الاثنين، 23 فبراير، 2015

لا تدين إلا بنية الخير والصلاح والمعروف



لا يتدين الإنسان تدينا حقيقيا إلا بنية الخير, و أن يعرف بأن الله خيّر, هذا من أصول العقيدة بموجب القرآن. لهذا من يمارس الشر من خلال الدين ظانا أنه من الدين لا يمكن أن نقول أن نيته خير, مثل من يقتل أناس بريئين و يعتدي عليهم بغطاء من دينه, هو يعلم أن هذا العمل نفسه ليس خيّرا, فهذا ليس دافعه الخير بل حسبة مصالح, فقالوا له أنك ستكون شهيدا و تنتظرك الحور العين و ستدخل الجنة مباشرة و غيرها من الإغراءات, دون أن يركزوا له على خيرية العمل, ركزوا على الجزاء (وهو المصلحة) ولم يبينوا له خيرية العمل ولا أمر الله بالخير الذي هو طريق الله, فهو حين يقتل كل المخالفين له في الدين أو في المذهب هو يخالف القرآن في الآيات التي تتعلق بهذا الأمر, فهو يعتدي والقرآن يقول {لا تعتدوا}, يبلغ بالسكين و الله يقول {بالحكمة والموعظة الحسنة}, يضره من ضل و الله يقول {لا يضركم من ضل}, الله يقول {الذين لا يريدون علوا في الأرض} و هو يريد علوا ومكانة و جنة أرضية أو جنة سماوية ومشغول بهما عن التأكد من خيرية ما يعمل, لدرجة أنه لو مات بسببه مظلومون يقول : يُبعثون على نيتهم! و كأن المشكلة أن حقهم عند الله سيضيع! هو لن يضيع, المشكلة في الظلم الواقع عليهم منه هل يتحمله أم لا! فليست المشكلة مشكلتهم بل مشكلته هو! هو نقلها من مشكلته هو إلى مشكلتهم. الله حدد من يستحق القتل بالكافر المعتدي أو الفئة الباغية أو قاتل النفس بغير حق, فكيف يكون مجاهدا في سبيل الله؟ هذا سبيل الله, فسبيل الله يحدده الله وليس نحن, هؤلاء لا ينطبق عليهم وصف أنهم جاهدوا في سبيل الله بل جاهدوا في سبيل الجنة و الوعود, أو العزة والتمكين في الأرض. المؤمن رغبة الخير هي التي جعلته يؤمن بالله الذي يحث على الخير, وهي نفسها التي تجعله يجاهد في سبيل الله إذا اقتضى الأمر, إذن أول شيء يجب أن يهتم به هو خيرية ما يعمل و صلاحه, والله أمرنا بعمل الصالحات أي يجب أن نتأكد أنها فعلا صالحات, ونهى عن الأخذ بالظن والاستعجال بالشر والجهر به والفرح على عيوب الناس, وكل مجهود في مثل هذا المجال ليس من سبيل الله.

تركيزهم على الجزاء من العمل و إهمال خيريته هو عكس هدي القرآن, فالقرآن عندما حرض المؤمنين على قتال كفار قريش لم يكتف بوعدهم بالجنة بل شرح لهم خيرية العمل و أثبت أنهم مظلومين و أن كفار قريش هم المعتدين وأنهم فتنوا الناس وعذبوهم بلا ذنب, فحدد العدو وحدد الموقف الأخلاقي وهو موقف المدافعين وليس المعتدين, ووضح فساد أخلاق هؤلاء الأعداء ونكثهم للعهود وتكبرهم وظلمهم وفتنتهم للذين آمنوا وإخراجهم الرسول, كقوله تعالى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقوله: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}, فالعمل نفسه أثبت لهم القرآن أنه خيّر. لهذا من يعتدي باسم الدين بدافع المصالح التي أغروه بها -سواء دنيوية أو أخروية أو بهما معا- ليس دافعه الخير. وهذا لا يعني تشكيكا في أجر الشهيد في سبيل الله فهو لاشك أجره عظيم, لكن المشكلة بالتركيز على أجر الشهيد دون التركيز على خيرية العمل الذي يقوم به و أنه ليس شرا, فالله لا يعبد بالشّر وليس الشر طريقا إلى الجنة, و الموت في سبيل الشر ليس شهادة, فبماذا سيَشهد؟!

المشكلة أن مِن هؤلاء مَن يريدون الخير لكنهم أخذوا الدين كأيديولوجية وأوامر ونواهي لا تُعرَف حكمتها بل كما وردت و نُقلت أو استُنبِطت و شاعات, تلك الأيديولوجية تجبرهم أن يقمعوا دوافع الخير فيهم و تحرك دوافع المصلحة.

حتى تؤمن بالله يجب أن تعرف الله, لا أن تعرف جزاء الله ووعوده وجنته وحسب, الله أمر بالعدل والإحسان والبر, و قتل الأبرياء ليس فيه عدل و لا بر بل ظلم و اعتداء, وهو منكر إذا كان المنكر ما تناكره الناس كما هو تعريف المنكر, و العالَم هو الناس. والله قال جاهدوا في سبيل الله وليس في سبيل الجنة, و سبيل الله هو الخير كما يحدد معالمه القرآن. ذلك الذي يمارس الشر من خلال الدين هو مؤمن فعلا لكنه ليس مرتبطا بالخير, فهو يؤمن بالله ورسوله وكتبه و جنته و ناره وكلها تعني معاني الخير, لهذا تجد مثل هؤلاء يَعتبرون ما يؤمنون به يقينا قطعيا و ليس ظنيا, مع أنهم لم يروا الوعود الغيبية التي يقدمها دينهم مثل الجنة و الحساب في الآخرة, و هو بهذا مثل من هو مؤمن جدا بالشيوعية و وعودها ومستعد أن يضحي لأجلها.

إذن الإسلام والإيمان الذي أراده الله هو الإيمان بالله الخيّر, و هذا هو الإيمان الراسخ و المستبصر وهو الذي لا يزول أو يتأثر بالتقلبات بإذن الله, أما الإيمان الأيديولوجي فهو معرّض للسقوط أو الشروخ كلما تواجه مع الحياة و الواقع و النجاح و الفشل. وما الملحدون إلا مؤمنون سابقون لكنه إيمان غير مستبصر. ولا يمكن الاستبصار إلا على أساس الفضيلة والخير, و هو ما سماه الله بالمعروف, فلا يُعرف إلا الشيء الخيّر أي الحق, لأن المعرفة أساسها الشعور الفطري. لهذا الله ذكر لنا أسماءه في القرآن؛ لكي نعرفه, فليس لله اسم واحد مثل الأصنام, بل ذكر الصفات التي نحبها مثل الغفور الرحيم الحليم الشكور إلخ.., فعن طريق الخير نؤمن بالله و نحبه و نعرفه, لأن الله خيّر وصفاته صفات خيّرة لا تحتوي على أي شر, والمعروف معروف لأنه خيْر.

الخطورة تأتي من عزل الدين عن الأخلاق, لأنه بهذا يمكن أن يُستعمل الدين في الشر الخالص لأنه فُصِل عن أساسه الأخلاقي وصار أيديولوجية. الله ذكر في القرآن صورا من الشر, مثل قوله :{والله لا يحب الظالمين}, {إن الله لا يحب المعتدين}, {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}, {بأي ذنب قتلت}, أين من قتل الناس الأبرياء -لأجل ضغوط ومصالح صاروا هم وقودها- من هذه الآيات؟ مع أن القرار ليس بيد أولئك الأبرياء, لكن ليُضغَط بهم على من بيده القرار لأنهم هدف سهل, وكل من لا يملك قرارا في موضوع ما ولم يشارك فيه هو بريء في ذلك الموضوع. الإنسان العادي يستطيع أن يحس و يرحم فأين هو منها؟ لهذا تستغرب من مشهد شخص مظهره متدين لكنه سريع في الشر بطيء في الخير, يحب أن يغتاب الناس ويؤذيهم و مستعد أن يسرق و يكذب لأجل مصالحه ويسمي كل ذلك خير, بينما هو غير معروف و لم يتعارف الناس على خيريته. هذا لأن دينه فُصِل عن الأخلاق وبالتالي لم يعد متدينا حقيقةً بل متبع لأيديولوجية مصلحية قد لا يعرف دوافعها.

