الجمعة، 26 سبتمبر، 2014

العقدة الفرعونية في الميثولوجيا اليهودية ..


اذا كان التلمود يشرح نفسية اليهود، فإن التوراة تشرح تاريخ اليهود. والتاريخ الفعلي والمهم عند اليهود يبدأ من مصر الفرعونية، حيث ذاقوا الخسف والذل، بينما رأوا النموذج الفرعوني كيف يحكم أرواح الناس و أجسامهم على غير ما يفعل الحكام العاديون الذين يحكمون الأجسام فقط. و سر قوة فرعون من وجهة نظرهم كونه نصف إلهة، على اعتبار المشابهة بينه وبين الله، و كونه نائبا للإله "رع" خالق الكون على الأرض، والنائب يشبه من ينوب عنه، فنشأت عندهم عقيدة التجسيم والتشبيه التي تكون همزة وصل للصفة الإلهية للفرعون، كونه يشبه الإله في كل شيء في علمه وتحكمه وسيطرته وجسمه، وهو أقرب من الإله للناس. والتوراة مليئة بصور تجسيم الله على هيئة بشر . وربما هذا هو سر عقيدة التجسيم والتشبيه، حيث كان أباطرة أوروبا يعتبرون أنفسهم ظل الله على الأرض أو صورة مصغرة منه، وهذا باعتقادي هو منشأ فكرة تعدد الالهة، مع وجود كبير الهة. كأن التجسيم مشابهة بين هذا الفرعون الاله والله، معنويا وماديا، في كون الإله قادر على كل شيء ، وحتى الظلم يستطيعه إذا اراد، وأنه يعلم ما لا يعلمون، وأنه يشبه الفرعون في هيئته وجسمه حتى لباسه و تاجه وعرشه ، الخ .. مع مراعاة الفارق.

إذن عقيدة التجسيم ليس القصد منها بشرنة الإله بقدر ما هي تأليه للبشر ، وطبعا لا أحد يؤلَّه لأنه بشر إلا أن يكون له مكانة مثل فرعون يتحكم في الناس كما يتحكم الإله، كما جادل إبراهيم النمرود ، وهو كما قيل حاكم وطاغية، لما قال ابراهيم : ربي الذي يحيي ويميت، رد عليه وقال انا ايضا احيي وأميت ، فقال ابراهيم : ان ربي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبُهت الذي كفر ..

 والفراعنة كانوا مجسمة يجسّمون الآلهة على شكل بشر ، إما رجل او امرأة ، فكان الاله رع على صورة رجل عليه تاج، وحورس عبارة عن رجل ايضا ، و ايزيس ربة السِّحر على شكل امرأة تلبس تاجا له قرنان تطلع الشمس بينهما. والسحر معروف من عقائد الكابالا اليهودية، والتي انتقلت ايضا للماسونية من خلال ما يسمى بالسحر الاسود، اذ تأثروا به من الفراعنة، ثم تأتي بقية الالهة في التاسوع المقدس لدى الفراعنة، و هم : جب اله الارض (وربما منه جاءت كلمة : إيجبت Egypt كإسم لأرض مصر) ، و نوت ربة السماء ، و شو إله الفراغ بين السماء والارض (والذي ربما أخذ منه الملاحدة والماسون مصطلح اله الفراغات)، و ست رمز الشر والعنف على هيئة انسان له راس حيوان، ، ونفتيس ربة المنزل وهي اخت ايزيس و اوزيريس و ست ..

و لم يكن الفراعنة يعبدون الشمس الا رمزا لذلك الاله البشر، أو الذي على جسم او هيئة البشر. فلذلك الماسونية اهتموا بحورس لأنه آلهة بشرية، اذ هو اقوى رموزهم، ويمثل الحاكم البشري الجبار الذي لا تغيب عن عينه أي معلومة، وجعلوا عينه على رأس هرم، و من رموزها ايضا الأسدان متقابلا الظهر، رمز الاله اقر الفرعوني . والكبش الذي يرمز للإله آمون والذي تتخذه الماسونية وعبدة الشيطان رمزا. وأول كنيسة شيطانية أسسها انطون لافي في امريكا .و حورس هو الحاكم الفعلي على الأرض . والماسونية ، وهي بنت اليهودية ، تجعل رمزها عين حورس كحاكم فعلي للأرض، مما يكشف عن رغبتها في الحكم الفعلي للأرض مثل حورس. و بناء الأهرامات والتحنيط وتجهيز القبور بكل ما لذ وطاب يشير إلى عقيدة خلود هؤلاء الآلهة و ربما رجعتهم، وهي عقيدة أخذها اليهود منهم، فتكلموا عن رجعة موسى عندما ذهب إلى الجبل، فبعضهم قال انه مات فيه، وبعضهم قال أنه لم يمت ولكنه سيرجع، ونقلوا هذه العقيدة الى المسيحية في الرجعة الصغرى للمسيح و في الرجعة الكبرى، كذلك انتقلت إلى المذهب الشيعي في رجعة المهدي المنتظر بعد اختبائه في السرداب، ربما تأثرا بالمسيحية. الفرعونية أثـّرت في اليهودية أكبر تأثير، بدليل وصفهم لأحد أكبر أحبارهم وهو "عزرا الكاتب" بأنه إبن لله، كما قال تعالى : (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) .. وهذا معتقد فرعوني بالبنوة الالهية انتقل إلى اليهودية، واليهودية أسقطت تأثيراتها على الأديان اللاحقة في صور كثيرة ومذاهب متعددة من رجعة وتشبيه وبداء وغيرها كثير جداً ..

 الله رحِمَ بني إسرائيل، فبعث فيهم موسى مخلّصا ولم تكتف رحمته بتخليصهم فقط، بل ليجعلهم الوارثين والحاكمين بدلا من فرعون، لكن بدون شرك كما فعل الفراعنة، فانسحق فرعون أمامهم وأراد الله أن يجعلهم وارثين للأرض، إذا هم أطاعوا ربهم. لكنهم ظلوا يعاكسون الأنبياء ويخالفونهم واستوجبوا غضب الله و أعادهم للذل والسبي مرة أخرى، ومن ثم الشتات. لكن صورة الفرعون التي أعجبتهم لم تخرج عن مخيلاتهم، وتمنوا أن يكونوا مثل فرعون، واعتبروه سلفا لا مثلا وعبرة ، كما قال تعالى : فجعلناهم سلفا ومثلا، أي سلفا لمن يعجبهم الطغيان، ومثلا وعبرة للطيبين ، لهذا اخذوا أكثر الرموز من الفراعنة في الماسونية وأخواتها ذوات المنشأ اليهودي ، معجبين بطغيانهم وسيطرتهم حتى على المجال الروحي للناس .. هم أردوا تبني هذا النموذج، لا أن يكونوا النموذج الذي جاء به موسى، أي أرادوا ان يكونوا مثل فرعون بظلمه وطغيانه وسيطرته. ولهذا عبدوا العجل بعد أن نجّاهم الله ، والعجل يرمز للاله آبيس صاحب خصوبة الارض ، مما يدل على شدة تأثرهم بالفراعنة رغم ما رأوا من معجزات موسى ، بل ملوا من المن والسلوى وطلبوا الاكل الذي كانوا يأكلونه في مصر من فومها وقثاءها وعدسها وبصلها ، ويدل على تثاقلهم إلى الأرض والواقعية والمصلحة الآنيّة الخاصة دون العامة ..

قال الله لهم اذهبوا إلى الأرض المباركة حتى يعوّض عقدة النقص المتكونة و المترسخة عندهم من قوة الفراعنة وخضوع الناس لهم والظلم والسبي الذي حصل لهم، فما أعظم رحمة الله ولطفه، ولكنهم استغلوا هذه الرحمة والتفضيل، ليقولوا أننا شعب الله المختار، بل و ابناؤه وأحباؤه ، لذاتنا لا لعملنا، ولسنا مُلزمين بالأعمال الصالحة، ألم يفضّلنا الله ؟! بل إن الله يندم إذا عاقبنا كما في التوراة المزورة. فنظروا إلى الرحمة على أنها فضل لازمٌ لهم، وخصوصية لهم كشعب بشكل دائم، مهما فعلوا من سوء. مع أن الله غضب عليهم، فكيف يغضب على أفضل العالمين ويلعنهم ويشتـتهم ويضرب عليهم الذلة والمسكنة من جديد؟ و من هذا المعتقد نشأت القومية اليهودية التي أشعلت حمّى القوميات في أوروبا والعالم، وغذّت الحروب عالميا، وعدم الرغبة في إدخال احد على دينهم، بل و حتى التزاوج من غيرهم، مما جعلهم مختلفين عن كل المجتمعات التي يعيشون بينها، ومقاومين للذوبان في المجتمعات، وهذا من أقوى أسباب حصول الاضطهاد لهم في أوروبا وغيرها، لعدم رغبتهم في الذوبان في المجتمعات بسبب شعور التفوق والعظمة في داخلهم .

ومنه نشأت نظرتهم لبقية البشر على أنهم جوييم مخلوقين من مادة أخرى غير التي خلق منها اليهود لخدمة العنصر اليهودي، قال تعالى (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) و هم الجوييم وليس من لا يقرأ ولا يكتب، أي لا إثم علينا إذا ظلمناهم ولا سبيل، كما يصرّح التلمود. وبالتالي تكون السيطرة حق شرعي لهم. و في التلمود أن الجوييم خلقوا من نطفة حصان على هيئة إنسان لكي يخدم أبناء الله، فلا يستوحشوا منه لو كان على شكل آخر ..

و نشأت عندهم عقيدة الحقد بسبب الاضطهاد الذي عانوه، إضافة لفكرة التفضيل، والكلام هو عن الأشرار ومشرّعي الدين والتلمود وذوي السلطة والمكانة من هذا الشعب ومن ناصرهم، وإلا ففيه قلوب طيبة و رحيمة وتحب العدل والخير، والقرآن استثنى منهم كثيراً ، والواقع يشهد لهؤلاء اليهود الطيبين ..

نظرية الاختيار (5): انفصال الشعورات عن بعضها هو ما يحرك الإنسان.



انفصال الشعورات عن بعضها داخل شعور الإنسان العام نفسه واختلافها بين مشاعر مادية مرتبطة بالجسم ومشاعر معنوية وإنسانية هو ما يحرك الإنسان, فمثلا شخص جائع وقادر على السرقة تأتيه مشاعر دنيا متعلقة بجسمه وتأتيه مشاعر عليا متعلقة بأخلاقه , أي المشاعر المتعلقة بالجسم منفصلة عن المشاعر المتعلقة بالروح, فلا يستطيع شعور أن يمنع شعور آخر من الحضور (قانون), وعلى هذا الأساس تسقط فكرة أن الإنسان ابن لحظته فهو بالأصح ابن لحظتيه (بسبب وجود اختيارين) وليس ابن لحظة واحدة إذا اعتبرنا أن اللحظة شعور, فعندما يشعر الإنسان بالجوع يسيطر عليه شعور الجوع و الرغبة بالأخذ لكن يأتيه شعور آخر متعلق بالعواقب.

انفصال الشعورت عن بعضها هو ما يحرك الاختيار, ولو كانت الشعورات غير منفصلة لما استطاع الإنسان أن يختار الشر ولأصبح اختيار الخير جبرياً لأن الشعور مفطور على الخير, فدائما كل شيء له حكمين عندك وليس واحد. وليس صحيحا مبدأ أن التفاحة الفاسدة تفسد التفاح الصالح فهذا من قوانين عالم المادة لكن لا ينطبق على العالم المعنوي ؛ لوجود اختيارين عند الإنسان, فهناك احتمال تأثر الشخص الفاسد بالشخص بالصالح ، وليس صحيحا أن الخوف يكون على الشخص الصالح من الشخص الغير صالح فقط ، بل كلا الشخصين يمكن أن يؤثر أحدهما على الآخر, فالشعورات لا تتأثر بدون اختيار ويؤيده قوله تعالى : {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وقوله : {لا أعبد ما تعبدون}.

من يكن بطريق الخير ستُعرَض له اختيارات الشر ، وكذلك من هو بطريق الشر سيُعرض عليه طريق الخير ، وهذا ما يؤيد فكرة انفصال الشعورات عن بعضها، لأنه لو لم تكن منفصلة لما صار يأتي لمختار الخير إلا شعورات خير فقط والعكس لمن لم يختر الخير.  

ولو لم تكن الشعورات منفصلة لما استطاع الإنسان أن يتحرك وألمه معه، فيمكن أن يكون على طريق صحيح لكنه متألم، فانفصال الشعورات هو مايساعد الإنسان على العمل والتحرك وألمه معه .أيضا الشعورات المنفصله هي سبب لمساعدة الإنسان على العلاج والشفاء من مشكلة نفسية ما يمر بها, فمثلا من خرج من علاقة حب لكنه لم يَظلم و لم يكن لديه أي مشكلة بأخلاقه وحبيبه هو من خانه، فسيكون لديه شعور بالألم ، لكن شعوراته الأخرى تعطيه راحة وسعادة ، وخاصة لمَّا تكون هذه الشعورات من دوائر عليا.

من هو على الطريق الصحيح قد يمر بآلام لكن الأصل هو الطمأنينة, بينما مختار الأنانية الأصل عنده الألم ، أما ألم من على الطريق الصحيح سيكون بسبب خارجي (الصناعي) وليس من داخله.

حتى تُكرس اختيارك للخير عليك أن تحدد الاختيار الثاني وتفضحه في نفسك, فليس من الصحيح أن الشخص لا يبين إلا اختياره الخير فقط , فبكل موقف أمام كل إنسان اختياران فلماذا تذكر صورة وتترك الأخرى؟ {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي}.

قال تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} ، فجسمه في ذبول ، وبيته يتكسر ويتشقق، وسيارته للهلاك ...، فإذا عَرف صاحب اختيار الخير أن كل شيء في خسر ، سيعطيه هذا دافعا لاستمراره في عالم الخير ، لأنه في ربح: {والعصر / إن الإنسان لفي خسر/ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.

شعور التضحية أسمى من شعور الأخذ ، و مختار الصناعي لا يتحمل التضحية بالشعورات الدنيا لأجل الشعورات العليا, بينما الإنسان الطبيعي يتحمل التضحية بها من أجل الشعورات العليا و يتعب إذا فكر بالتضحية لأجل شعورات دنيا. لن يخفف الشعور بالخُسر إلا الشعور بالتضحية كمن يقوم بتجربة مفيدة تخدم العلم , وقد تخسر هذه التجربة ويخسر عليها المال ولن يهتم لأجل ذلك.

إذا كانت التضحية أكبر من الهدف هذا يسبب للإنسان الألم , وهو مايسبب فقدان اللذة, مثل الشخص الذي بذل جهدا كبيرا وسنوات طويلة من أجل شهادة التخرج، سيأتيه شعور بالحزن لأن المجهود الكبير والقلق والتعب كل هذا لا تستحقه الشهادة. 

الاختيار هو أقوى قرار تتخذه بحياتك, وهو أقوى من العقد النفسية، لذلك الاختيار من أسباب علاج العقد، وهو مايغير الشخصية بكل ما فيها، فالاختيار أقوى من العقدة ، لأن العقدة –التي هي من بقايا الاختيار السابق- لا تشبع وليس لها نهاية أو حد، لذلك لا يكون لها علاج قوي الا عن طريق الاختيار.

