الممكن أن يتلذذ بها ويتجه للنقاش الفكري مع المتدينين والصراع معهم مدى حياته كأهم موضوع يشغل باله! لا يوجد إنسان يعيش للمتعة هذه من الأفكار الوهمية التي يقدمها الشيطان, فالجميع يعيش من أجل أفكار مهما كان الشخص عاميا, ويتعبون ويضحون ويكافحون من أجلها.

لو تفكر في الأمر لرأيت أنه لا أحد يعيش من أجل أن يعيش بل من أجل أفكار, والمتعة هي شيء عرضي, فلقمة الطعام يأكلها الشخص وهو يتكلم بأفكار, وهو جالس في القصر ينسى الشخص القصر وتكاليفه ومتعه حين يتكلم في الأفكار. فأثناء مناقشة الأفكار لا مجال للمتعة, فترى ثريا مليارديرا ومع ذلك يتعصب ويتشنج من أجل أفكار, لماذا؟ المفترض أن يترك كل هذا العالم ويتجه للذة والعيش! أليس يقول الملحد أنه يعيش للمتعة؟ إذن يجب ألا يخرج من دُور المتعة والملذات الحسية, ولكنه يبقى فيها قليلا ثم يمل, ويذهب ويناقش في الدين ولا يمل, إذن لماذا هو يعيش؟ هل لما يمل منه أم لما لا يمل منه؟! تخيل أن تحضر شخص ملحد ليبرالي وتقول له: سأوفر لك ما تتمنى من اللذة الحسية لمدة أسبوع, من أكل ونساء وشذوذ جنسي وشراب ومخدرات وألعاب..إلخ, لكن لا تقل رأيك بأي شيء بل فقط قل ما تشتهي! هنا سيكتشف أن متعه معنوية, وأن هذا الأسبوع الذي وفرت له فيه كل ما يريد سيراه على أنه سجن وتعذيب نفسي, فقد حرمته من صراعه الفكري مع المتدين والذي أهم عنده من المتع.

الأفكار ليست فقط للفلاسفة, بل الإنسان أصلا لا يعيش إلا من أجل أفكار. إذن الأساس الفلسفي للفلسفة المادية كله خاطئ -فهم يفسرون الحياة كلها بناء على المصلحة-, والدليل تجربة أسبوع المتع الحسية الذي وفرته للملحد! حتى العوام الذين يتكلمون عن المتع والجنس وكأنه هو كل الحياة لو تلمس أفكاره التي يتبناها لانقض عليك من الحماس! ولو تحضر أقل الناس ثقافة ووعيا ستجد أن له رأي بالسياسة والمجتمع والتاريخ والدين... وكل شيء, إذن كل الناس يعيشون لأجل أفكار ويضحون بأكلهم وزادهم لأجل أفكار.

و كون الشخص متوقف عن البحث هذا دليل على أنه مليء بالأفكار وإلا لظل يبحث. والدليل أن كل عنده أفكار أن كل عنده رأي وحكم في كل شيء, في رجال الدين وفي المستشفيات وفي الشوارع و في السابقين...إلخ. فكل الناس أصحاب أفكار وإن لم يكن كل الناس مفكرين, فليس هناك فرق بين العوام والعلماء. والقرآن لم يفرق بين مثقفين وعوام بل خاطب الجميع فكلهم عندهم أفكار. العامي مثلا يظن أن السابقين كانوا ضخام الأجسام والعالم الدارويني يتصور السابقين أنهم كانوا قرودا, فكلهم عندهم خرافات وعندهم حقائق. وكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة للجميع فيها رأي باختلاف التفاسير وبغض النظر عن الصح والخطأ, كل موضوع أو حدث أو قضية تجد كلّ له رأي فيها. القرآن لم يفرق بين عامي ومتعلم, وبين رجل وامرأة, وبين مثقف وغير مثقف, بل خاطب الجميع :{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَ‌ةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}.

