الاثنين، 21 مارس، 2011

سارتر و الوجودية و المادية "نقد الفلسفة الوجودية والادب الوجودي .. من كتاب الوجودية ، لأنيس منصور .."




اقتباس: "إن الوجودية لا تعالج شيئاً ولا تقترح العلاج لشيء ولا لأحد من الناس .. الوجودية (الأدب الوجودي) عبارة عن أصابع تشير وأشعة كاشفة .. ولكنه ليس يعالج ولا يقترح العلاج .. " ص 17

الرد: إذا لماذا لا تشير إلى كل شيء على الأقل ؟ لماذا تشير فقط إلى الرذيلة ولا تشير إلى الفضيلة ؟ لماذا تشير وتقتنص وتنتقي ما تشير إليه ؟ وأغلب ما تشير إليه وتنتقيه من نفس النوع المحبط اليائس المغرق في الرذيلة ؟ ما هو الإعلام المغرض سوى هذا !! فهو يقتنص ما يريد ويركز عليه ، وكأن غيره غير موجود ، ويقول : أنا اتيت بالواقع ، وكلامه صحيح ، ولكن لم يأتي بكل ما في الواقع ، وبالتالي يظهر للمتلقي أن ذلك هو الواقع فقط ، وهذه لعبة الإعلام والدعاية التجارية ، فهي تفعل ذلك ، فهي لم تصدق ولم تكذب ..

والإنتقاء يدل على اختيار المنتقي ، أي: نحن أمام رغبة هذا المنتقي ولسنا أمام الواقع بكل صوره وأطيافه ، وفكرة تشخيص الامراض ، طالما ان الأدب الوجودي ليس طبيباً كما يقول ، فلماذا صارت مهنته التطبيب والبحث عن الامراض وتكبيرها ؟ وهل هو يقدمها على شكل أمراض ، أم يقدمها على أنها هي الحقيقة التي يجب أن تقبل دون ان تمس ولا تغيّر ؟ بهكذا اسلوب ، تكون الوجودية دعاية للرذيلة ، بسبب إنتقاء الرذيلة دون غيرها ، وبسبب تركها دون علاج ، والأسوأ هو تقديمها كحقائق ، والحقائق لا تتغير ، إذاً هو لا يريدها أن تتغير طالما أنه وصفها بالحقيقة . 

وعلى دعوى إصلاح المجتمع عن طريق اختيار العيوب وتكبيرها حتى تتصلح ، هناك طريق آخر للإصلاح ايضاً ، وهو تشجيع الفضيلة التي لا بد أن تكون موجودة في المجتمع طالما وجدت الرذيلة فيه ، وفي هذا دعم وإصلاح للمجتمع وعدالة في الرؤية وتقديم نماذج تحتذى لمن شاء أن يستقيم ، أما النظر للمجتمع بهذا المنظار القاتم العابس ، وكأن الحقيقة هي ما وضع عليه الوجودي عدسته ، فهذا تشخيص لنفسيته هو اكثر من كونه تشخيص للمجتمع ، لأن المجتمع كما قلت متنوع ، وهذه النظرة الوجودية غير متنوعة . الوجودي يصوّر نفسه من خلال المجتمع ، بانتقاء ما يتناسب معه ، أكثر من تصويره لواقع المجتمع .

المفارقة التي يعتمد عليها الفكر الوجودي والمادي عموماً ، الذي أشاعته الصهيونية العالمية ، هي أن الإنسان سيء ويدعي الفضيلة لاسباب اجتماعية ، وهنا يأتي الادب الوجودي وكأنه يشخّص الحقيقة التي لا يستطيع أن يقول أي أحد بإنكارها ، فكأن الأديب الوجودي يقول للناس : أنتم سيئون ولكنكم تدعون الفضيلة ، ونحن شجعان أكثر لأننا نكون كما نحن (سيئون) مثلكم . وها أنذا أكشف حقيقة وجودكم التي تخفونها .

اقتباس: .. فالوجودية ليست مذهباً لن الوجودية ضد فكرة المذهب ، أو ضد فكرة المذهبية ، والمذهب معناه ان يكون هناك تفسير عام شامل لمجموعة من المشاكل الفلسفية الجوهرية ، ومعنى ذلك أن المذهب هو مجموعة من الاحكام العامة او المبادئ المتكاملة التي تفسر الكون كله .. تفسر الله والكون والروح والانسان والقيم الجمالية والاخلاقية  .. ص 25 - 26

الرد: كل المذاهب والفلسفات تحاول ألا تكون مذاهباً ، أي أن تكون هي الحقيقة ، وما سواها مذاهباً ، المذهب لا يشترط عليه أن يكون مفسّراً لما يدرسه ، فما دام أصدر أحكاما عامة فهو يعتبر مذهب ، والوجودية أصدرت أحكاماً عامة ، فقالت أن الإنسان ليست له طبيعة إنسانية ثابتة ، وهذا حكم عام على كل البشر ، تنطلق منه تفسيرات وتقريرات . 

ومن صفات المذهب أن ينسف المذاهب الأخرى أو يعارضها ، وهي عارضت مذاهب كثيرة ، وبما أنها قدمت راي مستقل عن المذاهب الأخرى فهي مذهب ، بدليل أخذها للإسم ، والإسم مثل العلامة التجارية . ولو لم تكن مذهباً لما اصبح لها اسم مميز .الوجودية قدمت احكاما عامة ، فكيف تقول أنها تعارضها ؟ ولهذا سمّيتها أنت فلسفة . فكيف تكون فلسفة وهي لا تحمل احكام ولا تفسيرات ؟ إذا لم يكن لها احكام وتفسيرات ولا منطلقات ، فكيف تسمى فلسفة ؟ وأنت أسميتها فلسفة . ليس شرطاً لأن يكون المذهب مذهبا أن يكون شاملا لكل الحياة ، فهناك مذاهب ادبية متخصصة بالادب ، وفنية متخصصة بالفن ، وتسمى مذاهب وفلسفات . بل إن لكل شخص فلسفته كما قال كيرجارد ،

اقتباس: الله – عند سارتر - يجب استبعاده من الوجودية ، فمجاله هو الدين أو أي شيء آخر .. ص 26

هذا الموقف هو موقف إلحادي من سارتر ، فأن تستبعد الله من الحياة ، فأنت الآن اتخذت موقفا باتجاه الله ، وهو الموقف الإلحادي ، فكيف تقول أنه ليس له موقف من الله ؟ إستبعاد الله هو موقف من الله ! وما الفكر الإلحادي سوى هذا الإستبعاد ، والإلحاد مذهب فلسفي مادي ، فما يفعله الملحد هو ما يفعله سارتر ، فلماذا يكون للملحد فلسفة إلحادية ، وليس لسارتر فلسفة إلحادية ؟ ولا شك ان هذا الأسلوب مثل أسلوب المزيّن الذي يريد إخفاء العيوب بالمسحات والمساحيق ، الصراحة هي الأفضل وأن تقول أن لسارتر فلسفة وموقفها من الله هو الإلحاد ، بدلاً من قولك : الإستبعاد ، (بالدغري يعني ) . 
اقتباس: وسارتر يرى ان الوجودية لم تتم وأن الكلمة الأخيرة فيها لم تقل بعد ، ولذلك فالحكم عليها سابق لأوانها .. ص27

هذا الكلام وكأنه يقول : لا تحكموا على الوجودية فهي لم تكتمل بعد ، مثل من يقول : أن هذا الجاني لا يزال قاصراً فلا يحق أن يطبق عليه القانون . بل هي اكتملت فلسفياً ، ووصلت إلى الآخر ، وهو عبثية الحياة وعدم وجود إله ، وعدم وجود فواصل بين الخير والشر ، ولا يوجد هدف للحياة ، بل وصلت إلى كراهية الآخرين ووصفهم بأنهم جحيم ، لأن الآخرين يمثلون المشترك الأخلاقي البشري ، لهذا ترفض الوجودية الآخرين ، ولو أنها ترى أن الآخرين مختلفين فيما بينهم لما رفضتهم ..

ولكنها تراهم ستاراً متماسكا في وجه رغبات الفرد ، بناء على بقايا الأخلاق الموجودة في دواخلهم ، بعبارة أخرى : الجحيم هي الأخلاق ، لو شاء الصدق سارتر . أليست الوجودية تسعى لإبراز الإختلاف بين الناس ؟ وفتح صناديق الإختلاف بينهم ؟ إذاً فلماذا هي تكره الآخرين ؟ إذا اصبح الآخرون مثل سارتر ، ساعتها لن يكونوا جحيماً ، إذاً هي تريد الإتفاق وليس الإختلاف ، ولكن تريد الاتفاق على غير الأخلاق .

اقتباس: على الرغم من ان الشيوعية والوجودية تلتقيان في امور جوهرية ، إلا انهما تفترقان بعد ذلك .. فكلتاهما فلسفة مادية واقعية ، فالوجودية تبدأ من واقع التجربة الإنسانية ، والشيوعية هي الأخرى تبدأ من واقع التجربة الانسانية والتاريخية .. والشيوعيون يعتقدون أن الانسان مادة كأي مادة ، يمكن تغييره من الخارج ومن الداخل ، ولا بد لكي يتم هذا التشكيل والتكوين ، أن تسلّط عليه النار حتى يلين ، وحينئذ يضرب ضربا موجعا ليتحول إلى الصورة المطلوبة ، من إنسان إلى قرد ، ومن قرد إلى إنسان .. ص 29 - 31 ..

الرد: وهذا ايضاً اتفاق بين الوجودية والشيوعية على مادية الإنسان ، والمادة من الممكن تشكيلها فعلاً من الداخل أو الخارج ، إذاً فلماذا ترفض الوجودية تشكيل الإنسان وتحتكم إلى موجوداته ؟ إذاً الشيوعية هي الاصوب من هذه الناحية ، طالما أن كلاهما ينظران إلى الإنسان كمادة بلا روح . وهذا تناقض في الوجودية ، بين الرؤية والتعامل ، لا نجده في الشيوعية . فهي ترى الإنسان مادة خالصة بلا روح ، ولكن لا يجوز المساس بها وتشكيلها ! بينما المواد الأخرى يجوز المساس بها وتشكيلها ، وهذا الإستثناء للإنسان لم تقدّم له الوجودية مبررا فلسفياً . 

اقتباس: ولذلك رأينا صورا لشبان وشابات في ملابس مهلهلة قذرة ، والشبان يلبسون ملابس الفتيات ، ويضعون العقود والاقراط ويضعون احمر الشفاه ويسيرون حفاة الاقدام ، ما هذا ؟ إنها الوجودية .. ويطلق الشبان لحاهم ! لماذا ؟ لأنهم أحرار ، ولأن الوجودية تنادي بالحرية .. من المسؤول عن ذلك ؟ إنه سارتر ! لماذا ؟ لأن في قصصه شبانا لهم لحى طويلة ! وباريس تعرف هذا الانحلال كله منذ اقدم العصور ..

