الثلاثاء، 14 مارس، 2017

الهواية المرضيَّة (الهوس)


من الجميل أن يكون للإنسان هوايات متنوعة ومفيدة, لكن البعض يتطرف بهواية معينة لدرجة الهوس, وبعضهم تسيطر على حياتهم, وهذا ما أسميه الهواية المرضيَّة أو الهواية الإدمانية , مثل من يقضي أغلب وقته بحثا عن أقلام نادرة, أو سيارات قديمة, أو قطع أثاث, أو الصيد, أو جمع المال وتعديده, أو جمع الأواني أو التحف أو الكتب أو المخطوطات النادرة...إلخ, وإذا تأملت وجدتها كلها ماديات لا تستحق كل هذا. ولاحظ أنها خالية من الإبداع, وهذا يدل أنها ليست هواية من الشعور بل هواية مادية (ألفية) تعتمد على التجميع, و التجميع يعني التكثير.

والمشكلة أن صاحبها يتصور كل الناس مثله, فيتصور كل الناس تهمهم هذه السيارة النادرة التي تعب من أجل الحصول عليها, فيريهم إياها مفتخرا ويفاجأ أنهم لا يعيروها اهتماما وقد يسخرون منه, لهذا يفرح كثيرا إذا وجد من يشاركه هذه الهواية أو يحترمها على الأقل. في الأٍساس أي هواية تسهل عليك بناء علاقات في المجتمع, لكن التطرف في هواية ما يعطي نتائج عكسية, فالهوس بهواية معينة يسبب عزلة عن المجتمع؛ لأنه يحدد العلاقات بمن يشاركه فقط بهذا الاهتمام, مع شيء من النفور تجاه من لا يشاركه الاهتمام بها فضلا عن من يكرهها .

هذا الإدمان سببه التركيز على الماديات وإهمال المعنوي, الاتجاه للمعنوي يؤدي للحكمة والشمولية. هذه الهوايات الإدمانية بسبب الشيطان وهو الذي يزينها بالشكل المفرط, فهي تصد الشخص عن كثير من واجباته, لاحظ قوله تعالى {الذي جمع مالا وعدده} فجمع المال عنده هواية مرضية لهذا يواصل عده عدة مرات "عدّده" مع أن العدة الأولى تكفي! ولاحظ الدقة في قوله تعالى: {ألهاكم التكاثر} فلاحظ أنه لهو وأنه تكاثر, وكل الهوايات المرضية تعتمد على الجمع والكثرة, مثلا يهتمون بمن عنده أكثر غنم نادرة أو أكثر جواهر نادرة أو أكثر سيارات قديمة أو أكثر لوحات أو أكثر سجاد ثمين...إلخ. وهذه الهوايات تجدها كثيرا عند الغربيين, والأرقام القياسية عبارة عن كثرة, حتى من حطم رقما قياسيا بصعود جبل مثلا هي عبارة عن "أكثر" في الارتفاع.

وكل هذه الهوايات المرضيّة هي مسيطرة على الإنسان, فهي تملكه ولا يملكها وهي مضادة لفكرة الحرية. الأفضل منها جمع الأعمال الصالحة كما قال تعالى: {فاستبقوا الخيرات} أفضل من استبقوا الدولارات أو استبقوا المجوهرات. هذه الهوايات هي التي من الجميل أن تكون لديك؛ أن تجمع فضائل متنوعة وتجمع مواقف مشرفة وتكون في متحفك. وهذا لا يعني أنك لا تجمع أي شيء لكن بيسر لا بعسر ولا ترد الرزق المتهيء. ما أنقده هو سيطرتها على الشخص وليس سيطرته عليها, وإن كنت مكلفا نفسك فكلفها بما ينفع أكثر.

الأمراض النفسية على نوعين نوع متعلق بالحب ونوع متعلق بسحب الحب (الخوف), والمرض المتعلق بالحب (الهوس) سببه تزيين الشيطان. لاحظ قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ}, ولاحظ قوله أيضا: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا}, ولاحظ الدقة في قوله تعالى أنه زُين حب الشهوات, أي أنها أشياء يحبها الناس لكنها مزينة أكثر لدرجة الهوس, الكل يحب السفر إلى الأماكن الجميلة أو السيارات النادرة, الجميع يحب هذا لكن ليس الجميع مهووسا فيه, حتى أن البعض ينفق بإسراف على مثل هذه الهوايات لكنه يقتر بالإنفاق على واجبات ألزم, وبعضهم يشتكي من سيطرة هواية مرضية ويتمنى لو يشفى منها .


الأحد، 12 مارس، 2017

الفرق بين الثقافة والحضارة



كثيرا ما يحصل خلط بين الحضارة والثقافة, الحضارة لا بد أن تأخذها لأنها نتاج تراكم جهد بشري عبر التاريخ وليست خاصة بثقافة معينة ولا تحمل نكهة الأمة التي أنتجتها ولا تراثها ولا دينها ولا لغتها, كالسيراميك مثلا أو المصباح أو آلة تغليف الورق...إلخ هي لا تحمل نكهة أحد, فالعلوم كالهندسة والطب والصناعة مأخوذة من الطبيعة, لكن الثقافة مربوطة بأناس معينين في مكان معين وفترة زمنية معينة وليست علما. 

ومن الضعف أن نتبنى ثقافة أمة مختلفة بالكامل ونلغي ثقافتنا, كأن نأخذ مثلا عادات الانجليز بالاحتفال بأعياد الميلاد ونغني مثل أغنيتهم "happy birthday to you". هذا علامة ضعف وانسحاق ثقافي, فالثقافة مربوطة بظروف أهلها وتاريخهم, ونحن لنا تاريخنا وثقافتنا لماذا لا نبدع منها طقوسنا الخاصة في الاحتفال وفي اللباس وفي الكلام وفي الديكور...إلخ؟ كوننا نأخذ منتجات الحضارة الغربية من علوم واختراعات هذا لا يعني خضوعا للثقافة الغربية, فالعلم لم يزدد في الحضارة الغربية لأنهم ليبراليين أو لأنهم ملحدين حتى نتبنى ثقافتهم, بل هم استفادوا من العلوم التي كانت موجودة قبلهم وساهم قبلهم فيها العرب والمسلمون.

أحيانا يحصل تداخل بين الثقافة والحضارة, البيانو مثلا آلة غربية لكن لا نعتبره ثقافة؛ لأنه آلة, الثقافة هي الألحان والأغاني التي تعزف عليها, فمع أنه منتج غربي إلا أنه ليس ملكا لهم-هذا غير أنه أصلا مطوَّر من آلة القانون التي ابتكرها العالم المسلم الفارابي-, لكن أغانيهم وسيمفونياتهم وتراتيل كنائسهم هذا تابع لهم. وهذا لا يعني دعوة لقطيعة كاملة لكل الثقافات المختلفة, لكن لثقافتك عليك حقا ولإبداعك و تفكيرك ونكهتك عليك حقا, فإذا قرأت لشكسبير لا يعني هذا أن تهمل المتنبي , إذا سمعت لبيتهوفن لا يعني هذا ألا تسمع لسيد درويش أو لفيروز. الوضع السليم أن ثقافة الآخرين من باب الإلمام والاطلاع وليست للعيش فيها, فتلم بها ولكن لك حياتك وثقافتك, أما أن يعيش شخص عربي في ثقافة غـربية وهو له ثقافته وتراثه وهو في بلد عربي! هذا انهزام ثقافي وانهزام إبداعي في نفس الوقت, فلا هو الذي اعتمد على ثقافته ولا هو الذي أبدع جديدا. وتبديل الثقافة يحسر الإبداع فيكون مثل الغراب الذي أراد أن يقلد مشية الحمامة فلا هو أتقنها و نسي مشيته الأولى -كما تقول الأسطورة-. 

الاثنين، 6 مارس، 2017

حول عدم الانسجام بين عقل الإنسان وشعوره .. ووحشة الروح الحية في هذا العالم الميت ..



     العقل ابن الشعور, فالعقل هو الشعور في حالة احتكاكه بالعالم الخارجي, فمثلا حين تشعر برغبة أن تأكل برتقالة سيقول لك العقل هنالك سكين, هذا اقتراح أتى من العقل الذي قد كان شعورا لكنه تجمد, فالعقل هو شعورات مجمدة, وكأن الشعور هو الماء بحالته السائلة والعقل هو الماء بحالته المتجمدة, فكلاهما شيء واحد في الأساس. لكن وبالرغم من ذلك, كثيرا ما يعارض العقلُ الشعورَ ويعاكسه, وعدم التفاهم هذا سببه ارتباط العقل بالعالم المادي الذي قوانينه معاكسة لقوانين الشعور, بدليل أن من يسير مع العقل فقط سيعاكس الشعور.

ألا تلاحظ الحياة تقاوم المادة؟ فأنت تشد عضلاتك لتقف أما المادة فتريد أن تجذبك للأسفل, والشجرة تقاوم لكي تصعد للأعلى. الحياة كلها عكس قوانين المادة, فكيف يقول الماديون الملاحدة أن الإنسان مادة وهو يقاوم المادة ويعاكسها؟ فالحياة تقاوم قوانين المادة, لأنه لو أسرينا القوانين المادية على الأحياء لماتت وحللتهم في التربة, ولو تركتَ قوانين المادة تسري عليك لمت وتحللت, فالمادة تقول لك انزلق ولكنك تتمسك, وتقول لك اسقط في الحفرة ولكنك تقفز, والنار تريد أن تحرقك لكنك تبتعد..., حتى مادة جسمك بإرادة شعورك تقاوم قوانين المادة التي تقول لقلبك توقف عن النبض ولكنه ينبض. لا شيء يضاد قوانين المادة ويقاومها إلا الأحياء, فالسمك يسبح عكس التيار, والتيارات الهوائية تحاول إسقاط الطيور وهي تتحايل عليها, فكيف تنتج المادة ما يعاكسها (الحياة)؟! و نحن نموت لأننا لم نستطع أن نعاكس المادة, مثلما تأتي العاصفة القوية وتغلب الطير و تميته. لذلك فكرة الشباب الدائم والخلود غير ممكنة في الدنيا, فلو تدري كم تحارب من قوانين المادة حتى تتكلم فقط! أو حتى تجلس فقط! فالكلى والكبد والمخ والقلب والرئتين والعضلات والكثير من العمليات الحيوية لمقاومة قوانين المادة! فتطرد السموم وتوازن السكر في الدم وغير ذلك من العمليات العجيبة التي لا نشعر بها وكلها تقاوم قوانين الفناء, حتى حينْ طبعا ؛ لأن تلك القوانين سوف تغلب الحياة التي خدعَتها ونجت منها.. وكأن عالم المادة يصنع الحبائل للكائن الحي, كلما نجا من أحبولة أعد له ثانية حتى يقع, وكلها بقدر الله. إذن فالحياة عبارة عن معاكسة لقوانين المادة, فكيف يُنتج الشيء ضده؟! المادة هي التي تغتال الحياة وتميتنا فكيف تنتج حياةً كما يقول التطوريون الماديون؟ ونفس الشيء لعقلك وشعورك, فشعورك يقاوم قوانين المادة والعقل مرتبط بقوانين المادة, لذا فمن يسير بعقله سوف يتحول إلى مادي.

كيف يقول الماديون أننا نعتمد على المادة لنعيش والمادة هي التي تميتنا؟! فكل حياتنا قائمة على عكسها! فالجسم في حالة حرب مستمرة مع قوانين المادة, القلب يواصل النبض حتى لا يقف الدم وتغتاله المادة, وبما أن لك وجود مادي إذن أنت تحت رحمة العالم المادي, إذن ليس هنالك خلود. عالم المادة الميت الضخم يريد أن يجعل جسمك الصغير مثله, إذن الحياة غريبة عن المادة, إذن الشعور غريب عن عالم المادة, ومن يتبع عقله فقط دون شعوره سيذهب لقوانين المادة, أي ذاهب إلى الموت.. أي سيعمل ضد روحه, ولذلك قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا}, لهذا العقلانية البحتة ضد الشعور, فمادمت لا تعترف إلا بقوانين المادة فستدمر حياتك.

روحك تتألم كلما هزمتك قوانين المادة, كلما ضغطت عليك قوانين عالم المادة ولم تستطع أن تسيطر عليها صرخت من الألم. لذلك نحن نتألم حينما نرى شخصا يفكر بطريقة مادية لأنه سيقحم عالم المادة علينا, فهو سيُدخل علينا عالم المادة الذي نحن خائفون منه. السعادة إذن هي بالتخلص من قوانين المادة.. من عالم الموت, والارتباط بالجانب المعنوي, لهذا أسمي الإنسان المادي "إنسان متخشب" فهو قد أصبح مثل المادة, ولهذا الإنسان القريب من شعوره نشِط ومتحرك, بينما المادي كئيب و خامل.

كلما يُنصَر المعنوي كلما تشعر بالحياة أكثر وتبتعد عن الموت أكثر, فكلما يأتيك معنوي من إنسان تشعر بالحياة أكثر وتقاوم الفناء أكثر, لهذا الإنسان الطبيعي المحترِم لشعوره ينعش الآخرين, فحين يهتم بك أحد معنويا فهو ينصرك على أعدائك وهو عالم المادة ومن يفكر بطريقة مادية, أي هو نصرٌ لذلك غير المادي في داخلك. ومن غباء الماديين أنهم قالوا أن السعادة بالمادة, أي كأنهم يقولون انغمس بعدوك! هنا نفهم منطقيا لماذا الفكر المادي يسبب المرض والكآبة وهو ما سبب كثرة الانتحار وخاصة في الغرب.

ذلك يعني أن الحياة ليست فقط حياة واحدة, بل هي درجات, فهناك أحد كميت الأحياء, أي حياة جسم لكن فيها موت معنوي, و أحد حياته مضاعفة. شعورك بالحياة تراه أحيانا يهبط حين تشعر بالكآبة والتشاؤم, وأحيانا يرتفع لدرجة تشعر أن الدنيا لا تسَعك, وأنت مسرور كل شيء يكبر و يتغير و يتحسن, إذن الشعور بالحياة يتضخم أو يتضاءل وليس ثابتا, فالإحساس بالحياة ليس واحدا, والطعام اللذيذ ما زيَّنه هو الصحة المعنوية وليس هو بذاته, إذن علينا أن نعمل على رفع مستوى الحياة عند أنفسنا وعند الآخرين لأن العمر محدود.

إذن الشعور بالحياة ليس واحدا, بدليل أن الأشياء لا تأخذ شكلا واحدا عندك, وأنت حزين ترى كل شيء كئيب وحزين وإذا صرت متضايق ترى كل شيء ضيق وإذا صرت سعيدا تشعر بالانشراح فيما حولك. لاحظ الفرق بين شخص أتى إليك من أجل أن يتكلم معك عن إحساسك ومشاعرك ويحترمها ويدعمها وأحد جاء ليتكلم عن مال وفواتير وحسابات, بأيهما ستفرح؟ بالأول طبعا رغم أن الثاني قد يكون أحضر لك مالا. إذن عالم المادة هو عدوك -بشكل عام-, ومن جاء ليطلق شعورك هو من يحسسك بالحياة أكثر, وهذا هو تطويل العمر. يجب أن يكون تعاملنا مع الناس على هذا الأساس, وسترى أن ما تفعله مؤثر أثرا كبيرا فيهم دون أن يدروا لماذا. ألا ترى الشعور بالوحدة كم هو مخيف؟ لأنك لوحدك الآن تقاوم عوامل التعرية, بينما لو تكون برفقة أصدقاء فسيحملون نفس الهم ويساعدونك على الأخطار وعلى وحشة المادة, ولاحظ أن أي كائن حي موجود معك في المكان يعطيك شعورا بالأمان حتى لو كان حيوانا, فأحيانا طفل يستطيع أن يؤنسك ويزيل عنك الوحشة, لهذا عاش الناس والكائنات الحية بشكل جماعات. (استطرادا: لهذا فكرة الفردية الغربية فكرة مادية وسخيفة ومعاكسة للشعور ولطبيعة الأحياء, لأنه لا يوجد كائن حي فردي, ففكرة الفردية لا تناسب الإنسان العادي لكنها تناسب الرأسمالي لأنه يريد أن يتملك لوحده, لهذا نشرها الرأسماليون في الغرب ليكون الناس أفراد والفرد ضعيف فيحتاج للأدوات التي ينتجونها لتعوضه عما سيقدمه له الآخرون, فالتحكم في الفرد أسٍهل من التحكم بالجماعات, والفردية أنتجت أفراد محتاجون لما تنتجه مصانع الرأسماليين وبنوكهم وشركاتهم أكثر من حاجتهم لمجتمعهم, وبذلك يستغلونهم لرفع أسعار المنتجات وقطع غيارها مع التوجه لجعل المصنوعات مصمتة بحيث لا يمكن فكها ولا صيانتها بل فقط استبدالها بجديدة, مع وضع نقاط ضعف في أماكن حساسة حتى تتلف بسرعة كاستعمال البلاستيك الضعيف في أماكن التروس أو في أماكن عليها ثقل, مع أن المنتج أغلبه من الحديد).