الاختيار يسبب التأجيل للاختيار الآخر بشكل عام ، فمن يختر الشر ستجده يؤجل في الخير والطبيعي ، فتجده يقول لن أصلي الآن سأصلي مستقبلا ..سوف أجمع الصلاتين ...سوف وسوف ....حتى يترك كل فعل خير أو يترك الطبيعي ، فلن يُظهر رفضا قاطعا للطبيعي في البداية أو يحولها إلى أمنيات ... أتمنى أن أملك عشرة ملايين حتى أكفل يتيما .. أو عشرين مليون حتى أكفل يتيمين .. . كذلك مختار الخير يؤجل الشر .. سوف أنتقم من فلان .. إن وجدت هذا القط في المنزل سوف أقتله .. , لكنه يتحوَّل للمسامحة والرحمة والتأجيل وإعطاء الفرص. فمختار الصناعي سريع في الشر ومختار الطبيعي بطيء في الشر والعكس بالعكس , أي الصناعي بطيء في الخير سريع في الشر والطبيعي بطيء في الشر سريع في الخير, قال تعالى : {يسارعون في الخيرات} وقال: {يسارعون في الإثم والعدوان}.

كل الأمور تقدم وجهتين وكلها تحتِّم منك اختياراً, وكل له اختياراته بين خير وشر, حتى بين الملحدين تجد من يقول أن المسلم أعتبره إنسان ويستحق الاحترام وآخر يقول المسلم متخلف لا يستحق أي احترام, وبعضهم يقول أنا أحترم الأخلاق وآخر يسخر من الأخلاق, فكل شخص له موقف من اثنين في كل شيء. وهذه الاختيارات تتبدل وتتغير وليست ثابتة, فمرة تختار شيئاً سيئا ثم تقوم بتغييره أو العكس .

المصالح والظروف والضغوط تحتِّم اختيارات, والاختيارات تجر لاختيارات أخرى بنفس المجال , فالناس في وسط بانوراما من الاختيارات, وفي هذه الحالة الإنسان بحاجة إلى قطب ومركز في داخله ليِّكون اختيارا كبيرا يجمع الاختيارات التي تناسبه وإلا سيكون الوضع عائما, فإذا أنت اخترت التسليم لله هذا اختيار, وهو اختيار مركزي من الممكن ربط كل شيء عليه, فستجمع جميع الاختيارات الأخرى حتى تناسب هذا الاختيار الأساسي, وإذا قلت أنك تختار لنفسك هنا أنت ستتفكك لأن المصالح تتغير فبالتالي لا تكون اختياراتك متجمعة. وبالتالي من اختياراته ثابتة ومتجمعة هو من اختار التسليم لله, وتكون نفسه مطمئنة, فتتجمع اختياراتك وتكون على شكل سلاسل أو حبال مربوطة وثابتة, ويصير كل ما يجري لك هو عمليات فك ارتباطات قديمة وتبديلها بسلاسل جديدة تناسب الاختيار. وعلامة التوجه السليم هو أنه كلما يمر الوقت كلما تجمع اختيارات أكثر تتواءم مع اختيارك هذا. إذا اخترت لباس معين مثلا هذا اللباس لا يستطيع أن يجعل كل الاختيارات تتجمع حوله, أو من يتعصب لمدينة معينة مثلا لا يستطيع أن يجمع الاختيارات حول هذا التعصب, فستجده يأخذ أشياء من مدينة أخرى ، وكذلك أي تعصب آخر لا يستطيع الإنسان أن يجعله مركزا لكل اختياراته، لكن الإيمان بالله يستطيع أن يجعل اختياراتك تتمركز حوله, وهذا من الخيوط الدالة على وجود الله و على سعة الإيمان وأنه هو القادر على استيعاب الحياة كلها, فاختر أي تعصب معين ستجد أنه لا يمكن أن يستوعب كل حياتك,  لكن الإيمان بالله يستطيع أن يستوعب كل اختياراتك أي كل حياتك, فأنت تقرأ شعر الغزل مثلا ستجد إذا كنت اخترت التسليم لله أنك تكره الغزل المكشوف وتحب الغزل الذي فيه جمال وصدق وعفاف, وتجد الشعر الذي فيه غزل مكشوف قد يعجبك فنياً لكنك لا تختاره, ولن يعجبك بالكامل إلا إذا كان على الخط الذي اخترته. فأحسن شيء هو ما تبع الاختيار. و إذا وضعت نفسك مكان الاختيار الآخر ستفهم لماذا أصحابه يحبون الأشياء التي يحبونها مثل إعجاب عبدة الشيطان بالشيطان, فيقولون عنه أنه دؤوب وأنه لا يمل وأنه عنيد ويفعل ما يريد وليبرالي وعلماني وأنه ذكي جدا ....الخ، فاختيارهم للخط الآخر جمّل الشيطان بأعينهم.

لهذا, من يغير اختياره سيكره الكثير من الأشياء التي كان يحبها ويحب الكثير من الأشياء التي كان يكرهها, لهذا من يختار الأنانية لن يستطيع أن يحب الشعر العفيف الطاهر, انظر إلى شخصية عمر بن الخطاب مثلا فعمر الذي كان في الجاهلية ظالماً وجباراً ودفن ابنته وهي حية أصبح يبكي على المنابر ويطبخ للمساكين, فالاختيار كما قلنا يؤثر بالشخصية.
  
العقدة النفسية من بقايا اختيار سابق, والاختيار الصحيح هو ما يعالج هذه العقدة, وهي تنقلك إلى الاختيار السابق لهذا تكره نفسك في هذه الحالة, فالعقدة التي تعاني منها في اختيارك الجديد تذكرك باختيارك القديم.

صاحب الاختيار الآخر (الأنانية) يحرم نفسه وشعوره من لذة الفضيلة. هناك فكرة السائدة عند الناس و هي أن الشهوات هي التي تُطلب ومن يمنعها هو المحروم, لكن الإنسان فيه دوائر عليا تحب الفضيلة وتريد أن تعيشها, فبالتالي ترى عقول الصناعيين الشخص الطبيعي محروما بينما شعوراتهم تتمنى أن يكونوا مثله ويرونه قويا, فهو لم يستطيع أن يسيطر عليها إلا من قوة, والتعاسة لا تصنع قوة, والمؤمن مطمئن ومن هنا تأتي قوته, وهنا فكرة خاطئة عند الناس حيث يرون أن المؤمن إنسان متحمل وصابر فقط ولا يعلمون أن الله كرَّه للمؤمن الكفر والفسوق والعصيان وأنه مطمئن من الداخل.


الجميع صابر, الأناني يصبر على كتم الشعور وحرمانه من الفضيلة, قال تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون}, والجميع لديه رغبات ممنوعة, فالمؤمن يرى الشهوانيين محرومين والشهوانيون يعتبرون المؤمنين محرومين, فمن الأفكار الخاطئة مثلاً: أن المؤمنين محرومين والدنيا جنة الكافر .. من قال بأن الكافر يعيش في جنة ؟


الخميس، 25 سبتمبر، 2014

هل خيريّة الإنسان تكفيه عن الإسلام ؟

رد على سؤال زائر بالمدونة:

قرأت عدداً من المقالات على مدونتكم ووجدت فيها الكثير من الإجابات التي تسكن الأسئلة المتجولة بالعقول ، وبها تأصيلات قيّمة للغاية
عندي تساؤل دائماً ما يدور في ذهني أعتقد أني أعرف إجابته ولكني أريد من يحرر تلك الإجابة بشكل أدق وأكثر تأصيلاً
الناس على قسمين ، منهم من اختار طريق الخير ومنهم من اختار طريق الشر ، فهل خيرية الإنسان لا تكفي ؟

أقصد إذا كان شخصاً هندوسياً ولكنه إنسان خيّر ، أليس هذا مراد الدين ومقصده ؟ وقد أتمم هذا الإنسان مراد الله دون أن يسلم ؟
هل علينا أن نقسم الناس بحسب الدين أم بحسب مقاصد الدين ؟ 
أعرف أن مقاصد الدين منها الاعتقاد في الله تعالى وعبادته وحده لا شريك له 
ولكن هل الإنسان يصنف على أنه في خانة الشر إذا لم يسلم؟؟ أم أنه إنسان خير لكنه ظالم لنفسه لاعتقاده الخاطئ في الله ؟
وكيف في نفسي أتعامل مع ذلك الإنسان الخير غير المؤمن ؟

الرد :


جميل ورائع فهمك وهذه المقدمة التي بدأتي بها .. بقي نقطة : هل هو بخيريته حقق مقاصد الله ؟ هل تكفي الخيرية ؟ لبُّ الموضوع والسؤال هو  : هل تكفي الخيرية أو نية الخير لتحقيق الخير ؟

الخير له جانبان : جانب نفسي أو قلبي، وجانب خارجي أو عقلي. قد يُفعل الشر أحيانا بدافع الخير، وهذا ما يسمّى بالتلبيس. اذن حتى نحدد الخير يجب أن ندرس خيريته كنيّة وخيريته كعمل وفكرة. لأنه ما الفائدة من نية خير تنتج الشر ؟ والمقصود أصلا هو البعد عن الشر، سواء بنية شر أو بنية خير، المهم ان نبتعد عن الشر وسوء الاخلاق مع الخالق والنفس والمخلوقين والمخلوقات، لا بد من هذه مع بعض حتى تتحقق الخيرية كاملة ...

لنبق في مثالك حول الهندوسي الطيب : هل أدى بسبب نيته الحسنة ما يريده الله ؟ هل ابتعد عن أي شر بسبب نيته الحسنة فقط؟ هناك نية حسنة وهناك فكرة حسنة تحتاج لها، وهناك نية سيئة وفكرة سيئة، وهناك نية سيئة وفكرة حسنة، وهناك نية حسنة وفكرة سيئة، وهذا ما يمكن أن يُنتقد به هذا الهندوسي الطيب، اقصد النوع الأخير. الطفل مثلا قد يحرق المنزل بنية حسنة .

الهندوسي مثلا : هو يؤمن بتعدد آلهة وشركاء مع الله، بالملايين من الآلهة الهندوسية، وهل في حق الله و اخلاقيا مع الله أن يُشرك به أحد واحد ؟ فما بالك بملايين ؟ الله موجود و حي وسميع وبصير، ثم تذهب إلى غيره لتسأله حاجتك ! فالله يعطي والشكر والسجود لغيره ! فهل هذا من الأخلاق مع الله ؟ مع أنه يقر بوجود اله عام هو الذي خلق. اذن عنده فكرة غير خيّرة فيما يتعلّق بالله .. هو يؤمن أيضا بالطبقية، وكل انسان يأنف من الطبقية، خصوصا أن في الهندوسية طبقة منبوذين لا يحق لهم أن يُرُوا وجوههم لطبقة البراهمة، لهذه الدرجة ! أليس في هذا تكبر براهمي و هم بشر مثلهم ؟ هذا غير التبتل وهجر الزوجة في مرحلة من العمر والصيام الحاد والتسول وترك العمل ، الخ من الافكار الغير منطقية او اخلاقية، مثل تناسخ الارواح وغيرها ، هل كل هذا لم يزعجه ابدا وهو يحب الخير والعدالة ؟ هذا بينه وبين ربه ..

والبراهمة للمعلومية هم أزكى طبقة في الهندوسية، ومع الاسف هم الاكثر تكبرا بموجب هذه الطبقية التي كرسوها في مجتمع الهندوس واصطنعوها لانفسهم، وليس كل براهمي متكبر، لكنه راض بهذه الفكرة، والراضي كالفاعل من حيث الواقع لا من حيث حساب الله، الله يبتلي السرائر وهو الوحيد الذي يعرفها .

إن المنبوذ عندهم ينجّس الإناء أو البئر إذا أنزل دلوه فيها. هل هذه الفكرة الاجتماعية فكرة خيرة أم شريرة ؟ اذا كان ذلك الشخص الطيب يتبناها هل يستمر طيبا وهو يمارس تفرقة عنصرية ويُشرك مع الله مخلوقاته ؟ هل استمرت الخيرية هنا أم انجرحت ؟ من هنا نفهم الحاجة إلى الدين الصحيح حتى تتحقق الخيرية ونضع النقاط على الحروف فيها . ليس كل من نوى خيرا عملَ خيرا . نية الخير تنتج عدم رضا مع الشر، حتى لو كان سائدا ، وصدق الله حين قال : "كنتم خير أمة اخرجت للناس" ، وهذا الكلام ليس لكل من قال : أنا مسلم ، فربما هندوسي أفضل منه تعاملا وأخلاقا وحبا للخير، و رب مسلم شرير ظالم يركض للشر ويهرع وراءه ..

نعود إلى نية هذا الشخص الخيّر كما وصفتيه، فهو أحد أمرين : إما أنه لا يعرف وجود شر في مثل هذه الافكار التي يؤمن بها، أو أنه يعرف لكنه غير مستعد للإصلاح ولا للترك .. إن فعل الثانية فقد فعل نية شر تصادمت مع نيته الخيرة الأساسية وناقض نفسه ، و إن كان في الأولى فهو يُلتمس له الأعذار، لكن ليس على طول الخط، فهو لديه إحساس أيضا ينبّهه على وجود الظلم أو الخطأ، فهل استمع اليه أم لا ؟ هذا شيء بينه وبين ربه . وهل اذا ذكِّر يقبل أم لا يقبل ؟  أما موقفنا منه كمسلمين فهو موقف يجب ان يكون حسنا، فالقرآن أمرنا بالقسط مع المخالفين، وبالبر ايضا، مع العدالة للذين لم يؤذونا في ديننا ولم يقاتلونا، و له حق النقاش والدعوة بالتي هي احسن، وحقه علينا أن نميزه عن الهندوسي الآخر الذي اختار الشر، ولا نعاملهم بدرجة واحدة.

بالتالي خيريّة الإنسان لا تكفي ، في حساباتنا كبشر وعند الله ، بل لا يُحكم بخيرية النية حتى تتحقق خيرية العمل أو الفكر . كيف نقول عن أحد أنه خيّر وهو يتبني أفعالا أو أفكارا سيئة ؟ نعم هناك نية عامة للخير عنده و أرضية للخير، هذا صحيح.

النيات على نوعين : نية عامة ، وهي  ما نسميه الاختيار، وهذا يكون عند المسلم وغير المسلم . و نية خاصة أو تفصيلية أو عمليّة . كثيرا ما ينجح شخص في النية العامة، لكنه يفشل على درجات في النيات التفصيلية. بل كل الأعمال الشريرة سِيـْق لها مقدمة من النية العامة الخيرة، لدرجة أنك تضحك أحيانا من الربط بين الخير والشر. مثل ذلك الارهابي النرويجي الذي قتل 70 طالبا من اجل ان يوصل رسالة تحذيرية مفادها أن "الإسلام الإرهابي" سيفعل هذا بكم يوما من الايام !!

نية الخير العامة تدفع صاحبها لنيات تفصيلية تتناسب معها، وإلا فادعاء نية الخير سهل جدا، حتى المجرمين يدعونها ويتحججون بها. النية الخيرة تدفع صاحبها إلى البحث عن الحقيقة التي تتناسب مع صفاء النية الخيرة، لا أن يقبل الأوضاع كما هي، بل ويحترمها وهي لا تتناسب مع نياته الأصيلة ! هنا دور العقل ، وقد افلح من زكاها ..

وعلى أي اساس قلتي : الهندوسي الخيّر ؟ هل لأنه فقير أو مسالم اصبح خيّراً ؟ هل سيستمر في الخير والسلميّة لو كان قويا و قادرا ؟ لا نعلم .. ليس كل ضعيف خيّر، ولا كل ساكت خيّر، ولا كل تارك للسرقة عفيف .. حتى قال المتنبي :

والظلم من شيم النفوس فإن تجد .. ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلمُ ..

وأنا لا أؤيده على هذه المبالغة التعميمية، لكن على صاحب الخير أن يظهر الخير ويقف مع أهل الخير ويفرح بكل أحد فيه خير، ويعتبره أهله أو اقرب ، حتى لا يُتهم بالشر ، فالسرائر لا نعرفها الا من الظواهر.

لو تجمّع شرفاء العالم على اختلاف أديانهم، واحترموا ما يحسّون به لتغيّر العالم للأفضل. ما قيمة نية خير خاملة لا تتحرك ؟ مع الإقرار بوجودها .. أصحاب نية الشر نشطون ويعملون، وكان هذا أولى بأهل الخير. ولا يمكن لأحد أن يغلق الطريق على نية الخير وفعل الخير، ولو أُغلِقَ الطريق يوجد طريق آخر وآخر وآخر .. فالخير كوجود هو أكثر تنوعاً من الشر، ولا يوجد فكرة شر إلا ولها مقابل في الخير .. هناك من لا يفعل الشر الفلاني، ولكن يبدو منه إعجابٌ فيه، فهل نقول أنه خيّر؟ فعدم فعل الشيء لا يعني رفضه دائما ..

وإذا كان يوجد خير كامل بدون رسالات الأنبياء، فما فائدة أن يرسل الله الرسل ؟ لأن الأخلاق لا تعني فقط أن تعامل الناس معاملة حسنة. كيف تعامل الناس معاملة حسنة وتعامل الخالق معاملة سيئة ؟ لا نقول أن أي أحد غير مسلم نيته فاسدة وباطلة، لكن لا نقول أيضا أن خيريّتهم كاملة بدون إسلام . من كان فيه خير عليه أن يُظهر نية الخير ويحترمها ويسعى لأجلها، لا أن يلوثها بأفكار محسوبة على عالم الشر وتصرفاته .. الله لا يضيّع أي خيريّة عند أحد ، سواء عند مسلم أو غير مسلم، لكن الله سيحاسبهم أيضا على إهمال التزكية او القبول او الإقرار بالخطأ أو الشر والتكاسل عن البحث عن الحقيقة، بينما لا يتكاسل في البحث عن المال، وسيكون الموقف صعبا.

النية الخيرة تحتاج إلى تظهير، وليس إلى كبت. وحساب الله دقيق وعادل، فهناك من نوى الخير وعمل له وجاهد لأجله، قال تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) أي جاهدوا وتعبوا ، و هناك أصحاب النوايا الحسنة، لكنهم متخاذلون وقانعون وخانعون، أيضا سيُسألون مع مراعاة حقهم، والذين لم يرتبطوا بالخير أو يعتقدوه أساسا لحياتهم، أيضا سيُحاسَبون.

من الصعب أن تقول عن أحد أنه مختار للشر، ومن الصعب أن تقول ايضا عنه أنه مكتمل الخيرية . وهذا شأن الله ، هو الذي سيحاسب وهو أدرى وأعلم، يغفر أو لا يغفر ، ومن الصعب ان تقول أن هذا في الجنة أو في النار، مع أن الحساب مقصور على الله وحده ومن شؤونه، فكيف نصل الى النتيجة قبل الحساب ؟ القطع بأن أحدا اختار الخير هو قطعٌ بدخول الجنة، وهذا من شؤون الله . المسألة ظنية ونسبية وبالنسبة لما نعرف. فكل شيء فيه عدم ثبات و امكانية تحول، لا يصلُح فيه القطع، فالشيطان موجود. 

إن من أقوى علامات النية الصالحة هو قبول الخير والحق إذا تبيّن، (قالوا ربنا إنا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا) ..  والنفاق ليس له حد، يستطيع أن يصل إلى أمور عالية في الخير، رب شخص نيته فاسدة وقرر أن يتمظهر بالخير بأشد درجة، حتى يصل الى مصلحة معينة في المستقبل ، لكنه مات أثناء تنفيذ هذه الخدعة. بالنسبة لنا كبشر سنقول انه مباشرة في الجنة، فهو شخص صالح وخيّر ومات على ذلك ، ولن يختلف في خيريته اثنان .. هكذا نعرف ان حساب نيات الناس لا يصلح أن يُجريه إلا الخالق ..

هناك تصعيب على الإنسان إذا اعتقدنا سقوط النية باختلال العمل او نقصه، فهذا يفتح باب للشيطان ، فإذا عجز الانسان عن اداء بعض أفعال الخير سيُفتح الباب للشيطان ويقول له : أنت لم تنوِ الخير حقا، فاذهب إلى عالمك المناسب عالم الشر .. لهذا يقال : لا تُحرجوهم فتُخرجوهم، والله يقول : "ما جعل الله عليكم في الدين من حرج". واعتقد أن التقصير في البحث الفكري في الخير أشد وأسوأ من التقصير في العمل؛ لأنه أيسر، ويستطيع الإنسان أن ينوي الفكرة المناسبة، وإن لم يكن باستطاعته تطبيقها. وجود الاخطاء والتقصير جعل الله له مخارج من خلال التوبة والاستغفار أو المكفّرات أو عمل صالح آخر يكافح هذا الذنب. فيترقّع الفتق الذي صار في النية الكبيرة.

الفكرة الخاطئة السائدة بتحديد الشر بأعمال إيجابية معينة من الشر نجدها ترتبط بمصالح الآخرين ، فالخيّر في الغرب مثلا هو الذي لا يقتل ولا يسرق ويطبّق النظام ويقف في الطابور ويتكلم بلطف وانتهى الامر .. لسنا نحن كل شيء حتى يكون التعامل معنا هو كل شيء، هذه فكرة متكبّرة . الخير أوسع منّا كبشر. التعامل الحسن مع الناس جزء من الخير ونسميه الجزء المتعلق بالآخرين الأحياء. لا يمكن حصرُ الخير في جزء منه. هذا نسميه الخير التابع للنظرة العلمانية.

مثل غاندي ، نسميه خيّر غير مكتمل الخيرية، فهو رفض الإلحاد نعم، لكنه رفض الإسلام أيضا بدون مبرر منطقي، وتمسّك بالهندوسية رغم أنه انتقد و غيّر بعض الأمور فيها. أما كفاحه السلمي فهو لا شك جيد، لكننا لا ننس أنه ضعيف أمام دولة لا تغيب الشمس عن مستعمراتها ومدافعها. وكان قاسيا على نفسه وزوجته، إذ قرر فجأة هجرها لدخوله في عبادة هندوسية، وهذا عمل لا أرى امرأة في العالم تراه خيّرا .. لكن لا شك له فضله و كل المبادرات الجيدة، لكن إطلاق كلمة "خيّر" علينا ألا نطلقها إلا إذا شمل تعامله الأخلاقي مع الله قبلنا حتى لا تكون نظرتنا علمانية ونهتم بأنفسنا فقط. حق الله أعظم من حقوقنا ..

إذا لم تكن أخلاقيا مع الله فلن تكون أخلاقيا معي أنا الضعيف .. الله يقول (اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وقال (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) . طريق الخير واحد، أي خروج عنه يكون خروجاً إلى عالم الشر، وهو الصراط المستقيم ، وهو الخير الكامل أو الشامل، والذي يشمل الخالق والنفس والمخلوقين والمخلوقات. حتى ظلم النفس والقسوة عليها من الظلم.

اذا أردنا أن نكون دقيقين : لا نحكم بالخيريّة حتى تتحقق الخيرية الشاملة ، ولا أقول الكاملة. لأنه لا احد يستطيع أن يكون كاملاً، ولكن الجميع يستطيع أن يكون شاملاً . قلت لصاحبي و أنا صغير : لنذهب لنصلي ، فقال : سوف آتي لأجلك أنت فقط .. لم أنس الموقف، وشعرت بنفور كبير منه، لم اعرف ما السبب إلا الآن .. هو سيصلي لأجلي وليس من أجل من خلقه و رزقه، مع أنه يقر به، أي ليس لديه احترام لربه، كيف سيحترمني وهو يقرّ أنه ربه ؟ من هنا جاء خوفي منه ..  

"ما اكثر الخيّرين حين تعدهم ** لكنهم في النائبات قليل .."

بل إن كثيرين من يكون خيرهم أن يكفّوا شرّهم ..

كل الناس يحبون الخير ، لكن قليل منهم من يستعد لأجله ويتحمل بسببه .. أكثر معاناة الخير قادمة من الخمول والاتكال على هذه النية العامة .. ومن الشر تركُ الخير اذا وُجدت الاستطاعة .. الناس يختلفون في شجاعتهم وقدرتهم وعزمهم .. البتّ في حساب الناس صعب جدا على الناس ، ولهذا الله تكفـّل به. قال تعالى (ليس عليك من حسابهم من شيء) وقال (وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) . و قال تعالى (هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين) .. الله هنا يخاطب الرسول والمؤمنين، أي الله أعلم منك ومنهم بذنوب عباده. بالتالي لا نستطيع ان نعرف كل الذنوب التي قد يفعلها الإنسان، لكن نعرف الذنوب التي تتعلق بنا، كأن يكون سرق او قتل او فعل ، فقط .. لأن المسألة فيها نيات. والنيات لا يعلمها إلا الله . وقصة موسى مع الخضر تبيّن للإنسان أنه لا يستطيع أن يعلم كل الخير، وبالتالي لا يستطيع أن يعرف كل الشر الذي يفعله الآخرون ، ومنها الذنوب.

أن نعرف الخير أو الشر هذا شيء، وأن نتخذ إجراءات عليهما هذا شيء آخر ..   

لا نعلم خيرية الإنسان إلا باستباقه للخيرات، والبحث وتحمل الاذى لأجل الخير، ونقده لذاته وقبول الحق وقدرته على التغيير ولو على حساب نفسه، والوقوف مع الأخيار في كل العالم دون مراعاة لمصالحه. انظري من تصفينهم بخيّرين مما يجري في العالم، الكل يشتكي من خمول الطيبين والشرفاء في العالم، ونشاط اهل الشر حتى صار اهل الخير اتباعا لهم، وصار العالم تحكمه القوة والمصالح، وهذه ليست علامة خير، المفروض ان يحكمه العدل والحقوق والتعاون والسلام، وهذا بسبب عدم اكتراث الخيرين الخاملين بما يجري من ظلم، سواء في الافكار او في الواقع او السياسة والمجتمع, ليس كل ساكت خيّر، بل قد يكون شريراً بسبب سكوته.

و طبعا : ما قيمة الدين بدون مقاصده ؟ الخيّر الحقيقي لا يكفي أن يكون يحب الخير، بل يبحث عنه، ولا يريد غيره، ويلتزم به كلما تبين له في أمر، هذا من نسميه خيّرا. هناك مختار للخير نشط، وهناك مختار للخير خامل. يجب أن نحترم أيضا كلمة خيّر، لا أن نوزعها بالمجان، ونقدّمها بالشكل الكامل لأحد بسهولة، لكن نقول أن اساسه خيّر فهذا ممكن في احيان كثيرة، لأنه لا يوجد أحد نيته شر بذاته أصلا. إذن احترام الخير هو الخير، وعلى مدى البعد والقرب منه بالشكل الشامل يتحدد الموقع. الله قال عن عاقر الناقة (اذ انبعث اشقاها) أي اشقى قوم ثمود الكافرين الجاحدين، فحتى للكفر درجات، والتهاون بالخير ينتج الشر. نستطيع أن نقول : هناك مختار للخير، وهناك تارك لاختيار الخير بدلا من مختار للشر. ثم نأتي لننظر تحقيقه وتصديق أفعاله لنيّته، اذن الباحث عن الخير المكتفي به ولو على حساب نفسه هذا نسميه خيّر، ولهذا تعبير القرآن أدق من تعبيرنا بخيّر وشرير : الحق والباطل ، لأن كلمة الحق أشمل من كلمة الخير، لأن الخير يدور في غالبه حول العلاقة بالآخرين أو الحيوان والبيئة، لكن الحق يشمل أمورا لا علاقة لها بالآخرين. حتى إنه يشمل الحقائق العلمية. فكلمة الخير أوسع من كلمة أخلاق كمفهوم عام، لأنها تُدخل الرفق بالحيوان والبيئة، وكلمة أخلاق تقريبا محصورة على البشر، هذا كمفهوم سائد .. وكلمة حق أشمل منها و أوسع منها جميعا .. فالأخلاق والخير داخلة في الحق، كل عمل أخلاقي هو عمل منطقي، والمنطق حق، فالشكر مثلا حق و واجب، لأنه ربط سبب بمسبب، فالمسألة منطقية ..

والنوع الثاني ذو نية خيّرة لكن أهمّتهم أنفسهم وتقاعسوا، فيقال : يرجى لهم خير، بدل أن يقال بأنهم اخيار .. ومنهم فئة المؤلفة قلوبهم التي جعل القرآن لهم حصة في الزكاة، مع المعاملة الحسنة والبر والقسط، لكي نساعد الخير في داخلهم أن يخرُج من كبته وخجله.

ونوع ثالث غير مرتبط أصلا بالخير الا إذا خدم مصلحته. وهو من يوصف بمختار الشر، وقد يفعل الخير احيانا، ولكن للمصلحة، والقرآن قسّمهم ثلاثة : السابقون، و اصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال . فالسابقون ثلّة من الأولين وقليل من الآخرين ، و أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين .. مع ملاحظة كلمة "قليل" للنوع الاول.

لو كنا حقا نعرف أن هذا الشخص مختارٌ للشر بالكامل لكان على الآخرين التخلص منه، لكن لا أحد يعاقب على النية. هذا يدل على انها من شؤون الله وأن حكمنا ظني، فقاضي المحكمة لا يحكم بموجب إحساسه بأن هذا مجرم، بل يبحث عن أدلة مادية .. يقال : نحسبه كذلك والله حسيبه، و ايضا : لا نزكي على الله أحدا .. لكن نحن نتلمس بعض الشواهد والعلامات الخيريّة أو الشرّيّة بالنسبة لنا والتي تنفعنا نحن ومحتاجون لها حتى نعرف كيف نتعامل مع الآخرين، وليس بالنسبة لله. فنحن لا نعلّم الله بذنوب عباده أو حسنات عباده.

أرجو من الله أن أكون أصبت وأجبت عن سؤالك ، واستأذنك في نشر هذا الجواب مع سؤاله، ليستفيد منه القراء، فهو سؤال عميق، ولا شك أنه يشغل بال الكثيرين ..

الأربعاء، 24 سبتمبر، 2014

الاتكال على التصورات يسبب الغباء


الاتكال على تصوراتنا يسبب الغباء, فالشخصية المحافظة لديها تصورات مثبَّتة ومعروفة عن كل شيء و عن كل الأوضاع الصحيحة كما عرفها, فأي تصور مسبق عن شيء قد يجعلك لا ترى الأشياء التي تشابه هذا الشيء أو تماثله, فعندما تذهب للغرفة للبحث عن كتاب مثلا كنت قد تصورت أنه موجود فوق الرف الموجود في يسار الغرفة, فإنك قد لا ترى الكتاب عندما يكون في رف آخر غير الرف الذي تصورته أو على الأرض, ولكن لو ذهب شخص آخر للبحث عنه بدون تصورات ستكون احتمالية أن يجد الكتاب أكبر , فكل ما يتسع النمط لديك كلما كان ذلك أفضل.

الإنسان الطبيعي أقل من الإنسان الصناعي في هذا الجانب لذلك هو حر لا تسيطر عليه التصورات.

الإنسان الطبيعي لا يتفاجأ عندما يحصل الشيء على غير ما يريد, بعكس الشخص الصناعي الذي يعتبر أسيرا لما يريد ويرفض البديل أو أي اقتراح غير الذي يريده, لأن العقلية المادية هي عقلية محافظة, لأنها تثبت الأشياء من ثبات المادة, فالمادي عندما يقرأ لشخص مغمور لا يستطيع أن يرى كلامه و أفكاره مثل الكاتب أو المفكر المشهور.

كل أحد يفكر تفكير مادي فهو يذهب إلى الجمود, وهذا الجمود أو جمود المادة هو من صنع المحافظة والمحافظة هي جمود تصورات, فكل شيء عندهم له شكل وطريقة وأسلوب, فالشخص المتدين في الغرب أو في الشرق له هيئة وشكل معين وكذلك الشخص العبقري والشخص الوسيم والمرأة الجميلة و شخصية الأب و شخصية الأم وشخصية الجد و الجدة وشخصية العالِم والأستاذ والطبيب والمهندس..إلخ, كل هذا له صورة في ذهن الشخص المادي حتى أنه قد يرفض شيء لأنه لم يوافق تصور في باله و قد يندم فيما بعد عندما يكتشف أن الشيء الذي اختاره ليس الأفضل, وهذه صورة نمطية تلاحظها في الأدب عموما وخصوصا في الأدب الغربي و حتى في افلام الكرتون فتجد أن الخادمة المنزلية لها لباس خاص وكذلك الطبيب له لباس خاص والحوذي له لباس خاص والمفكر والفيلسوف له لباس خاص...إلخ, وكأن الخادمة لا يمكن أن تكون فيلسوفة مثلا! فكل شيء عند الماديين نمطي وكأنه تبسيط للحياة أو محاولة فاشلة من المجتمع ليفهم أفراده! كذلك تجد في المجتمعات العربية بأن هناك أعمال لا يقوم بها إلا طبقة اجتماعية دنيا و على العكس هناك أعمال لا تصلح إلا للطبقات الراقية. حتى أن بعضهم لا يستطيع أن يأكل أكل جديد أو يتأقلم مع حياة جديدة في مجتمع جديد. لا يستطيع أن يتصور المادي بأن من ملابسه متسخة مثلا يمكن أن يكون إنسانا طيبا, فهذه التصورات تقود صاحبها إلى الغباء (غباء الأنماط- وهو من أنماط الغباء) وهي التي قد تسبب الكثير من المشاكل وقد تظلم غيرك بسببها وتخسر بسببها, و قد تحتقر من لا يستحق الاحتقار, و القصص كثيرة في هذا المجال, مثل قصة المثل:"تسمع بالمعيدي خير من أن تراه", و كما قال الشاعر:
" ترى الرجل النحيل فتزدريه ** وفي أثوابه أسد هصور
"ويعجبك الطرير فتبتليه ** فيخلف ظنك الرجل الطرير"  
فغباء الأنماط يحرمك من التذوق بسبب الألفية والألفي مادي .

لا تعلم الأطفال على التقييم بالأشكال و الأنماط, بل علمهم كيف يتحسسون الإنسان من داخله ليفهموه لا من خارجه.

الحياة أوسع من هذا التضييق, والإنسان أوسع من الحياة, فالمفترض ألا يضيق عليه بالتخصصات. أبو العتاهية قيل له: لماذا لا تلتزم بالعروض النمطية في شعرك؟ فقال: أنا أكبر من العروض!

محاولة كسر النمط من يفعلها عادة هم من يحترمون أنفسهم أكثر ممن يلتزمون بالنمطية, فمن يلتزم بالنمط الذي يظهره بالشكل الذي يجعل الآخرين يحترمونه فهذا الشخص هو يأخذ قيمته من هذا النمط كاللباس وطريقة الكلام و ليس من ذاته, بينما من يكسر النمط هو أكبر من النمط, أي ذاته وكرامته أكبر من النمط ويريد أن يُحتَرم لذاته. من تهمه كرامة ذاته أكثر يرفض أن يأخذ قيمته واحترامه من البرستيج و يرفض أن يأخذ مهمةً و دورا ضيقا في الحياة أو تخصصا محددا, كل هذا يجعله خاضع لهذه القيود.

التصورات هي جزء من الذاكرة وهي مرتبطة بتجاربك, والإنسان لا يستطيع أن يتخلى عنها فالعقل يحتاجها, فليست المشكلة بالتصورات بل المشكلة بشدة الارتباط بها لدرجة الاكتفاء بها عن التفكير والتأمل وكأنه ليس بالإمكان أكثر مما كان, فمشكلة الصناعيين أنهم يقفون عندها و يجدون مشقة في تغييرها, وتجد هذا واضحا عند المحافظين, و لذا تلاحظ كثرة صدمات الماديين عند أي تغيير.

لا تكن عبدا لتصوراتك فهي لا تمثل كل الحقيقة وإنما هي تمثل الأشياء التي مررت بها فقط أو وصفها غيرك لك, وأنت لم تمر بكل شيء,

التفكير من خلال الأنماط دائما ما يسبب الأحكام المستعجلة غير الحكيمة, ويسبب التفاهم بالشكل وهو تفاهم ناقص و معكوس أحيانا, فقد تتصور من شكل أحد أنه جبان فيصبح شجاعا, أو أنه طيب فيصبح خبيثا, وهكذا, صورة الشرير النمطية مثلا أنه بشع المنظر و قبيح الوجه بينما أكثر الأشرار هم من حسان الأشكال و رطبي الألسن! قال تعالى عن المنافقين {إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم} وقال عنهم:{هم العدو فاحذرهم}.

هذا التفكير يسبب تعبا لصاحبه لأنه يقيده, و مدى خضوع الإنسان لتصوراته هو من مقاييس الغباء عنده, وكلما تُغيِّر تصوراتك كلما تنتصر على النمطية و تكون حرا ومحترما لشعورك وعقلك. هناك أناس تجدهم تعودوا على نوع من العطور مثلا وأنه هو الجميل, لو تحضر لهم عطرا جميلا رائحته طبيعية لكنه مختلف عن النمط الذي تعودوه تجدهم يتحفظون تجاهه, و أناس تجد لهم نمطا معينا في شرب الشاي والقهوة و وقتا معينا, بل حتى أوانٍ معينة لشربها.

الإنسان بحاجة لمرونة أكبر و ليس بحاجة لتقييد بماديات. لو تخلط نوعين من الأكل خلطة جديدة ستجد كثير من الناس لن يأكلوا, مع أن نفس المكونات تختلط في بطونهم! كسر النمط عند العقول المادية يعتبر مشكلة كبيرة, مع أنه يؤدي إلى حرية أكبر, لكن عندها يعتبر شيئا فظيعا. العجيب أنه لو تخلط طبخة معينة غريبة تجدهم يستنكرونها كأن تصنع سلطة تحوي جرجير مع رمان مثلا, لكن لو تخبرهم أنها خلطة يونانية سيقبلونها, لأنها أتت من مجتمع أوروبي يرونه سيدا.

هذا النفور بسبب النمطية الألفية يختلف عن النفور الذي يأتي من الشعور, فمثال سلطة الرمان والجرجير قد يرفضها العقل الذي لم يعتد عليها لكن يقبلها الشعور, لكن أن تضع تمرا مع عسل هنا سيرفض الشعور لأنه تركيز شديد للسكر. و هذا مثال يوضح الفرق بين النفور الألفي والنفور الشعوري.

الماديون يتصورون أن كل شيء من العقل, ومن العقل أي من الناس, أي أن سبب النفور هو نقص تعود, لكن هذا غير صحيح, فهناك أشِياء يرفضها الشعور الفطري, فالشعور مثلا يرفض أن يأكل لحم إنسان, وينفر أن يأكل حشرات.  

كل الشعوب عندها إبداع و فنون وأشياء رائعة جدا, الإنسان الحر هو من يستطيع أن يتذوق كل ما هو جميل عند كل الشعوب وليس فقط في مجتمعه أو ما يأتي من المجتمع الغربي.

أحد مشاكل النمطية أننا نتبع أنماطا لم نفهمها أصلا أو لا نحبها , مثل نمط الشعر الحداثي مع أنه يسبب الكآبة إلا أن الناس يحاولون تقبله والإعجاب به من أجل الدخول في النمط, أي أن المجتمع يسوقك للنمطية, وكأن المجتمع يريد تحديدك حتى يفهمك, أي محاولة فهم من خلال الماديات لأنهم لا يريدون أن يفهموا من خلال مشاعرهم لأنهم لا يثقون بها, و هنا المشكلة. فيعطي أفراده أسماء وألقاب و أنماط, فالطبيب له طريقة في الكلام واللباس واهتماماته معروفة وكذلك رجل الدين والمهندس...إلخ. ومنه نتذكر أغنية فيروز الجميلة " الأسامي كلام شو خص الكلام عينينا هي أسامينا" فلماذا نتقيد بالأسماء والأنماط و نحن أوسع منها؟

عدم الاتكال على التصورات والأنماط, والمرونة في تغييرها تبعا للحقيقة, من طرق احترام الشعور, لأن أكثر التصورات وردتنا من خارجنا وليس من داخل ذواتنا, وغالبا يصنعها المجتمع الذي يتربى فيه أي إنسان.

سجن التصورات يحد من انطلاقة الإبداع, كلما أراد أن يأتي بجديد جاء بقديم! تبعا لسيطرة تصوراته المسبقة.

التعلق بالأنماط يخفي شخصية الإنسان الحقيقية ويجعله نكرة حتى لو كان معروفا, يُعرَف ما حوله لكن لا يعرف من هو.

حتى الأخلاق تموت إذا نُمِّطت, وأحيانا تنقلب إلى سوء أخلاق من نوع آخر, كأن يتحول الكرم إلى إٍسراف وفخر, و الرغبة بالعفاف إلى شكوك وظنون سيئة.  


الثلاثاء، 23 سبتمبر، 2014

نقد المنطق الرياضي ..


الوصل أو العطف يتوجب وجود علاقة تجمع ما بين المتعاطفين، وإذا لم توجد علاقة لا يسمى هذا الوصل أو العطف صحيحا، وإن كان المعطوف والمعطوف عليه صحيحان كلا منهما على حدة، لكن لا نقول أن كل هذا الكلام صحيح، لأن هذه الجملة تحمل معاني تفصيلية ومعنى كلي بسبب الوصل. المعنى الجزئي صحيح لكن المعنى الكلي للوصل خطأ ، تقول جاء محمد وإبراهيم، الرابط بينهم المجيء . هذه العبارة صحيحة لغويا ومنطقيا .

بينما في المنطق الرياضي، قد تُجمع عبارتين ليس بينهما ارتباط، مثل "للمثلث ثلاثة أضلاع" و "1+1=2" ، ويعتبر المنطق الرياضي الجمع بينهما بالوصل صحيحاً، وهذا خاطئ من ناحية ما يُستفاد من الوصل. المجنون يصنع جمل شرطية و عبارات وصل، فهل نقول عن كلام المجنون أنه صحيح رياضيا حتى لو كانت العبارات صحيحة ؟ فيكون عاقل في مادة الرياضيات ومجنون في المواد الأخرى ؟

لماذا يكون للرياضيات منطق ولغيرها منطق ؟ المنطق واحد . الفصل بين المنطق والمنطق مخالف للمنطق . لأن الرياضيات أساسا قائمة على المنطق العام، فكيف يكون لها منطق خاص؟ تغيير المنطق إلى منطق آخر بإسم الرياضيات أو الفيزياء كميكانيكا الكم يسبب تشويش على الذهن. ويخرج الإنسان عن حالته المنطقية، بل وعن ثقته بعقله، وهذا من أسباب شعور الكثير من الطلبة بالغباء أمام مادة الرياضيات، لأنها تصطنع لنفسها منطقاً خاصاً متحذلقا. أعتقد أن المنطق حُرمة يجب ألا يمسها أحد، لأنها مساس بالعقول كلها .. وإذا كان لكل مجال منطقه الخاص، لم يعد هناك عقل جامع ولا منطق مشترك. وأصبحنا مثل الطيور كلٌ يغرد على نغمته الخاصة، ويُفقد التفاهم إذا فقد المنطق .. هذا بدل أن نقوّي ثقة التلاميذ بالمنطق نشككهم بعقولهم ؟ فهم ليسوا ناقصين تحطيما وتشكيكا بعقولهم ..

نظرتهم للعبارة الشرطية وكأن الفرض والنتيجة مفككان عن بعضهما، هذا التوزيع يصلح إذا كنت أسوق جُمَل منفصلة عن بعضها، مثل "التفاح أحمر" ، "الشمس تطلع من الشرق" ، "العجلة مدورة" ، "الذهب لامع" ، "الجزر حلو" .. لكن عندما اربط بينها ، هنا يبدأ الخطأ أو الصواب ، للربط نفسه وليس للجمل نفسها .. إذن كأن تركيبة الشرط لا قيمة لها، وهنا المنطق الرياضي ضرب على المنطق اللغوي. المنطق يجب أن يكون واحد في اللغة وفي الرياضيات ..

الشرط في المنطق اللغوي لم يوضع عبثا، بل للربط من خلال السببية، فإذا أهملته أضررت بالمنطق. هذه الأخطاء بسبب التركيز على الجزئية ..

مثلاً : إذا كان 5 × 4 = 25 ، فإن 5 × 6 = 30. بموجب المنطق الرياضي تكون العبارة الشرطية هذه صحيحة، بينما جبريا خاطئة، وأيضا مثال آخر : إذا كان 5 × 5 = 30 ، فإن 5 × 9 = 90 .. هذه العبارة الشرطية أيضا صحيحة بالرغم من أن الفرض خاطئ والنتيجة خاطئة .. فهل سيعطي المعلم هذا الطالب الدرجة الكاملة وهو لم يحفظ جدول الضرب ؟ المعلّم الذي يعلّم المنطق الرياضي لن يكتب أن هذه عبارة صحيحة بسبب وجود خطأ منطقي في الفرض .. وهكذا نعرف أنها ليس حتى منطقاً رياضيا ، فهو لا يُطبّق حتى في الرياضيات ..

منطقيا : كيف يكون ما يحتوي على خطأ يُحكم عليه بالصحة الكاملة؟ إذا كان ما يحتوي على خطأ سيحكم عليه بالصواب، إذن كل تلميذ يستحق الدرجة الكاملة ..

الأحد، 21 سبتمبر، 2014

الإعجاز التركيبي في القرآن

القرآن نزل بلغة العرب لكنه طورها وفجر طاقاتها, وإذا أردت أن تتأكد قارنه بالشعر الجاهلي, في القرآن إعجاز تركيبي, تركيب عبارة أو صياغة وتكون كأنها مَثَل, كقوله تعالى {يبغونها عوجاً} و {يترك سدى} { والعاديات ضبحاً} فهذه العبارات والتركيبات وغيرها غير موجودة في لغة العرب وأضافها القرآن, والقسم نفسه إعجاز فليس في لغة العرب القسم الطويل مثل {والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها}.

من غير المعقول أن يكون محمداً هو من ابتكر هذا، لأن هذا فوق مستوى محمد نفسه, وخداع الناس بدين ما لا يتطلب كل هذا الإبداع. تسمية النجوم مثلا بـ "الجوار الكنس" غير موجود في لغة العرب, بل إن كل تركيبات القرآن جديدة وغير موجودة في لغة العرب, فليس له مثيل في لغتهم, وأنا أزعم هذا وأكثر، لدرجة أن كل عبارات القرآن جديدة مثلما أن تشبيهاته جديدة واستعاراته جديدة، فهو كلام جديد بلغة قديمة.
 لو كان من بشر لاستخدم من تركيباتهم وعباراتهم, مثل خطب قس بن ساعدة. لا يمكن لبشر أن يبدع كتاباً جديداً كله يحتوي عبارات وتركيبات وصور جديدة, وإعجاز القرآن ليس جزئياً بل في كل مجال هو معجز.

وهذا موضوع بحث مفصل لا تكفيه هذه العجالة، وهو مجال لدراسات مقارنة مع النصوص الجاهلية.