الجمعة، 12 سبتمبر، 2014

حول القنوط، وعدم استجابة الدعاء، وعبادة الله لأجل المصلحة..


جواب على سؤال زائر في سجل زوار المدونة:


اذنب ذنبا من الكبائر قبل سنين كثيره ورغم اني تبت واقمت على نفسي الحد كي ارتاح واطهر نفسي ومع ذلك اشعر انه الى اليوم اتعذب واعاقب بسببه
اريد ان اتوب الى الله وتبت لكن مايزيد عذابي اني لا اعلم اذا الله قبل توبتي او لا
اريد رضا الله لكن الحزن اللذي اعاني منه, والضيق في تيسير امر اعاني منه من سنين, يجعلني اشعر انه غير راضي عني
انا محطم جدا تجاه الله واشعر انه لن يقبلني , افكاري اصبحت سلبيه بسبب هذا الأمر
فكل سعادتي مرتبطه بالله واحاول ان اقوم بالفروض والذكر والصدقه ولكن مازلت اشعر بعدم الرضا
صحيح تحسنت نفسيتي نسبيا وتسهلت امور بسيطه كانت صعبه جدا من قبل لكن مازلت اشعر اني منبوذ من الله
واعاني بسبب ذلك
كيف يرضى الله عني ويقبل توبتي ويستجيب لدعائي؟
ايضا عندما اقوم بالطاعات والذكر يأتي بنفسي اني لا اقوم بذلك الا مصلحه لأني اريد امرا لذلك اشعر انه لا يقبل
ولذلك احاول ان اتقرب الى الله بلا مصلحه وهدفي رضاه لكن لا استطيع فأنا انسان ضعيف احتاجه جدا ولي الكثير من الحوائج ارجوه ان يقضيها
وجزء من اسباب قربي له هو حاجتي لكن اخشى انه بسبب ذلك لا يستجيب لي لأني اعبده مصلحه !
اصبحت اتسائل هل انا على خطأ ام طريقتي خطأ ام ان الله طردني من رحمته؟


أخي العزيز هوّن عليك .. فكل ما أثرته هي وساوس الشيطان في داخلك. يشعرك أن ذنبك لا يمكن مغفرته، وأن الله طردك من رحمته، ويربط هذا بدعواتك لله، ليقول لك : انظر انه لم يستجب لك ! لكي تفتر علاقتك بالله، ويأخذك إلى طريقه المظلم. كن حذراً. لن نعرف الله حتى نعرف الشيطان و أساليب الشيطان. الله وعدك بالتوبة، والشيطان يشكك بوعد الله، بينما الله لا يخلف وعده، وهو القائل : (قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم) .

أنت تعاني من فكرة القنوط، والله يقول (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ) ، يا أخي انت تبت وندمت وتكره أن تعود لما فعلت، ألا يكفي هذا؟ عليك أن تنسى هذا الموضوع لأنه انتهى ، والله اعطاك وعده بالمغفرة للتائبين، فالناس يغفرون للتائب، فما بالك بالله؟ فلا تشك في وعد الله، لأن هذا ذنب آخر. ولا تقنط من رحمة الله فهذا ضلال. الشيطان يريد أن يعالج المشكلة بمشكلة. الحمد لله أنك تائب، المفروض أن تفرح، وتستبشر برحمة الله ، قال تعالى : (إن الله يقبل التوبة عن عباده) ، وأنت تشكك في هذا، والتشكيك في وعد الله مشكلة. الله قريب ممن يريده، وليس بعيدا، حتى من المذنبين إذا تابوا، ومن هو الذي يقابل الله بلا ذنوب؟ لا يوجد. إذن هوّن على نفسك، واستبشر بوعد ربك.

أما نقطة الدعاء و ربط عدم تحققه بذنب سابق تبت عنه، فهذا توجيه يحبه الشيطان ، والشيطان يحب أن يربط رضا الله باستجابة الدعوات كما طُلبَت. الله أعلم واحكم ، كثير من أدعيتنا لو استجابها الله لكان فيها ضرر علينا، (والله يعلم وأنتم لا تعلمون). المؤمن الواثق لا يجرب الله، إن لم يجبني فهو يكرهني أو غير موجود كما يفكر اكثر الملاحدة ! الله ليس خادما عندنا يجب أن ينفذ كل ما نطلب، هذا ليس فيه احترام لله، بل الله أحكم واعلم. تخيل لو أن الله ينفّذ كل ما يطلبه كل الناس ! هل سيكون له الأمر أم لهم ؟ هذا غير تضارب طلباتهم. قال تعالى (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض). الإجابة على الدعاء من شؤون الله، علينا أن نهتم بما علينا، ونسلّم أنفسنا له كعبيد راضين بحكمه، وهذا حقه. لا أن نتشرط عليه ولا أن نختبره. فالله إما أن يستجيب الدعوة أو يؤجلها للآخرة، أو يعطيك أحسن مما طلبت.

أما نقطة أني أريد من الله مصلحة، فهو وعدَ بهذا، وهل لنا مصلحة بدون الله؟ أو من غير الله؟ الله هو ولينا في كل أمورنا، المعنوية والمادية. ليس في هذا خطأ، ألسنا نطلبه الجنة ونعوذ به من النار؟ ونطلبه الطمأنينة و الهداية والعفو والعافية؟ حتى العلم والمعرفة ؟ كل الأنبياء طلبوا من الله أمورا معنوية و أمورا مادية. فمنهم من طلب الذرية ومنهم من طلب الملك، (رب اشرح لي صدري) (وقل رب زدني علما) .. لكن الخطأ أن نعبد الله لأجل المصلحة لوحدها دون التفكير بمحبته واحترامه.

كل ما ذكرته تشويشات من الشيطان، اطردها من ذهنك واستعذ بالله والتفت إلى ما عليك ، وهذا هو المهم، لأن الله يعطي حتى لو لم تطلب إذا رضي عنك. فهو أعلم بحاجاتك. الله أعطى موسى معجزة فلق البحر مثلاً وهو لم يطلبها، لأنه كان متوكلا على الله. (قال كلا إن معي ربي سيهدين) ، فلما وصل البحر قيل يا موسى اضرب بعصاك البحر. لكن حقه أيضا أن ندعوه وحده ونلجأ إليه. الشيطان يبعدك عن ما هو من دورك ويجعلك تفكر في عمل الله وشؤونه. ألا يكفيك أن الله حكيم وعليم و رحيم و كريم وعادل ولا يتخلى عن عباده؟ ثق بهذا وانطلق لما عليك . و احمد الله على كل نعمة أنت بها، ومن بينها نعمة التوبة، فغيرك لم يتب، لأنه لا يصلح أن نطلب ونحن لم نشكر الموجود. تأكد أن الله لا يضيّع من سلّم نفسه له في كل حياته. والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وعد الله ، ومن اصدق من الله قيلا. فاطمئن يا أخي وارتاح واستعد علاقتك ومحبتك بربك، فهي طوق نجاتك. و اعرف وساوس الشيطان التي ليست من داخلك، وميّزها عن أفكارك ومشاعرك أنت. و اعرفها بقبحها وسوء عاقبتها، والأثر السيء الذي تتركه في النفس، وها أنت ذا تقول أنه لا سعادة لك إلا مع الله. حافظ على هذه الفكرة وهذا الشعور العظيم الجميل.

الله لم يطلب منا فقط أن ندعوه لحاجاتنا وكأنه خادم، الله طلب منا أن نستسلم له ونتحول إلى عبيد له بمعنى الكلمة. لا مجرد كلمة نقولها، وان يكون الله أكبر من كل شيء في حياتنا، فعلا لا قولا فقط. اذا تحقق هذا فابشر بالخير. أنا جربت قبلك كل هذا الوضع، وأتكلم من تجربة. لا بد أن تمتلئ ثقة بوعود الله دون ان تتشرط، فالله أحكم الحاكمين و أرحم الراحمين ، وشكرا ..

هناك 11 تعليقًا :

  1. رائع جدا استاذي الوراق ..
    إن كلامك يعيد الثقة والأمل في النفس القانطة من روح الله ..
    ويضع الأمور في نصابها وبمكانها الطبيعي ..

    نوّر الله قلبك ..

    ردحذف
  2. ما شاء الله على هذا الرد الوافي والكافي ... ارجوكم ادعو لي أن يرزقني الله بالايمان والتقوى والثبات و اتشافى مما انا فيه وييسر الله ما يشغل بالي ويحققه لي ويغير حالي الى احسن حال .. لعل الله ربي يستجيب منكم كما أنا . ( أرجوكم اعتبروني ابنتكم واربطو اسمي دائما مع دعواتكم بهذا الدعاء ) اسفه على ذلك ولكن الله يعلم ما أنا فيه وكم أنني محتاجه لدعوات ظهر الغيب ولكم مثلها باذنه تعالى .

    أختكم ( ندى فائز ) جعلني واياكم من الفائزين .

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا على ثقتك ابنتي الغالية والثقة بالله أولا و آخرا, وأدعو الله لك مزيدا من الإيمان والتثبيت والشفاء والعافية والسعادة, وخير ما أدعو لك أن يرزقك الله بمجتمع صالح فهو نعم العون على طريق الله.. وأتمنى أن تقرئي بقية مقالات المدونة لعل أن تجدي فيها ما يساعدك..

      حذف
  3. شكرا لك أستاذي الوراق لقد وضعت الثقة بنفسي من جديد لقد كان يدور في نفسي ماكان يدور بالأستاذ الفاضل وبالرغم من حرصي على طاعة الله لكني أشعر بعدم رضا الله عني ولكني أريد أن أسأل حضرتك سؤالا خاصا بي لقد كنت مخطوبة وحدث أن توفى خطيبي قبل الزواج فهل عندما أدعو الله أن يجمعني به فالجنة أو عندما يخطر ببالي أي شيء حدث بيننا من محادثات نأثم على ذلك وعندما أرى صورته وغير ذلك أنه كان السبب في رجوعي إلى الله وأدعو الله أن يجمع بيني وبينه والشيطان يوسوس لي أنني لعبد الله واطيعه لانال هذه الأمنية وهو أن يجمعني به فالجنة ارجو الرد لأن نفسيتي تعبانه بسبب هذا الشعور

    ردحذف
    الردود
    1. السلام عليكم ورحمة الله ، ومعذرة على التأخر بالرد ..

      تجدين الجواب عبر هذا الرابط :

      http://alwarraq0.blogspot.com/2015/09/blog-post_27.html

      حذف
  4. ما شاء الله علي ردك ... انا اعاني من وساوس الشيطان اني لا عبد الله من قلبي و اني اعبده لمصلحتي . و احيانا ابكي من شدة تلك الوساوس التي تنغص علي حياتي و لكن الحمد لله عندما ادركت انها من الشيطان اعتدلت اموري و حياتي :)

    ردحذف
    الردود
    1. الحمد لله رب العالمين ..
      من أهداف الشيطان إحزان المؤمنين لكي ييأسوا ويقنطوا من رحمة الله ، ولكن المؤمنين يتنبهون إلى تلك الوساوس ويستعيذون بالله منها ..
      وفقك الله لكل خير ..

      حذف
  5. انا مؤمن بالله كثيرا ولكن عندي تسائلات قادتني للشكوك في صفات الله مثلا الدعاء شخصيا ادعوا الله منذ ثمان سنوات ولم يستجيب فاقتنعت ان الله ليست من صفاته انه يستجيب الدعوات لانه امر محسوس دعوت ولم يستجيب فكيف اكذب الواقع الذي عايشته ثانيا الرزق انا فقير نوعا ما اطلب منه الرزق فابقى على حالي اذن الرزاق ليست من اسماءه هناك امور حسيه تثبت منطقيا ان هناك دسائس بالاديان لم يقولها الله عن نفسه كإستجابة الدعوات والرزق والنصر ووالخ وكلها امور تم اثباتها علميا وتجريبيا ومنطقيا . هل من نقاش حول هذا الامر لعلي اجد من يقنعني بصوره او باخرى

    ردحذف
    الردود
    1. جرى نقاش هذا الموضوع باستفاضة في مواضيع عديدة في المدونة, وهذه بعض منها :

      http://alwarraq0.blogspot.com/2013/09/blog-post_1524.html

      http://alwarraq0.blogspot.com/2015/02/blog-post_63.html

      http://alwarraq0.blogspot.com/2014/01/2_11.html

      وشكرا على تعليقك..

      حذف