الخميس، 7 نوفمبر، 2013

حول الزهد, ونقد تعريف أرسطو للفضيلة



تلاحظ في كل الفلسفات والديانات والمذاهب في العالم ضديات غير حقيقية كضدية الزهد والإسراف مثلا, فإما أن تترك لذة الدنيا كلها كما في البوذية والصوفية وتتحول لمتسول أو أن تقبل على لذائذ الدنيا بقوة كما في المذاهب الأبيقورية, كمذهب أبو العتاهية مقابل مذهب أبو نواس مثلا, كلاهما متطرف, ولكن في المنهج الطبيعي المسلم لا توجد هذه الضديات بل يوجد حق وباطل وهو الذي على الإنسان أن يهتم به, فهذا الزهد والتقتير على الذات وتحريم كل المتع ليس فيه منطق, فهناك تمتع بظلم وهناك تمتع بحلال أليس بينهما فرق؟ فتمتع كبير بحلال ليس مثل تمتع قليل بحرام, فالمسألة مسألة حق وباطل وليس إسراف أو زهد فهذه مفاهيم غير واضحة, إذا لخصت كلمة زهد أو تبذير تكون مسألة كثرة أو قلة, والكثرة والقلة ليست بحد ذاتها رذيلة الرذيلة هو ما تقترن به, مثلما أن الكرم والبخل غير مقترن بالكمية, فربما من يدفع درهما ويسمى كريم ومن يدفع دينارا ويسمى بخيل.

هؤلاء الزهاد يحاولون أن يؤثروا الدوائر الشعورية العليا ويلغوا الدوائر الشعورية الدنيا, ولكن المنهج الطبيعي يدعو لإيثار الدوائر العليا مع إعطاء الدوائر الدنيا حقها, قال تعالى: {وابتغ في ما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا}, متع الدنيا الله من وضعها في الأرض وحلاها لنا فكيف تكون حراما علينا؟ {قل من حرم زينة الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق}, والله يعدد لنا النعم في القرآن ولكن الزهد يرمي بهذه النعم, فهم لا يريدون الزواج ولا المال ولا الزينة..إلخ, زد عليها قبح التسول, وهذا تعطيل للطاقات التي أعطاها إياهم الله وسيسألهم الله عن هذه الطاقات لماذا لم يعملون بها. الزهد الحقيقي هو زهد في الحرام وليس زهد في الحلال, زهد في الخبائث وليس زهد في الطيبات. المشكلة أن كثير من هؤلاء تجدهم كانوا منغمسين في الماديات فيتألمون من وضعهم ثم تأتيهم ردة فعل ويتركونها كلها, ويقولون كما قال بوذا (أنا أرغب إذن أنا أتألم) وهذا تطرف, وبوذا كان من أمير غنيا, وحتى أبو العتاهية كان مترفا في شبابه.

المنهج الطبيعي المسلم يتبع الحق أينما ذهب, وليس منهجا وسطيا بين الطرفين, فالمنهج الصحيح ليس وسطا بين الإسراف والزهد مثلا.

أرسطو يقول بين الإسراف والبخل يكون الكرم فبالتالي الفضيلة وسط بين رذيلتين -وهو ما يسميه الوسط الذهبي- ولكن هذا غير دقيق, فالمعرفة مثلا هل علينا أن نتوسط فيها؟ فنأخذ قليلا من المعرفة وقليلا من الجهل؟ مع أن معلمه سقراط حدد الفضيلة كلها بالمعرفة!  

الفضيلة لا تأخذ من الرذيلتين شيئا, بل هي خط مستقل, فالفضيلة ليس مزيجا من الرذائل, لأن مزيج الرذائل رذائل, الزهد تقابله المادية ولكن هذا لا يعني أن نأخذ من كليهما قليلا حتى نكون على المنهج الصحيح, بل علينا أن نكون في خط ثالث مختلف, فصار صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين, والمغضوب عليهم هم الذي وصلتهم دعوة الحق ورفضوها والضالين الذين يبحثون عن الصواب ولكنهم يسلكون المسلك الخطأ, والله قال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فالطريق الصحيح هو غير الطرفين وليس بينهما و ناتجا عنهما, فكلمة القرآن "غير" أدق من كلمة أرسطو "بين", فالصراط المستقيم لم يأخذ قليلا من المغضوب عليهم ولم يأخذ قليلا من الضالين لينتج الوسط الدياليكتيكي ليهجل الذي سيكون له ضد فيما بعد, وربما أن هيجل طور فكرة أرسطو إلى فكرة الديالكتيك التي مضمونها أن من متضادين ينتج شيء ثالث يحمل معه نقيضه فينتج عنه شيء رابع وهكذا حركة الحياة من وجهة نظره.
   
قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} وجود شيء ثالث بين اثنين سيعني أنه وسط, وليس بالشرط أن يكون أخذ من الطرفين, إذا اعتبرنا أن الإسلام وسط بين المسيحية وبين اليهودية هذا يعني أنه غير موجود! بل جزء من هذا الدين وجزء من ذاك اجتمعا وركبا شيء ثالث يعود أًصله إليهما!

المنطق الأرسطي يجعل الرذيلة هي الأصل وأن الفضائل عالة على الرذائل, مع أن العكس هو الصحيح, فالإسراف أصله كرم والحسد أساسه حب وإعجاب, والبخل أساسه اقتصاد وتدبير. الرذائل أصلا ليس لها أساس موجود في الفطرة والطبيعة -لهذا أسميناها الأفكار الصناعية أي مصنوعة- فكيف تكون أصلا؟ الرذائل طارئة والفضائل هي الأصل. ولا توجد رذيلة إلا وتركب على ظهر فضيلة, ولولا الفضيلة لما وجدت الرذيلة وليس العكس, ولولا التمر لم يكن الحشف, ولولا الحياة لم يكن القتل, ولولا الرزق لم تكن السرقة, ولولا النعمة لم يكن الحسد ولا الغيرة.

الوسط الذي يدعو إليه البعض هو الوسط التركيبي الضعيف وهو ما يتحدث عنه أرسطو, فهو كأنه مداهن يريد أن يرضي الجميع, أما الوسط الحقيقي هو وسط بين ضلالات كما قال تعالى: {يخرجكم من الظلمات إلى النور}, فبين الشيوعية والرأسمالية يوجد النظام الاقتصادي الإسلامي ولكنه لا يأخذ من كليهما.    

هناك تعليقان (2) :

  1. أخى الكريم
    تحليل جيد جدا و لكن رغبت فى التعليق على بعض النقاط و اتمنى ان تتقبلها بصدر رحب

    اتفق معك على المقال باستثناء التحليل لمقولة الفضيله وسط بين رذيلتين

    الامثله المستخدمه لم تدلل على صحة وجهة النظر المبينه اعلاه و اسمح لى ان اوضح مستخدما مثال المعرفه

    فالمعرفه فى حد ذاتها ليست فضيله و إنما السعى إلي المعرفه بغرض الإستفاده و الإفاده، و مفتاح ان كانت فضيله ام رذيله هو السعى و ليس المعرفه إذ أن المعرفه ذاتها قد تؤدى الى فضيله او رذيله (مثلا حذرنا علمائنا من الاسئله التى تفوق قدرتنا على الفهم كى لا نشرك كما فى الاسئله التى تتعلق بالله سبحانه و تعالى لان الذات الالاهيه لا تنطبق عليها قواعد البشر)

    و إذا نظرنا الى السعى فنجد ان المقوله (الفضيله وسط بين رذيلتين) ما زالت ساريه فإن قل السعى وجد التواكل و ان زاد فربما تحول الى طمع

    و اتفق معك فى أن الاصل هو الفضيله و لكن ارى ان الإسراف او التقتير فى الفضيله قد يحولها الى رذيله مما يجعلها وسطا يجب عدم المبالغه فيه، محاولة ان نحول هذه المقوله الى عمليه حسابيه قد يؤدى سوء فهم

    فكما تفضلت و قلت ان الإسلام دين الوسط، و هذا لا يعنى ان الاسلام وسط بين اليهوديه و المسيحيه بل يعنى ان الاسلام الغى التطرف الذى نتج عن تحريف اليهوديه و المسيحيه و ارسى قواعد الاخلاق الصحيحه

    و الله اعلم

    شكرا

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا وسهلا بك..


      أيضا الكرم والشجاعة وغيرها من الفضائل لا تكون فضائل إذا كان قصد فاعلها التفاخر أو الرياء مثلا وليس فقط المعرفة, لأن الفضيلة ممكن أن تستعمل لأجل الشر, لكن لا أحد يقول أن الجهل أفضل من المعرفة, ولا أحد يقول أن المعرفة ليست فضيلة, سقراط بنى السعادة والفضيلة على المعرفة. إذن المعرفة فضيلة, قال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}, قس هذا على الأمور المادية التي يحتاجها الإنسان, وقال تعالى: {وقل رب زدني علما} أي بدون توقف. أما أن نسأل عن أشياء خارج نطاق المعرفة فهذا عبث وجنون لأنه استعمال للعقل في غير مجاله, كمعرفة عالم الغيب, قال صلىالله عليه وسلم : (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا).