الناس يؤنسونك إلى حد لكن ليس طول الوقت وطول الحياة, هذا العالم المادي المخيف والظلام الكوني الدامس.. شعورك يقول: لا أستطيع أن أقاومه فمقاومتي مؤقتة, وحتى الناس الذين معي لا يستطيعون أن يقاوموه فهم سيموتون أيضا, عالم الظلام الدامس اللامنتهي.. أيعقل أن يكون عبثا؟ أنا من أين أتيت؟ ومن جاء بي لهذا العالم؟ هنالك أحد أتى بي وهو من يؤنس وحشتي, فأنا لست من المادة بل أنا بحرب معها, والوحشة التي بي لا يستطيع الناس أن يزيلوها فهم مثلي, إذن هناك من يستطيع أن يؤنسنا من وحشة العالم المادي الذين نحن فيه.. إنه الله .

أنت تعرف أنك لا تنتمي للمادة, فهي لا تعرفك ولا تقدر ما تحس به وفي أي لحظة يمكن أن تسحقك.. بما أنك موجود وعالم المادة ليس بينك وبينه تفاهم أصلا, إذن هناك من أوجدك و أيضا يحس بك وقادر أن يحقق أمنك, فوجودك يدل على وجوده, وجود الإنسان يدل على وجود الله سبحانه.

يدي وقدمي كيان مادي ولو قُطِعت سأظل حيا ولن يُنقص من ذاكرتي ولا من إدراكي ولا وعيي, لو كانت الروح هي الجسد أو جزء منه لنقصت أحاسيسنا وعقولنا إذا قُطع شيء من الجسد, لكن هذا لا يحصل, إذن الروح موجودة والجسد موجود وبينهما تمازج أو زواج إلى حين, وفناء الحياة هو نتيجة طلاق الجسد لهذه الروح بسبب انهزامها أمام قوانين المادة التي تحكمت بالجسد, فأحد مات تجمدا مثلا هو يريد أن ينجو ويبتعد لكنه لا يستطيع لأن جسمه بدأ يتجمد, وبالتالي تنتصر قوانين المادة على الروح. ففي الموت غير الإرادي الجسد طلق الروح, وفي الموت بالانتحار الروح طلقت الجسد. قال تعالى عن يوم القيامة: {وإذا النفوس زوجت}, وروي عن عكرمة قوله : وإذا النفوس زوجت (أي) ردت الأرواح في الأجساد.

الماديون يصورون لنا أننا عبارة عن أجسام تجمعت وتركبت ومنها نتج التفكير, لكن الواقع العكس! فأنا أتألم من جسمي والناس تتألم والمرضى يتألمون, فجسمي سبب لي مرضا, فأنا خائف من جسمي فهو ما سيميتني, الذي تقولون أنه صنعني! فأحد عنده حساسية في الجهاز التنفسي هو خائف أن ينقطع نفسه, أي هو خائف من جسمه وردود أفعاله, وإنسان مريض بالسرطان هو أيضا خائف من جسمه! ألستُ جسما فقط كما يقولون؟ لماذا أنا خائف من جسمي؟ وأقاومه؟ إذن جسمي من العالم المادي وليس هو أنا, لماذا لا أقبل قوانين جسمي المادية وأنا لست إلا مادة كما يقول الماديون؟! إذن أنا روح أودعت في هذا الجسم وأُلبست هذا اللباس الغريب عليها أصلا, "أرواحنا في وحشة من جسومنا".. نحن خائفون من أجسامنا لكن أجسامنا ليست خائفة, فأجسامنا تستجيب لقوانين المادة, لكن في داخلنا شيء لا يستجيب, لو كانت أرواحنا هي أجسامنا لكان جسمنا هو من يقاوم ولا يستسلم لقوانين المادة, لكن عند الخطر أنا أهرب بجسمي أما هو فلن يهرب, فلو كنت فاقدا للوعي وبجانبي نار لأكلت النار جسمي دون أن يفعل شيئا, فكيف أكون أنا جسمي؟ إذن أنا لست جسما, إذن أنا روح. هذا يثبت وجود الروح, الكيان المادي يستجيب للمادة ولا يعاندها, فلو كنتُ دماغا فقط لما قاومت المادة, أليس الدماغ نفسه يموت؟ أليس إذا أثّرَت به مواد سامة يتأثر؟ إذن هو مادة. كثيرا ما نرغب بأشياء لا يستطيع جسمنا أن يوصلنا لها, فنرغب بالقفز من على حفرة لكننا لا نستطيع مثلا, أو مسافر يريد أن يلحق بقطار لكنه فاته, فإذا كنت أنا جسمي فكيف أرغب بما لا أستطيع؟!

ما بعد هذا دليل أن الإنسان ليس من المادة أنه عدو للمادة! إذن أين انتماء الحياة هذه التي تقاوم عالم المادة؟ أنت ترى العالم كله مادي, إذن أنت لم تأتي من كل العالم المادي, إذن الحياة هبة من خارج العالم المادي منطقيا, فالحياة هي الشيء الغريب في هذا الوجود, أما الباقي فكله متشابه, إذن العالم المعنوي الذي تنتمي له الروح موجود, وهذا خيط من الخيوط الدالة على وجود الله.

وعلى هذا صار التفكير المادي ضد الحياة, لهذا قلنا أن المادية هي ثقافة موت والصناعي يؤدي إلى الفناء. حين أفكر في غيري الوضع الطبيعي أن أفكر كيف أسعد هذا الإنسان الذي أحبه, لكن التفكير المادي يجعلني أفكر فيه من خلال كيف أستفيد منه, أي أفنيه, وأفني نفسي أيضا فروحي تريد حبا وحياة لكني قطعت هذا الشيء.

المادي حين يقرأ هذا الكلام سيقول أنه غير واقعي وأن واقع الحياة هو الصراع وهو قانون طبيعي. لكن المادة لا تتصارع مع المادة! وكلها قابلة لبعضها, فقط الحياة هي التي لا تقبل القوانين المادية, فلا شيء في عالم المادة لديه إرادة أصلا لكي يرفض ويقاوم, الكائن الحي هو الوحيد الذي يقاوم, ولو كان الأمر بيده لما جعل القوانين تغلبه أبدا ولبقي حيا, لكن لأن الوضع هكذا صارت الأحياء تتناسل.

(استطراداً: التناسل عند الأحياء دليل على وجود الفناء ودليل على وجود خالق, وإلا فكيف عرفَت الأحياء أنه يجب أن تتناسل؟ كيف عرفًت أن القوانين ستفنيها حتى تخترع شيء اسمه التناسل؟ بل من أوجد حب الحياة والخوف من الموت؟ من أوجدها يعرف أن القوانين المادية لا ترحم, وأن الأحياء لا تستطيع أن تفلت من قبضتها طويلا, فجعلها من زوجين يتناسلان حتى تستمر الحياة ويستمر الفناء. لو كان الكائن الحي متطورا فكيف سيكتشف التكاثر وهو لا زال حيا؟ ثم ما مصلحته أن يبقى نوعه أصلا؟ إذن هناك إرادة تريد أن تستمر الحياة, هي التي وضعت الغريزة التي تجعل الأم تعرض نفسها للموت لتحافظ على أطفالها. وهذا ينفي فكرة أن الأنانية أصل في الأحياء, فكل الأحياء ليست أنانية لأنها كلها تخدم بقاء النوع. ثم ما فائدة الانقسام لنوعين ذكر وأنثى؟ الانقسام البكتيري آمن وأسهل من التزاوج بين ذكر وأنثى, إذن هذا تطور للأسوأ وليس للأفضل! ثم مالفائدة من التناسل الذي يجعل الطفل يزاحم أنانيتك ويأكل أكلك؟ إذن فكرة الأنانية في الطبيعة فكرة سخيفة, لكن الماديين لا يريدون التنازل عنها, وكل أفكار الماديين تنطبق على التاجر الرأسمالي ولا تنطبق على الطبيعة, وهذا يبين لنا من أين جاءت.)  

بهذا, تكون علاقتنا بالمادة علاقة خوف بالدرجة الأولى, حتى استفادتنا من المادة هي منطلقة من خوف, فحين تحضر الفرشة لتنظف بها أسنانك أنت تخاف أن تؤلمك أسنانك, وحين يبرد الجو تحس بالخوف من البرد فتذهب للنار لتدفئ نفسك لكنك أيضا تخاف أن تحرقك النار فتحذر منها. إذن بما أن تعاملنا مع المادة أساسه خوف إذن لا يصلح أن تكون المادة ربّاً, لأنها لا تحس بك, وبالتالي هي لا تضر ولا تنفع بإرادتها, إذن لا بد أن يوجد أحد يضر أو ينفع بإرادته. روحك لا تدري من أين جاءت ولا تدري أين ستذهب ولم تخلق نفسها ولم تخلق غيرها ولا تنتمي إلى عالم المادة, إذن منطقيا لها رب تنتمي إليه, ولو كانت أرواحنا تعرف نفسها ومن أين جاءت وأين ستمضي لتوهمنا الإلوهية في أنفسنا, لكنها أرواح مستعبَدة, وخالقها ليس من عالم المادة. 

أسئلتنا التي نوجهها لأنفسنا مثل: ما معنى "أنا"؟ و ما هي ماهيتنا؟ وأين وجودها؟ هي أسئلة عقلية أحضرناها من عالم المادة, مثلما تسأل عن شيء مادي ماهي ماهيته وما هو طوله وما هو عرضه وأين مكانه...إلخ, هذه الأسئلة التي نوجهها لأنفسنا لا فائدة منها, ونفس الأسئلة يوجهها الماديون للخالق أسئلة من عالم المادة, فعالم المادة ليس مرجعنا لأننا لسنا مواد, وبالتالي العقل الذي أتى منه ليس مرجعنا في الأمور الوجودية, وإن كان مرجعنا في حياتنا العادية.

لا تفهم المعنوي من خلال المادي, ولا المادي من خلال المعنوي, الذات ليس لها لغة كاللغة العقلية لهذا نستعير من اللغة العقلية لنتكلم عن المعنويات, ولكن هذا من باب التشبيهات ليس إلا, محاولة فهم المعنويات كالمشاعر والأخلاق من خلال العقل المادي تقدم فهما مضللا. إذن يجب أن يكون لك عقلين: عقل مادي وعقل معنوي, أحدهما يعقل من العالم الخارجي والثاني يعقل من العالم الداخلي. كون اللغات مبنية على تشبيهات بأشياء مادية هذا دليل أن العقل مبني من عالم المادة, لأن أمثلتنا على المعنوي نقدمها من العالم الذي يعرفه العقل بسرعة وهو المادي, هذا يعني أن العقل المعنوي لم يُبنَ حتى الآن ما يوجد منه هو إشارات بسيطة فقط. العقل يعقل القوانين, والشعور له قوانين, إذن يجب أن يكون لنا عقل معنوي مثلما لنا عقل مادي يعرف أن 1+1=2. كل الأبحاث التي تدور حول الإنسان وعلم النفس والشخصية والمجتمع هي محاولات لبناء عقل معنوي وأكثرها فاشلة بسبب أنها تعتمد على العقل المادي. علم النفس ليس علما بقدر ما هو وجهات نظر يُبحث لها عن شواهد وتُهمَل الشواهد المضادة لها.

العقل المعنوي ليس بهذه الصعوبة, فهو عكس العقل المادي, وإذا قلنا عقل مادي نحن نقصد به تعامل الإنسان مع العالم المادي وعلاقته به من خلال العلم. إذا كان العلم يخبرنا عن أحوال المادة كما هي فالعقل يخبرنا عن علاقة هذه الأحوال بالإنسان, فهو يبني علاقات مع المعلومة ويوظفها, العقل المادي إذن منطلقه النفع المادي للإنسان, إذن سيكون العقل المعنوي معتمد على العلم المعنوي الذي هو وصف لأحوال الإنسان كما هي وكيفية توظيفها لمصلحة الإنسان.

قوانين عالم المادة تتناقض مع قوانين الإنسان, مثلا: يقولون من قوانين المادة أن الكثرة تغلب الشجاعة (الكثير أقوى من القليل), لكن أحيانا الشجاعة تغلب, فإذا كانوا مرتبطين بشعورهم سيغلبون {وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا}, لكن إن كانوا مرتبطين بعالم المادة فسيحكمهم حكم المادة, ففي المادة الكثير يحكم القليل. أيضا من قوانين المادة أن لكل فعل ردة فعل و أن الضغط يولد الانفجار, لكن في عالم الإنسان أحد مع الضغط ينفجر وأحد يبدأ يعطي أكثر, أي العكس تماما, قال تعالى : {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} أي يكظمون غيظهم ويعفون عنهم بل ويحسنون إليهم, والعفو حالة سلبية وليست انفجارا. وولدي آدم مثال, فأحدهما أراد أن يقتل الآخر لكن الآخر لم يرد بنفس الفعل بل قال {إن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك}, إذن كسر قوانين المادة بأن لكل فعل ردة فعل مضادة. هذا يدل أن الناس نوعين نوع مع عالم الروح والفطرة ونوع مع عالم المادة, ومن هنا تختلف تصرفاتهم وردود أفعالهم. 

كل الشرور تأتي من الاحتكام للمادة في عالم الإنسان, حين تطبق قوانين المادة على الإنسان ستنقلب الفضائل إلى عيوب, انظر كيف أن الأِشرار يرون أن التسامح ضعف, والكرم تبذير, والبخل عقل, والأنانية مبدأ, والنفاق والكذب أساليب ذكية وشطارة! مثلما طالب نيتشه الملحد بسحق الضعفاء منطلقا من قوانين المادة فقط, فبالمنطق المادي الضعفاء حمل في مسيرة تنمية الاقتصاد, وكلامه صحيح إذا قلبنا العقل إلى مادي وتخلينا عن عقلنا الإنساني, فيجب التخلص من كبار السن والجدات والمرضى والمعاقين! لو طُبقت قوانين المادة لتخلى الابن عن والديه المسنَّين لأنهما غير منتجين! وصار كل قوي يأكل كل ضعيف, وفي الأخير سينقرض الجنس البشري, كما تريد قوانين المادة التي كان الإنسان يكافحها لكي يبقى! أي عودا على بدء, فالإنسان الذي يطبق قوانين المادة على الإنسان هو يفني نفسه بطريق غير مباشر.


الخميس، 2 مارس، 2017

الشعور الجائع.. لكن ليس للأكل فقط..



الإنسان عنده أنواع من المجاعات وليس جوع الأكل فقط, فعنده جوع للحياة الاجتماعية وعنده جوع للوحدة, عنده جوع للخيال وجوع للواقع, عنده جوع للموسيقى, عنده جوع للروحانيات والعبادة, جوع للمعرفة والفهم, جوع للطبيعة وأن يرتمي بأحضان الطبيعة الخالصة بعد كثرة العيش بالمدن -وهذا ما يجعل الكثير يسافرون في الإجازات-, وهذه بعض أنواعها وليست كلها . وهذه المجاعات جذورها في الشعور الإنساني و تتكون في العقل الوسيط, الذي هو ملتقى الشعور مع العالم الخارجي (من خلال العقل المرتبط بالحواس).

كل جوع شعوري إذا زاد الضغط عليه يسبب ألم, وإذا أُشبع بشكل زائد يحصل ملل و يظهر جوع معاكس له, فجوع الهزل والمرح مثلا إذا زاد عن حده يظهر جوع للجدية, وإذا أطلت الجلوس يظهر جوع للعمل, وإذا أطلت العمل يظهر جوع للجلوس, وإذا أطلت المادية يظهر جوع للروحانية. لهذا أي ملحد حين يرى مؤمنين وهم يتعبدون بروحانية لابد أن يحس بشيء من الغيرة لكنه يقاومها, بسبب جفاف المادة والجوع الروحاني الذي هو غريزة في الإنسان, قال تعالى : {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مؤمنين}. فكل جوع إذا أُشبع ظهر جوع آخر, وهذه حياة الإنسان العاطفية الداخلية باختصار. إذا أمضيت مدة لم تر صديقا لك سيظهر جوع له, وهذا الجوع ليس للشخص نفسه -إذا دققنا- بل لأشياء معنوية و عاطفية تتجسد عنده.

كلما تزداد فتحات الشعور كلما تزداد هذه المجاعات. وهذا الكلام هو عن الشعور الإيجابي (الحب) أما الخوف فليس له جوع.

حتى في أنواع الأكل هناك أنواع من الجوع, فمرة تشتهي مالحا ومرة تشتهي حلوا, مرة تشتهي عصيرا باردا و مرة تشتاق لحساء ساخن...إلخ.

وقد يظهر الجوع من نفسه وقد يظهر بسبب محفز, بسبب مشاهدة دعاية تلفزيونية مثلا, وهذا سر اهتمام التجارة بالدعاية المغرية. ولهذا نهى القرآن المرأة عن التبرج وإظهار زينتها, لأن هذا من نوع الاستثارة المنشَّطة .

إذا رأيت أنك تشعر بالجوع الحاد لشيء فاعلم أنك مغرِق في ضده, فإذا صرت تشتاق للجلسة في الخلاء فاعلم أنك مغرق في الحياة المدنية, فمللت من السيارات وإشارات المرور ومنظر كثرة الناس والمحلات والبيت و مكان العمل...إلخ, فيقول الشخص: أريد تغييرا, هذا التغيير مبني على الجوع الشعوري.

هذه المجاعات تحصل كثيرا إذا صرت تعيش في بيئة صناعية و تقل في البيئة الطبيعية, لأن البيئة الطبيعية مبنية على الشعور وبالتالي لا يأتي الجوع فيها بشكل صارخ و ضغط شديد. لاحظ أن الجوع يزداد عند الصناعيين و يستغله الشيطان فيتحول مثلا إلى إسراف وصخب وربما أسوأ من ذلك, وهذا من كثرة الضغط, ويظنون هذا الإسراف أو الجنون كأنه تنظيف وتفريغ لهذا الضغط وأن شعورهم بحاجة لمثل هذا الجنون, مع أن الشعور ليس بحاجة له بل بحاجة شيء آخر لكنهم لم يفهموه أو تُرجم لهم بشكل خاطئ. لهذا الناس الطبيعيين لا تأتيهم حاجة صارخة لأن يجمعوا مالهم مثلا ويسافرون للمتعة, لكنهم بحاجة تغيير فبدلا من أن يجلس في المجلس يجلس في السطح أو يعمل قليلا أو يبتكر شيئا...إلخ, وكله ممكن وليس صعبا.

هناك جوع عقلي فكلما تعيش في الروتين كلما تأتيك رغبة في التجديد, سواء روتين أفكار أو روتين حياة. يُفترض أن يعرف كل إنسان بوجود هذا الجوع فيه, حتى التفكير والتفلسف نفسه هو جوع عند الإنسان, سواء كان هو من يفكر أو يقرأ لأحد يفكر, لكن أن تعيش كفيلسوف فقط أو كفنان أو بنّاء...إلخ هنا المشكلة. وأستغرب كيف يقضي بعض الناس حياتهم كلها تقريبا على آلة موسيقية! أو في القراءة والبحث, أو في جمع المال, أو العمل والكدح, أو ملاحقة الطموح, أو غيرها.. هذا مثل من حرم نفسه أًصناف الأكل وصار لا يأكل إلا موزا!

المؤمن المتوكل على الله لا تتحول حياته إلى سعار وإرهاق وكدح شديد وعنت لأجل الدنيا والتفاخر فيها, لأن المؤمن يعلم أن مصيره الموت مهما كان وأن التوفيق والرزق من الله, وهدفه أن يعمل صالحا حسب المستطاع دون عنت ولا تكلف, فانشغل بواجباتك يأتيك رزقك وانشغل بما عليك يكفل الله لك ما هو لك. وهذا معنى قوله تعالى:{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}, وقال عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {عزيز عليه ما عنتم}, أي أنهم قبل الرسول كانوا في عنت, عنت ماذا؟ عنت التفوق والتفاخر والتكاثر والتناحر والتنافر, وهذا لا يأتي بالسهل ولابد أن يكون على حساب حقوق وواجبات أخرى مهملة, والفشل والسقوط سيكون مدويا بل أحيانا يدفع للانتحار. الإسلام دين الرفق, لو أن مثل هذا المجهود على حيوان لرحمناه لكن الإنسان المسكين يُشحن ويشحن يوميا وتعرض له صور ونماذج من حياة من يسمونهم الناجحين ويقال له كن مثل هؤلاء وإلا فلا! وكأن الإنسان يعيش ليجمع ثم يأكل! أي يُوجَّه إلى الطريق الصعب على أساس أنه هو طريق السعادة, بينما السعادة الحقيقية تتبين من أولها, فلا تشتري إلا بعد التذوق. الإنسان مخلوق ضعيف بالأخير لن يستطيع أن يكمل أي شيء بالكامل, والإنسان الطبيعي جهوده تتوزع على حسب شموليته, لذلك لا يكون بارزا في نقطة واحدة فقط بينما في نقاط مقابلة ضعيف جدا وجاهل.

المنهج القرأني يصنع الإنسان المتوازن, والحكمة في التوازن وهي من الاستدارة والإحاطة. انطلاقة المؤمن الذي ينطلق من القرآن تكون بشكل حلزوني تزداد بيسر وسهولة, سواء في علمه أو أخلاقه أو كسبه أو إنفاقه. والإنسان المنطلق من فكر مادي علماني تكون انطلاقته انطلاقة سهم لا ينظر إلى اليمين ولا إلى اليسار المهم هو النجاح! والحقيقة أن كلمة النجاح أوسع من هدفه الذي يركض لأجله, فكيف تكون ناجحا في هدف رسمته لنفسك بينما في البقية فاشل؟! لذلك العلمانية تنتج النجومية, فهذا ملِك العقار وذاك ملك الموسيقى وهذا يكسر الرقم القياسي وهذا أمضى أربعين سنة في ملاحقة حشرة...إلخ.

أنا لست ضد التفوق والنجاح بل ضد العنت والجزئية, فالرفق بالنفس واجب, وكذلك الواجبات الأخرى يجب رعايتها, وهناك الآخرة وهي الأهم وهي الحياة الباقية. يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما رأيت ثروة موفورة إلا إلى جانبها حق مضيع", كأنه ينتقد الجزئية بجمع المال وإهمال الواجبات الأخرى. المؤمن لا يضع كل بضاعته في سلة واحدة ليكون في الأخير إما يكون أو لا يكون. البركة من الله.. لكن لا تضيع الوقت ولا المجهود في شيء لا ينفع ولا تغامر, اعمل ما تيسر لك دون عنت ومشقة وبدون انقطاع, وأكثِر من لحظات الراحة ثم العودة العمل, كما في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "روحوا القلوب ساعة بعد ساعة", ونوِّع اهتماماتك وخذ من كل شيء طرفا وما تيسر.

المؤمن كيس فطن, عينه على الآخرة وعينه الأخرى على الدنيا, عين على الحقوق وعين على الواجبات, عين على النجاح والتفوق الشخصي وعين على الأهل والأصحاب وحقوقهم. قد لا يحصل على نجاح متطرف لكنه يوفي الحقوق بشكل عادل قدر الإمكان ولم يكلف نفسه ما لا يستطيع, والمؤمن يعلم أن الرزق من الله وليس بمجهوده. وهذا هو النجاح في تجربة الحياة أن تنجح بكل أطرافها وليس بطرف واحد. والمادة ليس لها نهاية أما الإنسان فمحدود, والدنيا ليس لها طرف ولا يمكن لأحد ان يسيطر عليها. قال الشاعر: "ومن ينفق الساعات في جمع ماله ** مخافة فقر فالذي فعل الفقر", أي أنه صار في تلهفه مثل تلهف الفقير.

مثل هؤلاء المتطرفين تظهر عندهم مجاعات صارخة لأشياء حرموا منها, والشيطان يستغل ما يخرج مضغوطا من شعور الإنسان مثلما يستغل الغضب. المفترض ألا يكون هناك ضغط ولا حرمان شعوري بل شمولية, فالحياة الشمولية هي اليسر والراحة, وهي النفس المطمئنة, {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}. حتى من يرهقون أنفسهم بالعبادة أو بالزهد يسببون ضغوطات قد تنفجر.

أنا أختلف مع مثل هذا التطرف وهو طريق العنت والمشقة, لكن الكثير يرون أنه هو طريق النجاح, مع أن الله لم يأمرنا بالعنت, والحياة أوسع من هذه القيود الصارمة على الذات والروتينية المتكررة, {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. مادام أن الله -وهو صاحب الحق الأول علينا- يريد بنا اليسر فكيف نريد العسر لأنفسنا بدنيا زائلة, أو بالأصح زائلون عنها؟ 

فرويد يتصور أن الإشباع من شيء واحد والكبت في شيء واحد وهو الجنس, وهذا كلام سخيف, بل إن التركيز المفرط على هذا المجال يسبب التقزز, لأن الإنسان أشياء كثيرة وليس شيئا واحد حتى تشبعه من شيء واحد, بل هو مناح كثيرة وكلما يتفتح الشعور كلما تخرج حاجات شعورية أو عاطفية جديدة, مثل أن كل إنسان فيه حاجة إلى رعاية طفولة, فمن يعيش في بيئة لا يرى فيها أطفال أبدا ستتعبه هذه الحاجة إلى رؤية الأطفال ورعايتهم, سواء أب أو أم .

كل الحاجات من المفترض أن تأخذ حقها, في ما يرضي الله طبعا بوجود العقل المتحكم. الحب مثلا حاجة مهما حاولت أن تتلهى عنه فأنت محتاج لحب.

لاحظ أن كل الحلول التي تقدم غالبا ما تكون متطرفة, فهناك من ينادي بالعزلة أو بالاجتماعية الكاملة, ومن يقول داوني بالتي كانت هي الداء, هذه تطرفات. الصحة تأتي مع إشباع الحاجات وإعطائها حقها, والصحة الجسمية تابعة للصحة النفسية, والصحة النفسية تتألم من وجود الجوع الدائم.

درجة إشباع الجوع الشعوري تختلف حسب الأهمية عند الشعور, فهناك أشياء الإلمام فيها كافٍ و أشياء يريد الشعور أكثر من مجرد الإلمام, عمل الخير مثلا والجمال والمعرفة ليس منها شبع, لكن الشعور من الأكل يشبع. فهناك فروق بين المجاعات, فمثلا حاجة العبودية -وهي أكبر الحاجات- تصور أحد يعيش بدونها سيكون كأنه هباءة ويشعر بالخواء الداخلي, شيء مخيف أن يكون الإنسان بلا ارتباط, لاحظ الآية: { فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} هذه حياة من لم يرتبط بالله.. كأنه معلق بالهواء. آلام الناس أكثرها من هذا الشيء: حاجات شعورية مهمَلة و متخَم في حاجات أخرى أكثر من اللازم. والتخمة تسبب النفور إلا في الحاجات العليا (قانون), الحاجات العليا لا تسبب نفورا لكن تبدأ الحاجات الأخرى إذا أُهمِلت تنبه عن نفسها, فتكون مثلا تستمع لكلام جميل لكن غلبك النعاس, فأنت لم تشبع من ذلك الكلام ولكن هناك جوع آخر ظهر وهو جوع النوم.

عدم الاهتمام بالحاجات بشكل شمولي والتركيز على إشباع حاجات معينة يسبب نفورا, لهذا نجد أكثر الناس يفرحون بالإجازة ويفرحون بنهاية وقت العمل والدراسة بسبب التركيز المفروض على الذات, بل يُذكَر أن معلمة قالت لطالباتها: يجب أن تركزوا على السبورة دائما حتى لو كانت فارغة! لكن التركيز صعب خصوصا إذا كان على فراغ! لاحظ أن كل الصناعي يحارب الشمولية.