الأربعاء، 22 يونيو، 2016

مصاعب البداية في انجاز العمل ، ومشكلة تحديده بزمن ونتيجة

عند التفكير في العمل، يأتي التفكير في التعب الجسدي والخوف منه, وتصعب البداية في العمل، خصوصا عندما نفكر أن نتم وننجز العمل بشكل متواصل, بينما العمل المتقطع يجعل الإنسان يشعر أنه لم يتعب، أي يعمل قليلا ويستريح قليلا, فعندما يرتاح بعد عمل بسيط يشعر كأنه بدأ من جديد, عندما تريد أن تعمل لا تفكر بالأهداف وتحقيقها ولا ترتبط بالزمن, المهم أن تؤدي عمل مفيد و فيه خير.


البداية بالعمل صعبة, لذلك اجعل البداية كأنها لُعبة ولا تكترث بها حتى لو أخطأت ، إلا إن كان هناك خطر. واجعل الأخطاء في البداية ولا تهتم لها, المهم أن يكون آخر العمل أفضل من أوَّله, لذلك من المهم أن تبدأ بأي شكل ترى أنه هو الأفضل، أي المهم أن تدخل جو أو تهيئة العمل وتكسر حاجز التخوف من البداية. لأنه دائما البدايات هي الأصعب، لكن لا نريدها أن تكون سدّاً يمنعك عن العمل ويدفعك إلى الكسل.


النتيجة المحددة والوقت المحدد لتحقيقها هي جرثومة داء القلق في هذا العصر ، وهي التي تسبب الفشل والإحباط والأمراض النفسية. المهم أن تعمل عملا صائبا وليس خاطئا، هكذا يجب أن يكون الهدف ، أما الثمرة وما يتبعها فبيد الله، فالتوفيق بيده . قال تعالى (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ ) ولم يشترط نجاح تلك الأعمال الصالحة، لأن كثيرا من الأعمال الصالحة تتعلق بالناس. ولم يشترط الوقت الا في أعمال قليلة، والله نهى عن الحرج، قال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ). 

التفكير السليم هو التفكير للمستقبل

سياسة النفس السليمة والتفكير السليم هو التفكير للمستقبل كأولوية ، وعلى قدر ما يكون المستقبل أبعد على قدر ما تكون أكثر عقلا وأخلاقا وصبرا على واقعك أيضا وتستطيع التكيف معه بسهولة، وأبعد مستقبل هو الحياة الآخرة ، فتأخذ الأبعد وتجعله الأقرب، وبذلك تنجح حتى بالقريب كذلك.

لكن من يحبون العاجلة يكون التحمل عندهم ضعيف، والمستقبل مُهمَل، وعلى قدر ما يبعد المستقبل على قدر ما يكون مُهمَلا بالكامل، لكن بالنظر إلى حالة المؤمن الحقيقي تجد العكس ، فتجد المستقبل الأبعد هو أهم شيء في حياته، ثم الذي يليه والذي يليه ، إذاً الإنسان الناجح هو من يعيش للمستقبل. والدول الناجحة هي التي تخطط للمستقبل وهذا شيء مشاهد. والعاقل هو من يعيش للمستقبل أكثر ، وهو مقياس العقل، فتجد من يحب اللذائذ العاجلة هو الأضعف والأقل عقلا ، وهذا يدلك على خطأ فكرة "عش يومك".

من ينظر للمستقبل هو ينظر بنظرة كمال، منذ أن تهتم لمستقبلك البعيد فمعنى ذلك أنك اخترت الأفضل والأكمل، وهذا سيجعل تخطيطك وأعمالك تنحو نحو الأفضل، أما الذي يحب العاجلة تلاحظ أنه يتحمل ويقبل السيء ليس لأن هدفه الأفضل بقدر ما هو الأعجل، قال تعالى (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولا) يقصد الإنسان بوضعه العلماني قبل الإيمان . وقال عن الذين لا يهتمون لمستقبلهم ( كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَة وَتَذَرُونَ الآخِرَة ) .

هناك من يتفاءل بأن المستقبل سيكون أفضل بتلقائية و بدون عمل، هذه الفئة هو من يعدهم الشيطان ويمنّيهم، هم من يقولون ( مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا) هل مثل هؤلاء يوجد لديهم ضمان على الاستمرارية ؟

نحن نتكلم عن بناء خطط الحياة على أي أساس تكون : هل على أساس الحاضر؟ أم على المستقبل القريب؟ أم المستقبل البعيد؟

البناء السليم هو أنك تبني خططك على أساس (أبعد مستقبل) (وأهم مستقبل) توقن أنك ستصل إليه ، وهو الآخرة، ثم تبدأها بالترتيب من المستقبل للحاضر، فمثلا إذا لديك مبلغ مالي ، بدلا من أن تستمتع به في الحاضر حاول أن تجمعه لأجل أن تمتلك منزل مثلا، حتى لو كان لديك مبلغ قليل وامكانية امتلاك منزل بعيدة عنك ، هنا يأتي دور العقل، فالمال مع المال يكوّن مبلغا كبيرا ، فأنت هنا تستثمر و تعمل لمستقبل بعيد، لكن هذا المال وهذا المنزل لهما غاية وهدف، وهو لكي يوصلاك الى الله والآخرة، كما قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) و بذلك ستنجح ان شاء الله، وبالأخير سيكون لديك بيت بإذن الله ، لكن لو كنت تفرط وتقول هذا مبلغ لا يساوي شيئا ومن الأفضل ان استمتع به حاليا ، فستجد بالأخير أنك لست على شيء .

من يعمل للمستقبل لا يدلّع نفسه، لأنه يتوقع ظروفا سيئة –وهذا لا يعني التشاؤم- ويتوقع الصعوبات ويكون مستعد لها، تجده يحاول أن يعتمد على نفسه أكثر، ويحاول أن يتعلم كثيرا، يحاول أن يصلح الأشياء، هو يجهز نفسه للمستقبل، هؤلاء يسمّون – أناس المستقبل – وهناك – أناس الحاضر - ، أهل المستقبل هم سادة الحاضر، لأنه يتعلم ويتمرن ويعمل ويعرف ويجيد ويملك و يوفر، بالتالي هو أصبح من أهل الحاضر دون أن يدري، لأن الشيء الذي تجيده أنت لم تجيده بلحظة ولم تشتريه ، فكل شيء جاء بالتدريج لأنك كنت تخطط للمستقبل ، فالمستقبل عبارة عن شيء ممتد وليس شيئا مقطوعا ومنفصلا لوحده.

من يقول مادام أنني أعيش للمستقبل فمتى أعيش الحاضر؟ هل أعيش بدوامة المستقبل ولا أعيش واستمتع بالحاضر اطلاقا؟ الصحيح أن الحاضر يُعاش من خلال المستقبل ، وإلا فكيف يعاش ؟ هل نعيش عيشة الحيوان؟ هذا هروب من الحياة ومن مواجهة المستقبل، ومن يقول لك أنك بحاجة الى أن تتسلى وتلعب؟؟! أنت تعيش حياة كاملة ، و في خلال العمل إذا سمعت نكتة سوف تضحك، أي سوف تستمتع بالاستراحات بين فترات العمل ، والعمل ليس شيئا ماديا فقط، بل حتى التفكير عمل، ومراجعة النفس وتقييم الأوضاع عمل، والعمل نفسه مجال للإبداع والمتعة والتفكير والابتكار، وقت المؤمن كله متعة مع أنه لا وقت لديه لللهو ولا لللعب، إلا لتلعيب طفل أو حيوان أو ممارسة رياضة مفيدة، مع أن العمل أفضل من الرياضة.

وإن جاء شيء جعلك تبحث عن أماكن جديدة وتطلّع سوف تطّلع وتستمتع بها، فالعيش للمستقبل لا يمنع من العيش بالحاضر وليس بينهما انفصال ، بل إن العيش للمستقبل هو الذي يملأ الحاضر بالإهتمامات الكثيرة، وهو بوابة الشمولية.

هناك من يقول لكي أعيش للمستقبل سأرهق نفسي في الحاضر لكي أجمع المال للمستقبل، هذه فكرة خاطئة وهي مثل فلسفة البخيل الذي يريد أن يجمع المال للمستقبل ويحرم نفسه وأولاده، ثم يموت ويترك هذه الأموال. الصحيح أنه يجب أن تعيش الحياة بكل جوانبها للمستقبل وليس في جانب واحد . البخيل لم يقم بذلك بل اهتم بجانب واحد وهو المال . يجب ان تعيش كل حياتك للمستقبل وليس مالك فقط، هذا إنسان مادي ، وهو لم يتعلم ولم يتطور وكل هذا المستقبل بحاجة اليه ، المستقبل ليس بحاجة مال فقط ، فهذا البخيل مفرط ، والمادي مفرط في مستقبل أهم وهو مستقبله عند الله بالإدخار والعمل الصالح عند الله وهو المستقبل الكبير، كذلك فرّط بمستقبل عقله ومهاراته ومستقبل محبته وعلاقاته وعقله وثقافته، كل هذه فرّط بها لكي يجمع المال فقط.

من يهتم للمستقبل عليه أن يهتم بكامل جوانب المستقبل، ويتلافى أخطاء الواقع، قال الله تعالى عن المفرطين بالمستقبل (يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) فهو سيعيش حياة كاملة لكنه اهملها و ركز على جانب الحاضر فقط. الحياة المستقبلية هي الحياة الخالدة، و في الأمثال يقال (شيء ترجيه ولا شيء تأكله) . عيشة الحاضر هي مثل عيشة الحيوان.

وكذلك من أسرار الأبوة والأمومة هو ارتباطه بالمستقبل، فالأبناء يُنظر فيهم كأمل أي كمستقبل، إذن الإسلام ينقل الإنسان من مستوى الحيوان الى مستوى الإنسان. الذي يعيش ليومه يشبه الحيوان، بل حتى أصبحوا يرون اليوم طويل فقالوا عش اللحظة بدلا من قولهم : عش يومك. أي اقل مستوى من الحيوان، فالحيوان يعيش ليومه أيضا . هكذا الشيطان يوحي للإنسان لكي يفرط في حياته الآخرة وهي الحياة الحقيقية ، ويلهيه بالدنيا ، كما قال تعالى (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ).أي الحياة. بينما هو مفرّط حتى في أمور الدنيا ، ويعمل اعمالا قد تضره وتنقلب عليه.

حرصك على المستقبل البعيد يوحّد مسارك ولا يجعلك تضيع في دوامات جانبية على هوامش الطريق، ويفيدك في الحاضر القريب أيضا، و حرصك على طاعة الله هو لأجل الآخرة والدنيا ، والله لا يأمرك الا بالفضائل ، وسوف يحبك الناس وتتقي شرهم وهذا يسهل نجاحك في الحاضر لأنهم سوف يساعدونك.

التفكير بالحاضر والمستقبل هي ما يفرّق بين أصحاب الاختيارات، فأصحاب الاختيار الطيب تجدهم يتحملون شيئا بالحاضر مقابل المستقبل، وهذه طبيعتهم وإستراتيجيتهم ، وعادةً إذا خيرتهم بين شيء يأخذه الآن وبين شيء يأخذه لاحقا لكن بشكل أحسن وأكثر لاختار الثاني، وهذا مقياس للعقل ، أما الذي يحب العاجلة فيحب ما يأخذه الآن ، والذي يؤجِّل يجد خيراً، و كل شيء تعطيه وقتا سيكون أفضل .

التأجيل يكون مذموما إذا كان تأجيلا بالعمل والواجب ، وقد قيل (لا تؤجل عمل اليوم الى غد) ، فكونك تستطيع أن تعمل لكنك تؤجل، ستتراكم عليك الأعمال ويأتي الوقت الذي لا تستطيع فيه أن تعمل ، فتعجَّل بالعمل لكن لا تعجَّل بطلب الثمرة والاستمتاع.

الله ربط بين الإيمان والعمل لأبعد مستقبل بالنجاح، ووصف هؤلاء بأنهم هم الفائزون ، أي في الدنيا والآخرة، الذين يؤمنون بالغيب. كل مستقبلاتك لا بد أن ترتبط بالمستقبل الأهم والأبعد، حتى يصففها ويرتبها ويبعدها عن النشوز، فتكون مسيرة حياتك تراكمية وليست خطوات يقع بعضها على بعض، كالتي نقضت غزلها بعد إحكام، وذلك هو الخسران، فالإنسان ضعيف وخطواته ضعيفة، لا بد أن تكون خطواته تراكمية تصاعدية حتى يصل إلى الهدف، ولا تتفرق به السبل، هذا يحتاج إلى نقطة أخيرة يرتبط بها، حتى يكون المبنى مستقيما ، تماما مثل ما يفعل البناء حيث يربط خيطا في اقصى ما سوف يصل اليه الجدار، حتى يستقيم مبناه. وهذا عكس النظرة العلمانية التي تعمل بلا هدف ، على طريقة التجربة والخطأ ، بدون أهداف مسبقة ولا قيم مسبقة، سوف يقضي الحياة في اثناء هذا اللت والعجن والتخبط ويجد الله أمامه فيوفيه حسابه. (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم) . والاستقامة تكون بالتوصيل ما بين اقصى نقطتين بخط مستقيم، أن تربط حياتك باقصى نقطة، وهي الله ، فالله هو الصمد ولا تخطيط بدونه. وحينها سوف تستقيم حياتك ولا يطأ بعضها رقاب بعض. كما قال ابو العتاهية : 

وان امرأ قد سار خمسين حجة .. على غايةٍ من وردها لقريبُ .. 

أي سار بدون ميلان ، لأن أي انحراف عن طريق مستقيم يعني الرجوع الى نقطة البداية كالدائرة تماما .

الخميس، 16 يونيو، 2016

آيات الله وتسخيراته ، معنا ومن حولنا


الكلب وفي ، بينما الذئب ابن عمه غدار ، ما الذي جعله هكذا ؟

الكلب يحرس المكان الذي هو فيه .. وينبح لكي ينبه الناس ، لماذا ينبح إن كانت غريزته حفظ المكان ؟ النباح يُبعد الغريب ، سواء انسان او حيوان، فأين الافتراس مع انه يصنّف ككائن مفترس ؟ المفترس يهمّه التخفي كي يهاجم الضحية، بينما نباحه لا يستفيد منه ، فهل الكلب حيوان مفترس أم منبّه ؟

لو لديك مجموعة كلاب وشاهدوا غريبا فكلهم سينبحون، لن يتسللوا ويتخفون لمهاجمة ما نبحوا عليه، طبعا ليس الدافع لهذا النباح هو الخوف ، لأنهم مجموعة كلاب. لو سمع حيوان كالغزال هذا النباح لهرب ، فكيف يكون الكلب مفترس ؟ اذن هو ليس مفترس، بل حارس. وهذه آية عجيبة من آيات الله ، نعيشها وتعيش معنا ولا نلتفت لها.

كيف تطور الكلب من الذئب كما يزعمون و صار ينبح ويحرس ؟ ما فائدة النباح لحيوان مفترس ؟ لو كان محل الكلب للحراسة أسد، لهاجم مباشرة وافترس، بينما الكلب لا يفعل ذلك. إن الكلب لا يفترس الرقبة، بل القدمين، بينما الفهد والنمر والذئب يفترسون الرقبة مباشرة بالخنق، فكيف يقال ان الكلب حيوان مفترس وأصبح أليفاً ؟ و كيف لمفترس أن يتحول إلى أليف؟

الكلب السلوقي مثلا لا ينبح، لكنه متميز بالصيد، وبقليل من التدريب يحضر الفريسة دون ان يأكلها. وجسمه مصمم كعدّاء و مخلوق للسرعة، لكنه ليس مهيأ للعراك. عند البادية تجد لديهم كلب سلوقي للصيد وكلب آخر لحراسة الغنم. لمَ لمْ يصبح الكلب السلوقي يصيد وينبح ما دام الناس طوّروه ؟ كذلك الكلب البوليسي له حاسة شم قوية، حتى أنه يُعطى شيئا من رائحة المجرم أو المفقود ويتبع الرائحة ، وليس لدى العلم أجهزة تكشف الروائح كما يكشفها الكلب.

لن تجد حارسا مثل الكلب، الكلب يقوم بعملية التنبيه والضرب بعد التنبيه، وإصابة القدم ايضا، تماما كأنه مبرمج للعمل عمل الجندي الحارس، فأولا ينبه، وإذا لم يستجب أطلق النار على القدم، كذلك يفعل الكلب الحارس، لذلك في أفلام الكارتون للاطفال تجد الحارس يكون على هيئة كلب .. الذئب حيوان مفترس وليس له صوت، يمشي بهدوء ولا يكشفه إلا الكلب. كيف يكون هذا ابن عم لهذا ؟ الوظيفة فرّقتهم، ولا عبرة بالشكل. إن صور وفاء الكلب عجيبة وأكثر من أن تعد ، واكثر مما يقدَّم له من طعام. من علّمه روح الصداقة ؟ هل هو الإنسان ؟ الإنسن يدلّل حيوانات وأنعام أكث رمن الكلب ومع ذلك لا تظهر له إلا القليل جدا من المودة أو لا تُظهر. لأن الإنسان مخلق ضعيف ، وحواسه تعتبر ضعيفة، فلما عاش معه هذا الصديق الوفي أعطاه قوة ودافع عنه ونبّهه للأخطار، لأن حواس الكلب مضاعفة على حواس الإنسان، ووفاء الكلب في القمة، حتى صار مضرب المثل، حتى قال الشاعر العربي في مدحه للخليفة :

أنت كالكلب في حفظك للود ، وكالتيس في قراع الخطوب ..

لا يوجد ولا حيوان يشبه الكلب في دوره ، قد يعيش الكلب في خرابة صغيرة ربما وتجده ينبح، فهل ينبح على تلك الخرابة الصغيرة؟

القطة مثلا لا تموء مثل الكلب ، وليست ملتزمة بالمكان، ونظيفة دائما وتدفن فضلاتها ، وربما تكون الحيوان الوحيد الذي يفعل ذلك، لأن رائحة فضلاتها تؤذي البشر، اذ لا يُعقل أن يكون تبرير هذا الفعل خوفا من الاعداء ، إذن لفعلته الحيوانات الاخرى، فكلها لها اعداء، هذا غير انها تعيش مع البشر ، أي في مكان آمن. لكنها لا تقضي حاجتها على فرشهم و أثاثهم ، و تموء وتبحث عن مكان ترابي لتحفر فيه وتدفن أثر رائحتها الكريهة، لكي تبقى نظيفة ومؤهلة لأن تعيش داخل منازل البشر، لتحميهم من القوارض. حتى حنان القطة واسلوبها وحاجتها لللمس واستمتاعها بذلك أمر ملفت للنظر، اذ لا نجد حيوانا مثلها، ويفرح بها الأطفال. كما أنها ليست تحفر وتخرب الارض وتعبث بالاشياء كالكلب، فهي حيوان لطيف ومتسلق لكي يزور الجيران. كما أن القطة تنادي الإنسان بصوت حنون، وهي مخصصة للفئران والثعابين والعقارب ، عدو الانسان الاول، والكلب تمر عليه هذه الحيوانات وقد لا يفعل لها شيئا، فقط يبحث عن حيوان او شيء كبير. لاحظ ان الكلب لا ينام كثيرا ولا ثقيلا، بل نوما خفيفا، نوم حارس، القطط كذلك تصحو في الليل، وليست تنام كثيرا ، نومها خفيف كنوم الكلب، من أجل أن تحرس الإنسان. لهذا نجدها مع الإنسان في كل مكان ، في الصحارى والثلوج والجبال والوديان والشواطئ، كل الكرة الارضية تغطيها.

الفصول الأربعة وتفاوتها بالحرارة والبرودة، في كل تغيّر للفصول تموت حشرات وبكتريا وتعيش حشرات وبكتريا. الذباب مثلا يعيش في الأجواء المعتدلة، وعندما يسخن الوقت يختفي ، وكذلك البعوض لا يتحمل البرد ولا الحرارة ولا الرياح، وإلا لكانت مشكلة، ولم تتطور نقطة الضعف هذه ولن تتطور، لأن الله أراد هذا رحمة بالعباد.

تأمل أحد البهائم، كالجمل وحجمه ، يقوده طفل، بل ربما يقود مائة منها، بينما لو مجرد فركة واحدة بقدمها تضرب ذلك الطفل ويموت . لولا الابل ما عاش احد في الصحراء تقريبا. الإبل يشربون لبنها ويأكلون لحمها ويصنعون من جلدها خيام و ادوات، وتحمل أثقالهم ، وتسمى سفينة الصحراء، ويصنعون من شعرها ملابسهم، ويتنقّلون بها. كل حياة البدو قائمة على الإبل. وبنفس الوقت تتحمل العطش وتأكل الشوك، وطول الإبل يتناسب مع شجر الصحراء لتطول اغصانها، (افلا ينظرون الى الابل كيف خلقت). لو تأملنا اخفاف الابل وجدناها مصممة للسير على الرمال، هي لم تأتي من أمريكا الجنوبية متطورة من اللاما كما يزعم التطوريون.

ايضا من جانب آخر : كيف تعيش النخلة في الصحراء ؟ الحاضرة يعيشون على النخل ، والبدو يعيشون على الابل. عسيب النخيل مصمم للتظليل في الصحراء، على شكل قبة، و نباتات الصحراء بشكل عام على شكل مظلات ، وتأتي الجمال تأكل من الاسفل لكي تكوّن المظلة بشكل أوضح ويمكّن البشر من الدخول تحتها والاستظلال بها، فكأنها تقوم مع الماعز والغزلان بدور البستاني ..

النخلة تُخرِج الثمرة الأحلى في العالم، من الصحراء ! كل فاكهة العالم لا تعادل حلاوة التمر. 70% منها سكر، وبكميات كريمة ، وقابلة للتخزين لعدة سنوات. لماذا؟ لأن الإنسان يمشي في الصحراء ويحتاج لسكريات، وإذا جعت عرفت قيمة التمر. فهل كل هذا صدف ؟ كيف تنتج الصحراء أحلى فاكهة في العالم ؟ المفترض منطقيا أن تنتج مثل هذه الفاكهة في أراضي الانهار.

ايضا النخل يقاوم الملح، ولا تثمر إلا في صحراء، وتتلون في الحر الشديد بألوان زاهية ، الاحمر والاصفر ، حتى تُرَى من بُعد وأنت في الصحراء، وهما اقوى لونين يلفتان النظر، بدليل إشارات المرور التحذيرية الاحمر والاصفر. انها تلفت النظر مع قامتها الممشوقة بين الكثبان، وهي مصممة للعيش في واحات، وحتى لو شحت المياه تعيش. المفترض ان كل نباتات الصحراء مُرَّة، إلا النخلة ! أين المنطق هنا ؟ انظر الى اللطف الالهي ..

الجمل من اكبر الحيوانات ويعيش في الصحراء على الشوك ! مثل هذا الحيوان الضخم كثير اللحم يجب أن يعيش منطقيا في الأنهار والغابات، مثل الجاموس ووحيد القرن والخرتيت والفيل من الحيوانات الضخام التي تعيش قرب الانهار. مع أن هناك جِمَال أسرع من الخيل، تلك الجِمَال بطبيعتها نحيفة ولا تسمن، وخُفُّها صغير جدا. وهذه مُسخَّرة للمهمات المستعجلة. لم يطوّرها ويهجّنها الإنسان، فالإنسان لا يستطيع ان يأتي بشيء من العدم.

تأمّل الألبان وفوائدها، حليب الناقة والبقرة وكميته فيهما، وما يستفاد منه، فشيء يصنع منه للأكل وآخر للسمن والودك وأنواع الجبن والإقط، كل هذا صار فقط لأن حليب البقرة اكثر مما يحتاجه ابنها. بينما الفرس مثلا لا تعطي حليبا كثيرا لابنها إلا على قدر حاجته.

البقرة ضرعها كبير جدا، بل احيانا لا تستطيع المشي بسبب كبره ، من اين جاءت هذه الزيادة ؟ ولمن هذه الزيادة ؟ كذلك اللبن سائغ الشراب، وغذائي، والكل يحتاج الحليب، و يمكن تحويله لأشياء كثيرة ويدخل في الطبخ وفي كثير من الصناعات الغذائية، بينما هي تأكل من نباتات الأرض المُرَّة، ويخرج هذا اللبن من بين دم و فرث لبنا خالصا سائغا ، أفلا تتذكرون وتشكرون على نِعَم التسخير هذه ؟

كل بيئة لها نباتات وحيوانات سيّدة فيها وأساسية ، كأنها هي الثابت لها لكي يأكل منها أهل تلك البيئة. في الصحراء تجد الابل والاغنام والنخيل أساسيات، ولو لم توجد فيها لما عاش احد فيها، و في المناطق الاكثر اعتدالا تجد الزيتون يريد ان يطلع وينمو و يعطي، كذلك التين والاعناب والقمح تنبت من نفسها. في المناخ الاستوائي تجد الموز بكثرة.

كل منطقة لها كائنات حية اساسية ، وهذا ما سبب اختلاف الاكل في العالم واختلاف المطبخ والأدوات، بسبب اختلاف المصدر الأم.

التمر يكاد يكون غذاء اساسي داخل في كل غذاء و وجبة تقريبا لأهل الصحاري، مثل زيت الزيتون في الشام يدخل في كل شيء، في المناطق الاستوائية تجد الموز و جوز الهند يدخل. في اوروبا وأمريكا تجد الخيول والأبقار هي الحيوانات الاساسية فيها، وتجد أهل المنطقة بارعين في رعايتها والإستفادة منها ويتفنون بالمأكولات اللحمية مثل الستيك والمشويات والبرغر وغيرها. في الهند لديهم الفيل للنقل والتنقل، وهو مناسب للغابات والانهار، ويسحبون به جذوع الاشجار الضخام، ويستخدم في الحروب، ويحب المياه ، بينما الجمل لا يحبها كثيرا.

لاحظ سكان الأنهار يعيشون على الورقيات والنباتات القَرَنيّة، كالفول والعدس والبصل والبازلاء، وتجد عند الاتراك والشوام كثرة الاغنام والمراعي، و في كل حوض البحر الابيض المتوسط تجد أهله يعيشون على القمح والزيتون والفواكة. في اليابان و كوريا مثلا تجد عندهم السمك والتونة. و تجد الرز غذاء أساسي في البيئات المائية كالهند وبنجلاديش وأندونيسيا. إن شجرة الرز نحيفة وضعيفة ، مع أنها لا تعيش إلا وفوقها كمية كبيرة من الماء ! فأين تذهب بالمياه تلك وبماذا تحتاجها ؟ المفترض منطقيا ان تعيش في الصحراء ! و توجد نباتات صحراوية تشبه تكوينها النحيف كالسمط، هذا لأن الله تعالى سخرها لهم .

الجمل لا بد منطقيا أن يعيش في أراضي خضراء حتى يكون بهذا الحجم الكبير ويجمع كل هذه اللحوم والشحوم، مع ان المنطق يقول أن كل حيوانات الصحراء صغيرة ونحيفة، كالثعلب والجرذي والجربوع وغيرها.

كذلك حلاوة فاكهة التمر، هذه لا تتناسب مع الصحراء، فالصحراء لا تنجب إلا نباتات شوكية و مرّة ، فكيف أنتجت مثل التمرة ؟ إذن السُّخْرة تكسر المنطق، والسخرة عبارة عن إعجاز. وهي عبرة من عبر لله .

و كون الجمل مثلا يُستخدم بالكامل، فيستفاد من وبره ولحمه وتنقله وو ، هذا دليل أقوى على أنه مُسخّر. قال تعالى (وما عملته أيديهم أفلا يشكرون) أي لم يسخّروه ولم يهجّنوه. كل نبات او حيوان مسخَّر بالعادة يستغل بكامله عند القوم الذين سُخِّر لهم. فالعرب الجاهليون لا يأكلون الخيل، لكن في اوروبا يأكلونه، لأنه أساسي عندهم .

 الله هو من عمل هذا وليس البشر وحاجاتهم. هو من وضع اللبن في الإبل وجعلها بهذا الحجم ويسّرها للإنسان وو . فأصبح الجمل كل ما فيه مفيد ولا يضيع ، مثل النخلة عند أهل النخل، وكذلك السمك عند أهل السمك، فيستفيدون حتى من عظامها.

كميات الحليب الكبيرة المقاسة بعشرات الليترات عند البقرة مثلا وبشكل يومي، لماذا تعطي كل هذا الحليب ؟ لماذا الحصان الذي يعيش في نفس البيئة ويأكل نفس النبات، لم لا نر ضرع الفرس كبير كالبقرة ؟ الماعز تقدّم حليبا أكثر مما تقدمه الفرس، مع أن ابن الفرس ضخم، لماذا؟ لا يوجد منطق، هذه القضية مهمة لكسر المنطق. قد يقول أحد لأنها تأكل، حتى الفرس تأكل، والمفترض ألا تستطيع المشي بسهولة بسبب كبر ضرعها مثلما الماعز لا تستطيع المشي لكبر ضرعها، هذا مع أن للماعز ولدين أحيانا وليس واحدا فقط، تلد اثنين او ثلاثة ويُسقي لبنها أبناءها و كل العائلة .

ليس للحصان شعر يستفيد منه الإنسان. ولاحظ أبناء الماعز ينفطمون بسرعة ، ومع ذلك تعطي حليب، لذلك من مشاكل الأبقار والأغنام تحجُّر الضروع وقسوتها بسبب كثرة الحليب غير المحلوب فيها، نريد أن نفهم منطقيا لماذا كثرة الحليب عندها ؟ إلا لأجل هذا الإنسان الذي يعيش على الحليب. تأمل في كل حيوانات ونباتات العالم وستجد العجائب. قال تعالى (وإن لكم في الأنعام لعبرة).

تخيل، لولا وجود حيوان وشجرة، لما عاش أحد في الصحارى .. حتى وجودهما في الصحراء غير منطقي. يمكن أن تعيش أسرة كاملة على عشر أو خمس عشرة نخلة وتكفيهم طول السنة، فيجمعون التمر ويرصفونه ويكنزونه ويأكلون القليل منه كل يوم، إضافة لحليب ناقة او بقرة او ماعز، فيكون طعاما رافهاً ومكتمل العناصر كغذاء أساسي.

السخرة الثانية أن هذا التمر مع الحليب يشكّل غذاء متكاملا، وهذه قضية أخرى، فالحليب من نوع الين كما يقول الطب الصيني، أي البارد على المعدة، والتمر من نوع اليانج أي الحار على المعدة، فيكوّنا معا غذاء متعادلا وسهل الهضم. وعلى اساس هذا الخلط قامت فكرة الشوكولاتة والحلويات، التي تجمع بين الين واليانج، ولذلك يدخل الحليب في الكاكاو ليشكل توازنا ، ولهذا صارت الشوكولاتة سائغة ، ومعنى الشوكولاتة : الكاكاو بالحليب .. هذا الطعام الذي تفتخر به الامم المتحضرة وتتفنن في تقديمه وتنويع اشكاله و رفع أسعاره هو نفسه طعام سكان الصحراء الفقراء التمر والحليب أو القشطة او الزبد ، الفرق أن طعام الفقراء أفضل لأنه طبيعي وخالي من النكهات والمواد الحافظة ، فانظر لكرم الله ، قدّم لأهل الصحراء الحارة ما يفتخر بتقديمه أثرياء العالم لضيوفهم .. بينما الزيتون لوحده لا يشكل غذاء متكاملا ، لذلك أراضي الزيتون تنبت فيها اشياء كثيرة، ولكن رحمة بأهل هذه الصحاري، حيث الأكل قليل لديهم، صار هذا الغذاء مركّز ومتكامل. بينما البقول أو النباتات لوحدها لا تكفي للعيش . يحتاج الإنسان لشيء دسم معها، في هذه الحالة نجد الإنسان الذي يعيش في هذه البيئة لديه تنوع غذائي، فيستطيع أن يحصّل التكامل الغذائي، ولأجل هذا تجد طعام سكان حوض البحر الابيض المتوسط  متنوعا ومغريا ، والتنوع أجمل ما فيه، بسبب كثرة الاضافات النباتية، لذلك تجد كل طعام فيه ولو على الاقل بقدونسة واحدة أو شريحة من برتقال، كذلك المشويات كثيرة لديهم، لتنوّع الحيوانات والطيور والأسماك لديهم، و هم أصحاب المشكَّلات المشوية في اللحوم ، ويضعون معها البصل والطماطم والبقدونس والخس وو لتقديم تشكيلات منمقة ، لهذا تجد المطاعم الشرق اوسطية هي ربما من الأشهر في العالم. 

عندما تذهب إلى الشمال أكثر، تجد أن الحليب أساسي لديهم، لأن الأرض عندهم أكثر خصوبة و برودة ومراعي، ولديهم ابقار واغنام وخنازير، وعند أهالي المناطق الباردة جدا، تجد السمك غذائهم والفقمة، ولا تجد غيره ربما، خصوصا أيام البرد الشديد. فتقدم لهم البروتين والدهون، وهو ما يحتاجونه في تلك البيئات الباردة، فكل صيدهم سمين، بسبب البرد. فالشحم والدهون عندهم كثيرة. ولديهم حيوان الرنة الذي يحمل اثقالهم وامتعتهم، مثل الجمل عند البدو، وكذلك اهل جبال الانديز يستخدمون اللاما لنقل الامتعة ، ويستخدم اهل التيبت ثور الياك للحليب ونقل الامتعة والشعر واللحم، وهو مصدر رزق اساسي لهم. لاحظ أن شعر الحيوان الاساسي مفيد لأهل بيئته، مثل الحصان في شمال اوروبا ، حيث شعره كثير. وشعر الجمال والماعز بالنسبة لأهل الصحاري، وكذلك جلودها، وهذا من تسخير الله و رحمته ..

في بلدان شرق آسيا مثلا، تجد الأرز والسمك هما المقومات الغذائية الأساسية لديهم، لأنهم سكان جزر ممطرة، وكذلك لديهم أنهار كثيرة، فسبحان الله العظيم، موزع الأرزاق.

يبدو أن كل بيئة لها حيوانات معينة ونباتات معينة، تكون أساسية فيها للحياة، لولا السمك لما عاش أهل السواحل على البحار، ويقيمون مهرجانات للأسماك وأنواعها، وكذلك في أوروبا يقيمون مهرجانات للأجبان، من كثرة الابقار والمراعي الخصبة لديهم، فيصنعون من الحليب الزائد أجبان وحليب مجفف الخ ، و أهل الصحارى لديهم التمور والإبل، ويتفاخرون بها وبمعرفة أنواعها وأنسابها، ويقيمون مهرجانات للتمور والابل ايضا، فسبحان الله المسخّر لا إله إلا هو.

لاحظ سكان اوروبا الباردة في الشمال، كيف لديهم تلك الغابات المنتجة للاخشاب، أخشاب مستقيمة، لذلك يبنون بيوتهم من الأخشاب، و يبنون السفن منها كذلك. الخشب شيء اساسي في أوروبا الشمالية، كل شيء تقريبا من الخشب، حتى الأواني من الخشب، فهم يحتاجون الخشب للحطب ويحتاجونه للعزل ايضا، فليس شيء عازل مثل الخشب، حيث أن أراضيهم باردة و رطبة، ويرفعون المنازل عن سطح الأرض ، ويحتاجون أسرّة ترفعهم لأن الأرض باردة عندهم. اهل الصحارى ينامون على الارض بلا مشاكل، لكن هم لا يستطيعون. لذلك حتى الجلوس يجلسون على كراسي، والأخشاب عندهم كثيرة جدا، و كلها مدة اشتعالها طويلة تناسب الليل الطويل والبارد عندهم في الشتاء ، حيث يصل طول الليل في الشتاء الى احدى وعشرين ساعة و أكثر ، كذلك أشجارهم قوية و مستقيمة لأنها تخرج على شكل غابة متقاربة من بعضها ، وتنمو لتبحث عن ضوء الشمس، فلا تتشعب فروع الاشجار، فتصبح كلها مستقيمة تتسابق إلى الضوء وتُمتّن الجذع الأساسي وتطيله لكي تسابق غيرها إلى الضوء القليل، وهذه الإستقامة هي الوضع المناسب للعمل عليها. بينما نباتات الصحارى لا تأخذ الشكل المستقيم، بل تأخذ شكل القبة، لكي تظلل على أهلها، لا يوجد سوى شجر الأثل ربما هو الذي ينمو باستقامة إذا غُرست بجانب بعضها وصارت تتسابق للنور فتصبح مستقيمة قليلا، لكن الأخشاب في البيئات الصحراوية قليلة، فانظر كيف الله منّ على البيئات الشمالية الباردة  بالأخشاب، و صاروا يبيعون منها أغلى اثاث في العالم كمصدر رزق، ذلك الذي يأتي من السويد والنرويج، فصاروا هم أهل الأخشاب، و يتفنون فيه ويصنعون منه أدواتهم، مع أن بيئتهم مثلجة و باردة بشدة أكثر العام، من الصعب أن يعيش فيها الإنسان ، ولولا تسخيرات الله لأي بيئة لما عاش فيها أحد.

الشرقيون يجلسون على الأرض، بينما الأوروبيون يجلسون على الكراسي، لأن الأرض باردة ورطبة، لا تجد بالكاد مكانا يابسا. و الجو لدى بيئة الغابات الصنوبرية بارد و ممطر كثيرا، والسماء ملبدة بالغيوم، والشمس تشع قليلا، لذلك الاشجار الصنوبرية لا تبدو على شكل مظلات، بل على شكل مخروطي، لكي لا يتجمع الثلج على غصونها وتتكسر، فأصبحت هذه الاشجار على شكل مثلثات طويلة.

كيف البيئة الباردة هذه، يمنّ الله عليها بالأخشاب بهذا الشكل؟ الخشب مادة عازلة تقريبا مائة بالمائة، لأنهم محتاجون للعزل، و محتاجون للقوارب الصغيرة للصيد، لكثرة المياه والبحيرات لديهم، فالله خلقه وخلق له، هذا كله صدف ! أليس كذلك ؟! و نعم الصدف التي تعمل هكذا ! لم نرها تعمل في واقع حياتنا الا بغباء وتخريب.

الحطب عندهم يشتعل لمدة طويلة، ليس مثل شجر الصحارى الذي لا يأخذ مدة طويلة وينطفئ، لأنه نحيف، بينما جذوع اشجارهم كبيرة، كذلك يصنعون من الالبان الفائضة عن حاجتهم الزبد، لأنهم بحاجة للدهون، كذلك لو لم يوجد الخشب لديهم لما استطاعوا العيش. كل منطقة لديها نباتات وحيوانات نستطيع تسميتها النباتات الأم والحيوانات الأم، أو المرضعات، منها حيوانات مرضعة ونباتات مرضعة، هذه من نعم الله التي يجب أن تعد وتذكر.

وليست هذه هي فقط النعم، فكذلك توجد النعم المعدنية، انظر كيف البترول مخزون تحت الأرض في الصحراء العربية مثلا، فجعل الله من حياتهم حياة ترف، في الخليج وليبيا وحتى تكساس في امريكا وسيبيريا في روسيا ، مع أن سكان الصحراء محكومين بالفقر دائما، واصبحوا اغنى من سكان مناطق مطيرة ومليئة بالأنهار ، ويعملون لديهم، فسبحان المسخِّر، ومن العجب أن أكثر ما يوجد البترول في الصحارى في العالم ! مثل المناطق العربية وتكساس وسيبيريا ، فكيف يكون النفط بقية آثار لأحياء حيوانية ونباتية متحللة ؟ بينما الصحراء قليلة الحياة ؟ هذه من نعم الله على اهل الصحاري لكي يذوقوا الحياة كما ذاقها غيرهم، وليشكروا الله. انهم يعيشون احلاما لم يتوقعها اباؤهم واجدادهم. هذا عدا نعمة الطاقة الشمسية ، حيث أنهم المؤهلون بأن يكونوا أهلها، هذا عدا تطهير الشمس وقتلها للجراثيم، لذلك سكان الصحراء من اقل شعوب العالم أمراضا، إلا بعد التجارة والسفر والتنقل وتغير نمط الحياة، حتى إن الإنسان يتسائل : أي البيئات في العالم  افضل ؟ انظر الى العدل الإلهي والكرم .. 

في أمريكا تجد الحصان والبقرة من الحيوانات الاساسية لديهم، لذلك اشتهروا بالستيك والبرغر، كذلك الأرجنتين يعيشون على البقر، وكذلك سكان الجبال لديهم الماعز والغزلان والحمير.

تخيل لو أن سطح الأرض واحد و مستوي كله ، لا هضاب ولا مرتفعات، كان لا يمكن العيش على الارض، لن يكون هناك منابع للأنهار ولا انهار جارية إطلاقا، النهر ينبع من هضاب ممطرة، وتتجمع المياه وتنطلق إلى أماكن ليس فها مطر حتى، وينطلق إلى البحر، فيحيي أراضي بمسيرته هذه، والماء العذب إذا ركد يتعفن، أما المالح فلا يتعفن، فصارت الأرض بقدرة الله متفاوتة في الإرتفاعات، لكي يجري الماء فيها، وتكتمل الدورة المائية فيها، فيأتي النهر ويحمل معه خصوبة ومعادن للأرض. مصر هبة النيل كما قال هيرودوت، لولا النيل لم تعد هناك مصر، فهي عبارة عن صحراء، فيأتيها النيل مليء بالخيرات والسمك والخصوبة والمعادن والماء، ويذهب إلى البحر ، لو أن الأرض بلا ارتفاعات وكلها مستوية لما كان هناك نيل ولما كانت هناك مصر.

الكثبان الرملية في الصحراء موجودة بسبب أن الصحراء قليلة المياه، فهذه الرمال تحفظ المطر الذي يأتيها، فلا يمشي من عندها، بل تشربه، وتخزنه في خزانات المياه السطحية تحت الأرض، لو لم تكن وسائل الضخ موجودة، لكان وجدنا عند الكثبان عيون، تخرج عند الحفر، حيث أن الكثيب يخزّن الماء، فليس عبثا وجود تلك الكثبان في الصحراء بلا فائدة. إنها تعمل كفلاتر، والحبّة الرملية بجانب الحبة الأخرى مسامية بالكامل ، ما يجعل المياه تذهب إلى الأسفل، ولا يتبخر منه الا قليل، ومهما أُغرِق الكثيب من الماء لا يروى، لأجل هذا ترى الكثيب تنبت فيه نباتات لا تعيش في الاراضي الصخرية، مثل نبات الغضى والارطى وغيرها، هذه النباتات تعيش في الصيف، من اين تشرب ؟ إن جذورها تنزل في أعماق الكثيب لتلاحق بقايا المطر الموجودة فيه، فترى نبات السَّبَط مثلاً كأنه في الربيع، بينما هو في الصيف، هذا من أجل أن تأكل منه الحيوانات والأنعام في فترة الصيف ولا تموت.

من فوائد الجبال والمرتفعات أنها تجمّع المياه، فتُنزل شِعَاب، وتصنع مستنقعات مائية بالغة العذوبة في الأسفل، وتصنع الغُدْرَان، لان الصخر يعمل عمل الوعاء ، فيحفظ الماء عذبا كما هو.

وجود البحار المتشعبة داخل القارات، هذا لكي تمرّ التجارة، لم تصبح اليابسة قطعة واحدة، فوجود البحار فيها لكي يلطف الجو، فلولا هضبة اثيوبيا لما وجد نهر النيل، هي هضبة مرتفعة تجمع الماء، فينزل منها ينابيع تتجمع لتذهب الى البحر لأنه اخفض نقطة ، فقطعت هذه الينابيع ست دول كلها تعيش من خير هذا النيل، فسبحان الله وبحمده.

كذلك الوديان، لولا المرتفعات لما وجدت، ولما وُجدت الرياض التي يتجمع حولها البدو يشربون هم ويرعون أنعامهم، كل هذه النعم يمرّون عليها ويكفرونها ، إلا من رحم الله ، وعلينا ألا نكفر بها ، وإن كنا نعيش فيها ولا ننتبه لها ، وهذا خطأ. علينا أن تكون نظرتنا للعلم من هذا الجانب، من باب دراسة التسخير، وهذه أهم فائدة للمؤمن من العلم ، والإسلام بالتالي يأمر بالعلم لأجل الوصول لهذه الغاية ، وهي معرفة الله وشكره وطاعته، حتى تصلح الحياة كما أصلحها الله ولا تفسد ، الله أصلح الحياة وعلينا ألا نفسدها بأطماعنا وجهلنا ، كما قال تعالى ( إني جاعل في الارض خليفة) ، وكما قال (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس) ..

علينا أن نتأمل ونتدبر لكي يكون لنا أجر ويكون في تأملنا ثمرة، وليس ذلك العلم الجاف الذي ليس فيه أي ثمرة ولا يؤدي إلى أي اثر في سلوك الانسان ونفسيته.

التسخير يأخذ اشكالا ، فهناك تسخير واسع عام، تدخل فيه كل الكائنات الحية، وهناك تسخير خاص للإنسان، وهناك تسخير خاص لفئات من الناس ، وهناك تسخير خاص للشخص نفسه. فلا بد ان يذكر الانسان نعمة الله عليه. فالتسخير هو ما يجلب الإيمان، وبدونه لا يوجد إيمان، وقد كرر القرآن ذلك وحث على تدبره ، لأنه لا إيمان بلا شكر، ولا شكر بلا معرفة للنعم، لهذا الله مدح العلماء، وهؤلاء هم العلماء المقصودون بقوله (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) .

إن تدبر المؤمن يكون بتذكر النعم والتأمل فيها .. (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، لذا لن تنتهي تأملات النعم الإلهية .. إن التنبيه على التسخير والسُّخْرَة هو الذي يحرك الايمان، فلا تجد آية الا وفيها تذكير بذلك. وهذا الموضوع لا ينتهي ، بل عقولنا التي تقصر عن الادراك الشامل له ، وهذا التقصير بسبب أن الشكر شيء جانبي في حياتنا وليس اساسي مع الاسف، إلا من رحم الله .

الأربعاء، 15 يونيو، 2016

الأخلاق الحقيقية والأخلاق الطفولية الذوقية

بالنسبة لنا كبشر، إنقاذ أي احد واجب، لكن بالنسبة لله الذي يختبر خلقه، فالموضوع يختلف. قد يكون في هلاكهم اختبار للأحياء الباقين، وليس في هذا ظلم، لأنه كتب عليهم الموت، فلا نقيس على الله بمقاييسنا. مقاييسنا بالأخير ساذجة، حتى لو كانت منطلقة من أخلاق. لو سألت أي إنسان أخلاقي لقال : أتمنى ألا يصاب أي احد في العالم، وألا يموت أي احد. ويُشكر على هذه الفكرة الطيبة لكنها ساذجة، فلو لم يمت احد لما وجدت لك مكانا تجلس فيه، ولما ورث احدٌ مالا من احد، ولبدأ الجميع حياته من الصفر.

انظر لمّا تدخل العلم و قلّت وفيات المواليد في العالم ، حصل الانفجار السكاني الرهيب، الذي تعاني البشرية كلها منه، إذن الله احكم وأعلم منا، حتى أخلاقيا. مدى الاخلاق عندنا كبشر لا يصلح أن نُسقطه على الله ، لأن الله في منزلة غير منزلتنا، فنحن همّنا أن تبقى الحياة، لكن الله هو من اوجد الحياة ويستطيع إزالتها وسيعيدها مرة أخرى.

بعض الناس يكره ان تُقتل الحيوانات لأكل لحومها ، الدافع جميل لكنه في الواقع غير عملي، ولو طُبِّق كلامه لماتت شعوب من الجوع. ممكن أن نسمي هذا النوع من الاخلاق بالأخلاق الطفولية ، لأن الأخلاق يجب ان تكون على علم، وهذا الخلط بين الأخلاق الواقعية والأخلاق الطفولية موجود في الغرب بكثرة، حتى أن بعضهم يتخلى عن الأخلاق الواقعية العملية مقابل ان يمارس أخلاقا طفولية من باب التعويض عن الأخلاق الحقيقية، لأنه لو مارس الأخلاق الحقيقية سيواجه معاناة وصدام. (أي يمارس أخلاق مخففة مسموح بها) ، مثل تعظيمهم لإنقاذ القطط والكلاب وتوريثها وإعطاءها الألقاب والرتب، وإسكانها في نفس المنزل، هذه أخلاق مبالغة وغير واقعية مع أنها جميلة - وهي تعوض عن إبادتهم لشعوب وحضارات من خلال الاستعمار ، فهنا إنقاذ لقط وهناك طائرات بدون طيار تقصف فقراء ، والإعلام يسكت عن تلك ويكبّر هذه ، ليوهم الناس أنهم أخلاقيون – . هي من باب التعويض عن الأخلاق الحقيقية التي يجب ان تكون. مثل رفضهم لقتل القاتل ، هذا من الأخلاق الخيالية ، بحجة انه أزهق روحاً فلا يجب أن نفعل كفعله، والنتيجة أن نعطيه عشرين سنة سجن ، مع أن بعضهم قتل سبعين تلميذا بريئا في زهرة شبابهم كما حصل في النرويج.

هذه الأخلاق دخل بها الذوق اكثر من العقل ، ويمكن تسميتها أيضا الأخلاق الذوقية، مثل كراهية رؤية الدم حتى لو من حيوان سوف يؤكل. مثل ما يفعل النباتيون، فالنباتيون أخلاقهم أخلاق ذوقية طفولية، لكنهم يضطرون لقتل الفئران بالمبيدات الكيماوية، مع أن لها أرواح بريئة.

رحمة الله لها صور كثيرة وليس لها صور نحددها نحن. لأن أخلاقنا على آخرها تنتهي إلى سذاجة، إلا ما اقره الله لنا من أخلاق.

الاثنين، 13 يونيو، 2016

حوار حول إدراك الأنا

جرى الحوار في موفع التواصل الاجتماعي (تويتر) :

الورّاق : 

مــدونــة الـــورّاق: الخوف هو محرك الإنسان وليس الرغبة..

 Ac :


كلاهما من جذر واحد

الورّاق :

ما هو هذا الجذر الواحد لو سمحت ؟

Ac :

كلاهما من جذر واحد كلاهما بسبب الإدراك الخاطئ للأنا

الورّاق :

كيف تم هذا الادراك الخاطئ للأنا؟ وما هو الإدراك الصحيح للأنا؟ وما علاقة الخوف والرغبة بإدراك الأنا؟ لو سمحت؟

Ac :

 




الرد :

في البداية قلت ان شرحك متعلق بفكرة ان الانسان ليس فقط مادة، وحذرتنا أن لم نكن نؤمن بهذا فلا نكمل متابعة الشرح، بينما شرحك متعلق بكون الأنا جسد ، اي مادة ! وتربط الخوف والرغبة بالجسد فقط ! فأنت نبهتنا ثم وقعت في تحذيرك ! 

في شرحك جعلت الانسان رهين ومجبور على هويته، وانت تكلمت عن الاكثر وعيا وشمولية من الخواص انهم لا ينفكون عن دوائرهم النفسية نتيجة ارتباطهم بالهوية، اذن من الذي يدرك ؟ ثم هل كل من يتقيد بقيود المجتمع هو مقتنع بها ؟ من اين جاء الثوار الذين ثاروا على اعرافهم وتقاليدهم كما فعل الانبياء والمصلحون ؟ لماذا لم تنطبع عقولهم بهوياتهم كما انت تقرر ؟ 

اما كون الرغبة والخوف منطلقات من الجسد، فهذا غير صحيح، لأن الخائف على الجسد ليس جسد ، والراغب في صحة الجسد ليس جسد، وإلا لرغب الجسد وخاف الجسد في آن، وأنت تصرّح بهذا اللفظ، فتقول "أنك" خائف على الجسد، هذا الشيء الذي يخاف ويرغب احيان يكون على شي يتعلق بالجسد كالخوف على الصحة، واحيان بشي غير الجسد، كالخوف من المهانة، وهذا يعني حرمان الجسد، اذن فالإنسان طبقتان متناقضتان من خلال مصالحهما، و هما الروح والجسد، فلكل مصالحه التي تكون في اغلب الاحيان على دوس مصالح الاخر، ومن خلال انتصار الشخص لاحدى الطبقتين يحدد نفسه، قال تعالى (قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها) فمن دساها هو من يقول ان المصالح هي مصالح الجسد فقط. دساها يعني اخفاها وجحدها عنده وعند غيره، حتى انه يفسر سلوكيات غيره الاخلاقية بانها مصالح مادية مستترة يخفيها، فلا يستطيع اقرار ان احداً يرحم احداً الا ان هناك فائدة مادية من وراءها تستحق التضحية، كجائزة او هدية او شهرة الخ .. هكذا تكون التدسية ، من جحد الدوافع الخيرة عنده فمن باب اولى ان يجحدها عند غيره، وهذه من صور الكفر الجزئي.

النفور من تناول بعض الاشياء التي تؤكل مثلا ، هذا ليس من مصلحة الجسد، مع انها مليئة بالبروتين، هذا النفور لأجل الذوق ، والذوق أمر معنوي.

الرغبة بالتضحية بالحياة بدافع الرحمة او المروءة، من اي نقطة من الجسد انطلقت ؟ وأي نقطة ترغب بها ؟ ومع انك ختمت ردك بقولك والله اعلم، الا ان المحصلة النهائية لطرحك ليست سوى فكرة مادية الحادية يتبناها الملاحدة في العالم. وهي ان الانسان ليس الا مادة، ولا يوجد شي ميتافيزيقي فيه، فهو الة مادية معقدة فحسب. وهم ينفون ميتافيزيقا الانسان لينفوا وجود الله، (نسوا الله فانساهم انفسهم) ..

أنا وأنت نكره النفاق ، أين موضع هذا الكره من مصلحة الجسد ؟ مع العلم ان النفاق يخدم الجسد . وهل من يفقد جزء من جسده بعني أنه فَقَد جزء من خوفه و رغباته ؟ وهل من جسده أكبر وخلاياه اكثر تكون مخاوفه اكثر ورغباته اكثر لأن خلاياه اكثر تبعا لشرحك الجسدي ؟ لعلمك هذا كلام منطقي وليس استهزاء. فالجسد مثل المعدة، فإذا هي اكبر سترغب اكثر ، وإذا خيطت سترغب بالقليل.

الألم نفسه ليس ألم الجسد، بل هو ألم الروح عن الجسد، من خلال الخلايا العصبية المنتشرة في الجسم، المرتبطة بالمخ، لأن المخ يُعالج نفسه، والشيء لا يُعالِج نفسه، كما في حالة فقد البصر، تتحول مراكز البصر لتنضم إلى مراكز السمع، فهل المخ غيّر المخ ؟ لا بد أن هناك إرادة خارج الجسد تتصرف بالجسد وتديره، بما فيها المخ، لأنه جزء من الجسد. إذا تغير شيء في الجسم ، قلتم أن المخ هو الذي غيّر ، حسنا : إذا تغيّر المخ نفسه ! من الذي غيّر المخ ؟ المُغَيِّر لا بد أن يكون ثابتاً، هذا ما يقوله المنطق. فالشيء لا يُغيِّر وهو يتغيَّر ، ولا يؤثِّر في حالة كونه متأثراً. 

المخ هو قناة توصيل بين الروح والجسد، بدليل أنك تشعر بهذا الألم الجسدي والتعب وأنت تحلم، والجسد لم يصب بشيء ومسترخي على الآخر. اذن على عكس طرحك تماما : الرغبة والألم في الشعور وليست في الجسد.

الدافع إلى الألم هو الخوف، فتصرفات الجسد؛ كالحساسيات وردود الافعال مثلا، هي من خوف الشعور على سلامة هذا الجسد المادي الميت الذي لا يعرف مصلحة نفسه، فالجسد عبارة عن مادة لا تحس ، وإذا خرجت الروح فالجسد لا يستطيع حراكا ، فيعود الى طبيعته المادية. مع أن الجسد موجود بكل تفاصيله، وكذلك الرغبة أيضا، هي رغبة الروح من خلال الجسد وليست رغبة الجسد. الإنسان لا يحس بأي جزء من جسمه اصلا حتى يؤلمه، لكنه يحس بروحه في كل لحظة، اذن الصحة الكاملة هي ألا تحس بجسمك. بعبارة اخرى : جسد الإنسان ميت وهو حي، اذن الحياة هي ارتباط الروح الحية بالجسد الميت المادي ليس إلا، وهو ميت سواء كان الانسان حيا ام ميتا، لأن المادة ميتة ايضا، قال تعالى (يخرج الحي من الميّت) .

انظر الى لذة الاكل مثلا، لو كانت لذة جسد لكانت مستقرة وثابتة، لكن هذا الطعام الذي يغري الجائع ، هو منفّر بالنسبة للمريض، مع أن الطعام هو هو والجسد هو هو . لو كانت الرغبة منطلقة من الجسم لما أكلنا إلا المفيد، ولما تورّعنا عن أكل حتى الحشرات، مع أنها مليئة بالبروتين، ولمَا شرب احد الدخان، مع أنه ضار بالجسم.

حتى التعب لماذا يتعب الجسم وهو آلة ؟ الآلة لا تتعب، اذن التعب هو خوف من النفس على الجسد، حتى لا يتهتك أويسقط. كذلك النوم ، لماذا نحتاجه ؟ لماذا يعالجنا الدكتور نوم ؟ أو كيف يعالجنا ؟ لو تستلقي على سريرك طول مدة النوم الاعتيادية لزاد إرهاقك وتعبك، مع أنك لم تتحرك ! اذن النوم هو قطع للوعي يقوم به الشعور حتى يخف تركيزه ومخاوفه، فتصحو وأنت تشعر بالراحة، وليس الجسد من ارتاح، بل الروح. و راحتها بأن خفّت مخاوفها أو نُسيَت.

العلماء لم يستطيعوا شرح كيفية العلاقة بين النوم والصحة ، ولن يستطيعوا أصلا، لأنهم ينظرون إلى الأحياء كأجساد مادية، ولعلمك ، هذا هو ما أخّر الطب ، الذي أُسِّس عليه الطب الحديث. فهو مؤسس على أساس إلحادي.