      عبارة أن زيادة الكرم تؤدي للإسراف عبارة غير دقيقة, بل الظرف هو الذي يحدد, إذا قدمت عشاء عشرة أشخاص وهو آخر ما تملكه لشخص واحد هذا إسراف, لكن إذا قدمت هذا الذي تملكه لمئة شخص جياع هل يكون إسراف؟ بعض الظروف تقتضي الإسراف في الفضيلة, و سمعنا عن من أنفق كل ماله وهذا يعتبر إسراف لكن كان الظرف يقتضي ذلك إذا افترضت وجود العشرات من الأسر التي توشك على الموت, وهكذا لا تكون الفضيلة في منزلة بين رذيلتين, بل في منزلة أبعد عن الرذيلة.

      الخير لا معيار له, وأرسطو أراد أن يضع معيارا للخير.

      قال عبدالله بن عباس لعبد الله بن جعفر: "لا خير في السرف" فأجابه: "لا سرف في الخير". بل إن من عيوب الفضيلة ألا تكمَّل كما قال المتنبي: ولم أر في عيوب الناس عيبا *** كنقص القادرين على التمام.

      هناك فضائل أخرى لا يمكن أن تكون بين رذيلتين, الحب أليس فضيلة؟ ما هو الحد الذي إذا وصله أصبح رذيلة؟ محبة الله فضيلة, متى تصبح رذيلة؟ قول الصدق فضيلة كيف إذا زاد يصبح رذيلة؟ وأقصد الصدق النافع وليس الذي يضر الناس, كيف تكون الزيادة في الصدق رذيلة والناس يمدحون أناس فقدوا حياتهم لأجل صدقهم أو لأجل إخلاصهم ويصفونهم بقمة الفضيلة والشجاعة؟! وهكذا يصبح كلام أرسطو غير دقيق, مع أنه أرسطو بشحمه ولحمه!

      وارجع لكلامي السابق حين قلت أن الفضيلة ليست خليط من الرذائل حتى تكون في منزلة بين الرذيلتين بل لها خط مستقل, الإنسان يعجز أن يصل لطرف الفضيلة لا أن يقف في وسطها, الإنسان الأخلاقي يريد قمة الفضيلة ولا يريد وسطها! الله يحب الصادقين والصابرين والتوابين والمؤمنين والمحسنين.., ولم يقل أنه يحب المحسنين إلى حد ما!

      الإسراف ليس زيادة في الكرم, الإسراف مبني على رذيلة أصلا وليس فضيلة زادت عن حدها, فالمسرف ليس كريما فلتت يده, بل هو مرائي ويبحث عن السمعة لهذا يسرف حتى يذكر ويتميز عن غيره, المسرفين الله وصفهم بإخوان الشياطين, وكيف يذمهم الله إذا كان أساسهم فضيلة زادت عن حدها؟ هذا يدل أن منطلقهم أصلا رذيلة. أما الكرم فهو آت من نفس طيبة أصلا.

      التهور قادم من الثقة المفرطة بالنفس المبنية على تكبر أصلا, ليس لأنه شجاع بل لأنه مغرور, مثله مثل متهور في قيادة السيارة لكنه يجبن عن نجدة مستغيث أحيانا. الشجاعة قادمة من حسبة مبادئ وحسبة نتائج للفعل, أقصد أن المنطق والأخلاق تعمل معا لتصنع الشجاع, مثل أن تضطرك الظروف لأن تقفز من مبنى إلى آخر بينهما مسافة متر, أنت متأكد أنك تستطيع أن تقفز إذا كان ارتفاع المبنيين عن الأرض هو مسافة متر, لكن لو كان المبنيين على ارتفاع مئة متر هنا تتبين الشجاعة من الجبن. أو تكون ترى سيارة مشتعلة تعلم أنك تستطيع أن تحركها لتبعدها عن مدرسة أطفال. إذن الشجاعة يتحكم بها العقل و الأخلاق, والتهور يتحكم به الغرور والرياء وضعف المنطق. كل متهور هو في حقيقته جبان, وكل مسرف هو بخيل.

      فكرة أرسطو هذه فكرة عامية, حتى الكريم بين منزلتين هل كونه بين منزلتين اثبت أنه كريم؟ ثم من يحدد المنزلتين؟

      وشكرا على المداخلة الطيبة.

      حذف