الاثنين، 6 مارس، 2017

حول عدم الانسجام بين عقل الإنسان وشعوره .. ووحشة الروح الحية في هذا العالم الميت ..



     العقل ابن الشعور, فالعقل هو الشعور في حالة احتكاكه بالعالم الخارجي, فمثلا حين تشعر برغبة أن تأكل برتقالة سيقول لك العقل هنالك سكين, هذا اقتراح أتى من العقل الذي قد كان شعورا لكنه تجمد, فالعقل هو شعورات مجمدة, وكأن الشعور هو الماء بحالته السائلة والعقل هو الماء بحالته المتجمدة, فكلاهما شيء واحد في الأساس. لكن وبالرغم من ذلك, كثيرا ما يعارض العقلُ الشعورَ ويعاكسه, وعدم التفاهم هذا سببه ارتباط العقل بالعالم المادي الذي قوانينه معاكسة لقوانين الشعور, بدليل أن من يسير مع العقل فقط سيعاكس الشعور.

ألا تلاحظ الحياة تقاوم المادة؟ فأنت تشد عضلاتك لتقف أما المادة فتريد أن تجذبك للأسفل, والشجرة تقاوم لكي تصعد للأعلى. الحياة كلها عكس قوانين المادة, فكيف يقول الماديون الملاحدة أن الإنسان مادة وهو يقاوم المادة ويعاكسها؟ فالحياة تقاوم قوانين المادة, لأنه لو أسرينا القوانين المادية على الأحياء لماتت وحللتهم في التربة, ولو تركتَ قوانين المادة تسري عليك لمت وتحللت, فالمادة تقول لك انزلق ولكنك تتمسك, وتقول لك اسقط في الحفرة ولكنك تقفز, والنار تريد أن تحرقك لكنك تبتعد..., حتى مادة جسمك بإرادة شعورك تقاوم قوانين المادة التي تقول لقلبك توقف عن النبض ولكنه ينبض. لا شيء يضاد قوانين المادة ويقاومها إلا الأحياء, فالسمك يسبح عكس التيار, والتيارات الهوائية تحاول إسقاط الطيور وهي تتحايل عليها, فكيف تنتج المادة ما يعاكسها (الحياة)؟! و نحن نموت لأننا لم نستطع أن نعاكس المادة, مثلما تأتي العاصفة القوية وتغلب الطير و تميته. لذلك فكرة الشباب الدائم والخلود غير ممكنة في الدنيا, فلو تدري كم تحارب من قوانين المادة حتى تتكلم فقط! أو حتى تجلس فقط! فالكلى والكبد والمخ والقلب والرئتين والعضلات والكثير من العمليات الحيوية لمقاومة قوانين المادة! فتطرد السموم وتوازن السكر في الدم وغير ذلك من العمليات العجيبة التي لا نشعر بها وكلها تقاوم قوانين الفناء, حتى حينْ طبعا ؛ لأن تلك القوانين سوف تغلب الحياة التي خدعَتها ونجت منها.. وكأن عالم المادة يصنع الحبائل للكائن الحي, كلما نجا من أحبولة أعد له ثانية حتى يقع, وكلها بقدر الله. إذن فالحياة عبارة عن معاكسة لقوانين المادة, فكيف يُنتج الشيء ضده؟! المادة هي التي تغتال الحياة وتميتنا فكيف تنتج حياةً كما يقول التطوريون الماديون؟ ونفس الشيء لعقلك وشعورك, فشعورك يقاوم قوانين المادة والعقل مرتبط بقوانين المادة, لذا فمن يسير بعقله سوف يتحول إلى مادي.

كيف يقول الماديون أننا نعتمد على المادة لنعيش والمادة هي التي تميتنا؟! فكل حياتنا قائمة على عكسها! فالجسم في حالة حرب مستمرة مع قوانين المادة, القلب يواصل النبض حتى لا يقف الدم وتغتاله المادة, وبما أن لك وجود مادي إذن أنت تحت رحمة العالم المادي, إذن ليس هنالك خلود. عالم المادة الميت الضخم يريد أن يجعل جسمك الصغير مثله, إذن الحياة غريبة عن المادة, إذن الشعور غريب عن عالم المادة, ومن يتبع عقله فقط دون شعوره سيذهب لقوانين المادة, أي ذاهب إلى الموت.. أي سيعمل ضد روحه, ولذلك قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا}, لهذا العقلانية البحتة ضد الشعور, فمادمت لا تعترف إلا بقوانين المادة فستدمر حياتك.

روحك تتألم كلما هزمتك قوانين المادة, كلما ضغطت عليك قوانين عالم المادة ولم تستطع أن تسيطر عليها صرخت من الألم. لذلك نحن نتألم حينما نرى شخصا يفكر بطريقة مادية لأنه سيقحم عالم المادة علينا, فهو سيُدخل علينا عالم المادة الذي نحن خائفون منه. السعادة إذن هي بالتخلص من قوانين المادة.. من عالم الموت, والارتباط بالجانب المعنوي, لهذا أسمي الإنسان المادي "إنسان متخشب" فهو قد أصبح مثل المادة, ولهذا الإنسان القريب من شعوره نشِط ومتحرك, بينما المادي كئيب و خامل.

كلما يُنصَر المعنوي كلما تشعر بالحياة أكثر وتبتعد عن الموت أكثر, فكلما يأتيك معنوي من إنسان تشعر بالحياة أكثر وتقاوم الفناء أكثر, لهذا الإنسان الطبيعي المحترِم لشعوره ينعش الآخرين, فحين يهتم بك أحد معنويا فهو ينصرك على أعدائك وهو عالم المادة ومن يفكر بطريقة مادية, أي هو نصرٌ لذلك غير المادي في داخلك. ومن غباء الماديين أنهم قالوا أن السعادة بالمادة, أي كأنهم يقولون انغمس بعدوك! هنا نفهم منطقيا لماذا الفكر المادي يسبب المرض والكآبة وهو ما سبب كثرة الانتحار وخاصة في الغرب.

ذلك يعني أن الحياة ليست فقط حياة واحدة, بل هي درجات, فهناك أحد كميت الأحياء, أي حياة جسم لكن فيها موت معنوي, و أحد حياته مضاعفة. شعورك بالحياة تراه أحيانا يهبط حين تشعر بالكآبة والتشاؤم, وأحيانا يرتفع لدرجة تشعر أن الدنيا لا تسَعك, وأنت مسرور كل شيء يكبر و يتغير و يتحسن, إذن الشعور بالحياة يتضخم أو يتضاءل وليس ثابتا, فالإحساس بالحياة ليس واحدا, والطعام اللذيذ ما زيَّنه هو الصحة المعنوية وليس هو بذاته, إذن علينا أن نعمل على رفع مستوى الحياة عند أنفسنا وعند الآخرين لأن العمر محدود.

إذن الشعور بالحياة ليس واحدا, بدليل أن الأشياء لا تأخذ شكلا واحدا عندك, وأنت حزين ترى كل شيء كئيب وحزين وإذا صرت متضايق ترى كل شيء ضيق وإذا صرت سعيدا تشعر بالانشراح فيما حولك. لاحظ الفرق بين شخص أتى إليك من أجل أن يتكلم معك عن إحساسك ومشاعرك ويحترمها ويدعمها وأحد جاء ليتكلم عن مال وفواتير وحسابات, بأيهما ستفرح؟ بالأول طبعا رغم أن الثاني قد يكون أحضر لك مالا. إذن عالم المادة هو عدوك -بشكل عام-, ومن جاء ليطلق شعورك هو من يحسسك بالحياة أكثر, وهذا هو تطويل العمر. يجب أن يكون تعاملنا مع الناس على هذا الأساس, وسترى أن ما تفعله مؤثر أثرا كبيرا فيهم دون أن يدروا لماذا. ألا ترى الشعور بالوحدة كم هو مخيف؟ لأنك لوحدك الآن تقاوم عوامل التعرية, بينما لو تكون برفقة أصدقاء فسيحملون نفس الهم ويساعدونك على الأخطار وعلى وحشة المادة, ولاحظ أن أي كائن حي موجود معك في المكان يعطيك شعورا بالأمان حتى لو كان حيوانا, فأحيانا طفل يستطيع أن يؤنسك ويزيل عنك الوحشة, لهذا عاش الناس والكائنات الحية بشكل جماعات. (استطرادا: لهذا فكرة الفردية الغربية فكرة مادية وسخيفة ومعاكسة للشعور ولطبيعة الأحياء, لأنه لا يوجد كائن حي فردي, ففكرة الفردية لا تناسب الإنسان العادي لكنها تناسب الرأسمالي لأنه يريد أن يتملك لوحده, لهذا نشرها الرأسماليون في الغرب ليكون الناس أفراد والفرد ضعيف فيحتاج للأدوات التي ينتجونها لتعوضه عما سيقدمه له الآخرون, فالتحكم في الفرد أسٍهل من التحكم بالجماعات, والفردية أنتجت أفراد محتاجون لما تنتجه مصانع الرأسماليين وبنوكهم وشركاتهم أكثر من حاجتهم لمجتمعهم, وبذلك يستغلونهم لرفع أسعار المنتجات وقطع غيارها مع التوجه لجعل المصنوعات مصمتة بحيث لا يمكن فكها ولا صيانتها بل فقط استبدالها بجديدة, مع وضع نقاط ضعف في أماكن حساسة حتى تتلف بسرعة كاستعمال البلاستيك الضعيف في أماكن التروس أو في أماكن عليها ثقل, مع أن المنتج أغلبه من الحديد).

الناس يؤنسونك إلى حد لكن ليس طول الوقت وطول الحياة, هذا العالم المادي المخيف والظلام الكوني الدامس.. شعورك يقول: لا أستطيع أن أقاومه فمقاومتي مؤقتة, وحتى الناس الذين معي لا يستطيعون أن يقاوموه فهم سيموتون أيضا, عالم الظلام الدامس اللامنتهي.. أيعقل أن يكون عبثا؟ أنا من أين أتيت؟ ومن جاء بي لهذا العالم؟ هنالك أحد أتى بي وهو من يؤنس وحشتي, فأنا لست من المادة بل أنا بحرب معها, والوحشة التي بي لا يستطيع الناس أن يزيلوها فهم مثلي, إذن هناك من يستطيع أن يؤنسنا من وحشة العالم المادي الذين نحن فيه.. إنه الله .

أنت تعرف أنك لا تنتمي للمادة, فهي لا تعرفك ولا تقدر ما تحس به وفي أي لحظة يمكن أن تسحقك.. بما أنك موجود وعالم المادة ليس بينك وبينه تفاهم أصلا, إذن هناك من أوجدك و أيضا يحس بك وقادر أن يحقق أمنك, فوجودك يدل على وجوده, وجود الإنسان يدل على وجود الله سبحانه.

يدي وقدمي كيان مادي ولو قُطِعت سأظل حيا ولن يُنقص من ذاكرتي ولا من إدراكي ولا وعيي, لو كانت الروح هي الجسد أو جزء منه لنقصت أحاسيسنا وعقولنا إذا قُطع شيء من الجسد, لكن هذا لا يحصل, إذن الروح موجودة والجسد موجود وبينهما تمازج أو زواج إلى حين, وفناء الحياة هو نتيجة طلاق الجسد لهذه الروح بسبب انهزامها أمام قوانين المادة التي تحكمت بالجسد, فأحد مات تجمدا مثلا هو يريد أن ينجو ويبتعد لكنه لا يستطيع لأن جسمه بدأ يتجمد, وبالتالي تنتصر قوانين المادة على الروح. ففي الموت غير الإرادي الجسد طلق الروح, وفي الموت بالانتحار الروح طلقت الجسد. قال تعالى عن يوم القيامة: {وإذا النفوس زوجت}, وروي عن عكرمة قوله : وإذا النفوس زوجت (أي) ردت الأرواح في الأجساد.

الماديون يصورون لنا أننا عبارة عن أجسام تجمعت وتركبت ومنها نتج التفكير, لكن الواقع العكس! فأنا أتألم من جسمي والناس تتألم والمرضى يتألمون, فجسمي سبب لي مرضا, فأنا خائف من جسمي فهو ما سيميتني, الذي تقولون أنه صنعني! فأحد عنده حساسية في الجهاز التنفسي هو خائف أن ينقطع نفسه, أي هو خائف من جسمه وردود أفعاله, وإنسان مريض بالسرطان هو أيضا خائف من جسمه! ألستُ جسما فقط كما يقولون؟ لماذا أنا خائف من جسمي؟ وأقاومه؟ إذن جسمي من العالم المادي وليس هو أنا, لماذا لا أقبل قوانين جسمي المادية وأنا لست إلا مادة كما يقول الماديون؟! إذن أنا روح أودعت في هذا الجسم وأُلبست هذا اللباس الغريب عليها أصلا, "أرواحنا في وحشة من جسومنا".. نحن خائفون من أجسامنا لكن أجسامنا ليست خائفة, فأجسامنا تستجيب لقوانين المادة, لكن في داخلنا شيء لا يستجيب, لو كانت أرواحنا هي أجسامنا لكان جسمنا هو من يقاوم ولا يستسلم لقوانين المادة, لكن عند الخطر أنا أهرب بجسمي أما هو فلن يهرب, فلو كنت فاقدا للوعي وبجانبي نار لأكلت النار جسمي دون أن يفعل شيئا, فكيف أكون أنا جسمي؟ إذن أنا لست جسما, إذن أنا روح. هذا يثبت وجود الروح, الكيان المادي يستجيب للمادة ولا يعاندها, فلو كنتُ دماغا فقط لما قاومت المادة, أليس الدماغ نفسه يموت؟ أليس إذا أثّرَت به مواد سامة يتأثر؟ إذن هو مادة. كثيرا ما نرغب بأشياء لا يستطيع جسمنا أن يوصلنا لها, فنرغب بالقفز من على حفرة لكننا لا نستطيع مثلا, أو مسافر يريد أن يلحق بقطار لكنه فاته, فإذا كنت أنا جسمي فكيف أرغب بما لا أستطيع؟!

ما بعد هذا دليل أن الإنسان ليس من المادة أنه عدو للمادة! إذن أين انتماء الحياة هذه التي تقاوم عالم المادة؟ أنت ترى العالم كله مادي, إذن أنت لم تأتي من كل العالم المادي, إذن الحياة هبة من خارج العالم المادي منطقيا, فالحياة هي الشيء الغريب في هذا الوجود, أما الباقي فكله متشابه, إذن العالم المعنوي الذي تنتمي له الروح موجود, وهذا خيط من الخيوط الدالة على وجود الله.

وعلى هذا صار التفكير المادي ضد الحياة, لهذا قلنا أن المادية هي ثقافة موت والصناعي يؤدي إلى الفناء. حين أفكر في غيري الوضع الطبيعي أن أفكر كيف أسعد هذا الإنسان الذي أحبه, لكن التفكير المادي يجعلني أفكر فيه من خلال كيف أستفيد منه, أي أفنيه, وأفني نفسي أيضا فروحي تريد حبا وحياة لكني قطعت هذا الشيء.

المادي حين يقرأ هذا الكلام سيقول أنه غير واقعي وأن واقع الحياة هو الصراع وهو قانون طبيعي. لكن المادة لا تتصارع مع المادة! وكلها قابلة لبعضها, فقط الحياة هي التي لا تقبل القوانين المادية, فلا شيء في عالم المادة لديه إرادة أصلا لكي يرفض ويقاوم, الكائن الحي هو الوحيد الذي يقاوم, ولو كان الأمر بيده لما جعل القوانين تغلبه أبدا ولبقي حيا, لكن لأن الوضع هكذا صارت الأحياء تتناسل.

(استطراداً: التناسل عند الأحياء دليل على وجود الفناء ودليل على وجود خالق, وإلا فكيف عرفَت الأحياء أنه يجب أن تتناسل؟ كيف عرفًت أن القوانين ستفنيها حتى تخترع شيء اسمه التناسل؟ بل من أوجد حب الحياة والخوف من الموت؟ من أوجدها يعرف أن القوانين المادية لا ترحم, وأن الأحياء لا تستطيع أن تفلت من قبضتها طويلا, فجعلها من زوجين يتناسلان حتى تستمر الحياة ويستمر الفناء. لو كان الكائن الحي متطورا فكيف سيكتشف التكاثر وهو لا زال حيا؟ ثم ما مصلحته أن يبقى نوعه أصلا؟ إذن هناك إرادة تريد أن تستمر الحياة, هي التي وضعت الغريزة التي تجعل الأم تعرض نفسها للموت لتحافظ على أطفالها. وهذا ينفي فكرة أن الأنانية أصل في الأحياء, فكل الأحياء ليست أنانية لأنها كلها تخدم بقاء النوع. ثم ما فائدة الانقسام لنوعين ذكر وأنثى؟ الانقسام البكتيري آمن وأسهل من التزاوج بين ذكر وأنثى, إذن هذا تطور للأسوأ وليس للأفضل! ثم مالفائدة من التناسل الذي يجعل الطفل يزاحم أنانيتك ويأكل أكلك؟ إذن فكرة الأنانية في الطبيعة فكرة سخيفة, لكن الماديين لا يريدون التنازل عنها, وكل أفكار الماديين تنطبق على التاجر الرأسمالي ولا تنطبق على الطبيعة, وهذا يبين لنا من أين جاءت.)  

بهذا, تكون علاقتنا بالمادة علاقة خوف بالدرجة الأولى, حتى استفادتنا من المادة هي منطلقة من خوف, فحين تحضر الفرشة لتنظف بها أسنانك أنت تخاف أن تؤلمك أسنانك, وحين يبرد الجو تحس بالخوف من البرد فتذهب للنار لتدفئ نفسك لكنك أيضا تخاف أن تحرقك النار فتحذر منها. إذن بما أن تعاملنا مع المادة أساسه خوف إذن لا يصلح أن تكون المادة ربّاً, لأنها لا تحس بك, وبالتالي هي لا تضر ولا تنفع بإرادتها, إذن لا بد أن يوجد أحد يضر أو ينفع بإرادته. روحك لا تدري من أين جاءت ولا تدري أين ستذهب ولم تخلق نفسها ولم تخلق غيرها ولا تنتمي إلى عالم المادة, إذن منطقيا لها رب تنتمي إليه, ولو كانت أرواحنا تعرف نفسها ومن أين جاءت وأين ستمضي لتوهمنا الإلوهية في أنفسنا, لكنها أرواح مستعبَدة, وخالقها ليس من عالم المادة. 

أسئلتنا التي نوجهها لأنفسنا مثل: ما معنى "أنا"؟ و ما هي ماهيتنا؟ وأين وجودها؟ هي أسئلة عقلية أحضرناها من عالم المادة, مثلما تسأل عن شيء مادي ماهي ماهيته وما هو طوله وما هو عرضه وأين مكانه...إلخ, هذه الأسئلة التي نوجهها لأنفسنا لا فائدة منها, ونفس الأسئلة يوجهها الماديون للخالق أسئلة من عالم المادة, فعالم المادة ليس مرجعنا لأننا لسنا مواد, وبالتالي العقل الذي أتى منه ليس مرجعنا في الأمور الوجودية, وإن كان مرجعنا في حياتنا العادية.

لا تفهم المعنوي من خلال المادي, ولا المادي من خلال المعنوي, الذات ليس لها لغة كاللغة العقلية لهذا نستعير من اللغة العقلية لنتكلم عن المعنويات, ولكن هذا من باب التشبيهات ليس إلا, محاولة فهم المعنويات كالمشاعر والأخلاق من خلال العقل المادي تقدم فهما مضللا. إذن يجب أن يكون لك عقلين: عقل مادي وعقل معنوي, أحدهما يعقل من العالم الخارجي والثاني يعقل من العالم الداخلي. كون اللغات مبنية على تشبيهات بأشياء مادية هذا دليل أن العقل مبني من عالم المادة, لأن أمثلتنا على المعنوي نقدمها من العالم الذي يعرفه العقل بسرعة وهو المادي, هذا يعني أن العقل المعنوي لم يُبنَ حتى الآن ما يوجد منه هو إشارات بسيطة فقط. العقل يعقل القوانين, والشعور له قوانين, إذن يجب أن يكون لنا عقل معنوي مثلما لنا عقل مادي يعرف أن 1+1=2. كل الأبحاث التي تدور حول الإنسان وعلم النفس والشخصية والمجتمع هي محاولات لبناء عقل معنوي وأكثرها فاشلة بسبب أنها تعتمد على العقل المادي. علم النفس ليس علما بقدر ما هو وجهات نظر يُبحث لها عن شواهد وتُهمَل الشواهد المضادة لها.

العقل المعنوي ليس بهذه الصعوبة, فهو عكس العقل المادي, وإذا قلنا عقل مادي نحن نقصد به تعامل الإنسان مع العالم المادي وعلاقته به من خلال العلم. إذا كان العلم يخبرنا عن أحوال المادة كما هي فالعقل يخبرنا عن علاقة هذه الأحوال بالإنسان, فهو يبني علاقات مع المعلومة ويوظفها, العقل المادي إذن منطلقه النفع المادي للإنسان, إذن سيكون العقل المعنوي معتمد على العلم المعنوي الذي هو وصف لأحوال الإنسان كما هي وكيفية توظيفها لمصلحة الإنسان.

قوانين عالم المادة تتناقض مع قوانين الإنسان, مثلا: يقولون من قوانين المادة أن الكثرة تغلب الشجاعة (الكثير أقوى من القليل), لكن أحيانا الشجاعة تغلب, فإذا كانوا مرتبطين بشعورهم سيغلبون {وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا}, لكن إن كانوا مرتبطين بعالم المادة فسيحكمهم حكم المادة, ففي المادة الكثير يحكم القليل. أيضا من قوانين المادة أن لكل فعل ردة فعل و أن الضغط يولد الانفجار, لكن في عالم الإنسان أحد مع الضغط ينفجر وأحد يبدأ يعطي أكثر, أي العكس تماما, قال تعالى : {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} أي يكظمون غيظهم ويعفون عنهم بل ويحسنون إليهم, والعفو حالة سلبية وليست انفجارا. وولدي آدم مثال, فأحدهما أراد أن يقتل الآخر لكن الآخر لم يرد بنفس الفعل بل قال {إن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك}, إذن كسر قوانين المادة بأن لكل فعل ردة فعل مضادة. هذا يدل أن الناس نوعين نوع مع عالم الروح والفطرة ونوع مع عالم المادة, ومن هنا تختلف تصرفاتهم وردود أفعالهم. 

كل الشرور تأتي من الاحتكام للمادة في عالم الإنسان, حين تطبق قوانين المادة على الإنسان ستنقلب الفضائل إلى عيوب, انظر كيف أن الأِشرار يرون أن التسامح ضعف, والكرم تبذير, والبخل عقل, والأنانية مبدأ, والنفاق والكذب أساليب ذكية وشطارة! مثلما طالب نيتشه الملحد بسحق الضعفاء منطلقا من قوانين المادة فقط, فبالمنطق المادي الضعفاء حمل في مسيرة تنمية الاقتصاد, وكلامه صحيح إذا قلبنا العقل إلى مادي وتخلينا عن عقلنا الإنساني, فيجب التخلص من كبار السن والجدات والمرضى والمعاقين! لو طُبقت قوانين المادة لتخلى الابن عن والديه المسنَّين لأنهما غير منتجين! وصار كل قوي يأكل كل ضعيف, وفي الأخير سينقرض الجنس البشري, كما تريد قوانين المادة التي كان الإنسان يكافحها لكي يبقى! أي عودا على بدء, فالإنسان الذي يطبق قوانين المادة على الإنسان هو يفني نفسه بطريق غير مباشر.


هناك 7 تعليقات :

  1. مادة دسمة ثرية عميقة يقدمها لنا قلمك البهي , في كل مرة تكتب فيها شيئاً .
    شكراً لقلمك الماتع .

    ردحذف
    الردود
    1. الحمد لله أنه يوجد مثل عقلك يستطيع أن يهضم المواد الدسمة، شكرا لك وأكثر الله من أمثالك.

      حذف
  2. السلام عليكم , كم هائل من المشاعر والافكار التي انهالت علي بعد قرائتي لهذا الموضوع

    لدي سؤال , لماذا تستخدم دائما كلمة شعور ؟ مثلا كلمة روح او تفكير
    في الحقيقة نحتاج موضوع يتحدث بالتفصيل عن الشعور وتكوين الانسان وما الفرق بين النفس والقلب والعقل والروح فكلها تستخدم في القران

    ردحذف
  3. وايضا لي طلب اخر . سنتشرف كثيرا بان تعرفنا عن اسمك والبلد والله سنسعد بذلك جدا .

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام ورحمة الله، اشكر لك تعليقك على الموضوع. بالنسبة لكلمة الشعور واستعمالها كثيرا فهو من اجل التفريق بينه وبين العقل والاعضاء الاخرى في الجهاز النفسي للانسان، لان الشعور هو مرجعها كلها، هو مرجع العقل والمنطق والذاكرة والانفعالات والغرائز، وأعرف ان هذا غريب وقد لا تقرؤه الا هنا، لكنه هو نظريتي الاساسية، و هي نظرية الشعور، ولم أسميها الروح لان الروح من امر ربي، وما أوتيتم من العلم الا قليلا. ويوجد في المدونة موضوع واكثر حول هذه الاعضاء وكيف تتفاعل في الجهاز النفسي للانسان، وهنا رابط احدها :

      http://alwarraq0.blogspot.com/2014/02/blog-post_6323.html?m=1

      وستجد في هذا الموضوع وغيره من مواضيع تفصيلات تعرف بها الفرق بين العقل والشعور والروح والعقل الوسيط والعقل (أ) والمنطق والذاكرة، من اعضاء الخريطة المعنوية للانسان، وإذا فهمت هذه المواضيع الاساسية، فسيسهل عليك فهم كل ما قلته، واعرف ان كثير من القراء ليس لديهم تصور واضح عن كلمة الشعور، وبعضهم يعارضها اصلا ويريد ان يستبدلها بالعقل، مع اني تكلمت كثيرا عن الشعور وقوانينه، والفرق بينه وبين النفس والعقل والعواطف. فالروح نفسها تاخذ هذه الاسماء على حسب انتقال القلب، فكأن القلب هو الانا، والشعور هو الفطرة الالهية، فاذا التفت القلب الى الشعور فالروح الان تحولت الى شعور، واذا التفت القلب الى العقل الوسيط فهنا تحولت الروح الى عقل وسيط، او العقل (أ) ، وهكذا، والقلب يتقلب بينها. كأن الشعور هو دستور الحياة ولا يتبدل ولا يتغير ولا يختلف من شخص لآخر ولا عمر لآخر، فطرة الله. وهو الذي يميّز ويقيّم، وسوف تجد تفصيلات اكثر في المواضيع المرفقة روابطها.

      اما بالنسبة لسؤالك الثاني، فيوجد قراء اخرون يطلبون العكس، اي لا تذكر اسمك ولا مكانك ولا اي معلومات شخصية، وقد وعدتهم بذلك، على اساس ان هذا افضل ليكون الحوار من خلال الافكار فقط. فأرجو المعذرة واهلا بالتواصل معك حتى لو على البريد. وشكرا لك.

      حذف
  4. الوراق هو من لبنان او سوريا يعجبني هذا الرجل كل كلامه يلامس الجرح اتمنى ان يتجه لتأليف الكتب فهي والطباعة فهي تصل للكثير وفيها مربح مادي

    ردحذف
  5. لماذا حذفت تعليقي يا وراق بئس قوم يقولون انهم مسلمين ويستحون من دينهم وكأنهم يضعون لمسات من أفكارهم لتجميل الدين بأعين لكفار أصدع بالحق كما قال الله وأظهر العداوة للكفار فأنها من عقيدة الولاء والبراء الملاحدة يقتلون المسلمين وانتم تتكلمون عن السلام والله ان دمائكم أن سفكت ستكون خيرا عظيما للإسلام وربي انتم العدوا الحقيقي لنا يامن تتمسكون بأيات السلام وتنسون آيات القتل وضرب الرقاب ، ابو أنيس العراقي أرض الخلافه الموصل

    ردحذف