الإنسان هو عبارة عن مجموعة أفكار, هذا أفضل تعريف للإنسان, فهو مجموعة أفكار يعيش من أجلها: {لكل وجهة هو موليها}, {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم}. فالجميع يمشي ولا أحد متوقف, فمنهم من يعيش لأجل أن يبني نفسه ويعظم ذاته أو من يعيش لأجل أن يبني وطنه من فكرة معينة...إلخ. بدليل أن الحرب بين الناس هي حرب أفكار وأحكام على الأشياء. هذه الأحكام لها روابط بفطرة الإنسان وشعوره وعقله, فكلٌّ يحاول أن يثبت أن أفكاره هي المنطقية وهي الفطرية, أي أن كلاًّ يحاول أن يربط أفكاره بالإنسان, فكلٌّ عنده باقة أفكار ويحاول أن يثبت للآخرين أن أفكاره هي التي ترتبط بالإنسان وبالحقيقة التي هي للإنسان في الأخير. و كلٌّ يقول لو طُبِّقت أفكاري لصارت الحياة سعيدة. إذن كل عنده مشروع, حتى العجوز التي تعجن في منزلها لديها أفكار وتعيش لأجلها ولها رؤية بكل شيء, فلو تسألها عن الدولة تجد لها رأيا ولو تسألها في المجتمع تجد لها رأيا ولو تسألها عن الولد كيف يجب أن يكون تجد لها رأيا والزواج الناجح كيف يكون.. إلخ. إذن كل الناس يعيشون على أفكار ومن أجل الأفكار. يستغرب بعض الناس من قول الله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وهاهم يعبدون أفكارا, فالعبودية ليست بشيء غريب على الناس.

ما يدلك على هذا أنه لا أحد عنده أفكار بالعالم إلا ويريد بثها للآخرين, فلماذا يكلفون أنفسهم؟ الرغبة ببث الأفكار دليل أنها هي الهدف. ما دامت أفكارك حسنة عشها وكفى! لكن لا يكفي, يريدون أن ينشروها ويخدموها, فالجميع يخدم أي الجميع يعبد, حتى الناس الطماعين والماديين, {رأيت من اتخذ إله هواه}, فلو كانوا فعلا ماديين لما واصلوا جمع المال وكدسوه بل لصرفوه واستمتعوا به, وهو ليس بحاجة لمبالغ طائلة يتعب طوال عمره من أجل جمعها حتى يستمتع, بل ما لديه الآن يكفيه ليستمتع به أكثر من عمره! إذن الحكاية أن هذا البخيل يخدم فكرة المادية ويكرسها بالناس, وإذا رأوه الناس خافوا من الفقر, فهذا البخيل يسير مع فكرة الشيطان المخوفة من الفقر, وبالتالي يخدم فكرة للشيطان أي يعبده فيها. و العبادة هي خدمة أفكار أًصلا, وعبادة الله هي خدمة أفكار, أليس المؤمنون بالله يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويدعون إلى الله ويحبون من يتبنى أفكار العبودية؟ إذن العبودية هي خدمة أفكار.

لو كان البشر همهم أن يعيشوا لأجل أن يعيشوا لهدأت الدنيا, فلماذا يتصارعون ويتحاربون؟ هم يتصارعون في بستان مليء بالتفاح! لماذا لا يأكلوها بدلا من أن يتقاتلوا ويخربوها؟ الحيوان هو من يعيش لأجل أن يعيش وليس الإنسان, لذلك لم تضق الحياة بالحيوان و ضاقت بالإنسان.

الحياة عبارة عن أفكار, والأفكار نوعان أفكار تؤدي إلى الله وأفكار تؤدي إلى الشيطان, أفكار الشيطان هي على نوعين: داخل الدين وخارج الدين. {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو}, إذن الحياة الدنيا ميدان صراع وعداء فكري بين الخير والشر, يتبعه ما يتبعه. هذا واقع الحياة.


هناك تعليقان (2) :

  1. السلام عليكم ورحمة الله و بركاته .. اسمح لي التعبير اعجابي الشديد للمدونه و المواضيع المتجدده و جل امتناني لله على وجود امثالكم ممن من فتح الله عليهم بالعلم و المعرفه و اعطاهم القدرة على نشره .. و ارجو منك الحديث ايضا عن خواطر النفس و التخاطر بين البشر و كيفية التعامل معهما والتحكم فيها . زداك الله من فضله .. و شكرا جزيلا لك

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا جزيلا لك على هذه الاطلالة، وشكرا على تعليقك الجميل والمشجع ، وأتمنى المزيد من مشاركاتك وتعليقاتك ..

      بامكانك الاطلاع على هذا الموضوع في المدونة :

      http://alwarraq0.blogspot.com/2015/05/blog-post_4.html

      حذف