.. وكثيرا ما اعلن سارتر واعلنت الفيلسوفة سيمون دي بوافار أن الوجودية المعاصرة غير مسؤولة عن هذا الانحلال ، أو غير مسؤولة عن الشبان الذين يجدون تسمية جديدة لانحلالهم القديم .. ص 35 - 36

الرد: الإعتذار بان الإنحلال موجود منذ وجد الإنسان ، لا يعفي المذاهب والفلسفات من مسؤوليتها ، لسبب ان هذه الأهواء والشهوات تبحث لنفسها عن سند فلسفي ومبررات حتى تسكّت صوت الضمير ، لتخدير الضمير ، فالمنحل يعزز موقفه أن تكون له فلسفة يستند إليها ، فبدلاً من ان يقول انا منحلّ ويسكت ، يقول : أنا وجودي ولي فلسفة انضم إليها ، فيقدّم لنفسه التبرير والتشريع لما يعمل ، وإلا لماذا اختار المنحلون الوجودية دون غيرها من المذاهب ؟ هل هذا ظلم وتبلّي ؟ 

الناس دائماً يبحثون عن قيادات فكرية ، تتناسب مع أهواءهم ، وهذا ما فعلته الوجودية ، بحيث قدّمت غطاء فكريا وفلسفيا لاصحاب الأهواء ، وهذا سر انتشارها بين الشباب ، وسببه هو أنها تخيّرت وانتقت هذا النمط من الشخصيات ، فتخيّرها وانتقاؤها هو الشيء الذي جعلها تتميز وجذب إليها أصحاب هذه الأهواء ليكونّوا رابطة يبررون لأنفسهم ما يفعلون ، وهذه الكتلة الوجودية تصبح ضاغطاً ومغريا لكسب أناس جدد لم يكونوا اصلاً من المنحلّين ..

فالشاب الوجودي المنحل يستطيع أن يقول لشاب غير منحلّ أن يكون مثله من خلال عرضه لافكار الوجودية وتزويده بالروايات والقصص الوجودية ، مما يكون داعياً لأن يتذوق الشهوات طالما يوجد هذا الغطاء والمبرر على ايدي فلاسفة كبار ومشهورين . مشكلة انتشار الرذيلة دائما هو عندما يغيّر إسمها ، ويكون لها رموز واسماء رنانة ، بدون هذا لا تنتشر الرذيلة . (قالوا اطعنا سادتنا وكبرائنا فاضلونا السبيلا) ..

كأن رسالة الوجودية تقول : " كونوا كما أنتم ، بموجب تشخيصنا لواقعكم الحقيقي . فأنتم تحبون الشهوات ، وتجاملون فيما بينكم ". لذلك يجب أن يسقط الآخرون ، لأنهم هم الحاجز بين الشخص والرذيلة . ( الجحيم هم الآخرون) .
اقتباس: الوجودية إنما هي تصور الازمة التي عانتها الروح الاوروبية منذ القرن الثامن عشر ، ص 37 ..

الرد: الوجودية هي صورة من صور الكآبة التي نتجت بعد ابتعاد الإيمان ، وهو كما أرّخت منذ القرن الثامن عشر ، وهو القرن الذي برز فيه الإلحاد وظهر التشاؤم والكآبة ووحشة النفس نتيجة لفقدان الإيمان ، (ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى) . وكلما اهتزت العلاقة بين العبد وربه ، فالنتيجة هي الكآبة والخوف ، سواء بالشكوك أو بالمعاصي . ( إذ قال لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) ، إذا أحس الإنسان أنه بعيد عن ربه ، فإنه يحزن .

اقتباس: .. والدين نغمة طويلة في فلسفته (كيركجارد) ، أو النغمة الوحيدة في كل فلسفته ، ولكن الدين لا يستند إلى العقل ، لأن العقل والدين لا يتفقان ابداً .. فأنت يجب أن تؤمن بما آمن به القديسون وحسب ،لقد رأوا معجزات يجب ان تؤمن بها وألا تناقشها ابداً ، بل أن تسلّم بما سمعوا وما رأوا ، يجب ان تفعل ما فعل ابراهيم حين طلب اليه أن يذبح ابنه ، فلم يسأل عن سبب لهذه الجريمة ، وإنما امتدت يده بالسكين إلى عنق ابنه ، إنه الإيمان يقتل العقل ! .. والإيمان يجب ان يكون هكذا طاعة تامة ، طاعة بلا تساؤل .. ص44 – 45 ..

الرد: كيرجارد ينادي بأن يستجيب الإنسان للإيمان أو الشعور بدون اتفاق مع العقل ، والمنهج الطبيعي ينادي بالإستجابة للشعور بعد الإتفاق مع العقل . والوجودية انبنت على فكرة كيرجارد ، أي أنها لا تحترم العقل ، وتحترم الخصوصية لكل شخص ، فيكون كأن الناس مجانين بنكهات متنوعة ،

اقتباس: اذا وقف فنان امام مشاهد الطبيعة مثلا ، وجدناه يستمتع بكل شيء ، يستمتع به في لحظة دون تقيد بأي تقاليد أو قواعد او قوانين .. اما الفيلسوف فهو يعلو فوق هذا الذي يراه ويبحث عن اصله وجنسه وفصله ونوعه .. والانسان يعيش بجسمه ويحس به ويتعذب منه ومن اجله ، ولكنه لا يعرف اسماء اوجاعه ولا امراضه ولا راحته ولا سعادته ، إنه فنان وليس فيلسوفاً!
إنها لعنة إذاً أن تكون فيلسوفا ، وأن تضع المعاني في قوالب حديدية ، وإنها لجريمة أن تفرض ذلك على الناس كلهم ، وجهالة ايضا ان يصدق الناس أن هذا هو احسن المذاهب ، وأنك أقوى الناس صحة وأسلمهم منطقاً
هذا إذا هو الفرق بين الفلسفة أو العلم ، وبين الفن.. أو فلسفة العقل و فلسفة الوجدان ، أو بين الهيجلية وبين الوجودية ..  ص 50 – 51 :

الرد: هذا هو الصراع الأزلي بين القلب والعقل ، والوجدان والعلم ، والإيمان والعقل ، ونجد لكليهما مذاهبا وأديانا أيضاً ، متى سيلتقيان ؟ إلتقاؤهما هو الحل الوحيد لمشكلة الإنسان ، وبدونها سيظل الناس في التنافر والألم ، وعدم المعرفة ، ولماذا ينظرون إلى هذا الموضوع على أنه أمر مستحيل ؟ الا يمكن ان يلتقي كيركجارد وهيجل ؟ الرومانسي مع الواقعي ؟ العقلاني مع الوجداني ؟ الفنان مع الفيلسوف ؟ 

هذا الإنفصام البشري هو سبب تعاسة البشرية ، وكلٌ يرى الحقيقة من زاوية واحدة ، لا تستطيع أن تغطّي جسد الحياة بالكامل ، وعلى هذا فالوجودية ناقصة ايضاً ، لأنها ترفض سيطرة العقل ، وربما ترفضه بالكامل ، وهذا نقص بلا شك ، مثلما رفضت الشيوعية الإحساس والوجدان بالكامل . هذا الخلاف يشبه على أيهما أهمّ : القفل أم المفتاح ؟ مشكلة الفكر والفلسفة البشرية هي تريد أن تعمم الجزءعلى الكل .

كما فعل فرويد وماركس والملاحدة الجدد من رافضي الفلسفة والوجدان ، ومن يمكن تسميتهم بالمختبريين الذين لا يؤمنون بوجود شيء إلا بعد أن يثبته المختبر العلمي ، وغيرهم ، لهذا هي فلسفات ناقصة . وكلها تصوّر الضعف البشري وردود الافعال . العقل مهم للمعرفة ، والوجدان مهم للمعرفة ، فلماذا الصراع بينهما ؟ 

اقتباس: لقد قرر الفيلسوف (كيركجارد) منذ البداية أن يكون مؤمنا ، لأنه لا يستطع ان يكون ملحداً أو شاكاً ، لأن الشك معناه التساؤل ، والتساؤل لغة العقل .. ص 52 – 53 ..

الرد: كيرجارد ناقض نفسه ، فهو يستعمل المنطق ليحارب به المنطق ، وهذا إثبات ضمني بأهمية المنطق والعقل الذي يحاربه ، فكيف تحتقر شيئاً وتستعمله ؟ مما يثبت الجزئية في التناول ، فلماذا لم يبحث عن عقل يتفق مع الوجدان ؟ هذه هي مشكلة الإنسان الأزلية والتي يقع فيها الشخص في كل لحظة تقريباً . والمنهج الطبيعي يخلّص من هذه المشكلة ويسلّم القفل والمفتاح . وبهذا نجد أننا لسنا أمام فلاسفة مختلفين عن الأناس العاديين ، فهم مثلهم مثل الناس في الشارع ، فبعضهم يقدس العقل والآخر يقدس الوجدان ..

أين محاولات الربط ؟ كل ما نراه هو فيلسوف وجداني يحتقر العقول ، أو فيلسوف عقلاني يحتقر الوجدان ، وكل واحد منهما يستعمل ما يحارب ، والوجداني لم يستطع أن يتخلص من العقل ، ولا العقلاني استطاع ان يتخلص من الوجدان . هذه هي الفلسفة الموجودة باختصار ، بما فيهم رجال المختبر المعاصرين ، فهم فلاسفة أيضا ، اختاروا جانب العقل ، ولكن العقل المختبري ، ولم يستطيعوا ان يكونوا أناساً آليين يحركهم العلم فقط . العقل هو ثمرة ثابتة من ثمرات الإحساس والوجدان ..

ومسيرة المعرفة البشرية والعقل البشري والحضارة مبنية على أنها تتجه للوجدان حتى يتضخم فيثور العقل ، أو العكس . يتضخم العقل فيثور الوجدان ، وهذا ما حدث في الفترة الرومانسية ، ثم ثارت الواقعية على تضخم الوجدان والرومانسية فيما بعد ، وهذا التناوب العقلي الوجداني مستمر في البشرية ، ولا يقف هذا الصراع إلا عند الإتفاق بين العقل والوجدان ، وما لم يحدث ، فالصراع قائم (قانون) .



اقتباس: لو قدر للانسان ان يدخل حجرة مظلمة تماما ثم يقفل منافذ حسه ، يقفل عينيه فلا يرى ويسد اذنيه فلا يسمع ويمسك انفاسه قليلاً ..
ماذا يجد؟
إنه لا يجد إلا شيئا واحدا ، هو انه يحس بأنه لا يرى ، ويحس بأنه لا يسمع ، ويحس بأنه هو وحده الذي يدرك هذا كله !
إنه يحس بأنه "يفكّر" في نفسه او يفكر في فكره ، وأنه ليس ميتا ، والدليل على حياته أنه يفكر .. ويصرخ قائلا : انا افكر .. انا افكر .. ويصرخ ثانية : إذاً أنا موجود ! فبداية الوجود هي الفكر .. ص 63 :

الرد: في نظر الوجودية ، بداية الوجود هو الفكر وليس المادة ، بدليل الشخص الذي يدخل الغرفة المظلمة ويسد حواسه ، فلا يجد إلا احساسه بأنه لا يحس بالاشياء من حوله ، وإذا قلت أن اصل الوجود هو الفكر ، فما الذي يفكّر ؟ أهو جانب مادي أم روحي ؟ فهو لا يحس بالجانب المادي ، هذا يدل على وجود الروح ، وأنها هي الاصل ، وليس المادة ، ويدل على استقلالها عن المادة ، أي على خلودها ، ومرة أخرى تناقض الوجودية فكرها المادي . 

لأنها فلسفة مادية ومع ذلك تقدّم الفكر والوجود والروح على المادة ، والفلسفة المادية لا تعترف بوجود الروح ، ومنطقيا فالمادي لا يقدم الفكر على المادة ، لأنه مادي ويرى أن الاصل هو المادة ، وأن الفكر نتيجة للمادة ، الوجودية وقعت في هذه الإشكالية ، لأنها تؤمن بالمادة فقط ، وبنفس الوقت تريد من الإنسان أن يتحرر من المجتمع ، فاضطرت للإعتراف بالروح ، حتى تؤصّل لإستقلاليته عن المجتمع ، وكأنها تقول : تمتّع بحريتك المادية ، بعيدا عن الأخلاق التي يفرضها المجتمع ، متصورةً خطأ أن الأخلاق كلها من صنع المجتمع ، وليس لها اساس في داخل الإنسان..

ولو استمرت الوجودية على النظرة المادية لما استطلعت ان تفصل الإنسان عن المجتمع ، لأن المادة متشابهة ويحكمها قوانين موحدة ، وهذا سبّب خللاً وتناقضا في البناء الفلسفي للوجودية ، ولهذا الماديون المتمسكون بالمادية يؤمنون بالجبرية ، والجبرية تنفي الإختيار والتميز وتجعل الشخص ورقة في شجرة ، إلا بموجب اختلاف الظروف الشخصية ، وتجعل الشخصية مفعولاً بها وليست فاعلاً بموجب الجبرية ، بينما الوجودية ماديّة وتنادي بتحرير الفرد من المجتمع ، أي من الجبرية ! وتعتبر أن ذاته هي الأصل ، وبالتالي هي تعترف ضمناً بالروح ، منفصلة عن المادة ، وهذا يناقض الفكر المادي الذي تتبناه .

اقتباس: .. الأصح أن يقال : بل أنا موجود ، إذن انا افكر ، وانا اجوع ، وانا احب ، وانا استجيب ! فالوجود أولا .. ثم التفكير والجوع والحب ..  ص 64

الرد: إن ما فعله ديكارت هو محاولة عقلية لإثبات الوجود ، وأنت هنا تثبت الوجود بدون دليل ، بينما ديكارت قدم دليلاً . هذا الكلام يدل على اعتراف ضمني بالروح ، وإن كان ينكرها علناً . وهذا تناقض في الهيكل الفكري للوجودية . ماذا يمكن أن تسمّي هذا الموجود ، الذي هو أعمق من الفكر والجوع والطعام المادي ؟ لكنه كملحد لا يريد أن يعترف بالروح ، مع أنه يبني فلسفته عليها ، هذا القفز على الحبال يُسقط الوجودية فلسفياً .
*
الوجودية والليبرالية والعلمانية والديموقراطية تطنطن وتدور على الحرية فقط ، ولا تطنطن ولا تدور حول الحقيقة أو الصواب والخطأ أو الأفضل ، حراً وفقط !! ويشاركها في هذا الفلسفات الغربية المادية ، وهي بهذا تُدخِل الشر مع الخير ، ولكن لا تستطيع أن تقول : افعل الشر ، مباشرة ! ولكن تستعيض عنها بكلمة مهذّبة ، وهي كلمة الحرية . كل مذهب يتكلم بالحرية هو يتلاعب بالألفاظ ، فكرة الحرية كشعار منتج غربي ..

والفكر الوجودي والغربي و الليبرالي ، يريد أن يصور الإنسان بأنه شيء يريد أن يفكّك روابطه من كل شيء ولا يريد شيئاً ويكافح لأجل ذلك ، وهل يوجد شيء في الطبيعة يريد أن يتفكك من كل شيء ؟ هل يريد النبات ان يتخلص من التربة او من الجاذبية ؟ هل توجد ذرات عنصر كيميائي تريد أن تنفك وتتحرر من اي ذرات اخرى ؟ هل تريد الحيوانات ان تتخلص من الغابة ؟ ما الذي يريد ان يتحرر ويفكك روابطه ؟ 

هذه الكلمة مضللة ، يستغلون فيها كراهة الإنسان لسيطرة أحدٍ عليه بدون رغبته وبدون حقيقة . هذه الكلمة تستغل كراهية الإنسان للظلم ، والعبودية لغير الله ، وقهر الإنسان للإنسان ، فلا حرية حقيقة إلا من سيطرة الإنسان ، ولكن الفكر الغربي عمّم هذا التحرر وأوصله إلى الدين بل وإلى الأخلاق والإنسانية ، معتبرا أن أي شيء تنفك عنه فقد خطوت خطوة في سبيل الحرية .

الحرية فكرة مخالفة للطبيعة ، لنتخيل ذلك الإنسان المتفكك من كل شيء ، لا يمكن أن نتخيله إلا ميتاً !! كلمة الحرية والليبرالية ، يقصد بها أن تتفكك من اشياء وترتبط بأشياء . الحرية ليست قيمة مطلقة بحد ذاتها ، ولكنهم جعلوها كذلك ، أي أنها ليست مطلباً دائماً وغاية للإنسان ، ولا تصلح أن تكون شعاراً معلّقاً ، الإنسان لا يريد أن يتحرر من محبوبه ، ولا من وجوده في الحياة ، ولا من إنتمائه ، ولا من أسرته واصدقائه ، بل يريد لهذا القيد أن يستمر ، وإذا انكسر تألّم ، إذاًَ ليست الحرية غاية مطلقة ، والسبب أنها لا تنطبق على كل شيء ..

فالقيمة المطلقة تنطبق على كل شيء ، المحبة قيمة مطلقة ، تريد أن تحب كل شيء ، وتريد أن يحب الناس بعضهم بعضاً ، تريد أن تمتلئ الارض كلها بالحب ، وحياتك كلها بالحب ، ولا مشكلة ، ولكن ان تمتلئ حياتك كلها بالحرية !! فهنا دوامة من المشاكل والعذابات ! بل هي ما تخافه ، فأنت تريد أن تحب صديقك ، ولكن لا تريد ان تتحرر منه ، لإنك إذا تحررت منه أحسست بالألم ، فالحب قيمة ارتباطية ، والحرية عبارة عن انفكاك ، إذاً ماذا يريد الإنسان : الإرتباط أم الإنفكاك ؟؟ 

فتعميم فكرة الحرية هي تدمير كامل للإنسان الذي يريد بطبيعته أن يرتبط ، ولا تكون الفكرة حقيقية حتى تقبل التعميم ، إذاً فالإنسان العاقل لا يردد هذه الكلمة إلا مقترنة بشيء خطأ يريد أن ينفصل عنه ، أما أن تردد الحرية ومرادفتها الليبرالية كشعار مطلق يرمز إلى فضيلة مطلقة  فهذا نوع من الحمق ، والإنسان خلق ليرتبط ولم يخلق ليتحرر . الوضع الاساسي للإنسان منذ ولادته هو تحرره من الاشياء التي يكافح طول عمره ليرتبط بها على أحسن طريقة ..

والظلم الذي يتعرض له الإنسان من إنسان آخر ، والقهر ، ليس حاجزاً في طريق حريته بل حاجز في طريق ارتباطاته ، ويمنعه من أن يستجيب لطبيعته ويرتبط بالاشياء كما تريد الطبيعة ، فالعاشق الذي يريد الوصول للمحبوبة ويمنع منها ، يقول عنه الليبرالي أن هذا الشخص يريد ان يكون حراً ، بينما يقول عنه الإنسان الطبيعي أنه يريد ان يكون مرتبطاً ،  فلماذا لا تسمّى الاشياء باسمائها ؟ 

والذي دفع لرفع هذا الشعار هو النية الخبيثة ، التي تريد من الإنسان الإنفكاك من الأخلاق والدين والإنسانية ، عن طريق تعظيم فكرة الإنفكاك وأنها مطلب وغاية بحد ذاتها ، والثمرة النهائية هي الإنفكاك من الدين والاخلاق ، والدين والاخلاق هما ارتباطات ، مع علمهم بأن الإنسان يريد الإرتباط لا التحرر . 

والحرية تمنع من الإرتباط السليم بالاشياء الحسنة ، وتجبر الانسان على أن يرتبط بالشر الذي تعافه نفسه ، الإنسان يريد ان يرتبط بكل شيء حسن ، اي بالخير ، ويريد الإنفكاك من كل شيء خاطئ وشرير ، هذا في الأصل ، وهكذا نجد أن الحرية ليست قيمة مطلقة بحد ذاتها ، وبالتالي لا تصلح لأن تكون شعارا ًمطلقاً ، كما فعلت الماسونية والثورة الفرنسية والليبرالية .عندما وضعتها أول شعاراتها : الحرية والأخوة والمساواة .

اقتباس: الانسان الحر هو الذي يخطئ ، اما العبد فهو لا يخطئ ، لانه لا يختار ما يفعل ، وانما يفعل ما اختاره له سيده .. ص68 :

الرد: الجميع احرار في اختيارهم ، وحتى العبد المملوك هو حر في اختيار الخير والشر ، فيستطيع ان يكذب ويستطيع الا يكذب ، ويستطيع أن يؤمن بالله أو لا يؤمن به ، وهذه المغالطة لفتح الباب امام التحرر والإباحية والتكبر ، إذ يضع المخلوق نفسه إزاء الخالق ، ويتمرد عليه بإسم الحرية ، ومغالطة أخرى ، أن الحرية تقتضي العصيان والمخالفة ، فلماذا ؟ أنا أعاند إذاً أنا حر !! هذا هو الاساس الذي انبنت عليه الليبرالية ، لماذا لا تكون : أنا أطعت لأنني حر ؟ وكأنه يريد ان يقول : أن كل من يطيع ، هو عبد ! وعلى قدر التمرد تكون الحرية ، ويكون الشيطان على راس المتمردين حينئذ ، التمرد الاعمى غباء ، والتمرد على الباطل واختيار الحق تحتويه الحرية ايضاً .

اقتباس: وقد اعد الالهة جهنم للاحرار ، اما العبيد فلا يراهم الالهة ، ولذلك يدخلونهم الجنة مع النبات والحيوان والانهار والجبال .. ص68

الرد: أعدّت جهنم للاشرار وليست للأحرار ، لأن الجميع أحرار في اختيارهم بين الخير والشر ، ومن اختار الخير ، كانوا يستطيعوا ان يختاروا الشر ، والعكس صحيح . فلا حساب بدون حرية ، والله سيحاسب كل البشر ، إذاً فكل البشر احرار في مجال الاختيار ، بموجب نياتهم لا بموجب ما يجبرون ان يفعلوه وهم غير راضين عنه ،

اقتباس: وهذا هو البطل سيزيف .. إنه اسمى من العذاب وأقوى من حكم الآلهة ، فهو يعلم اولا أنه محكوم عليه ، وهو يعلم ان هذا الحكم لا رجعة فيه ، ولكنه مع ذلك يرفع الحجر ويلاحقه إذا نزل ، وينحني عليه ، ويحرص الا يسقط من يديه وهو يرفعه ..

إنه يقاوم المستحيل ، ويعلم انه يقاوم المستحيل ، ومع ذلك يستمر في مواجهة المستحيل .. ص69 :

الرد: أليس من الاسهل ان تسمي مواجهة المستحيل جنوناً ؟ خصوصا مع فقدان الدوافع السامية ؟ لأن سيزيف اختار الخسّة والانانية ، والشهوات ، بدون النظر الى الفضائل ، فاين البطولة ؟ والعذاب الواقع عليه ، ليس باختياره ، بل هو مفروض عليه . البطل هو من يختار الفضيلة ويتحمل الاذى في سبيلها ، وشهوات سيزيف ليست فضيلة ، وبناء على كلامه ، يصبح القتلة والمجرمون في السجون أبطالاً مثل سيزيف ! فهو يمجد إذاً الرذيلة والاجرام ، داعيا الى تحمل العقوبات جراء ذلك ..

وهو يقدّم الحرية كفضيلة سامية وهي ليست كذلك ، فالإنسان يبحث عن الارتباطات اكثر من بحثه عن التحرر ، والحر الكامل هو الميت الكامل ، لأنه ليس له علاقة بشيء ، وهو سمّى الشر والشهوات بالحرية ليعطيها معنى سامياً يستحق الصبر والعذاب لاجله ، كعادة الليبراليين بالتلاعب بالألفاظ والقفز على الحقائق . وكأنه يقول : اطع هوى نفسك ولو على حساب الاخلاق والدين وتحمّل العقوبات ، تصبح بطلاً كسائر المجرمين الذين اطاعوا نزواتهم وتحملوا الاشغال الشاقة والزنازين ! تماماً مثلما كان الشيطان بطلاً .. وهم ابطال .

ولو انتقدهم المجتمع ، من وجهة نظر البير كامي . هذا كلام غير منطقي ولا اخلاقي . وماذا سيكون الجنون إذا لم يكن هذا ؟ وفي عمق هذا الكلام ، عبودية للشيطان ، مثلما أن المؤمن يتحمل الآلام لأجل ربه ، فالمطلوب من الشخص أن يتحمل آلام الرذيلة وعواقبها لأجل الشيطان ويضحي بنفسه لأجلها ، والشيطان هو المعبود الخفي هنا . هذا الرب الذي تجلى على عبدة الشيطان من الملحدين . فعبدوه علانية . وهم فعلوا الشرور لأجله ، مضحين بأنفسهم لأجل ربهم ويقتلون الحيوانات ويعذبونها لأجله ، تماما كما يفعل المؤمنون بالله ، و صورة الوجودية والليبرالية هي صورة غير مقرّبة لعبدة الشيطان . تقترب شيئا فشيئا مع الوقت .

اقتباس: فصة يوسف وزليخا من القصص المحفوظة في الكتاب المقدس والقرآن .. ولكن اجمل لحظات هذه القصة السعيدة الحظ أن زليخا امرة العزيز عندما اغلقت الابواب ونزعت قميصها وتلفتت وراءها تلقيه على احد المقاعد ، ارتاعت عندما رأت تمثالا يصوب عينيه نحوها .. فارتعدت وحملت القميص والقت به فوق عيني التمثال .. ونظر اليها يوسف قائلا : هل تخافين من عيني التمثال ولا تخافين الله الذي ينظر اليك ؟ كلام يوسف هذا كلام انبياء ، ولكن الحق مع امرأة العزيز انها إنسان ، إنها بشر ، إنها ارادت أن تكون حرة في عريها وخطاياها ، حرة بلا رقيب وبلا عيون تراها ولو كانت عيني تمثال !

والذي فعلته امرأة العزيز تفعله كل امرأة وكل رجل من ايام يوسف عليه السلام إلى ايام اي يوسف آخر ، في وقتنا هذا ..  ص 76 :

الرد: هل يتهم أنيس منصور كل الناس بالخيانة الزوجية ؟ فصل الأنبياء عن بشريتهم مخالف للحقيقة ، وهو فصلُ مغرِض ، حتى يقال أن عفاف الأنبياء لأنهم انبياء وليسوا بشراً ، وكأنهم من نوع آخر غيرنا ، وحتى تبدو الفضيلة شيئا خياليا ومثاليا لا يمكن أن يطيقه بشر ، وهذه من اعذار المتخاذلين ، ليس كل رجل وليس كل امراة في العالم من ايام يوسف حتى يومنا يمارسون الخيانات الزوجية لأنهم بشر كما يقول انيس منصور ! وكثير هم من فعلوا مثلما فعل يوسف ، ولم يكونوا انبياء ، وقاومواغراء الزنى والخيانة ، وكم من رجل عفيف اغرته امراة بنظراتها أو لمساتها او القت لباسها ، وهرب من الموقف ، أو ذكّرها بالله ، والعكس صحيح . 

وكأن الكاتب يريد ان يجعل من الضعف والإنهزامية قوة اسمها الحرية ، مثل الحارس الليلي الذي يريد ان ينام فيستجيب للنوم ويترك ما يحرسه ، فمن وجهة نظر انيس منصور وكامي ، فهذا الحارس النائم بطل ، لأنه يمارس حريته في النوم ، بينما البطولة فيها مقاومة ، وما فعله الحارس وما فعلته زليخا ليس فيه مقاومة ، فكيف تكون هناك بطولة بلا مقاومة ؟ ومن وجهة نظره ايضاً ، وتبعاً لهذا المنطق المقلوب فالجندي الهارب من معركة الوطن ، حر وشجاع من وجهة نظر الوجوديين وأنيس منصور ، لأنه استجاب لحريته ، أي أهواءه . 

وإذا أطلقنا على هذا النوع من المنهزمين امام شهواتهم ابطالا ، فماذا عسانا نقول عن من يفدون مبادئهم وأوطانهم بمصالحهم وحياتهم ؟ هل نقول عنهم انهم جبناء ومقيدين ؟ لماذا لا نسمي الشهوات والخنوع بأنها قيود ايضاً ؟ أي الحرية بمفهومك هي قيد ايضاً ، وتحتاج إلى تحرر منها ! لأنها تذل الإنسان وعاقبتها ليست حميدة ، بينما الصبر على الفضيلة عاقبته حميدة ، فهذا الحارس الذي نام سيندم لأنه مارس حريته في النوم ، والمحاسب المختلس سيندم لأنه سرق من أموال الشركة ، ولا يشعر بأنه بطل إطلاقا كما تدّعي الوجودية ، ثم ان الوجودية هي على العكس تماما من اسمها ، فهي تعاني من عدم الاحساس بالوجود وقيمته ، فلماذا تسمّى بالوجودية ؟ لست أدري ! 

من المفترض أن تسمى باللاوجودية أو العدمية ، فالحياة (اي الوجود) سخف وبلا معنى من وجهة نظرهم ، فكيف يسمون انفسهم بالوجوديين وهم لا يجدون وجوداً ؟ الوجودي هو من يجد معنى للحياة ولوجوده ، أو على الاقل يبحث عنه ، والمؤمن الحق هو الوجودي الحق ، لأنه ينطلق من وجوده الداخلي وإحساسه بوجود إله عادل يجازي على الفضائل ويحبها ، وليس لمن ينطلق من أدلة مادية كاملة ، إذاً هو من يستحق هذه الكلمة ، ويستحق كلمة البطولة ، لأن الأهواء والشهوات موجودة في هذا المؤمن ايضاً ، ولكنه قاومها لماديتها وسطحيتها في وجوده ، استجابة لوجوده الأعمق ، فهو الأولى إذاً بهذه الكلمة ..

الوجوديون هؤلاء اقرب إلى العدمية ، ومن المفترض تسميتهم بالعدميين ، ويبدو أنهم انتبهوا اخيراً واخذوا يسمّون انفسهم بالعدميين كموجة جديدة ، هذه هي معاناتهم كما تتضح من كتابات البير كامي ، وطالما انه يحس بسخف الحياة والوجود ، إذاً فهو يعرف شيئاً ليس بسخف ، لم يتكلم عن عدم السخف ، اي لم يذكر الوضع المثالي ، طالما أنه ينتقد الوضع القائم ، واحساسه بسخف الحياة ، دليل على وجود عدم سخف انطلق منه في نقده لسخف الحياة ، هذا ما لم يبحثوا عنه ولا يحبون البحث عنه ، لأنه سيؤدي بهم إلى الإيمان الذي يعطي الوجود معنى سائغاً ، كان يجب ان يبحثوا ، معتمدين على احساسهم بالسخف ، لأجل الوصول إلى اللاسخف ، وبما أنهم لم يبحثوا عن وضع اللاسخف ، بل وانكروا وجوده ..

إذاً فهم أقروا السخف كحقيقة وعاشوا فيه ، وبالتالي هم ليسوا اعضاء في مذهب ايجابي ، بل هو مذهب سلبي إحباطي يكرّس السخف كحقيقة لا مناص منها وينبذ الفضيلة والقيم ، ويودي بصاحبه إلى العدمية والكآبة ، والكآبة بادية على وجه كامي وسارتر ، بل وكل وجودي تقريباً ، وحتى الرسوم الموجودة على غلاف الكتاب ، وتنضح بها اقلامهم ، بشكل لا يشجع شخصا جديداً على اعتناق مذهب يودي به إلى مزيد من الكآبة . الناس بحاجة إلى افكار ايجابية ، فقد تعبوا من هذه الافكار السلبية المتشائمة التي تقضي على الامل والانطلاق في الحياة . وملّوا من الشهوات كبديل حقير عن السمو الإنساني الراقي .

ما يسمونه بالحرية هو الفجور ، مثلما ينفجر الماء ، فهو ينفجر من أضعف نقطة ، وهؤلاء يسمّون أضعف نقطة في الإنسان بأنها قوة ، أي أن اضعف نقطة هي أقوى نقطة ، على العادة في قلب الحقائق ، لأن الإنسان دائماً في صراع بين موقفين و تصرّفين : موقف ضعيف آني المنفعة ، وموقف قوي غير آني المنفعة ، والموقف الآني هو موقف الضعف ، مثل الصراع بين الإغراء والعفاف ، فالإغراء هو النقطة الاضعف ، والفجور هو إنفجار من النقطة الاضعف ، مثلما ينفجر انبوب الماء من اضعف نقطة فيه . وهذا دليل على ضعف الشخص المنفجر وليس قوته ، وكلما زاد الفجور والاستجابة إليه ، فهذا دليل يؤكد ضعف إرادة هذا الشخص وقلة سيطرته على غرائزه واهواؤه الآنية .

وهنا تقليب للحقائق ، ففكرة أن تخالف من أجل المخالفة ، و تبعا لهوى النفس ، فهذا بالضبط ما تدعو اليه الليبرالية والوجودية ، ونلاحظ أنها فكرة صبيانية ، ولهذا يتأثر بها الشباب كثيراً ، لأن ليس كل مخالفة تعني الصواب او الحقيقة ، وليس كل تمرد يعني الوصول للأفضل . الإنسان العاقل يبحث عن الأفضل لكي يتقيد به ، ويتمرّد على الاسوأ إذا اراد ان يفرض نفسه عليه ، والوجودي بهذا الشكل في حالة معاندته للمجتمع ، يكون ضعيفا امام نفسه وقوي امام المجتمع ، هذا هو التعريف الدقيق للمذهب الوجودي : ان تكون ضعيفا امام شهوات نفسك ، وقويا امام المجتمع ، خصوصاً إذا لم يكن هناك ضرر من المجتمع سوى النظرات او الانتقادات العابرة . والتعريف الآخر والدقيق أيضاً : إذا لم تستح فاصنع ما تشاء .

القوة الحقيقية هي قوة الفرد أمام نفسه وليست أمام غيره ، لأن الآخرين دائما معنيين بشؤونهم ، مهما قيل عنهم ، وعن تدخلاتهم ، وحريته الحقيقية هي حريته من سيطرة اهواؤه عليه بطريقة تحرفه عما يريد من اهداف سامية ، يخيب أمله كل يوم بسبب انفجاره من نقاط الضعف . وهذا ما لم يعالجه الفكر الوجودي ولم يُشعِر بوجودها ، مع أنها قضية وجودية في داخل وجود الفرد ، وهو الوجود الحقيقي وليس الآخرون ، هذا الفكر الذي يصوّر الفرد كوحدة تقاوم ضغوط المجتمع ، مع أن الحقيقة ليست كذلك ..

فالفرد في داخله تنازع وثنائيات ، وهي تصوّر الفرد على أنه منسجم مع نفسه وليس منسجم مع المجتمع . ويؤيد كلامي أن معاناة الوجوديين هي معاناة داخلية يسقطونها على الآخرين ، مثل الكآبة والسخف في الحياة وعدم الشعور بجدوى الوجود . هذه مشاكل داخلية ، وليست من رجال القضاء والصحافة أو من عيون الآخرين ، كما قال سارتر . عندما قال : (الجحيم هم الآخرون) ، ولم يذكر الكآبة التي يعانيها : هل هي من داخله أم من الآخرين ؟ وهذا وهم كبير ، ولو كانت وجودية حقيقية ، لعالجت مشاكل الفرد مع وجوده هو ، وليست مع وجوده مع الآخرين ، هي بنظرتها للألم وأنه قادم من الآخرين ، تكون غيرية وليست وجودية .

أما أن يتمرد الإنسان على كل شيء ، كمبدأ ، فهذا يشبه مبدأ الثور الهائج الذي يريد تحطيم كل شيء امامه ، حتى لو كان مكان طعامه وشرابه .

اقتباس: ولكن عندما يوجد إنسان آخر ، تصبح حريتنا في خطر ، وتصبح نظراتنا محدودة مقيدة ، وتصبح لهذه النظرات معان كثيرة مختلفة ، فروبنسون كروزو عندما كان في جزيرته كان حرا في كل ما يفعل ، لقد كان وحيدا ، فلا يمكن أن يوصف بالفضيلة ، ولا حتى بالرذيلة ، لا يمكن ان يوصف بأنه أناني ، ولا بأنه رجل يؤثر نفسه على غيره ، ولا بأنه فاضل أو شرير ، ولا بأنه لص أو أمين .. ص 82 :

الرد: حتى الشخص بمفرده يكون أخلاقي او يكون غير اخلاقي ، فالانسان يستحي من نفسه ، وبالتالي ليس فقط الجحيم هم الآخرون . وربما تخيل المرء اشياء فيستحي من نفسه وهو يعملها ، وبالتالي تكون الفكرة غير صحيحة ، حتى ولو كان الانسان مع البيئة والطبيعة يكون اخلاقي او غير اخلاقي ، والحيوانات تخبرك عن اخلاق صاحبها ، فإذا رايتها تجفل وتخاف فهذا يدل على سوء صاحبها ، ولا يستطيع الفرد ان يستحي من الآخرين حتى يستحي من نفسه هو .

يكره الوجوديون النظرة ، لأن الأعين تقول ما لا تقوله الالسن ولا العقول ، ولهذا هي معاناتهم مع النظرات ، فبإمكان الوجودي ان يمشي عاريا ، ولكن كيف سيسلم من النظرات ؟ وهذا لا يدل على روح رياضية تتقبل النقد ، حتى لو كان بالنظرة . النظرات تكشف الحقيقة بدون مستمسكات ، وهو الذي ينتج شعور الخجل ، لذا قالوا : إذا لم تستح فاصنع ما تشاء ، لأن الناس لا يستطيعون ان يمنعوا عنك أي شيء ، ولكن الحياء هو الذي يمنعك . الا تجد ان ضميرك وكأنه شخص آخر ينظر أليك ويقيّم تصرفاتك بل ويضحك ويهزأ منك احياناً ؟ فمتى سيتحرر هذا الوجود الذي يريده سارتر ؟ 

سارتر لا يعلم أن الضمير هو (آخر) في داخله ، فكيف التخلص من عيون هذا الآخر الذي في داخلنا ، ولا نستطيع أن نختبئ عنه ولا تفوته صغيرة ولا كبيرة ؟ و زليخا تألمت من نظرات يوسف ، لأنه نبّه هذا الآخر في داخلها الذي قاومته ، فجاءت نظرات يوسف تأييدا لنظرات هذا الآخر في داخلها ، فصاروا إثنان خيّرين على واحد شرير . فنظرات الآخرين إليك وأنت تعمل عملا حسنا ، يرضى عنه الآخر في داخلك ، بل هي تسرك ، وهي لا تهمك وتعتبر نفسك بطلاً في مقاومته ، وبالتالي تكون عيون الآخرين جحيما أوضح ما تكون عندما نفعل الخطأ .

الوجودي يريد ان يستمتع بدون اية ضغوط ، حتى من ضميره ، كما صرخت زليخا في وجه يوسف : لماذا جعلتني اخجل من الرذيلة ؟ (ما الذي خجل في داخل زليخا؟) أنا اريدها ونظراتك لا تؤيدني وتحقّرني ، لأن الرذيلة حقيرة . لماذا انت تراها شيئاً قبيحا وانا لم ارها ؟ كف عن النظر لي باستعلاء ! الخجل هو رفض لرذيلة ، بينما هي تقول أنها تريد الرذيلة ، فايهما زليخا : زليخا التي خجلت ؟ أم زليخا "هيت لك" ؟  أيهما هو وجودية زليخا ؟ أليس الخجل من داخلها كما الشهوة ايضاً ؟

كأن الوجودية اذاً تجعل الانسان يحارب نفسه ويقاتل ضميره ، بعد ان حسمت النتيجة مع الآخرين ولم يتبق إلا نظراتهم . وبهذا الشكل ، تكون الوجودية هي إلغاء للوجودية ، لأن هذا الآخر هو الوجود الأعمق في داخلنا ، وهو الذي اثبته ديكارت بقوله : انا اشك إذاً أنا موجود . والشك مخالف لليقين ، كما أن خجل زليخا مخالف لإقدامها ، إذاً ذلك الشيء الآخر المعارض والأعمق في داخلنا هو نحن ، والرغبات والاهواء تشبه الحكومة ، والفضيلة والسمو في داخلنا يشبه الشعب ، فأيهما أعمق : الحكومة أم الشعب ؟ وايهما الوجود الحقيقي والدائم للبلد ؟ وقلما مثلت الحكومات الشعوب ، حتى في الدول الديموقراطية . فهي تتحايل على الشعب وتتهرب من نظراته . وأراهن ان سارتر كان يتهرب من نظراته لوجهه في المرآة .

إذاً : انا اشك وأنا لا اشك ، وهذا ما وقع لديكارت . إذا مُسخ الآخر في داخلنا أو ألغي ، فسنكون شيئا آخر ، سنكون مثل الماركيز دو ساد ، ولسنا نحن ، اي نفقد وجودنا ، إذاً فالوجودية تدعو إلى الإبتعاد عن الوجود الذاتي إلى وجود تصطنعه شخصيات يراد أن نقتدي بها .

تخيل شخصا طيبا معروفا بادبه وخجله ، وفجأة يتغير كما تريد الوجودية ، فيعمل من الموبقات ما يجعله يتفاجأ بنفسه ويقول : من أنا ؟ كيف وصلت إلى هذا الحد ؟ اي : يفقد وجوده ، وكأنه اصبح شخصا آخر . الإنقياد للافكار الشريرة تبعد الشخص عن ذاتيته الحقيقية ، وتجعله في تشابه حاد مع كل من يستسلم للشر . الخير متنوع ، والشر متشابه ، إذا فالشر لا يثبت فردية الشخص . وشخصية الاشرار والشهوانيين تتشابه . والاخيار شخصياتهم مختلفة ، ويتمتعون بالتعددية المنسجمة كثمار بستان الفواكه ، تسقى بماء واحد ، والاشرار  بالتشابه الشخصي المتنافر ، بسبب الانانية (الفردية المفرطة) .

لماذا استمرت زليخا بحبها ليوسف أكثر ؟ حتى بعد ذلك الموقف ؟ ذلك لأنها رأت تمسكه بالفضيلة ، وبالتالي هو اكثر حرية منها . ولذلك هي خجلت منه ، ولم يخجل منها هو ، ولا اظن انيس منصور سيستطيع أن يجد حلا لهذا اللغز : لماذا لم يخجل يوسف من جرأة زليخا ووجوديتها الشجاعة ، كما يحب ان يقول ؟ ولأن كل إنسان ، الغايات النبيلة هي اهم اهدافه ، فالشخص القوي اذا هو الذي يحافظ على اهدافه ، ولا يجعل النزوات والانفجارات الجانبية تؤثر على رحلته ، ومن يفجر يخجل ممن لم يفجر ، لأن غاية الإثنين واحدة ، ومن فجر فشل ، والفاشل يخجل من الناجح ..
مثل من يريد ان يسافر إلى مكان ما ، فإذا هو استجاب لنزواته وإعجابه بالممر والقرية القريبة والشارع والمفترق الآخر ، واراد ان ينام هنا ، ويستريح هناك ، فسيصل المسافرون قبله ، وربما انقطع عن غايته ولم يصل . 

وما يريده يوسف هو ما تريده زليخا بالضبط ، لكنها انفجرت وهو لم ينفجر ، (ولقد همت به وهم بها) ، وما يريده يوسف من مثالية هو ما تريده زليخا ، وما تريده زليخا من شهوات ، هو ما يريده يوسف ايضا كبشر ، ولكنه قاوم نقطة الضعف ليصل إلى الهدف ، وهي لم تقاوم ، ولهذا هي احبته لأنه غلبها في الفضيلة ، والفاشل يتبع الغالب ، والإتباع هو حب ، والفضيلة هي اساس الحب وليس الجنس ، مع احترامي للوجوديين . 

اقتباس: كل إنسان يقاوم نظرة الآخرين ، لأن نظرة الآخرين عبث به وبحريته وبوجوده .. فلو نظرت إليك ووجدت أن شعر لحيتك طويل وقميصك ممزق وأسنانك صفراء ، وهالة سوداء حول عينيك ودائرة بيضاء حول اصبعك الصغير ، عندها اقول لنفسي : لا بد انه استيقظ في ساعة متأخرة من الصباح ولم يتمكن من حلاقة ذقنه ، ولا بد أن يقيم وحيداً ، فقميصه قذر ويحتاج إلى غسيل ، وأنه قد طلّق زوجته لأن الخاتم ليس في إصبعه ..

وأظل أحكم عليك ( من خلال هذه النظرات ) بما شئت أنا ، لا ما شئت أنت ، من الأحكام ، وجعلك ظالما وأجعلك متهماً وأجعلك بلا زوجة ، كل ذلك افعله وأنت لا تستطيع ان تدافع عن نفسك ولا أن تدفع عن نفسك كل هذه الاحكام الظالمة أو العادلة ، والتي تعنيني أو لا تعنيني .. إنن أتصرف بوجودك كما أشاء ، وأحترمه وأحقره واحبه واكرهه ، وحينئذ تصبح أنت بالنسبة لي (مجرد شيء) .. ص 83 – 84 ..

الرد: ألست وجودياً ؟ إذا فلماذا تعيش وجود الآخر ؟ لماذا لا تتحرر أنت من سيطرة نظرات الآخرين بدلاً من ان تفقأ عيونهم ؟ فاين هي الحرية التي لم تستطع ان تتحرر من نظرات الآخرين والخوف من احكامهم ؟ ماذا تعني احكامهم ما دمت تعيش وجدودك وهو الحقيقة المطلقة ؟ لماذا تتضايق وتضرب اخماسا باسداس وتتخيل انهم يقيّمونك بشكل ينتقص منك ، وقد لا يكون هذا التخيل حقيقة ، أنت لست حراً بل مقيداً هنا ، فاين هي هذه الحرية المزعومة ؟ (واللي على راسه بطحا يحسس عليها) . 

كيف يتحرر الإنسان من الدين والقيم ولا يستطيع ان يتحرر من نظرات الناس العاديين ؟ لا يقيم لهم عقله وزناً ؟ بل ويتحكمون به ويخفضونه ويرفعونه بحركات من رموشها ! الانسان الذي يعبد الله حقيقة هو الوحيد الذي يستطيع ان يتحرر من سيطرة الآخرين ، بما فيها نظراتهم ، وهو إذاً الحر الحقيقي .

اقتباس: إن نظرات الآخرين هي الجحيم ، كما قالها سارتر ، ويمكن أن تفسر كل العواطف الانسانية على اساس من هذه النظرة ، من نظرك إلى الناس ، أو من نظر الناس إليك .. ص 84 :

الرد: الكاتب نسي ان النظرة جزء من لغة الشعور ، والحقيقة انه ليست فقط النظرات كما لاحظ سارتر ، بل حتى الاستماع ، وكل الحواس ، وحتى حركات الجسم غير العين ، تعطي إيحاءات عن قيمتك عند الشخص الذي ينظر إليك أو يستمع إليك او حتى يقرأ لك أو ينظر إلى شيء عملته ، فستؤذيك نظراته وهو يحدق بعيوب المبنى او السيارة مثلاً . هذه اللغة حرة ، ولن يستطيع الوجودي ان يمنعها من خلال سن قوانين الحريات ، المفروضة بقوة السلاح ..

هذه هي اللغة التي تقول للمخطئ أنت مخطئ ، وللفاضل أنت فاضل ، دون أن يأذن لها صاحبها ، ودون ان يردّها من توجّه إليه ، هذه اللغة هي الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر رغما عن الجميع ، وهذا الوجودي يريد ان يمارس الرذيلة بدون ان يمارس عليه اي امر بمعروف او نهي عن منكر ، وقد تخلص من كل الصور ، ولكن ماذا يفعل بلغة الشعور ورسائله الموجعة ؟ لهذا اعترف أن الجحيم هو الآخرون ، الوجوديون يريدون الشعور في دوائره السفلي ، ويكرهون ردود افعال دوائره العليا التي توبخ على الرذيلة ، ونلاحظ ان اطلاق كلمة الحرية لا يدل على اختيار للفضيلة ..

فمن يختار الفضيلة يقول : حريتي تكون في تعاطي الفضيلة كما أراها ، أما من يطلق كلمة حرية بدون تحديد ، فهذا يعني فيما يعني فعل الشر ، والحرية في ممارستها ، دون تعرّض الآخرين له ولا حتى بنظراتهم . ألم يخطر ببال سارتر كيف ينظر الناس لإنسان مرتبط بالفضيلة ؟ هل يتاذى من نظرات الآخرين ؟ إذاً ليست نظرات الآخرين جحيماً على طول الخط ، بل الرذيلة هي الجحيم على طول الخط ، وهذا الأولى أن يقوله ، فهي التي تجلب النظرات المحتقرة ..

لو نظرت إلى انسان مهلهل الثياب ، منهك القوى ، لأنه يقوم بعمل إنساني ، هل ستوجّه إليه نظرة انتقاص ؟ بل انه ليفرح و يرتاح إذا نظر إليه أحد . رغم رداءة مظهره ، كذلك الجندي الممزق الثياب الملطخ بالدماء دفاعا عن شرفه و وطنه ، يسره ان يراه الناس بهذه الحال ، وتنشر صوره ، رغم انه لم يسرّح شعره ، بل حتى إعاقات الجنود وإصاباتهم واطرافهم المبتورة هي مصدر فخر لهم في المجتمع ، ويسرهم ان ينظر الناس إلى ساقه الخشبية ، وعليها تاريخ المعركة  ، لانها ترمز لتضحياتهم ، لأجل شرفهم ووطنهم ولأجل من ينظر إليهم ، المشكلة في تصرفاتنا وليست في تصرفات الناس .

اقتباس: فالمرأة التي احبها هي التي استطيع ان انظ اليها دون ان تحس هي ان نظراتي تعذبها او تعذبني ، انني انقلها الى عالمي ، الى مملكتي ، ان اجعلها احدى رعاياي ، ان اجعلها اسيرا يعانق قيوده الدافئة او المغطاة بالورود .. ص 85 :

الرد: لا يحتاج الحب إلى كل هذه المعارك والأسر والنقل ، نظرة العاشق هي نظرة الرضا ، لا تحمل تحفظا ولا انتقاد ، بل اعجابا وتأملاً ، هذا كل ما في الامر ، وليس هناك سجون ولا يحزنون ، والنظرة المستثارة إلى المرأة التي نسيها سارتر ، النظرة إلى امراة متبرجة ونصف عارية ، أهي نظرة من نظرات الجحيم أم النعيم ؟

اقتباس: فنحن نعيش ونعيش ، ثم نموت ! لماذا ؟ وكيف ؟ واية حكمة في ذلك أو وراء ذلك ؟ وهل نموت موتا كليا ؟ أم موتا جزئياً ؟ هل تزول الاجساد وتبقى الارواح ؟ وأين تبقى الارواح ؟ تبقى في الله ! إذا فالمعنى واحد ، وهو نه لا معنى لاي شيء ، فبقاؤنا في الله عدم هو الآخر ! ص 88 :

الرد: مشكلة العدميين هو سؤال : لماذا الانسان يموت ؟ ويأتي غيره ليعيش ثم يموت ؟ وهذا ما أفضى بهم إلى العدمية ، التي تعني رفض الوجود ، اي النظرة السلبية للحياة ، اي ضحية لعقدة الموت ، الوجودي ( وهو العدمي بعكس اللفظ طبعاً) يعاني من عقدة الموت ، ولو آمنوا بفكرة ان الله يختبر عباده ، لاصبح الموت منطقياً ، لأن الحياة ستستأنف بعد الموت ، ولكن إذا لم تؤمن بفكرة الاختبار ولا حتى بالإله ، ستجد ان الحياة عبث ، والموت كقطرة السم في خزان المياه ، الذي يستطيع ان يسمم الحياة ، حتى قبل الموت ..

والعدمية تنطلق من الموت ، وحسبك بنظرة تنطلق من الموت ، لتنظر إلى الحياة وتقيمها ، ستكون متشائمة بلا شك ، وكل ما هو قادم من الموت هو موت ، كأن أطوار حياة الملحد : شهواني – راسمالي – عدمي . كأن تلك هي دورة حياته ، مع تقدم العمر وزيادة التجريب لكل المتع الفانية والاموال التي لا تسمن ولا تغني من جوع بالنسبة لذواتنا ، فالملحد يبدو حكيما ناضجاً عندما يتحول إلى طور العدمي ، وهي في نفس الوقت آلم الفترات ، (أكثرها ألماً) ، اما المؤمن فلا تنتهي دورة حياته في الدنيا ، بل لها بقية . فالمؤمن ينطلق من فكرة الحياة ، وكل ما هو منطلق من حياة فهو حياة ويعطي حياة وأملاً ، والملحد والعدمي منطلقان من الموت ، والموت لا يهب إلا موتاً .

اقتباس: وهناك ثلاثة حلول (يقول اونامونو) : الاول : ان اعرف معرفة يقينية انه لا بد ان اموت موتا كلياً ، وإذاً فالياس لا مفر منه .

الرد: هذه عبارة تؤكد حتمية الياس مع الإلحاد ،والانطلاق من فكرة الموت سبب لليأس ،  والتي ينكرها بعض الملاحدة في الطور الأول .

اقتباس: وكلما رأى الفيلسوف الشاعر إلى حياته والعالم حولها ، وأدرك ان كل ذلك من اجل الموت ، راح يبكي روحه الجائعة دائما ويقول : إن الكون يضيق بي كما لو كان قفصاً صغيراً ..

الرد: هذا مصداق الآية : (ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى) ، والسؤال هو : ما هو سر هذا الحزن والسجن الداخلي ؟ ولماذا يقبل به ويستسلم له ؟ اليس ثائراً ؟ لماذا ؟ كل هذا من اجل البقاء على الكفر ؟ ان يستسلم الانسان للياس والكآبة طيلة حياته ويتهرب عن وجوده بالسكر والمخدرات حتى لا يكون وجوديا ويكون شخصا آخر ؟ 

لماذا لم يثر على الكفر طالما أنه اصر بملازمة الإلحاد للياس كنتيجة حتمية ؟ لماذا لم يثر على هذا اليأس ؟ اين دعوى الحرية ؟ الا يحق للانسان ان يثور حتى على افكاره ؟ ان يبقى خانعا مستسلما للياس والالم ، مقابل قيد الالحاد ، هذه عبودية من نوع آخر ، ولمن يا ترى ؟ اليست الحرية سلاح في وجه كل ما يؤثر على السعادة ؟ وهو يعترف بتأثير الإلحاد على سعادته . لماذا لا يشهر سلاح الحرية في وجه الإلحاد إذاً ؟

اقتباس: إنني أريد هواء .. هواء أكثر .. اريد ان احقق نفسي ، اريد ان انشر اجنحتي فيما لا حدود له في المكان والزمان .. ص90 :

الرد: لاحظ الآية : ( يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) ، وهذا مصداق لها ، "اريد هواء" : هو يريد ان يتنفس ، وليس ان يطير كما قال ، فمن يريد الطيران لا يقول : هواء هواء ، بل : اجنحة اجنحة . هذا يقولها من صدره ضيق حرج ، ولا يدخل هواء كافيا إلى رئتيه .

اقتباس: ومن الذي ينشر تعاليمه هذه ؟ أهم الفلاسفة ؟ ام هم الشعراء ؟ أما الفلاسفة فلا ، لأنهم يعتمدون على العقل ، والقل هو سفّاح الحياة الانسانية .. إذاً الشعراء هم الذين ينشرون تعاليمه ، لانهم يعتمدون على القلب وعلى الخيال .. ص 92 :

الرد: من يقصد بالشعراء ؟ هل يقصد المتشائمين مثله الذين يفرون من الحياة ، ام الشعراء المتفائلون هم الذي يستطيعون ان يخلقوا الحياة والحرارة ؟ هو مثل من يطلب الشيء من ضده ! يقدّم شاعراً عدمياً يائسا حانقا ويقول : هذا هو الذي يصنع لكم الحياة ! إن مثل هذا الشعار يعدي بالكآبة من لم يكن كئيبا قبل قراءته ، فهو صار بالحياة ، مثل من يتنفس غازا خانقا بعد ان كان يتنفس الهواء الطلق ، المريض يجب الا يعالج الناس ، بل يعالج نفسه أولا ..

وماذا سيقدم المريض سوى المرض ، والكئيب سوى الكآبة ، والعدمي سوى العدمية ، ( ماذا اعطيك اجيبيني .. خمري ؟ إلحادي ؟ غثياني ؟ ) شعراء وكتاب الوجودية (العدمية) يزيدون الحياة سوءاً ، هم ومن تتلمذ عليهم من شعراء الحداثة والذين اكثرهم من شعراء الكآبة ، الذين يشعرون القارئ أو السامع ، بأنه ضائع وأن آماله سخف في سخف ، ويقرعون آذان الناس ليل نهار بمطرقة الموت ، : الموت الموت ؟ لماذا تضحك وتتفائل وأمامك الموت والعدم ؟ لماذا تعمل والموت بانتظارك ؟ مثلما كان يفعل ابو العتاهية ،

الإيمان والإسلام الحقيقي لا يجعل من العمل والتفاؤل سخفا حتى مع وجود الموت ، الذي هو ، باسوأ أحواله ، راحة للمؤمن ونقلة نوعية لحياته إلى حياة مثالية والتي عمل لأجلها طويلا ، وهو الوحيد الذي يستطيع ان يجمع بين التفاؤل والموت ، اما فيلسوفنا هذا ( إن جاز تسميتنا له بهذا الإسم) فهو لا يقدم فلسفة ، إنما هو شخص يصر على الكفر ويصرخ من الألم من الكفر ، وبإختصار يقول : الحياة كلها الم ومصيرها عدم ، لكني لن اقبل بفكرة الايمان ، وسابحث عن حلم أعرف أني لن أصل إليه ، وهل العاقل يبحث عن حلم يعلم انه لا يصل إليه ؟

اقتباس: لقد كان انسانا احب الحياة فتزوج وهو دون العشرين وانجب ثمانية اولاد ، وتعذب وعرف الفقر والجوع والتشرد ومرض عندما حددت اقامته ، واشتد به المرض ..  ص 93 :

الرد: كونه إنسان عانى وتألم ، يجعلنا نتعاطف مع شخصه ، ولكن لا نتعاطف مع افكاره و نعرف انها هي سبب تعاسته وتعاسة غيره ، فقد كان ايضا مشهوراً ، ومبدعا ادبيا ، إلى غير ذلك من الاسباب الكافية لتجعله سعيداً ، والتي لا يمتلكها كل الناس غيره ،إذاً عدميته (وجوديته) هي سر شقاؤه الأول .

فصل : ألوان الحب ، ص94 - 105 :

الرد: هذا الكلام واقعي ، وهذا يدل على ان الحب الحقيقي هو الحب الحقيقي المبني على  الفضائل وليس على الاشياء ، لانها تفقد طعمها اذا كانت بين ايدينا ، ويعود طعمها اذا فقدت ، وكأن الشعور يقول : أنها ليست كل شيء تبحث عنه ، وإن كنت احتاجه ، حدوثه مع الاشياء أهون من حدوثه مع الأشخاص ، مثلما يكون لديك اشياء في المستودع ، تريد ان ترميها وتخاف ان تحتاجها ، الاشخاص لا يحتملون هذا الوضع ان يقع عليهم ، اي لا يحب الشخص ان يكون شيء ، لأنه في حقيقته ليس شيئا ماديا فقط ، فإذا تمت العلاقة على اساس من الفضائل والحب في الله ، لا يتحول الشخص الى شيء ، مهما كثر وجوده في حياتنا ، فهو لا يمل لأن الطبيعة لا تُمَل ، ولكن اذا اعتبرنا الشخص شيئا نافعا فإنه سيملّ ، ولن تستطيع ان تعطيه الاهتمام نفسه الذي كان في البداية ، لأن ذلك الاهتمام الزائد هو بقصد الحصول عليه ، ولكن عندما تم الحصول عليه قل الاهتمام ، هذا الوضع يقع لنا في التعامل مع الاشياء ، وعندما يقع مع الاشخاص تكون المشاكل .

اقتباس: هذا هو الماركيز دو ساد ، الرجل الذي سميت السادية وكل انواع الشذوذ الجنسي باسمه ، إنه لا يعتذر ابدا عن اي شيء مما فعل ، ولا يحب ان يعتذر له ، ولكنه كان حريصا طول حياته ان يعبّر عن كل ما يحس ، وأن يصور كل ما يدور في رأسه ، وكان شاذا جنسيا وهو يعترف بذلك ، ولكن ما معنى الشذوذ عنده ؟ معناه إشباع كل الرغبات الحسية دون تفرقة ودون ضابط ودون تقيد بأي اخلاق او دين .. إنه يريد ان يستجيب للطبيعة ، والطبيعة مجرمة قاسية ، وهو الآخر مجرم وقاسي ، ولا يرى شيئا اصفى من الالم ، ولا شيئا اعرق من العذاب .. وهو يدافع عن ذلك بكل ما يملك من ذكاء وخيال وقوة تعبير وصدق ..

وهذا هو الذي يعنينا ، اننا نعنى بالفنان وبالفيلسوف الذي حاول ان يجعل من الشذوذ مذهبا اخلاقيا ومن الكفر بالاديان دينا جديدا .. ص 108 :

الرد: الكاتب صوّر الماركيز دو ساد وكأنه بطل ، ونسب شذوذه وشروره إلى الطبيعة ، ولم ينسبها إلى تفكيره، الطبيعة ايضا فيها الجمال والحب والعطاء ، وهل الشذوذ واللواطة من الطبيعة ؟ الطبيعة ذكر وانثى ، وليست ذكر مع ذكر ، كل ما تحدث عنه الكاتب هو امراضه وشروره ، وسمّيت باسم الطبيعة ، هل من الطبيعة التلذذ بتعذيب الآخرين ؟ وكونه اخرج هذه المكنونات الفاسدة ، لا يعني انه على الصواب ، وكون غيره من الشعراء والفنانين تاثروا ، فهذا لا يعني ان كلامه صحيح ، فالفجور شيء واحترام الطبيعة شيء آخر ..

ولو استجاب ماركيز دو ساد للطبيعة ، ألن يجد في طبيعته حباً ورغبة في الخير والرحمة والعطاء ؟ هذه كلها موجودة في طبائع البشر ، إذاً هو لم يستجب للطبيعة كاملة ، بل استجاب لنوازع شهوانية كالشذوذ والانتقام ، وسماها الطبيعة ، الجندي الذي يلقي سلاحه بعد ان حاول ان يقتل الاسرى ويطلق سراحهم ، الن تقول انه استجاب لنداء الطبيعة والرحمة بعد ان تذكر اطفالهم ؟ ام ان الخير ليس طبيعة والشر هو الاساس ؟ وإذا قلنا ان دو ساد استجباب لنداء الطبيعة ..

فهذه رسالة من الكتّاب الوجوديين ان نستجيب كما استجاب ، فنرفض الاخلاق والدين ونبحث عن اي ممنوع نستطيع ان نفعله كان يمنعنا عنه الحياء والاخلاق والدين ، هذا هو اللؤم بعينه ، فهم لا يطلبون منا ان نعاند لاجل الحق ، بل ان نعاند لاجل الشر ، فهم يأتون بنماذج استجابت لدوافع شريرة ، ويقولون : ما اعظمه ! لقد استجاب للطبيعة . ولا يقدّمون نماذج لمن استجاب للدوافع الخيرة ، وكأنه لا يوجد إلا نوازع الشر المكبوتة ، متجاهلين وجود نوازع خير مكبوتة في النفوس ايضاً ، وتبحث عمن يشجع على إخراجها ، في ظل كثرة من يشجعون على اخراج النوازع الشريرة والتشريع لها .

اقتباس: والثورة على الحواجز التقليدية بإصرار وإلحاح مستمر قد جعلت منه على رغمه ، أول انبياء السرياليزم ، أو المذهب فوق الواقعي .. ص109 :

الرد: هل الانحلال والشر وصراخ الغرائز ، هو السرياليزم ؟ هذه هي البهيمية ! والبهيمية واقعية ، وتشبه لأقرب زريبة  وليست سريالية ، وكيف سيكون هذا الخيال الخلاّق بين لزوجة عرق الاجساد وافرازات الجسم وفحيح الشهوة والدماء والتعذيب ؟ وليس كل انسان يمتنع عن هذه الاشياء بدافع الخوف من المجتمع كما يقول دو ساد ، بل بدافع من النوازع الفاضلة داخله ، والتي تتصارع مع هذه النوازع الشريرة وتتقزز منها ، والتي لا يحب ان يعترف بوجودها ، بل حتى كثيرا من هذه النوازع الخيرة ، يمنعها الآخرون من الظهور ، تماما كالنوازع الشريرة ..

فأنت تريد ان تقول احياناً : ان هذا المتحدث كاذب ، ولكن لو قلتها لآذاك الآخرون ، وتريد ان تقول ان هذا الشخص المرموق لص غبي ، ولا تستطيع ان تقولها ، مع انه هو كذلك في حقيقته ولكن لا تستطيع قولها ، ويريد الجندي ان يقول : لماذا نقتل هؤلاء الناس ، وهم لم يسيئوا إلي؟ لماذا لا نتعايش مع بعضنا ؟ ولكن له الويل لو قال هذا الكلام ، ولو فعله لاتهم بالخيانة العظمى ، إذا هذه طبيعة مكبوتة ايضا بجحيم من الآخرين ، وهم دعاة الشر ، غالبا ، لو تحدث شخص عن الايمان بالله ، امام دو ساد ، مثلا ، لقمعه وسخر منه وكشّر في وجهه ، مع أنه يحس أن الايمان جزء من طبيعته ..

إذاً هذا لعب على الالفاظ ، على طريقة : مارس الشذوذ إذاً هو مستجيب للطبيعة ، سرق وقتل وضرب ، إذاً هو مستجيب للطبيعة ، طبيعة بهذا الشكل يجب ان تكبت ، وليس من الصواب اطلاقها ، لأنه يستلزم إطلاق المجرمين من السجون ، فهم لم يفعلوا إلا استجابة لنداء الطبيعة التي هي كلها شر كما يفترض الفكر الوجودي ، فما الداعي إلى سجنهم إذاً ؟ لماذا بعض الاستجابات تسمونها بطولة ، وبعضها تسمونها إجراماً ؟ مع أنها كلها نابعة من مصدر واحد ؟ أم أن تحديد الطبيعة خاص بالوجوديين فقط ؟ وهم يحددون السلوك النابع منها وما لم ينبع منها ؟

اقتباس: فالرومان عندما يطلقون الوحوش على المسجونين ويصفقون ويضحكون ، إنهم يجدون لذة في التعذيب لبعض الناس .. إنهم ساديون !

والاسبان اليوم يجدون متعة كبرى في مشاهدة مصارعة الثيران ، وفي رؤية احد بني الانسان يعذب حيوانا ويضربه ويسيل دماؤه ، هذا الانسان القاتل بطل من الابطال .. إنهم ساديون ايضاً !!

والافلام التي تظهر في السينما وتصفق الجماهير للبطل وهو يضرب احد خصومه ، وكلما ضربه وأوجعه ازداد حماس الجماهير .. فماذا نسمي هؤلاء الناس العاديين ؟ إنهم ساديون ولا شك !!  ص110 – 111 :

الرد: كلام غير دقيق ، ما يبدو للوجوديين الساديين أنه تلذذ بتعذيب الآخرين ، يحتاج إلى بعض التمحيص ليتبين الموضوع ، فالبطل الذي يستمتع الجمهور وهم يرونه يضرب خصمه ، تلاحظهم يؤيدون واحداً على الآخر ، ولا يؤيدون عملية الضرب نفسها ، فالبطل عندهم يرمز للخير الذي ينتصر على الشر ، لذلك يشجعونه وهم يتفرجون على التلفزيون ، ومنظر الدماء من الثيران الذي يتلذذ بها الاسبان كما يتخيل ، هي ليست للدماء ، بل المتعة في شجاعة الفارس وتغلبه على الثور الضخم الهائج ، وإلا فإنهم لن يستمتعوا بمنظر الثيران في المسلخ زلن تجد لك مكانا حتى تتفرج من كثرة الزحام في المسالخ ، وهي تموت وتسيل دماؤها ، أو تدوّخ أو تصعق بالكهرباء . 

لو كان الامر كذلك ، لما تقزز الناس من مناظر الدماء ، فليس كل احد يطيق هذا المنظر ، بل إن بعضهم يصاب بإنهيار عصبي وهو يرى الدماء ويغمى عليه ، لا يطيقه أحد إلا لحاجة وتجد أن غير الاسبان لا يستمتعون بهذه المصارعة، فهي فلكلور خاص بهذا البلد ، وله قيمة تاريخية عندهم . باختصار : الناس عموما لا يحبون العنف ولا الشر إلا إذا وقع على الأشرار ، ونستثني من لهم مصلحة بالعنف فهم الوحيدون الذين يجدون لذة في ذلك ، وليست اللذة في العنف والدماء عند هؤلاء ، بل في المصلحة التي وراء ذلك ، فالقائد العسكري المتحمس ربما يفرح بعدد الجماجم التي جاء بها جنوده ، وربما يلطخ ملابسه بتلك الدماء ، بشكل يبدو أنه يؤيد كلام دو ساد والوجوديين ..

لكن الحقيقة أنه يفعل ذلك طمعاً في النصر وبهجة به ، هذا الضابط نفسه سيتقزز من منظر كلب تدهسه السيارات ويلوث دمه الشارع ، لأنه لا مصلحة له في ذلك ، وسيغضب كثيرا لو علقت نقطة من ذلك الدم على ثيابه . وكما يقول صاحب الثأر المليء بالحقد : اريد أن اشرب من دم خصمي ! ولا يفهمه دو ساد والآخرون أنه يستمتع بشرب الدماء وأن الآخرين يكبتون هذه اللذة ، وإلا لوجدت محلات الدماء بجانب محلات العصير . وإذا زالت هذه المصلحة عاد هؤلاء ورجعوا إلى رفض العنف ، مما يثبت أن إرتباط الشر هو بالمصلحة ، وإلا فلا يوجد أحد يحب الشر لذاته ..

وعليه يكون الشرير هو من يستجيب للمصالح على حساب الأخلاق ، وليس الشرير الذي يحب الشر لذاته ، لأنه لا يوجد أصلاً . وهذا الكلام عن دو ساد ، قد لا يكون صحيحا او مبالغا فيه ، أو أن يكون الرجل مريض عقليا لدرجة حادة ، فـ 800 سوط دفعة واحدة هي شيء يفوق الاحتمال البشري ، فما بالك أن يجري عمليات حسابية أثناء وبعد هذه السياط ؟ وكيف لتلك اليد الأنثوية ان تجلد 800 سوط متواصلة ؟

اقتباس: لقد حاول في قصصه الكثيرة ورواياته ان يصور كل شيء بصورة عارية ، لقد حاول ان يفضح الكذب والانانية وكان مخلصا صادقا فيما يقول ، وكان فنانا .. لقد كان صادقا في التعبير عن الكذب ، وكان مؤمنا في التعبير عن الالحاد ، زكان فيلسوفا صاحب مذهب في التعبير عن الفوضوية ! لقد كان صادقا فنانا ، وفريدا .. ص 122 :

الرد: البحث عن مبررات لما فعله دو ساد نتيجة لظروفه ، تبقى وجهة نظر شخصية ، كما يجب ألا ينسى من يدافع عنه  أن يدافع عن بقية المجرمين في السجون ، لأنهم سيحتجون بظروفهم ايضاً ، وأكيد أن لهم ظروف سيئة مروا بها في كثير من الاحيان ، وإن كانت الظروف السيئة تمر على الأسوياء ايضاً ، ولم يفعلوا فعله ، المشكلة هي عندما يقدّم على أنه هو الصحيح وأن فكره هو الصحيح ، وأن الناس كلهم عبارة عن (دو ساد) ولكنهم منافقين ، لهذا السبب اهتم به الوجوديون لا بدافع الشفقة على مجرم أو مريض عقلياً ، و ليس لأجل فنه ، بل أرادوا أن يصنعوا منه نموذجا يحتذى ، وهذه هي المشكلة ..

عندما تؤصل الرذيلة ، مع أن الباطل زهوق ، والنظرة إلى الطبيعة بشكل عام أو طبيعة الانسان أنها مجرمة ، هذا كلام غير علمي ولا دقيق ولا واقعي ، فالطبيعة التي ترسل الزلازل والامراض هي التي ترسل الحليب للأطفال والغذاء والمطر والدواء والمضادات الحيوية ، وهي التي تهب الحياة إذا كانت تهب الموت ، والإنسان كذلك ، ويبدو لي ان مشكلة دو ساد النفسية ، تتجلى في أنه لم يشعر بحب الآخرين له ، خصوصا المرأة ، والذي جعله لا يُحَب ، هو فظاعة افكاره وسلوكه الشهواني المنفجر ، والذي لا يستطيع ان يسيطر على نزاوته ، واللطفاء منهم قالوا عنه أنه مريض عقلي يستحق الشفقة .

 افعل الخير يحبك الناس ، وافعل الشر يكرهك الناس ، وهو اختار ان يكون شريرا ومحبوبا في وقت واحد ، وهذا مستحيل ، لهذا يشتكي من عدم حنان المرأة ويكيل بحقده على المرأة ، ويصف الناس بأنهم اشرار مثله ، ولا يحب أن يعترف بوجود اناس فضلاء ، إن اعترافه سوف يعني انه هو السيء ، ولو كان صادقاً لذكر هذه الحقيقة ، وهي أنه لا يُحَب ، ولذلك يزيد في الانتقام ، ويجاهر بالموبقات والتفسخ ، ليس لأنه يحب هذه الاشياء ، بل ليغيض المجتمع ، وهذا هو سبب كونه صريح ، وليس كرهه للنفاق هو السبب الحقيقي ، فمن يستطيع ان يتعاطى او يحب او يعجب بانسان يستدرج شحاذة مسكينة ويلهب ظهرها بالسياط حتى تسيل دمائها بدون اي ذنب ؟ لماذا لم يحضر ضابطا ويجلد ظهره ؟ هذا يدل على روح جبانة حاقدة ، يجلد  ضابطا أو قاضياً من الذين أساؤوا اليه ! بدلا من شحاذة مسكينة! ام ان الطبيعة لا تظلم إلا الضعفاء ؟

الغموض الذي يلفه الوجوديون والحداثيون على كتاباتهم و شخصياتهم او الشخصيات التي يعجبون بها او افكارهم وحتى رسومهم ، هو عمل ضد التنوير ، الناس بحاجة الى التنوير وليسوا بحاجة إلى الظلام والكوابيس الغامضة ، والادب الغامض هو ادب ظلامي ، والمقال الغامض هو مقال ظلامي ، الحق ابلج وصريح ومكشوف ، ولا يلوذ في الظلمات إلا الخفافيش .

اقتباس: فصل صحوة الوجود (يتحدث عن مسرحية بيت دمية لهنريك ابسن) ملخصها أن نورا اقترضت مالا من البنك الذي يعمل فيه زوجها مديراً ، أخذت ذلك القرض باسم ابيها تزويرا لكي تنقذ به زوجها المريض نفسه ، وعلم بأمر التزوير أحد الموظفين في البنك ، فقام المدير زوج نورا بفصله عن العمل ، وبعدها علم الموظف المفصول أن زوجة مديره هي من زوّرت القرض ، فأرسل تهديداً يفضح به المدير عبر البريد ..

وكانت لنورا صديقة اسمها لورا ، وقد اخبرتها بقصة تزويرها للقرض من أجل زوجها ، فذهبت لورا وأخبرت بذلك الموظف المفصول التي كانت تحبه فيما سبق ، فندم الموظف المفصول على ما عمل ، وأرسل رسالة أخرى يلغي فيها هذا التهديد ، ولكن المدير لم يصله سوى الرسالة الأولى ، وعندها قام بتوبيخ زوجته وأهانها وأنها ستؤدي به إلى فضحه وإلحاق العار به ، ولكن عندما وصلته الرسالة الثانية ، تغيرت مواقفه فجأة وأصبح يتودد إلى زوجته ويطلب منها أن تكون قريبة منه وحبيبة .. ولكن نورا انصدمت بهذا التغير المفاجئ وقررن الرحيل تاركة إياه وتاركة بيته وأولاده له للتعيش من جديد ... ص 123 - 137 :

الرد: مشكلة نورا هي انها تصادمت مع الرذيلة وجهاً لوجه ، مع زوجها مدير البنك ، هذه القصة أخلاقية وليست تتحدث عن صدمة وجود أو يقظة وجودية كما يرى الكاتب ، وتصلح للاستشهاد على اهمية وجود الاخلاق وحاجة الحب إليها في البيئة الاجتماعية ، لأن الأخلاق اخذ وعطاء من نفس النوع ، لقد انصدمت من موقف زوجها الذي فعلت الفضيلة من اجله ، وهو لم يقدر ما قدمته له ، إن زوجها هو الذي مارس وجوديته واهتم بأنانيته ورمى الأخلاق والواجب الاخلاقي عرض الحائط ، لأن عليه واجبا اخلاقي تجاه شهامتها ، فبسبب تخليه عن الاخلاق ، خرجت من المنزل واعتبرته غريبا لأنها لم تتخيل ان يرد معروفها بهذا الشكل ، وانكشفت لها حقارته ، وتعلقه بالرذيلة والمصلحة ، فمات الحب في تلك اللحظة واصبح شخصا غريبا عنها ..

لأن الحب مبني على الاخلاق أو مظنة الاخلاق ، فإذا انكشفت الحقيقة الاخلاقية السيئة ، فلا بقاء للحب ، وما فعلته هو احسن تصرف لإنسانة تعيش بالأخلاق ، وتعلم انها هي سند الحب ، وهي تثبت – القصة – أن الإنسان ينكشف ويعرف إذا انكشفت حقيقته الاخلاقية ، إنها لم تهرب لأنه عاملها كدمية بل لانه انكشفت اخلاقه ، ونفعيته ، فعندما كان خائفا من الفضيحة ، اساء اليها ولما اطمئن واحس بالامن أراد ألا يخسرها تبعا للمصلحة ، وهي كرهته لأنه إنسان برجماتي ونفعي وليس اخلاقي ، مثل نورا الراقية . 

هذه القصة تؤيد المثالية الاخلاقية اكثر من تأييدها للوجودية ، فلو ضحّى لاجلها لما خرجت من المنزل ، إذا ليس سبب خروجها هو وجوديتها ولكن اخلاقها هي السبب ، فهي لا تستطيع ان تعيش مع برجماتي بغيض . ولماذا لم تشك نورا بالاخلاق ؟ لو كانت تشك بالاخلاق ، لما خرجت من المنزل بدافع اخلاقي ؟