بعض الناس لا يريدون أن يُربط الدين بالأخلاق, لأنه حينئذ لو مارس عمل غير أخلاقي فسيحاسبه الناس بناء على الأخلاق, لكنه يحتج بأنه متبع لنصوص دينه, ونصوص دينه هي الخير لكن نحن لا ندري, فالحسن والقبيح والأخلاق و اللاأخلاق يراها بمعاكسة أوامر الدين وليست شيئا معروفا بالفطرة كما سمى الله الأخلاق والخير بالمعروف. وينتقي بعض النصوص التي تناسب هواه ويهمل غيرها أو يؤولها.
إذن قاعدة "لا حسن إلا ما حسنه الشرع ولا قبيح إلا ما قبحه الشرع" خطأ, لأن الشرع لا يمكن أن يغطي كل شيء, فليس صحيحا أن كل شيء سكت عنه الشرع ولم يذكره نصا هو مباح وحسن, لأن هناك أشياء منكرة لكن لم تُذكر, وإلا لقال الله: يأمرون بالشرع وينهون عن خلافه, بدلا من: {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}. من يؤمن بهذا سيكون في حلٍّ من مرجعية الأخلاق في الأفكار والسلوك و فقط متقيد بهل ورد تحريم لذلك الشيء بذاته أم لم يرد, و حتى عقله سيكون ضعيفا لأنه منفصل عن شعوره وحسه الأخلاقي ومرتبط فقط بالمصلحة و بما يعرف من نصوص وشرع وكيف تؤوَّل أو تقاس. الشرع خيّر لكنه لم يذكر كل الخير, الشرع محدد لكن الخير غير محدد, لذلك الله حث على الخير والبر والتقوى وقال: {و بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يحدد الصالحات لأنها لا تحصى, لكن منطق تلك الفكرة يحصي الخير ويحدده والخير لا يحصى وأيضا يحصي الشر والشر لا يحصى. تلك فكرة علمانية دينية تفصل الدين عن أكثر الحياة وتحدده في جزء محدد منها الذي غطاه الشرع. هل الشرع ذكر شيئا عن تلوث الجو بأدخنة المصانع؟ أو كفن الزوجة إذا توفيت مثلا؟ لهذا أكثر الفقه اجتهادات و استنباطات, ولهذا يقال : مذهب الفقيه فلان أو الفقيه فلان, وكلمة مذهب تعني فهم, أي فهم فلان. و لو كان كل شيء مذكور بالشرع لما احتاج الفقهاء للاستنباط و القياس, ولصار أي أحد عالما بمجرد معرفته بالنصوص.


الله خلق الإنسان بفطرة و أساس خير وتكلم في كتابه عن العموم لكي نقيس عليها و نفصّل منها, و لو كان الإنسان بلا فطرة خيّرة لقدم الله له رسالة مفصلة عن الخير. لو كان الخير كله مذكور في الشرع بتفاصيله لما دعا الشرع لعمل الخير والصالحات و ترك الباطل والشر, فهذه كلها كلمات عامة وكونها عامة دليل أنه لا يمكن إحصاؤها, فالحياة واسعة و متغيرة, ولهذا تأتي استفسارات و استفتاءات جديدة من الناس كل يوم. والله تكلم عن الاستنباط, وهذا يدل أن النصوص لم تغطي الحياة لهذا يستنبطون. 

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق