الاثنين، 4 نوفمبر، 2013

حول الفلسفة الرواقية والمنطق الصوري




الفلسفة الرواقية قريبة من الفلسفة البوذية التي تولّد عنها فكر الزهد والتصوف, ويبدو أن زينون وغيره من الرواقيين متأثرين بالفلسفات الشرقية الأقدم منهم, وفي هذه النقطة هي على طرف نقيض مع الفلسفة الأبيقورية القائمة على أن الخير في اتباع المتعة والشر في الألم.

يقول الرواقيون أن الحياة يجب أن تعاش وفق الطبيعة, لكنهم لم يفسروا ما يقصدون بالطبيعة.

المعرفة عند الرواقيين معرفة حسية، وهم بهذا يشبهون "جون لوك" وأن المعرفة آتية من الحواس والإنسان يولد ورقة بيضاء بلا عقل. وهذه نظرة مادية متناقضة مع فلسفة الزهد ومتناقضة مع الأخلاق, لأن اعتبار الحواس هي المصدر للمعرفة والأخلاق عندهم مبنية على معرفة؛ إذن الأخلاق مادية ونتيجة مصالح –حسب هذه الفلسفة- ! وعلى هذا الأساس المادي: من أين جاء رفض المتعة واللذة ما دامت المعلومات كلها مادية؟ هذه النظرة المادية تناسب الأبيقوريين، وتناسب الأبيقوريون الجدد من الملاحدة في هذا العصر, الذين ينظرون أن كل شيء مادة، وأن المتعة هي التي تحدد علاقتنا بالمادة، وما الأخلاق إلا نتيجة للمتعة والمصلحة!

 أما ما يقال أن مصدرهم الثاني للمعرفة وهو التصورات الكلية المأخوذة من عدة تصورات حسية، فهم اعتبروه مصدراً ثاني بينما هو نتيجة للمصدر الأول، فلو انعدمت الحواس لانعدمت المعرفة, وهذا غير صحيح, هذا الكلام ينطبق على المعرفة المادية فقط لكن لا ينطبق على المعرفة المعنوية, لأن المولود الصغير يعرف معنى الابتسام والعبوس ومعنى الوحشة والألفة وغير ذلك, وهذا من أين حصل عليه؟

هناك شيء اسمه شعور فطري في الإنسان هو أساس المعرفة وهو أساس العقل, وما الحواس إلا رابط له بالعالم الخارجي, وهو أساس الحواس أيضاً وليست الحواس أساسه, فالحواس تنقل إليه, وهو الذي يقيّم ما تنقله الحواس, وإذا كان الشعور منشغلاً بشيء آخر فإن الإنسان لا يستفيد من الحواس في تلك اللحظة.

ليس كل ما تقدمه الحواس نعرفه، فالمسألة ليست كاميرات أو آلات تسجيل, هذا غير أننا نعرف ما لم تقدمه الحواس، بدليل أننا ندفع الحواس للمعرفة من دون أن نأخذ إشارة من الحواس, فأكثر ما نفعله من قراءة أو اطلاع أو تفرج على التلفاز هي عملية حث للحواس، لا أن هذه الأشياء وقعت على حواسنا ثم بحثنا عن معرفتها، فالبداية كانت منا, بدليل أن الطفل يحرّك عينيه ويبحث هو عن شيء ليراه, فهو يبحث عن أشياء يريد أن يراها، لا لكي يرى أي شيء. المعرفة غاية عند الإنسان في فطرته وليس أنها سقطت عليه بالصدفة من خلال الحواس, بدليل أن من يفتقر إلى بعض الحواس تجده يعوّض.

لو كانت الحواس هي مصدر المعرفة لعرف المجنون ذو الحواس الكاملة مثلما يعرف السليم عقلياً, كذلك الحيوان الذي عنده حواس أدق من حواس الإنسان!

يقول زينون الرواقي أن مراحل المعرفة هي:
أفكار حقيقية – تصديق – فهم – علم
السؤال: كيف يكون التصديق يسبق الفهم؟! ثم ما هو العلم إذن؟ وهل ما يُعرف إلا الأفكار الحقيقية؟ هناك معرفة تقوم على أفكار غير حقيقية أيضاً! ثم ما أسموه بالعلم هذا تطبيق واستفادة؛ لأن العلم تم بحالة الفهم.

وفيما يلي اقتباسات من مقال يتحدث عن الفلسفة الرواقية مع تعليق عليها:
اقتباس:
 ((يسعى المنطق الرواقي إلى أن يحدد تضمن الحوادث وفقا للحقيقة ولا يهتم بدراسة دمج التصورات بعضها إلى بعض. فالقضية عند الرواقيين ليست حكما حملياً تسند محمولات إلى موضوع نحو(الغزال حيوان) بل هي قضية تعبر عن حوادث (الشمس ساطعة) أو (السماء ممطرة)، بمعنى آخر، القضية عند الرواقيين هي صدور فعل عن فاعل (سقراط يتكلم) وليست وضع نسبة بين معنيين كما هي حالها عند أفلاطون وأرسطو. فالاستدلال الأرسطي يقوم على دمج مفاهيم في نموذج معروف: (كل إنسان فان ـ سقراط إنسان : سقراط فان).
أما الاستدلال الرواقي فيستند أساسا إلى تضمن العلاقات الزمانية: (إذا كان في ثديي هذه المرأة حليب، فذلك لأنها ولدت). هكذا أحل الرواقيون منطق اللزوم أو الاستتباع مكان منطق التلازم أو الاستغراق. فمعرفة العلاقات الزمانية وروابط الضرورة بين مقدم وتال هي المهمة الأولى للإنسان الذي يريد أن يعيش وفق العقل أي وفق الطبيعة. هنا نجدنا أمام فكرة القانون بدلاً من فكرة الماهية.
))

التعليق:
 هذا يعني أن كل من الرواقيين وسقراط عندهم نقص في الإحاطة تشمل كلا الحالتين, فكلا الوضعين موجود في الواقع. بشكل عام نظرتهم للمنطق سطحية, فتقسيمهم للمنطق على أنه ديالكتيك أو خطابة هي نظرة للشكل أكثر من المضمون, بينما أرسطو ينظر لمضمون المنطق أكثر.

يبدو أن الفلسفة الرواقية تقبل الأشياء كما هي، لهذا تبنتها الدولة الرومانية؛ لأنها تساعد على إخضاع الناس وقبول الواقع, والفكرة تسربت أيضاً إلى الفكر الديني لاحقاً, مثلما ظهر في بني أمية فكرة الجبرية.

اقتباس:
((شعار الرواقية كما قدمنا هو العيش في وفاق مع الطبيعة، فإذا كان الحكيم لا يستطيع أن يغير من سنن الكون شيئاً فبوسعه أن يتقبل بكل الرضا جميع ما يحمله قدره إليه فلا يجزع أو يحزن على أحد مهما كانت صلته به، وبوسعه أن يستأصل من نفسه كل ما يخالف منطق العقل من ألم وخوف وأوهام. لكن ما هو حيز الحرية المتروكة للإنسان أمام هذه الجبرية المطلقة؟ ألم يسخر الأبيقوريون مما يراه البعض قدرا وأن الإنسان نفسه هو سيد هذا العالم ولا سيد له؟ 
الانفعال إذا هو الصادر عن رضا النفس أو نفورها بإزاء إحساس ما أو حدث ما.  فليس حكمنا بأن موت الصديق مصيبة هو الذي يحرك النفس بل حكمنا أنه من اللازم أن نحزن لهذا المصيبة، فإذا أردنا أن نستبعد الحزن وجب أن نستبعد هذا الحكم الأخير. ينقل عنهم شيشرون: (( كيف لا نقوم بأحكام خاطئة؟ لقد علمونا ذلك منذ طفولتنا. إذا ما تعثرنا بحجر وبكينا تنهال المربية التي تعلمنا المشي بالضرب على الحجر بدلاً من أن توبخنا. إيه ربي، ما ذنب هذا الحجر المسكين؟! هل كان عليه هو أن يخمن أننا سنتعثر به وأن يغير مكانه؟! عندما نصبح كباراً ونكلف بالوظائف نجد أنفسنا كل يوم أمام أسئلة مشابهة. هو ذا السبب في أننا نعيش ونموت أطفالاً(...) ندعو في الحياة طفلاً من لا يعرف كيف يعيش ولا يمتلك آراء سليمة      ))
         

التعليق:
فكرة عدم الفرح وعدم الحزن لأي حدث فكرة تخالف الطبيعة البشرية، في حين أنهم ينادون بالالتزام بنظام الطبيعة, لكنهم ينظرون للطبيعة المادية ولم ينظروا للطبيعة الإنسانية بأي نظرة, وهذه الفكرة الرواقية أيضاً نجدها تتسرب إلى بعض المفكرين والشعراء كما قال المتنبي:
 أنا لا أرى الأحداث مدحاً ولا ذماً
 ورددها المعري كثيراً في مثل قوله:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي *** نوح باكٍ ولا ترنم شادي

كل الفلسفة اليونانية والغربية هي محاولات للتأقلم مع عدم فهم الإنسان, هم لم يفهموا الإنسان بل يدورون حول الإنسان, كل الحكمة القديمة والحديثة والفلسفة تدور حول الإنسان وليس داخله. حتى فلسفة أرسطو في المنطق الصوري هو وصف، لكنه لا يذكر لماذا ولا من أين جاء. هؤلاء فلاسفة ظواهر الإنسان وكيف نتعامل معها, أحدهم يقول: اكبتها، وآخر يقول: أطلقها، فالرغبات مثلاً أحد يقول اكبتها وأحد يقول أطلقها, وتستطيع أن تقسم هذا على كل الفلاسفة.

المعرفة نفسها بعضهم يقول أنها موجودة على شكل ذاكرة في ملفات الإنسان، مثل سقراط، وأن التعليم عبارة عن تذكير, وبعضهم يقول: كلا بل يولد ورقة بيضاء والحواس تطبع فيه. وهذا كله وصف من الخارج ولا أحد منهم يؤصل من داخل الإنسان.

 لهذا اقتضت الحاجة لدراسة الشعور الإنساني، وهو مصدر معرفة الإنسان, هم يدورون حول سلوكات الإنسان وحركاته، لكن السؤال: أين مرجعها؟ وهنا يبدأ الاختلاف.

يتعاملون مع الإنسان كأنه فراغ في داخله, والحقيقة العكس تماماً, هو من الداخل يطبع على الخارج، قال تعالى: {فألهمها فجورها وتقواها} وقال: {علّم الإنسان ما لم يعلم} , بينما هم لا يؤمنون أن الإنسان يفهم من نفسه ويحكم على الخارج.

كل هذه نظرات مادية, الفلسفة اليونانية مغرقة بالمادية, بل إن نصفها يعتبر مادياً خالصاً كالفلاسفة الذريين، والنصف الآخر من يسمون مثاليين، هم عقلانيون، والعقلانية بنت المادة أيضاً! فالغرب ليس مادياً من الآن بل من الأساس.

اقتباس:
((السعادة نتيجة للفضيلة، والفضيلة كائن حي، فهي من حيث الماهية بالفكر تكون، لنقل أنها رصانة عقلية. يقول ديوجينس اللارسي: (( إن من أغضبك ليس ذلك الشخص بل رأيك أنت، فاسع قبل كل شيء ألاتترك نفسك تنجرف مع خيالك، لأنك إذا ما تمهلت وترويت سيسهل عليك أن تكون سيد نفسك)). أما أبيكتيتوس فيتساءل قائلاً: (( ماذا يجعل الطاغية مخيفاً؟)) يتابع: ((إنهم أصحابه وأتباعه المسلحون بالسيوف والرماح. لكن الطفل يقترب منهم دون أن يخافهم. لماذا؟ لأنه لا يعرف الخطر. وأنت عليك ألا تعرفه وتزدريه)).


التعليق:
وهذا ما ظهر في فلسفة "جان جاك روسو" الذي يقول: دع الطفل يفعل ما يشاء ويتعلم من نفسه ولا تخوفه من شيء. وهذا ينم عن جهل عما في داخل الإنسان, هو لا يريد معاناة الخوف لكن داخل الإنسان يريد أن يخاف لكي يبقى، والخوف أكبر مؤثر في الإنسان.

 ثم كيف تمسح المعرفة؟؟ هو يتصور أنها تمسح, لا يمكن أن تمسح معرفة عرفها الإنسان من شعوره، مع أنه قد تمسح معالمها المادية من عقله؛ لأن الشعور لا ينسى.

مشكلة الفلاسفة عدم معرفتهم بالشعور، فمعرفة الشعور وقوانينه تنسف كل الأبحاث التي تريد أن تفهم الإنسان من خارج الإنسان, كل الفلسفات قديمها وحديثها تشبه محاولات الوصول إلى مدينة لكنها لم تنجح, فلسفة المنهج الطبيعي الإٍسلامي هي الوحيدة التي وصلت إلى المدينة أو على الأقل دخلت مشارفها.

اقتباس:
((فليس حكمنا بأن موت الصديق مصيبة هو الذي يحرك النفس بل حكمنا أنه من اللازم أن نحزن لهذا المصيبة، فإذا أردنا أن نستبعد الحزن وجب أن نستبعد هذا الحكم الأخير. ))
التعليق:
الرواقية تنظر للمشاعر الإنسانية على أنها أفكار مستقاة من الآخرين، وهذا وهم كبير , لأن المشاعر من الشعور الفطري الموجود عند الجميع, هو لا يريدك أن تحزن إذا مات صديقك على اعتبار أن الفكرة السائدة تقول عليك أن تحزن! هذا يدل على أنهم يتصورون الإنسان كعقل فقط فيه معلومات، وليس له شعور خاص ومشترك بين الجميع, كل ما عليك أن تزيل هذه الفكرة حينها سترتاح من الحزن على صديقك! لكن السؤال لهم: لو وضعنا مكانها فكرة أن نفرح لموت صديقنا؟! هذا منسجم منطقهم! وبالتالي تقيم حفلة راقصة لموت صديقك لأنك غيرت الفكرة!!

 و هذا الأساس الرواقي نجده عند جماعة البرمجة العصبية, التي تنادي بتغيير الأفكار بطريقة البرمجة. كل هذا سببه عدم معرفة أن للإنسان شعور مشترك لا يتغير, والدليل هو فشل  كل هذه الأفكار والفلسفات بتغيير الإنسان. هؤلاء لم يسألوا أنفسهم إذا كانت هذه أفكار, من الذي أخرجها؟ من الذي أوحى للناس احزنوا إذا مات صديقكم ونشرها بينهم بهذه الدرجة؟!  

اقتباس:
((عند الرواقيين السعادة ليست فردية ولا يمكن لها أن تكون كذلك بل هي جماعية، فما ليس بنافع للخشرم (جماعة النحل) ليس بنافع للنحلة. فالاجتماع الإنساني هو بحد ذاته موافق للطبيعة وهو صادر عن الأسرة التي هي جماعة طبيعية بامتداد التعاطف إلى خارج نطاقها. أما الأعراف والقوانين المختلفة بين الشعوب فهي عرفية بحتة ولا ينبغي أن يقف التعاطف بين الناس عند حد ولا أن يتفرقوا مدنا وشعوباً فجميعهم أخوة وليس بينهم أسياداً أو عبيداً. وعلى الحكيم الرواقي بالتالي ألا يعلن نفسه مواطناً أثينياً وحسب بل مواطناً في العالم أجمع. هنا تكرس الرواقية مفهوم المواطنة العالمية وتسجل نقلة نوعية لمفهوم المساواة))
التعليق:
النظرة إلى أن السعادة لا تكون إلا جماعية ولا تكون فردية، وبناءً على ذلك تعظيم الأسرة والمجتمع وتشبيهه بالنحل، هذا يشير إلى الفلسفات الشرقية خصوصاً الكونفوشية, مع أن الواقع لا يؤيد هذا الكلام, فقد يكون الفرد سعيداً في وسط مجموعة شقية وقد يكون مطمئناً في وسط جهلة كما كان الأنبياء.

كل ما سبق يجعل الرواقية مناسبة للطبقات الحاكمة، يؤيده فكرة عدم الفروق بين الناس كي تناسب دولة تجمع شعوباً متعددة كروما، وتحاول صهرهم في بوتقة رومانية واحدة. وكانت الرواقية مؤهلة للتسلل إلى أي تدين سياسي كما كانت مناسبة في أصولها في الصين والهند.


.........................................................

أما بالنسبة للمنطق الصوري فهذا الإقتباس مختصر له :

يقوم هذا المنطق على قوانين ثلاثة وضعها أرسطو للتفكير الصحيح، يرى أنها بديهية أى واضحة بذاتها وليست بحاجة إلى برهان, وأن صدقها ضرورى في كل زمان ومكان، ومن ثم لا تخضع للتغيير أو التبديل أو التنقيح مهما تغيرت المعرفة الإنسانية، لأنها تتفق مع بداهة العقل السليم وهذه القوانين هي:
قانون الهوية أو (الذاتية):
ينص هذا القانون على أن "الشئ هو نفسه " وهو يعبر عن أبسط الأحكام لأن أبسط الأحكام هو الحكم بأن الشئ هو نفسه مثل أن نقول (الإنسان هو الإنسان)و (المرأة هي المرأة), ورمز هذا القانون (أ هو أ).
قانون عدم التناقض :
نقيض الشئ هو نفيه ،فنقيض الحكم بأن هذا الشئ " قلم " هوالشئ نفسه " ليس قلماً "، والكلام المتناقض هو الذي ينفى بعضه بعضاً, وفى ذلك مخالفة لقانون الهوية لأن إذا كان الشئ هو نفسه بمقتضى قانون الهوية، فلا يجوز - حينئذ -أن نصف الشئ نفسه بصفة أو بنقيض هذه الصفة في الآن نفسه، وإلا نكون قد وقعنا في تناقض واضح، ورمز هذا القانون هو (الشئ لايمكن أن يكون "أ" و"لاأ" في آن واحد.
قانون الوسط المرفوع أو الثالث الممتنع
إذا كان "الشئ هو نفسه" طبقاً لقانون الهوية، وإذا كان لايجوز منطقياً وطبقاً لقانون عدم التناقض أن نصف شيئاً واحداً بأنه هو نفسه وليس نفسه, لاستحالة ذلك منطقياً حيث لا وسط بين النقيضين، ويترتب على ذلك قانون ثالث هو قانون الوسط المرفوع أو الثالث الممتنع أو المستبعد، ورمز هذا القانون هو (إما أن يكون الشئ "أ" أو "لاأ".

 


التعليق:
لماذا فقط هذه البديهيات الثلاثة للعقل؟ والتي هي أًصلاً مأخوذة من الشعور, هناك غيرها الكثير ولا يقل عنها قيمة, وكيف يفصل الشيء عن غيره إلا بمجموعة من القوانين؟!  ما ذكره أرسطو هو عبارة عن قانون واحد في الحقيقة، فالقانونين الثاني والثالث هما عن بعض حالات هذا الشيء, أيضاً الشيء نفسه قد يكون مفرداً وقد يكون مركباً أو قد يكون مجموع مركبات, مفرد مثل طالب، ومركب مثل فصل، ومجموع مركبات كمثل كلية، وهكذا..

 وهل الشيء الواحد واحد فعلاً؟ القلم هو قلم بالنسبة للكاتب لكنه عود من الحطب لمن أراد أن يشعل ناراً, أو وسيلة كأن يستخدم كسلاح! إذن لا يمكن أن يحدد الشيء تحديداً كاملاً إلا نسبياً.

 أيضاً الشيء لا يمكن أن يوجد إلا في وسط، لا يوجد شيء لوحده، وهذا من قوانين الأشياء. وأيضاً لابد من علاقة بينه وبين الأشياء, وهكذا الصفات لا تنتهي للموصوف الواحد, فلماذا حُددت بثلاث؟! مع أن هذه الثلاث صحيحة إلى حد ما. إذا كان العلم ممتداً فكذلك المنطق ممتد ولا قفل له, لأن المنطق عبارة عن علم ثابت تحوّل إلى مقاسات يعلم بها غيرها, وتستعمل في التفكير, والتفكير هو إٍسقاط المنطق على المعلومات, والمنطق نفسه عبارة عن معلومات قياسية.
 أرسطو لم يذكر من أين جاءت، أي من أين جاء فهمها، مما يدل على أنها معلومات عرفها الشعور وتكررت معرفتها له وثبتت بالتجربة.

إذا أردنا أن نرجع لأساسات التفكير فليست هذه الثلاث قوانين أساساتها, بل الأساس {وعلّم آدم الأٍسماء كلها} أي من التمييز الذي هو من الشعور, فتأخذ الأشياء أسماءها ومن ضمنها هذا الشيء الواحد.

دون تمييز لا تستطيع أن تفكر؛ لهذا الحيوان لا يفكر إلا في ما يميّزه وهو ما يتعلق بغرائزه, فلما أعرف أن هذا شخص وهذا هواء وهذه شجرة...الخ, بعد هذا أستطيع أن أفكر, والتفكير قائم على الميزات, فهذا إناء مجوف وغير مسرِّب إذن أستطيع أن أضع فيه الماء, لأنني ميزت صفاته, قال تعالى: {وعلّم آدم الأسماء كلها} الأسماء هي الذوات والأساسات, الحيوان لم يعلّم الأسماء؛ لذلك لا يفرق  بين الذوات إلا ما له علاقة بغرائزه, لهذا الحيوان لا يفكر مثل الإنسان.

وقوانين أرسطو تنطبق على الحيوان فيما يتعلق بغرائزه، فالقط ينظر إلى جسم صغير يتحرك ويقول: إما أن يكون فأراً أو لا يكون, فإذا عرف أنه فأر عرف أنه لن يكون كلباً أبداً ولا قرداً ولا دباً, أي لا يكون الشيء نقيضه, أي عرف أن (أ) هو (أ) , بدون هذه البديهيات لا يستطيع أن يعيش لا الإنسان ولا الحيوان.

 إذن أساسات المنطق الصوري لم تميّز الإنسان عن الحيوان, والذي يميزه هو أن الإنسان يستطيع أن يميز ما ليس له علاقة بحياته على خلاف الحيوان. وهذا الذي يصلح أساس التفكير عند الإنسان، وليس القوانين الثلاثة. هذه ميزة خاصة لآدم أنه عُلّم الأسماء كلها, فالأسماء تعني الذوات المفصولة عن بعضها, لهذا أهم شيء في دراسة أي لغة هو الأسماء، أما الباقي فتوابع لها كالأفعال والحروف, واللغة ما هي إلا عبارة عن موصلات للأسماء مبنية على المنطق اللغوي العام. وكل اسم يحمل الصفات في داخله وإلا لم يعط اسماً لولا ميزاته, انظر إلى تدرجات أسماء الرياح والهواء في اللغة أو أسماء مراحل نمو الإنسان أو الحيوان ... وهكذا, كل اسم مبني على تمييز, إذن علم الله آدم التمييز العام مثلما علم الحيوان التمييز الخاص. والقرآن دائماً هو المرشد الحقيقي الذي لا يخطئ لمعرفة الإنسان والحياة. 

لاحظ أن أول قانون وضعه أرسطو هو الهوية والذي يشير إلى التمييز وإلى {وعلم آدم الأسماء}.


ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق