السبت، 9 نوفمبر، 2013

حوار حول الزهد والتصوف



عبدلله مرهون :


الزهد ترك ما لا ينفع في الآخره ، أما ما يضر فسالبة بإنتفاء الموضوع والزهد ترك كل مايشغل العبد عن الله وإن كان حلالاً .


الرد :

كل شيء لا ينفع في الآخرة إلا العمل الصالح ، قال تعالى (يوم لا ينفع مال ولا بنون) (واذا العشار عطلت) (يوم يفر المرء من اخيه وأمه وأبيه و صاحبته وبنيه) ، فهل نترك كل هؤلاء حتى نكون زاهدين ؟ سنقع في العقوق و قطيعة الرحم وعدم اعطاء الحقوق لأهلها ..

كيف تستطيع الاشياء ان تـُشغل من يريد الله ؟ عبادة الله ممتدة على الحياة كلها و ليست جزءا من الحياة ، قال تعالى : (قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) ، اذا كان هدف الحياة هو لقاء الله ، فكل شيء سيرتبط بهذا الهدف ، بما فيه المال والبنون ..

لا علمانية في الإسلام ، بمعنى الفصل بين الدين والحياة ، فالحياة دين والدين حياة ، وحق الله ليس فقط بالمسجد . والذين نصحوا قارون لم ينصحوه بأن يترك المال وعمله فيه ، بل قالوا (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) .. أي يستطيع أن يصل الى رضا الله مع انه يدير ثروة هائلة .. وبالتالي يكون التعريف المذكور للزهد ناقص ..

النبي سليمان اوتي ملكا لم يؤت لاحد من العالمين ، بل هو الذي طلبه ! ولم يشغله ملكه عن عبادة ربه و الدعوة اليه ، بل انه استجاب لشكوى الهدهد .

=================================
عبد الله مرهون :


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شبهة أمام بديهة ، الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة ولا يضر تركه في الدنيا ضررا يعتد به ، مثال ذلك النوم مباح حلال فإن أكثر العبد من النوم فوّت على نفسه السعي في الحياة وطلب رضا الله ، وليس كل حلالٍ يُفعل .

استشهادك بآية يوم يفر المرء من أخيه في غير محله ، فالآية تبين حال الإنسان في مشهد عصيب ولا علاقة لها بصلة الرحم ، وصلة الرحم مستحبة بل ترقى لكونها واجبة في مواطن كثيرة وقطعها ليس من الزهد في شيء بل يؤثم صاحبه .

كل شيء يشغل العبد عن الله والقيام بخدمته وهو من مختصات وملذات النفس هو المندوب تركه والزهد فيه ، كطلب الرياسة مثلا والملك وأشباه ذلك من كثرة الأموال

أجل لا خلاف أن هنالك فرقا بين أن تملك الشيء وأنت في غنى عنه وأن يملكك الشيء وتكون تحت هواه " كم من عقلٍ أسيرٍ تحت هوىً أمير"

فقد خير خير الخلق و أجلّهم وأرحمهم الخاتم صلوات الله عليه وعلى آله تترى بلا عدد بين أن يكون نبيا ملكاً أو نبيا عبداً ، فاختار أحبهم إلى الله فكان عبدالله ورسوله والمقدّم ذكره بعد ذكره .

لا مشاحة في أن الطلب والسعي في أمور الدنيا من المندوبات ومن ما يعمّر الأرض لكن الطلب فيها برفق والزهد في الدنيا من علامات المؤمن .

أما بالنسبة للمعاصي والخبائث فلا زهد فيها بل تجنّب وابتعاد "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء" أي بأمرنا صرفنا السوء عن يوسف ولم يقل صرفنا يوسف عن السوء والفحشاء .

أجل لا رهبانية في الإسلام ولكن "ماذا فقد من وجدك وما الذي وجد من فقدك" إن محبة الله اذا دخلت قلب عبداً أفرغته عما سواه .

"من أحبني أحببته ومن أحببته عشقته ومن عشقته قتلته ومن قتلته فعليّ ديته ومن عليّ ديته فأنا ديته"

"ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على الله وكان الله غفورا رحيما"

إنها الهجرة إلى الله ورسوله

دمت بود


الرد :

كيف وثقت أن الإستشهاد في غير محله دون ان تثبت ؟ أم أنها كلمة تقال لما لا نريد أن نقبله ؟ اذا قلت استشهاد في غير محله ، يعني ان نقدك تم من ناحية عقلية ، ولا يكون النقد العقلي الا بوجود خلل منطقي في الموضوع ، يؤدي الى عدم تطابق في الصورتين ..

أنت تقول : ترك ما لا ينفع في الآخرة ، و قلت لك : المال والبنون لا تنفع في الآخرة ، وبموجب كلامك ينبغي ترك المال والبنون لأنها لا تنفع في الآخرة ! اذن كيف تقول استشهاد في غير محله !؟ هذه جرأة على إطلاق الأحكام بدون مبرر .. إذا كانت القاعدة التي تنطلق منها فضفاضة فلا تلُم من اثبتَ فتوقها .. ابحث عن قاعدة جامعة مانعة .. بدل ان تقع في اشكال منطقي وعقلي ..

عندما تقول أن الاستشهاد في غير محله ، أنت تقع في مواجهة العقول كلها ! لأن هذا شأن عقلي ، و ليس علما خاصا تعرفه أنت .. أنت تتكلم بإسم المنطق والعقل العام الذي هو مشترك بين الناس كلهم ، فإذا خطأتني خطأتَ كل الناس ! لأن استشهادي في محله مئة بالمئة ! يستطيع الانسان ان يعيش بدون زواج وبدون جمع للمال وبدون عشار وبدون بنين وبدون ملايين ..

ثم كيف تحدد ما ينفع في الآخرة وما لا ينفع فيها من المباحات ؟ لا يوجد شيء اسمه مباح و محايد ، وليس خيرا ولا شرا ، هناك ما يـُرضي الله و هناك ما لا يرضي الله ، قال تعالى (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وقال (في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها) ، اي كل شيء ، فهل تـُحصى المباحات وتقدّم للحساب ؟ هذا يدل على ان كل ما يفعله الانسان وما يأتيه إما خير او شر ، ولهذا سيحصى كل ما قال وكل ما فعل ..

وجود سيارة ثانية عندك ليست قضية بحد ذاتها تغضب الله او ترضيه .. إلا حسب نيتك .. ان كانت للمباهاة فسيارتك الثانية تغضب الله ، و ان كانت لمساعدة من يحتاج فهي ترضي الله ، وان كانت احتياطا حتى لا يتعطل عملك فهي ترضي الله ، و ما لا يقوم الواجب الا به فهو واجب .. و ما لا يقوم الحرام الا به فهو في تلك اللحظة حرام ، حتى لو كان من المباحات ..

حتى المحرمات قد تكون في احيان واجبة ، قد يكون القتل في بعض الحالات واجبا ، مع أن اصله حرام ، وإسقاء الخمر قد يكون واجبا اذا كان من تـُسقيه سيُخرِج من عنده من المظلومين مثلا ..

كل الدين مداره النية ، و كل الاعمال مربوطة بأهدافها الكبرى ، قال تعالى (لكل وجهة هو موليها) ، اي ان الوجهة هي الاساس والمعوّل عليها ، و الوجهة تعني نية و هدف ، ولا توجد احكام قطعية الا بموجب السائد .. والحرام والحلال والمكروه قد تتداخل وتتبادل الادوار حسب الظروف ، لكن نية الخير لا تتبدل ونية عبادة الله لا تتبدل .. والله سمى صالحين و مفسدين ، مع أنهم يقع منهم العكس من كلا الطرفين ، ولكن الكلام على الهدف والنية .

بالتالي لا يوجد شيء محايد ، على كل فعل إما ان تـُؤجر أو تأثم ، و لا توجد افعال لا تأثم فيها ولا تؤجر ، هذه فكرة علمانية ، تفصل الدين عن الحياة وتـُخـَصّصه في أعمال معينة وتترك الباقي حرا ، لهذا من الممكن ان يحرّم الانسان على نفسه ما يعتبر مباحا في بعض الحالات ، والعكس ، كما قيل : الضرورات تبيح المحرمات ، وقال تعالى ( إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) أي من المباحات . وهذه الآية تدل على ان الانبياء يجتهدون وليست كل سلوكاتهم وحيا ..

ثم هذا النبي يوسف يقول : {اجعلني على خزائن الارض} ، لو كان يخاف ان يشغله الملك عن ذكر الله لأبعد نفسه عنه ، ولن يكون احد حريصا على دينه مثل الانبياء . لا يوجد ما يُشغِل الإنسان عن ذكر الله ، الا أن يتشاغل الانسان عن ذكر الله أو انه رآه اهم من ذكر الله ، وإلا فكل شي يمكن أن يـُشغل ، وهل الكافر كفر بسبب انشغاله ؟

قال تعالى (يا ايها الذين امنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع) اي لا يشغلكم البيع عن ذكر الله ، وهذا لا يعني ذما للبيع ، بل لا تسيطر المادة عليكم ، ويكون ذكر الله أهم عندكم ، و نعم المال الصالح للرجل الصالح ، والمؤمن القوي خير و احب الى الله من المؤمن الضعيف ، واليد العليا خير من اليد السفلى .. الزهد يؤدي الى الفقر والفقر يؤدي الى قبول الصدقة ..

اذن لا اصل للزهد في الاسلام ، لأنه يمتدح دافع الصدقة ولا يمدح آخذها ، على عكس البوذية التي تمدح الآخذ اكثر من الدافع .. الزهد جاء من الفلسفات الشرقية خصوصا البوذية والهندوسية الى الشيعة في ايران المتاخمة للهند ، مثلما اخذوا منهم التطبير ، و دخل الى المذهب السني من خلال سيطرة الدول الشيعية كالفاطميين في شمال افريقيا لمصر ، بصفة التصوف ..

أما زهد عمر فقد كان بدافع العدل ، وهذا منطقي و جميل ، وهو يقول لبطنه : قرقر او لا تقرقر فانك لن تذوق اللحم حتى تذوقه امة محمد ، وهذا لا يعني انه يحرّم على نفسه اللحم ، والا فعمر تقبّل تولي الحكم بدون اي ممانعة ، بل وسع رقعة دولته الى انحاء بعيدة .. وان كان المال يـُشغل فالحكم يـُشغل اكثر ، لأن شؤون الدنيا واحدة ، ومن ضمنها المُلـْك ، بل هو من اكبر شهوات الدنيا ، و كذلك ما يـُحكى من زهد عمر بن عبدالعزيز و علي بن ابي طالب، لأن دافعه الخوف من الأثرة والظلم .. وإلا فالحُكم أولى ما يـُزهد به ، لا أن يُقاتـَل لأجله .

الرسول نفسه لم يكن زاهدا ، ولو كان زاهدا لما تزوج هذا العدد من النساء ، و لم يأمره القرآن بالزهد ، بل أمره بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى . حتى ايتاء ذي القربى يحتاج الى العطاء .

الشيء لا يفرض نفسه ولا يفرض عليك سلوكا معينا ولا استعمالا معينا ، تستطيع ان تستخدم المال لرضى الله ، فيكون للآخرة ، وتستطيع ان تستعمله لهوى النفس والرياء ، فيكون ضدك .

المشكلة في الانسان نفسه و ليست في الاشياء ، لو كانت هناك اشياء تصد عن الله لكانت هناك اشياء تدفع الى رضا الله ، ولكن اين هذه الاشياء ؟ هذه نظرة مادية تقتضي ان المادة تتحكم في سلوك الانسان ، وهذا غير صحيح .. بل الحقيقة أن كلما كان المسلم قويا وقادرا كلما كان طريق فعل الخيرات له اكثر ، فهو الذي يستطيع ان ينقذ وان يساعد وان يكفل يتيما وان ينفق في سبيل الله ، اذن كيف يـُزهَد بما يمكن أن يؤدي إلى الخير ؟ الزهد بالخير شر ..

الفلسفة الصوفية اساسها نظرة مادية ، جاءت من اناس تحكمت بهم المادة ، فخاوفوا ورموا ما بأيديهم ، واصبحوا عالة على غيرهم ، فليس خيرا ان تكون تحولتَ من أن تـُعيل إلى أن تـُعال ، ومن أن تـُعطي الى ان تـأخذ وتشحذ ، إن هذا التحول يزيد الامة بؤسا ، وكثرة الزاهدين تثقل عبء المنتجين والعاملين في الامة ، واصلا اي فكرة عمّمها لتعرف اذا كانت صحيحة ام لا ، و عمر طرد مجموعة كانوا لا يعملون و يقيمون في المسجد ويأخذون صدقات الناس ، فقال لهم : ان السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ، واصحاب الصُّفـَّة كانوا فقراء وابناء سبيل ..

تخيل امة كلها من الزاهدين الذين ياكلون كسرة خبز و زيت ولا يعملون ! متفرغين للصلاة ! من سيطعم الفقراء ؟ كما قال تعالى (إطعام في يوم ذي مسغبة) . من سيتحمل تكاليف العلاج لارملة عندها اطفال ؟ بل كيف تدافع الامة عن نفسها وهي ضعيفة وزاهدة ولا تعمل ؟ والمال وقود الحرب .. سيكون هذا محاولة انتحار جماعي ! و الله يقول (و اعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ولا قوة لا بالمال ، ويقول (انفقوا في سبيل الله) ، فكيف سينفق الزاهد الفقير ؟ بل حتى فروض الدين تحتاج الى مال ، كالزكاة والحج والهدي والاضاحي والكفارات والصدقات ، ولم يذكر الزهد في القرآن ولو مرة واحدة !

لاحظ قوله تعالى : (وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) هذا ما نفهمه من القرآن ، والقرآن شجع على الانفاق والاطعام ، وكلها تحتاج الى المال والعمل ، لا إلى الزهد ..

كثيرا ما نتوهم ان ذلك الشخص زاهد ، لكنه قد يكون كسول و اتـّكالي ويحب الجاهز . متوهما ان كسله يقربه الى الله ،

وهل النبي سليمان كان عبداً لله أم لا لأنه كان ملكاً ؟ وذو القرنين ألم يكن ملكاً ؟ وعلي بن أبي طالب كذلك ، سليمان اختار أن يكون نبياً ملكاً ، فهل يعيبه هذا؟ و دعى ربه ملكا لا يكون لأحد من العالمين.

من علامات المؤمن حبه للحق والخير والأحسن في كل شيء. ثم لاحظ أنك مرة تقول : أن الزهد من المندوبات ، ومرة تقول : أن تعمير الأرض من المندوبات !

وأما قولك : "أي بأمرنا صرفنا السوء عن يوسف ولم يقل صرفنا يوسف عن السوء والفحشاء " فلها نفس المعنى ، لكن عبارة القرآن أجمل بعدم نسبة إرادة يوسف للفحشاء حتى لا يكون كأنه يريدها وصرفه الله عنها . ثم إن القرآن قال عن يوسف {و لقد همّت به و همّ بها لولا أن رأى برهان ربه} ، مما يعني أنه هو الذي انصرف ، وبالفعل هو الذي انصرف وهو الذي قال {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} وتحمّل السجن على الحرية حتى لا يُجبَر على الباطل، و باختياره ترك السوء وانصرافه عنه.

 وبخصوص عبارة " ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك" وحديثك عن محبة الله ، فإن الدنيا ليست دار غزل إلهي ، بل إنها دار عمل ، فمحبة الله عملية وليست غزلية : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} {وقل اعملوا آل داوود شكراً} فحتى الشكر يحتاج إلى عمل .. الله أراد المؤمن أن يكون خليفة في الأرض لا أن يكون عاشقاً متيماً متدروشاً .. الله يقدم منهجاً للحياة يريدنا أن نطبقه بعزم و نشاط، قال تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} ولم يقل: تعتزلون وتغوصون في سبحات صوفية تأملية لا تترك أي أثر على الواقع ، بينما الواقع يتحكم به أهل الدنيا والمصالح والغافلون عن ذكر الله .. الإسلام دين الواقع يريد إنزال الفضيلة إلى أرض الواقع لا أن تبقى مجنحة في الخيال.

هذا التزهد والتعشـّق والانقطاع كله غير موجود في القرآن ، بينما هو موجود في الهندوسية والبوذية والنصرانية، والمسلم مصدر الدين عنده هو القرآن وهو الأساس، قال تعالى {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} ولم يقل اعتزلوا وتعشقوا . الحب يقتضي الطاعة، والدين أخلاق، والعطاء من الأخلاق، والله غني عن عبادتنا وعن مدائحنا.

الإسلام جاء ليجعلنا شهداء على الناس ويجعلنا خير أمة أخرجت للناس بحساب الأمم ، جاء الإسلام لنكون الأفضل في كل شيء ، الإسلام حبٌ في الله ثم عملٌ لأجله .. الفكرة الصوفية تقف عند حبّ الله طويلاً وهو كما ترى يقتضي القعود والكسل .. الله لم يقل : أحبوني وتوقفوا ، بل أمر أن نجاهد في سبيل الله بأموالنا وأنفسنا، أي في كل شيء يؤدي لله ، وليس فقط القتال ، حتى تنظر إلينا الأمم وتقول : ليتنا مثل هؤلاء بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وشهادتهم بالحق ونصرتهم للضعيف ... إلخ.

هناك من يقضي السنين من عمره بلا عمل بحجة أنه يمارس التأمل وأنه غارق في محبة الله ، ويعيش عالة على من أرهقهم العمل والكد بينما هو مسترخي ! فهل هذا يجعلنا خير أمة ؟! حتى من يعشق حبيبته لا يقف فقط يتأمل في جمالها وينظم فيها الأشعار ، ماذا ستقول عنه تلك الحبيبة وهو لا يجمع مهرها ولا يبني بيتاً لها؟!

الله قال : {لقد رضي الله عن الذين يبايعونك تحت الشجرة} أي على النصرة والعمل وتحمل المسؤولية ، ولم يقل : الذين يتأملون تحت الشجرة . الإسلام ليس دين كسل وتسكع و تكايا و حوزات وأديرة و ترهبن .. الإسلام هو تسخير الدنيا للآخرة بكل مجالاتها ، لأن كلمة إسلام تعني إسلام النفس وهواها لله ، فراحة الإنسان من خلاله وتعبه من خلاله ، و حبه و كرهه في الله ، وبالتالي أعماله في الله ومشاريعه في الله ومحياه ومماته لله لأنه عبد، والعبد يعمل بأوامر سيده ، لا يتسكع ويتغنى بجمال ذلك السيد وإلا لباعه بأبخس الأثمان .. والله غنيّ عنا لكن الناس ليسوا أغنياء عنا والضعفاء ليسوا أغنياء عنا..

لماذا لا نتقرب إلى الغني من خلال الفقير وإلى من لا يحتاجنا من خلال من يحتاجنا ؟ كما قال تعالى {فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيماً ذا مقربة * أو مسكيناً ذا متربة} لاحظ أنها كلها أعمال أخلاقية مع المحتاجين تجعلنا نتجاوز العقبة ، وليس التأمل والترهبن ولزوم المساجد دون عمل ، و إلا لامتدحه القرآن.

لذلك أرادنا الله أن نتصدق على غيرنا لأجله ، ونقول الحق لغيرنا لأجله ، ونرحم لأجله، حينها سنكون مفيدين لعباده ، لأنه غني عنا ولا يحتاج حتى لثنائنا ، وحينها أيضاً سنكون مُظهرين لجمال الإسلام وعظمته والجمال لله وعظمته ، فإذا أحسست بجمال الله فدع غيرك يحس بجماله من خلال جمالك وجمال أعمالك ، و هذا لا يعني ألا نحب الله أو لا نتأمل في عظمته وملكوته ، لكن لا نقف هنا فقط ، فكل حبّ يحتاج إلى إثباتات والطاعة أقوى الإثباتات :

إن المحب لمن يحب مطيع ..

أحِبّ و اعمل.. أما من يركز على الحب ولا يركز على العمل فيكون حبه في موضع شك ؛ لأن الإسلام ليس فقط بالكلام ، بل في التضحية في كل شيء إذا اقتضت الظروف إرضاءً لله .. محبة الله تدفع إلى المعرفة التي نفرق بها بين الحق والباطل، لاحظ كلمة  :اعملوا ، في القرآن ، مقترنة دائماً بكلمة : الإيمان.

وبخصوص استشهادك بآية "ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله ثم يدركه الموت ... " فماذا تقصد بآية {يدركه الموت} ؟ هل تقصد أن الله قتله لأنه عشقه ؟ قال : {يدركه الموت} ، ولم يقل : (يدركه الحب).

 ثم إن الله يقتل كل الناس إذا كان الموت قتلاً ، فهل هو يعشقهم كلهم حتى الكافرين منهم ؟ وهل الله لم يحب نوح حين تركه ألف سنة إلا خمسين عاماً؟

ثم إن كلمة "يعشق" لا تليق بالله أن يعشق أحداً من خلقه ، لأنه قادر على أن يوجد أفضل منه ، أما العبد فليس بقادر أن يوجد أفضل من الله ، و كلمة عشق أساسها تستعمل بين الزوجين ، والله قال : {يحبهم ويحبونه} ولم يقل : (يعشقهم ويعشقونه).

وأما الأثر المذكور والذي فيه " أنا ديته" : فكيف يكون الله دية ً لأحد؟ والدية دائماً أقل من المفقود فهل هذا تكريم لله ؟ والدية تقدم لأولياء الميت ، فهل الله يقدم لأحد ؟ ثم إن القتل العمد لا دية فيه .

والهجرة ليست كلاماً منمقاً ، إنها تضحية .. اولئك المهاجرون تركوا أموالهم وأوطانهم واستقبلوا المخاطر .. الهجرة كانت عملاً و ليست كسلاً ، وكانت عطاء وليست أخذاً ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق