الأحد، 12 مارس، 2017

الفرق بين الثقافة والحضارة



كثيرا ما يحصل خلط بين الحضارة والثقافة, الحضارة لا بد أن تأخذها لأنها نتاج تراكم جهد بشري عبر التاريخ وليست خاصة بثقافة معينة ولا تحمل نكهة الأمة التي أنتجتها ولا تراثها ولا دينها ولا لغتها, كالسيراميك مثلا أو المصباح أو آلة تغليف الورق...إلخ هي لا تحمل نكهة أحد, فالعلوم كالهندسة والطب والصناعة مأخوذة من الطبيعة, لكن الثقافة مربوطة بأناس معينين في مكان معين وفترة زمنية معينة وليست علما. 

ومن الضعف أن نتبنى ثقافة أمة مختلفة بالكامل ونلغي ثقافتنا, كأن نأخذ مثلا عادات الانجليز بالاحتفال بأعياد الميلاد ونغني مثل أغنيتهم "happy birthday to you". هذا علامة ضعف وانسحاق ثقافي, فالثقافة مربوطة بظروف أهلها وتاريخهم, ونحن لنا تاريخنا وثقافتنا لماذا لا نبدع منها طقوسنا الخاصة في الاحتفال وفي اللباس وفي الكلام وفي الديكور...إلخ؟ كوننا نأخذ منتجات الحضارة الغربية من علوم واختراعات هذا لا يعني خضوعا للثقافة الغربية, فالعلم لم يزدد في الحضارة الغربية لأنهم ليبراليين أو لأنهم ملحدين حتى نتبنى ثقافتهم, بل هم استفادوا من العلوم التي كانت موجودة قبلهم وساهم قبلهم فيها العرب والمسلمون.

أحيانا يحصل تداخل بين الثقافة والحضارة, البيانو مثلا آلة غربية لكن لا نعتبره ثقافة؛ لأنه آلة, الثقافة هي الألحان والأغاني التي تعزف عليها, فمع أنه منتج غربي إلا أنه ليس ملكا لهم-هذا غير أنه أصلا مطوَّر من آلة القانون التي ابتكرها العالم المسلم الفارابي-, لكن أغانيهم وسيمفونياتهم وتراتيل كنائسهم هذا تابع لهم. وهذا لا يعني دعوة لقطيعة كاملة لكل الثقافات المختلفة, لكن لثقافتك عليك حقا ولإبداعك و تفكيرك ونكهتك عليك حقا, فإذا قرأت لشكسبير لا يعني هذا أن تهمل المتنبي , إذا سمعت لبيتهوفن لا يعني هذا ألا تسمع لسيد درويش أو لفيروز. الوضع السليم أن ثقافة الآخرين من باب الإلمام والاطلاع وليست للعيش فيها, فتلم بها ولكن لك حياتك وثقافتك, أما أن يعيش شخص عربي في ثقافة غـربية وهو له ثقافته وتراثه وهو في بلد عربي! هذا انهزام ثقافي وانهزام إبداعي في نفس الوقت, فلا هو الذي اعتمد على ثقافته ولا هو الذي أبدع جديدا. وتبديل الثقافة يحسر الإبداع فيكون مثل الغراب الذي أراد أن يقلد مشية الحمامة فلا هو أتقنها و نسي مشيته الأولى -كما تقول الأسطورة-. 

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق