الاثنين، 13 يونيو، 2016

حوار حول إدراك الأنا

جرى الحوار في موفع التواصل الاجتماعي (تويتر) :

الورّاق : 

مــدونــة الـــورّاق: الخوف هو محرك الإنسان وليس الرغبة..

 Ac :


كلاهما من جذر واحد

الورّاق :

ما هو هذا الجذر الواحد لو سمحت ؟

Ac :

كلاهما من جذر واحد كلاهما بسبب الإدراك الخاطئ للأنا

الورّاق :

كيف تم هذا الادراك الخاطئ للأنا؟ وما هو الإدراك الصحيح للأنا؟ وما علاقة الخوف والرغبة بإدراك الأنا؟ لو سمحت؟

Ac :

 




الرد :

في البداية قلت ان شرحك متعلق بفكرة ان الانسان ليس فقط مادة، وحذرتنا أن لم نكن نؤمن بهذا فلا نكمل متابعة الشرح، بينما شرحك متعلق بكون الأنا جسد ، اي مادة ! وتربط الخوف والرغبة بالجسد فقط ! فأنت نبهتنا ثم وقعت في تحذيرك ! 

في شرحك جعلت الانسان رهين ومجبور على هويته، وانت تكلمت عن الاكثر وعيا وشمولية من الخواص انهم لا ينفكون عن دوائرهم النفسية نتيجة ارتباطهم بالهوية، اذن من الذي يدرك ؟ ثم هل كل من يتقيد بقيود المجتمع هو مقتنع بها ؟ من اين جاء الثوار الذين ثاروا على اعرافهم وتقاليدهم كما فعل الانبياء والمصلحون ؟ لماذا لم تنطبع عقولهم بهوياتهم كما انت تقرر ؟ 

اما كون الرغبة والخوف منطلقات من الجسد، فهذا غير صحيح، لأن الخائف على الجسد ليس جسد ، والراغب في صحة الجسد ليس جسد، وإلا لرغب الجسد وخاف الجسد في آن، وأنت تصرّح بهذا اللفظ، فتقول "أنك" خائف على الجسد، هذا الشيء الذي يخاف ويرغب احيان يكون على شي يتعلق بالجسد كالخوف على الصحة، واحيان بشي غير الجسد، كالخوف من المهانة، وهذا يعني حرمان الجسد، اذن فالإنسان طبقتان متناقضتان من خلال مصالحهما، و هما الروح والجسد، فلكل مصالحه التي تكون في اغلب الاحيان على دوس مصالح الاخر، ومن خلال انتصار الشخص لاحدى الطبقتين يحدد نفسه، قال تعالى (قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها) فمن دساها هو من يقول ان المصالح هي مصالح الجسد فقط. دساها يعني اخفاها وجحدها عنده وعند غيره، حتى انه يفسر سلوكيات غيره الاخلاقية بانها مصالح مادية مستترة يخفيها، فلا يستطيع اقرار ان احداً يرحم احداً الا ان هناك فائدة مادية من وراءها تستحق التضحية، كجائزة او هدية او شهرة الخ .. هكذا تكون التدسية ، من جحد الدوافع الخيرة عنده فمن باب اولى ان يجحدها عند غيره، وهذه من صور الكفر الجزئي.

النفور من تناول بعض الاشياء التي تؤكل مثلا ، هذا ليس من مصلحة الجسد، مع انها مليئة بالبروتين، هذا النفور لأجل الذوق ، والذوق أمر معنوي.

الرغبة بالتضحية بالحياة بدافع الرحمة او المروءة، من اي نقطة من الجسد انطلقت ؟ وأي نقطة ترغب بها ؟ ومع انك ختمت ردك بقولك والله اعلم، الا ان المحصلة النهائية لطرحك ليست سوى فكرة مادية الحادية يتبناها الملاحدة في العالم. وهي ان الانسان ليس الا مادة، ولا يوجد شي ميتافيزيقي فيه، فهو الة مادية معقدة فحسب. وهم ينفون ميتافيزيقا الانسان لينفوا وجود الله، (نسوا الله فانساهم انفسهم) ..

أنا وأنت نكره النفاق ، أين موضع هذا الكره من مصلحة الجسد ؟ مع العلم ان النفاق يخدم الجسد . وهل من يفقد جزء من جسده بعني أنه فَقَد جزء من خوفه و رغباته ؟ وهل من جسده أكبر وخلاياه اكثر تكون مخاوفه اكثر ورغباته اكثر لأن خلاياه اكثر تبعا لشرحك الجسدي ؟ لعلمك هذا كلام منطقي وليس استهزاء. فالجسد مثل المعدة، فإذا هي اكبر سترغب اكثر ، وإذا خيطت سترغب بالقليل.

الألم نفسه ليس ألم الجسد، بل هو ألم الروح عن الجسد، من خلال الخلايا العصبية المنتشرة في الجسم، المرتبطة بالمخ، لأن المخ يُعالج نفسه، والشيء لا يُعالِج نفسه، كما في حالة فقد البصر، تتحول مراكز البصر لتنضم إلى مراكز السمع، فهل المخ غيّر المخ ؟ لا بد أن هناك إرادة خارج الجسد تتصرف بالجسد وتديره، بما فيها المخ، لأنه جزء من الجسد. إذا تغير شيء في الجسم ، قلتم أن المخ هو الذي غيّر ، حسنا : إذا تغيّر المخ نفسه ! من الذي غيّر المخ ؟ المُغَيِّر لا بد أن يكون ثابتاً، هذا ما يقوله المنطق. فالشيء لا يُغيِّر وهو يتغيَّر ، ولا يؤثِّر في حالة كونه متأثراً. 

المخ هو قناة توصيل بين الروح والجسد، بدليل أنك تشعر بهذا الألم الجسدي والتعب وأنت تحلم، والجسد لم يصب بشيء ومسترخي على الآخر. اذن على عكس طرحك تماما : الرغبة والألم في الشعور وليست في الجسد.

الدافع إلى الألم هو الخوف، فتصرفات الجسد؛ كالحساسيات وردود الافعال مثلا، هي من خوف الشعور على سلامة هذا الجسد المادي الميت الذي لا يعرف مصلحة نفسه، فالجسد عبارة عن مادة لا تحس ، وإذا خرجت الروح فالجسد لا يستطيع حراكا ، فيعود الى طبيعته المادية. مع أن الجسد موجود بكل تفاصيله، وكذلك الرغبة أيضا، هي رغبة الروح من خلال الجسد وليست رغبة الجسد. الإنسان لا يحس بأي جزء من جسمه اصلا حتى يؤلمه، لكنه يحس بروحه في كل لحظة، اذن الصحة الكاملة هي ألا تحس بجسمك. بعبارة اخرى : جسد الإنسان ميت وهو حي، اذن الحياة هي ارتباط الروح الحية بالجسد الميت المادي ليس إلا، وهو ميت سواء كان الانسان حيا ام ميتا، لأن المادة ميتة ايضا، قال تعالى (يخرج الحي من الميّت) .

انظر الى لذة الاكل مثلا، لو كانت لذة جسد لكانت مستقرة وثابتة، لكن هذا الطعام الذي يغري الجائع ، هو منفّر بالنسبة للمريض، مع أن الطعام هو هو والجسد هو هو . لو كانت الرغبة منطلقة من الجسم لما أكلنا إلا المفيد، ولما تورّعنا عن أكل حتى الحشرات، مع أنها مليئة بالبروتين، ولمَا شرب احد الدخان، مع أنه ضار بالجسم.

حتى التعب لماذا يتعب الجسم وهو آلة ؟ الآلة لا تتعب، اذن التعب هو خوف من النفس على الجسد، حتى لا يتهتك أويسقط. كذلك النوم ، لماذا نحتاجه ؟ لماذا يعالجنا الدكتور نوم ؟ أو كيف يعالجنا ؟ لو تستلقي على سريرك طول مدة النوم الاعتيادية لزاد إرهاقك وتعبك، مع أنك لم تتحرك ! اذن النوم هو قطع للوعي يقوم به الشعور حتى يخف تركيزه ومخاوفه، فتصحو وأنت تشعر بالراحة، وليس الجسد من ارتاح، بل الروح. و راحتها بأن خفّت مخاوفها أو نُسيَت.

العلماء لم يستطيعوا شرح كيفية العلاقة بين النوم والصحة ، ولن يستطيعوا أصلا، لأنهم ينظرون إلى الأحياء كأجساد مادية، ولعلمك ، هذا هو ما أخّر الطب ، الذي أُسِّس عليه الطب الحديث. فهو مؤسس على أساس إلحادي.

هناك 11 تعليقًا :

  1. استاذ الوراق هناك من يؤمن بالحياد الالهي اي ان الخالق لايتدخل بشؤن البشر وان الجوع والفقر وحصار الناس بالحروب تثبت هذا الكلام وايضا يقولون الانسان مخير بتصرفاته وان الخالق وضع هذا الانسان في معمل واعطاه الحريه في قراراته واعطاه الامان بالكامل ليفعل مايريد ويعاقب عليها بالاخره وان كل مايحدث بحياة الناس هو وليدة اللحظه ولم تكتب باللوح المحفوظ او ان ايادي الخالق احدثتها!!! ويستدلون على هذاالكلام بأن وجود الجنه والنار تثبت ان الانسان يفعل مايشاء وان الخالق لايقف بصف ضد صف ولايقف لبلد لصالح بلد. الذكي والقوي والمخطط هو من الانسان نفسه والغبي والضعيف والغير مبالي هو الانسان نفسه. واعتبر هذا الشي اكثر منطقيه من ان الخالق يتدخل فتفسد مواضيع كثيره منها الرحمه والعدل ولماذاهذا غني وهذا فقير. مارأيك

    ردحذف
    الردود
    1. اقتباس :
      "استاذ الوراق هناك من يؤمن بالحياد الالهي اي ان الخالق لايتدخل بشؤن البشر وان الجوع والفقر وحصار الناس بالحروب تثبت هذا الكلام"

      الله جعلنا في هذه الحياة ، و جعل فيها الشياطين ايضا ، والخير والشر ، ليبلونا أينا احسن عملا، فلا بد أن الاختبار يحتاج الى ثنائيات متضادة : حرب وسلام، أمن وخوف، غنى وفقر ، مرض وصحة، قوة وضعف، جمال وقبح، جوع وشبع، وهكذا .. لينظر القوي كيف يعمل ، والضعيف كيف يعمل، وما ردود افعال الجميع. اذ لا يمكن أن توجد الاخلاق مع وجود المساواة، اذ لا داعي لها، فإذا كان الجميع صادقا فما قيمة الصدق ؟ وإذا كان لا يوجد احد يستحق الرحمة، ماتت الرحمة، وإذا لم يوجد أحد يستحق الحسد، مات الحسد، وإذا لم يوجد فقير ماتت الصدقة، وإذا لم يوجد محتاج مات الكرم ، ولم يُعرف الكريم من اللئيم. ولا من يُساعد ممن لا يُساعد. وهكذا .. الاختلاف ضرورة للاختبار. والله قال (ليبلوكم ايكم احسن عملا). وقال (ألا له الخلق والامر). وقال (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) .

      الله حاضر في كل موقف ويرصد ما نفعل ، وليس غائبا، وهو اقرب الينا من حبل الوريد. ولا نملي عليه ماذا يجب ان يفعل وما لا يجب ان يفعل. بالنسبة لنا كبشر، انقاذ أي احد واجب، لكن بالنسبة لله الذي يختبر خلقه، فالموضوع يختلف. قد يكون في هلاكهم اختبار للأحياء الباقين، وليس في هذا ظلم، لأنه كتب عليهم الموت، فلا نقيس على الله بمقاييسنا. مقاييسنا بالأخير ساذجة، حتى لو كانت منطلقة من أخلاق، لو سألت أي انسان اخلاقي لقال : اتمنى الا يصاب أي احد في العالم، وألا يموت أي احد. ويُشكر على هذه الفكرة الطيبة لكنها ساذجة، فلو لم يمت احد لما وجدت لك مكان تجلس فيه، ولما ورث احد مالا من احد، ولبدأ الجميع حياته من الصفر.

      انظر لما تدخل العلم و قلت وفيات المواليد في العالم ، حصل الانفجار السكاني الرهيب، الذي تعاني البشرية كلها منه، اذن الله احكم وأعلم منا، حتى اخلاقيا. مدى الاخلاق عندنا كبشر لا يصلح أن نُسقطه على الله ، لأن الله في منزلة غير منزلتنا، فنحن همنا ان تبقى الحياة، لكن الله هو من اوجد الحياة ويستطيع إزالتها وسيعيدها مرة اخرى. بعض الناس يكره ان تُقتل الحيوانات لأكل لحومها ، الدافع جميل لكنه في الواقع غير عملي، ولو طبق كلامه لماتت شعوب من الجوع. ممكن أن نسمي هذا النوع من الاخلاق بالاخلاق الطفولية أو الذوقية، لأن الاخلاق يجب ان تكون على علم، وهذا الخلط بين الاخلاق الواقعية والاخلاق الطفولية الذوقية موجود في الغرب بكثرة، حتى ان بعضهم يتخلى عن الاخلاق الواقعية العملية مقابل ان يمارس اخلاقا طفولية ذوقية من باب التعويض عن الاخلاق الحقيقية، لأنه لو مارس الأخلاق الحقيقية سيواجه معاناة وصدام. (أي أخلاق مخففة مسموح بها) ، مثل تعظيمهم لإنقاذ القطط والكلاب وتوريثها واعطاءها الالقاب والرتب، وإسكانها في نفس المنزل، هذه أخلاق مبالغة وغير واقعية مع أنها جميلة - وهي تعوض عن ابادتهم لشعوب وحضارات من خلال الاستعمار ، فهنا انقاذ قط وهناك طائرات بدون طيار تقصف فقراء ، والإعلام يسكت عن تلك ويكبّر هذه ، ليوهم الناس أنهم اخلاقيون – و هي من باب التعويض عن الاخلاق الحقيقية التي يجب ان تكون. مثل رفضهم لقتل القاتل ، هذا من الاخلاق الخيالية ، بحجة انه ازهق روح فلا يجب ان نفعل كفعله، والنتيجة أن نعطيه عشرين سنة سجن مع أن بعضهم قتل سبعين تلميذا بريئا في زهرة شبابهم كما حصل في النرويج.

      هذه الاخلاق دخل بها الذوق اكثر من العقل ، ويمكن تسميتها ايضا الاخلاق الذوقية، مثل كراهية رؤية الدم حتى لو من حيوان سوف يؤكل. مثل ما يفعل النباتيون، فالنباتيون اخلاقهم اخلاق ذوقية طفولية، لكنهم يضطرون لقتل الفئران بالمبيدات الكيماوية، مع أن لها ارواح بريئة.

      يتبع

      حذف
    2. اذن هذه الفكرة التي يتداولها أصحاب الفكر اللاديني ، مؤداها ان الله غافل عما يعمل الظالمون، بينما القران يقول العكس (وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار) ، وهذه احدى صور كراهية اكثر الناس لله ، بتنحيته عن الواقع والحياة، لكي يمارسوا الفجور والظلم. فتكون رعية بلا راعي.

      وكيف يثبت هذا كلامهم ؟ هذا يثبت ان الله يختبرهم ، والدليل : بسبب الحروب والحصار انظر الى كثرة المواقف التي تظهر في الأزمات، فيعرف الشجاع والجبان والخائن والوفي والكريم واللئيم، كما قال الشاعر :

      جزا الله الشدائد كل خيرٍ ، عرفتُ بها صديقي من عدوي ..

      فالشدائد والحروب والأزمات تثبت كلامي اكثر من اثباتها لكلامهم. و في الاخير الكل سيموت ولن يبقى احد، والدنيا ليست جنة كما يحب اصحاب هذا الفكر أن يتصوروا، مهملين جنة الله ويريدون ان تكون الدنيا جنتهم، و هذه من الأوهام الخرافية الغير قابلة للحدوث اصلا. أن تكون الدنيا جنة لأحد. فالدنيا مهما ملكت من المال وو .. لن تخلُص من المرض والموت وفقد الاحبة والمصائب، فعمرها ما كانت جنة ولن تكون ، بل يريد الله ان تكون دار اختبار ، وهذا ليس شاهدا لهم، الشاهد لهم سيكون لو احضروا احدا كل حياته سعادة وعدم صدامات وعدم مشاكل ولا قلق ولا هموم ، طول حياته، اتحدى ان يحضروا احدا.

      وهذا يدل على ان الجميع يُختبر رغما عنه، حتى لو ملك بنوك الدنيا، سنجده يعاني، مثل ما الفقير يعاني ، ويخاف مثلما الفقير يخاف ، ويموت مثلما الفقير يموت. لو كانت الامور بهذا الشكل لجاز ان يكون كلامهم صحيحا. لكن نرى ان نسبة الانتحار اكثر في الاغنياء في العالم .

      حتى الاغنياء جعلهم الله لا يشبعون، فلا احد يشبع من المال ، وهذا عجيب، رغم ان ما يملكه بعضهم كافي لأن يعيش عمرين او ثلاثة على آخر مستوى من النعيم دون ان تنفد هذه الاموال، لكن الواقع لا نجده هكذا، نجده حريصا كحرص الفقير او اشد على جمع المال الزائد. لا يوجد احد مكتفي بما عنده، وهذا عكس المنطق، المنطق ان يكتفي الانسان بحاجته، لكن الله يريد ان يختبر الجميع، فجعل الله الطمع من الغرائز وحب السيطرة و ما اإلى ذلك موجودة في النفس وتغذيها الشياطين. لهذا لا استقرار في الحياة ولا احد مستقر أبدا ، إلا بجوانب نسبية وعنده عدم استقرار في جوانب اخرى، لان الدنيا ليست دار قرار ، والدنيا كما وصفها المتنبي بأدق وصف :

      صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ، وعناهم من شأنه ما عنانا
      وتولوا بغصّة كلهم منه ، وإن سَرَّ بعضهم أحيانا

      لاحظ الدقة في عبارة (سرّ بعضهم أحيانا) ، أي لا دوام ولا استقرار ، لا للألم ولا لللذة. والله ارادها كذلك، اراد ان يكون القرار في الآخرة وليس في الدنيا، فكان له ما اراد. وابحث عن احد يشعر بالاستقرار الكامل، لن تجد، حتى لو ملك بنوك العالم.

      اذن الحقيقة أمامنا والواقع يشهد لها ، ماذا بقي ؟ الله هو الذي يدبر الامور. فيعز من يشاء ويذل من يشاء، وعزّه اختبار واذلاله اختبار، فما دام الانسان حي فهو يُختبر، (فأما الانسان اذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي اكرمن ، وأما اذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي اهانن) .. كلا ، انها مسألة اختبار ، ولا قرار، فواسع الرزق ليس تكريما له، وقليل الرزق ليس إهانة له. بل للبحث عن ردود افعال، حتى يشهدوا على انفسهم.

      بل ان ابتلاء الغني اشد من ابتلاء الفقير ، وهموم الغني اكبر من هموم الفقير ، ومسؤوليات الغني اكبر من مسؤوليات الفقير ..

      يتبع

      حذف
    3. اقتباس:
      "وايضا يقولون الانسان مخير بتصرفاته وان الخالق وضع هذا الانسان في معمل واعطاه الحريه في قراراته واعطاه الامان بالكامل ليفعل مايريد ويعاقب عليها بالاخره وان كل مايحدث بحياة الناس هو وليدة اللحظه ولم تكتب باللوح المحفوظ او ان ايادي الخالق احدثتها!!! ويستدلون على هذاالكلام بأن وجود الجنه والنار تثبت ان الانسان يفعل مايشاء وان الخالق لايقف بصف ضد صف ولايقف لبلد لصالح بلد. الذكي والقوي والمخطط هو من الانسان نفسه والغبي والضعيف والغير مبالي هو الانسان نفسه. واعتبر هذا الشي اكثر منطقيه من ان الخالق يتدخل فتفسد مواضيع كثيره منها الرحمه والعدل ولماذاهذا غني وهذا فقير. مارأيك"

      أولا هذا ضد القرآن ، فالله يقول (إنا كل شيء خلقناه بقدر) ، وقال (ما اصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) هذه الآية لوحدها تكفي لرفض هذه الفكرة، وايضا قضية علم الله، كقوله تعالى (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) .

      رحمة الله لها صور كثيرة وليس لها صور نحددها نحن. لأن اخلاقنا على اخرها تنتهي الى سذاجة، الا ما اقره الله لنا من اخلاق. بعض الاشخاص ولدوا اغنياء وابناء ملوك مثلا ، فهل هذا ليس من قدر الله ؟ وبعضهم يولد وهو معاق ، فهل هذا من فعل الناس ؟ اذن من فعل من ؟ هذه الفكرة تعزل الله عن خلقه وعن تدبيره لخلقه، هي نفس فكرة الكون المغلق اللادينية ، الكون الذي يعمل بآلية ذاتية ولا يحتاج لتدخل اله، والقصد منها ابعاد الله عن الحياة وبعدها يأتي الالحاد ليبعد الله عن الوجود كشخصية غير مرغوب فيها ، لأنها عادلة وتعاقب الظالمين.

      هي فكرة من الافكار الممهدة للالحاد، لكن لا اتهمك بالالحاد، انما اصف الفكرة واحللها، لأن الالحاد لم يبدأ خطوة واحدة، بل مهّدت لها فترة الربوبية او اللادينية ، وقبلها فترة حرب الكنيسة والدين بحجة معارضتها للعلم، والآن ينكرون وجود الله بحجة معارضته للعلم، نفس الحجة، الملاحدة يركبون العلم مثل حصان طروادة.

      تلك الفترة الربوبية التي تحاول ان تعزل الله عن الحياة، كأنه امبراطور عظيم وغافل عن صغائر أمورنا، كما يقولون ان الله خلق العالم وادار له ظهره. ويشبهونه برسام مبدع يرسم رسماته و يرميها وراء ظهره ولا يحرقها لأنها أعجبته. القرآن لا يقول هكذا، بل يقول العكس، يقول انه خلق كل شيء وهو معنا اينما كنا وهو سميع مجيب واقرب الينا من حبل الوريد وأنه هو المدبر وأنه مالك الملك ولا يعزب عنه مثقال حبة وأنه يقف مع من وقف معه ولا يتخلى عنه، مثلما فعل مع انبيائه حيث لم يتخلى عنهم، فأعزهم ونصرهم ، مع انهم ضعفاء. أو رفعهم إليه في مستقر رحمته. وهو الذي اهلك عادا الاولى وأنجى نبيه الصالح هود ومن آمن معه، مثلما أنجى عبده نوح وقطع دابر الكافرين. اذن الله موجود وفعال ومدبر ، مثلما كاد ليوسف وحوّله من عبد مملوك بدراهم معدودات الى ملك او وزير عظيم. وهو الذي وعد عباده الذين ينصرونه (وهنا تحتها خط) إنه ليس كل من قال انه ينصر الله فهو فعلا يناصر الله ، من يناصر الله هو من يطيع كلام الله دون اجتزاء. الله وعدهم بأن ينصرهم، كما نصر عبده محمدا ومن معه، وكانت الجزيرة العربية تكاد تطبق عليهم، وهو الذي رفع ذكر محمد بعد ان قالت قريش أنه ابتر وانقطع نسله، فأصبح اسمه أكثر اسم يكرر في العالم، وهو الوحيد الذي يرفع إسمه على المآذن، وقال تعالى (ورفعنا لك ذكرك) وهو الذي قال (ألم يجدك يتيما فآوى و وجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى) فأين الحيادية ؟ لولا تدخل الله لهلك محمد من اول يوم. الم تتآمر قريش على قتله بمؤامرة خبيثة ؟ من الذي انقذه ؟ ألم يحاصروه وهو في المدينة من كل الجهات ؟ المنطق يقول الكثرة تغلب الشجاعة، من الذي كسر هذا المنطق وجعل رجلا ليس له ابناء ذكور يُرفع اسمه في كل مكان في العالم خمس مرات في اليوم ؟ انه التدبير الالهي، ولو كان الله حياديا كما تقول فما فائدة الدعاء ؟ لماذا يقول ادعوني استجب لكم ؟ وكل مؤمن صادق يعرف ان الله مجيب للدعاء ، من تجاربه الحياتية. وأنا من تجارب حياتي اشهد ان الله مجيب للدعاء، وأنه قريب ولطيف وحنون، وقاسٍ على من ظلم نفسه وكذّب ..

      بل حتى وهو يخاطب المؤمنين والرسول يقول تعالى (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله امرا كان مفعولا) مع أنه في الواقع كان المسلمون يخططون لأخذ القافلة ولم يخططوا لمعركة كبرى، والكفار يخططون للحرب، وعددهم ثلاثمائة مقابل الف من الطواغيت الاقوياء والاغنياء، لكن في الاخير هو شيء مكتوب عليهم، ليقضي الله امرا كان مفعولا، وانهزموا ، كما قال تعالى (سيهزم الجمع ويولون الدبر) ، وفعلا ولّوا الدبر. اذن الله لا يغيب عنه شيء، وغير قابل للتنحية.

      يتبع

      حذف
    4. مهما كنا اخلاقنا قاصرة وافهامنا قاصرة، ولا نحدد لله ما هو الأفضل له ان يفعله، فهذا فقير يجب ان تغنيه وهذا مريض يجب ان تشفيه وهذا خصمنا يجب ان تهزمه ! من صار الله هنا ؟ من الخادم ومن المخدوم ومن الذي يعلم ومن الذي لا يعلم ؟ تعالى الله ..

      ايضا من مقتضيات هذه الفكرة الخطأ أن يكون الله لا يعلم ماذا سيحدث، فهو رمانا في الملعب وانصرف عنا، ويعود إلينا في الآخرة لكي يكمل مشروعه ! الله هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، الذي لا يغفل ولا يلهى، وكل انسان آمن بالله حقيقة وأحب الله بذاته سوف يقول لك أنني احس بمعيّة الله وأنه موجود وقريب ومجيب ، واعتقد ان هذا مقياس لصحة الايمان و رضا الله ، أن تشعر أن الله معك وقريب منك. لأن هناك من يعبد الله ولا يشعر بهذا الشعور، لا بد أن عنده خطأ في أساساته. فالله طاهر ولا يقترب الا من الطاهرين. الله لا يُسأل عما يفعل و هم يسألون، وهو فعّال لكن لما يريده هو ، وليس ما نريده نحن ، إلا إذا استجاب لنا.

      حذف
  2. شكرا على ردودك الرائعه انا لست ملحدا ابدا ولكن هذه جملة افكار تراود الجميع منهم يكتم ومنهم يحاول معرفة العلل بصدق ومنهم يردد هذه الافكار تكبر منه ليطمس نور الايمان بقلوب الجهله ويعتبرها سلاح يحارب به المؤمنين ليشكك بدينهم وكلامك تشكر عليه وقد قرأته وتمعنت به هو المرجح فعلا تحياتي لك

    ردحذف
    الردود
    1. الحمد لله ، وشكرا على وعيك وعلى إيمانك وإقرارك بالحق، اسأل الله ان يزيدك علما ونورا ، ويفتح على قلبي و قلبك، إنه هو الفتاح العليم ..

      حذف
  3. امين ولك مثل ذالك. استاذ وراق. عدم رؤية الله في الحياه تعطينا طابع منطقي لان لو رأينا الله لاصبح الله مقدور عليه لاننا نراه كما نرا غيره. الله عندما جعلنا لانراه هذا مايجب ان يكون اصلا سبحان الله. عدم رؤيتنا لله امر منطقي جدا جدا. تحياتي لك

    ردحذف
    الردود
    1. أشكرك وأنتظر المزيد مما ينفعنا وينفع القراء ..

      حذف
  4. لاحت لي آيات وانا اقرأ مقالكم
    واحببت ان اسأل سؤال مرتبط بالموضوع تقريبا:
    -واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا
    -ولسوف يعطيك ربك فترضى
    آيات فيها من الاطمئنان والعطف واللطف كثير,واثرها في طمئنة الخائف عظيم
    لكن هل هي مخصوصه لنبينا محمد ص فقط ام لعموم المؤمنين؟!
    وشكرا

    ردحذف
    الردود
    1. النبي محمد هو أول المؤمنين حقاً في زمانه ، وما ينطبق عليه ينطبق على بقية المؤمنين مثله، والمستعبَدين لله حقيقة مثله. ومن هدفهم الاول من حياتهم ارضاء ربهم بعمل الطيبات وترك السيئات مع الصبر والتحمل لأذى الناس . فهذا اذن تطمين لكل مؤمن، بشرط ان يكون مؤمنا حقيقيا وليس بالوراثة، إيمانا خاليا من التعصبات والتحزبات ، الخالص لله ولو على حساب نفسه وأهوائه.

      حذف