الاثنين، 30 يناير، 2012

حول الأسهم والرأسمالية

يلاحظ دائما ارتباط الرأسمالية بإشعال الحروب ، لكي يتكسَّب الرأسماليون من وراءها , ففي حين أن الحكومات تتضرر وتخسر حروبها و يقتل من مواطنيها و جنودها ، يجر الرأسمالي وراءه أكياس نقوده الممتلئة من جراء البيع على الحكومات و المتحاربين .

والحروب هي أكثر شيء يضطر الناس إلى المال ، والمال لا يأتي إلا بالربا المركب والرهون في هذه الظروف , والحرب مسالة حياة أو موت ، والمحارب مستعد إن يقترض بسبب ظروفه والحرب تحرق المال ، و المستفيد هو طبعا الرأسمالية . 

إذاً الرأسمالية لا تساعد على الاستقرار كما يزعمون .. فالعالم يحكمه تجار رأسماليون بالدرجة الأولى

المضاربات بالأسهم المفروض أن تـُحرَّم من وجهة نظري ، لأنها كسب مال بمال ، و لأن المتحكم بالقيمة ليس شيئا موجودا حقيقيا ؛ فعند شراء مقص ؛ المقص له وظيفة ، ووظيفته تحافظ على قيمته في أي حال من الأحوال ، لكن السهم ليس له وظيفة ، هو شيء مجرّد و ليس ثابت , وقيمة هذا السهم مرتبطة بالإعلام وظروف أخرى ، بينما المقص مرتبط بوظيفته وحديده كخام ومادة أولية و تستفيد منه بأي شكل

من أين جاءت قيمة السهم الحقيقية ؟ هي قيمة وهمية مرتبطة بالإعلام والمؤثرات : السياسة ، الاجتماع ، الاقتصاد ، و أهم المؤثرات هي ألاعيب تجار الأسهم الكبار الذين يؤثرون في السوق ، خصوصا إذا اتحدوا بدافع المصلحة المشتركة .

والسهم وضعه متوتر أكثر من توتر السلع , فهو يشبه الشمعة خارج المنزل , إما أن تنطفئ أو تشعل حريقا دون القدرة على التحكم فيه , فقيمته ليست مستمدة منه ولا من الشركة المنتجة , و حتى لو انخفضت أسعار السلع المعينة فهناك طرق للاستفادة منها ، إما التخزين أو التحويل .. الخ .

و هكذا تكون المضاربة فيها غرر لأنها مبنية على الفوضوية , ثم ليس للمساهـِم يد تطوير أو حماية للسهم ، لكن عند شراء سلعة معينة من الممكن تطويرها و حمايتها , أي لا توجد قيمة للجهد أو التفكير أو الذكاء في عالم الأسهم ، لكن مثل الصناعة و الزراعة فتوجد لها خطوط و طرق وكتب تعليم وخبرات ويمكن تطويرها وحمايتها ، بحيث تقل نسبة الغرر , فهل هناك خط منطقي يستطيع أن يجعل منك ناجح في الأسهم ؟ لا .. إنهم يعتمدون على الحظ والصدفة ، والحظ هو القمار .. وخسارة الأسهم لا تبقي أصلا يمكن الاستفادة منه ويمكن مقارنته بقيمة الشراء .

وطالما أن المجهود العقلي والجسمي لا قيمة له في الأسهم ، فإذاً هذا هو القمار و الغرر أيضا , فهل يوجد علم يسمى النجاح في الأسهم ؟؟ لا يوجد .. 

والإسلام حرم الربا لأنه لا يوجد مجهود ، و كذلك القمار والأسهم ، فالمال هو الذي يعمل بنفسه وليس فيه مجهود ، وكذلك الأسهم , ومن الخطأ أن يوضع المال المعلوم في شيء مجهول . المال نفسه مجرد ، وقابل تحويله إلى صور معينة من المادة (سكّر – بلح – عطر .. الخ) , و لكن الأسهم هي تجريد التجريد ,  فتضع المال المجرد في السهم المجرد ، والمجرد لا تستطيع حمايته وتنميته , ولذلك بعد خسارة الأسهم  يُقبل الناس على شراء المعيّن وبقوة ، وعلى رأسها العقار ، مما يؤدي إلى غلاء الأسعار . أصحاب الرساميل الضخمة يستخدمون الإغراء ليغرون المستثمرين الصغار من أجل أن يجمعوا أموالهم .

البورصات هي البحيرات الصغرى للصيد بالشباك للرأسمالي .. و أسواق الأسهم هي التي تسبب الاهتزازات الاقتصادية في العالم وارتفاع الأسعار الغير معقول والغير مبرر والانهيارات والارتفاعات المفاجئة . الربا والقمار والأسهم هي أمراض الاقتصاد ، لأنها تجريد متحكم في قيمة المُجسّد , والمفترض أن القيمة تنبع من المجسّد ولا تفارقه .. ولا أن تفرض عليه من الخارج . الأصل أن كل شيء ثمنه فيه , وهذه تسمى (مؤثرات القيمة) : مثل الربا ، الأسهم ، القمار ، والإعلام . الغرر ، والسياسة . وكلها تجعل القيمة من خارج الشيء  .

البورصات هي ملعب ، على جانبه الرأسماليين ، و على جانبه الآخر بقية الناس , وهم الوحيدون الذين يستطيعون التحرك ، والبقية مكبلة لا تتحرك ,  وتخيل عدد الأهداف التي سيسجلها الفريق المتحرك في مرمى الفريق المكبّل . لو لم توجد هذه المجالات للرأسمالية ، لما وجدت الرأسمالية كشبح ، و أقصد : البورصة ، الربا ، القمار ، الاحتكار ، الغرر ، هذه هي أجنحة الرأسمالية . وهذا ما فعله الإسلام بتحريمها .

لقد كان الإسلام رحيما بالعالم وليس فقط المسلمين (و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .

الأحد، 29 يناير، 2012

حول الذكاء العاطفي


ملخـّص من كتاب الذكاء العاطفي ..
للدكتور ياسر العيتي ..




ملاحظة مهمة :

(( أنا لا ألوم المؤلف ، بل ألوم الاساسات التي اعتمد عليها من كتاب دانييل جولمان عن الذكاء العاطفي ))

* * *
اقتباس :
إن نجاح الإنسان وسعادته في الحياة يتوقفان على مهارات لا علاقة لها بشهادته وتحصيله العلمي .
فقد بينت كثير من الأبحاث أن كثيرا من الأشخاص الذين تخرجوا من الجامعات الراقية بدرجات ممتازة لم ينجحوا كثيرا في حياتهم العملية أو الأسرية أو العاطفية في حين أن أشخاصا تخرجوا من جامعات عادية وبدرجات عادية استطاعوا أن شركات ضخمة ويكونوا ثروات هائلة ويتصفون بالاستقرار العاطفي . هذا لا يعني أنه لا دور للشهادات في تحقيق النجاح ولكنها لا تكفي وحدها بل لا بد من مهارات تعرف بالذكاء العاطفي .

ومن هنا يمكن تعريف الذكاء العاطفي بأنه قدرة الإنسان على التعامل الإيجابي مع نفسه ومع الآخرين .

وهناك سؤال : هل يمكن للإنسان أن يرفع من مستوى ذكائه العاطفي ؟ والإجابة :نعم وبالتأكيد . وقد أشارت الدراسات أن هامش التطوير في الذكاء العاطفي أوسع بكثير من هامش التطوير في الذكاء العقلي .

وهناك سؤال : هل الحدس أذكى أم العقل ؟ وعلينا أولا أن نعرف الحدس , وهو: ذلك الشعور الذي نشعر به تجاه شخص ما أو في ظرف ما دون أن تجد سببا منطقيا لذلك الشعور .
وقد يصدق الحدس حسب دراسة أجرتها جامعة هارفارد وصدق فيها بنسبة 80%
وقد يخيب الحدس إذا كان : -مظاهر الآخرين لا تدل على مخابرهم , -أو عندما يخطيء الإنسان في قراءة مشاعره هو .

وللعقل الباطن دور كبير في حياة الفرد والمجتمع حيث لا يقتصر تأثير اللوزة "مركز العقل الباطن " على تخزين التجارب المختلفة التي يمر بها الإنسان , بل تقوم بتحليل المعلومات الواردة إليها واتخاذ القرارات والإيعاز لعضلات الجسم للقيام بأفعال معينة .

وينطبق هذا على التربية فنحن عندما نصف أولادنا بصفات سلبية فإنها تُسجَّل في العقل الباطن ثم يتصرفون على بتأثيرها , مثل إذا كررنا على مسامع الطفل : أنت عنيد , فإنه سيصبح عنيدا بالفعل ؛ لذا علينا أن نتوقف عن تداول السلبيات في أنفسنا ومجتمعاتنا , ونكرر الحديث في الإيجابيات مهما كانت قليلة .

الرد :
هذا مخالف لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، اي مبدا الاصلاح والنقد . ولا اصلاح بدون نقد .. لا شك ان هذا المؤلف يمجد حرية التعبير و تعدد الاراء و يقول انها بناءة .. بينما هو الآن يناقض هذا المبدأ .. و يريدك الا تذكر الا الايجابي في الآخرين .. لكنه لا يريد ان تكون الديموقراطية بهذا الشكل .. أتدري لماذا ؟ لانه لا يريدك ان تـُغضب الاخرين ، وبالتالي لا تخسر ما سوف تستفيده ماديا منهم .. أي : تفكير براجماتي نفعي .. وليذهب الاخرون الى الجحيم ما دمتُ قد استفدتُ منهم ..

كل هذا الكتاب وامثاله ذات النسخ المليونية و المترجمة لكتّاب الراسمالية الغربية ، والتي تباع في محلات البقالة قبل المكتبات ، كلها تقدم دروسا في الراسمالية من خلال البرجماتية ، و لا تعنيهم الاخلاق لا من قريب ولا من بعيد .. والنجاح عندهم هو جمع المصالح في جيب واحد ..

إنهم يدربونا على اساليب الرسملة من خلال الصراع اللطيف المبني على المجاملة الكاذبة ..

 
اقتباس :
 أما كيف تكون سيد نفسك فقد توصل الباحثون إلى أن قوة الإرادة والتحكم في الذات يؤديان إلى السعادة والنجاح في الحياة .. ومن هنا على الإنسان أن يكون متحكما في نوازعه ورغباته لا تابعا لها .


الرد :
هذا تناقض !! لماذا يريده ان يتحكم في نوازعه ؟ اليس لكي يرضي نوازع اخرى فيه ؟ والا فما الدافع للتحكم ما دام المرء عبدُ لذاته كما هو في نظرتهم المادية النفعية ؟

و ما دام هذا هو الامر ، فهل هو فعلا تحكم في نوازعه ام انها تحكمت فيه ؟ على الاقل البعض منها ؟ تـُرى ما هو هذا (البعض) المتحكم ، و ما البعض المسكين المتحكَّم فيه ؟ لا شك ان الضحية هي نوازع الخير .. لأنها ضد المادية ، والنجاح عندهم هو المادية ونوازعها الانانية ..

ثم : الم يقل ان العواطف والمشاعر تاتي من نفسها و ليس لنا ان نتحكم فيها ؟ فكيف اذا سنتحكّم فيها ؟ كل ما في الامر اننا سنكبتها ، والكبت لا يعني ذهابها وذهاب اثرها .. فإذا كبت الانسان شعور الندم ، فهل يعني انه قد زال منه الندم ؟ اذا ادّعى السعادة وهو كئيب ، فهل يعني انه اصبح سعيدا و زالت عنه الكآبة ؟ ام انها ستعود اشرس من ذي قبل لأنها قد كـُبتت ؟ ثم من الخطأ الفادح اعتبار الانسان ورقة بيضاء على حسب ما يكتب فيها وعلى حسب ما يمسح في ذلك المكتوب و تعاد كتابته مرة اخرى .. ذاكرة الانسان ليست ذاكرة كمبيوتر ..

الماديون في الغرب مصرون على التعامل المادي مع الانسان كأي جهاز كمبيوتر .. كما يرددون : قل انا سعيد ، تصبح سعيدا ! اي اكتب في ورقة او في ذاكرة كمبيوترك الشخصي (الذي هو انت)  : "انا سعيد" ، فتكون سعيداً من فورك !    

 
اقتباس :
 إن مبدأ الذكاء العاطفي بسيط جدا يعتمد على إعمال الذكاء في العاطفة , فقد خلق الله العواطف لوظائف معينة منها حماية الإنسان من الأخطار والارتقاء بوجوده . فالذكي عاطفيا هو الذي لا يتجاهل عواطفه ولا يكبتها وإنما يفهمها ويتعامل معها بطريقة إيجابية , حيث إن كبتها يؤدي إلى الاحتقان وينعكس سلبا على صحته النفسية والجسدية ,


الرد : 
قبل قليل يقول أنه علينا ان نتحكم في مشاعرنا ونوازعنا !!



اقتباس :
وهناك قاعدة أساسية في الذكاء العاطفي تقول : نحن لا نستطيع أن نقرر عواطفنا ولكننا نستطيع أن نقرر ماذا نفعل حيالها . مثلا لا نستطيع أن نقرر متى نغضب ولكن نستطيع أن نقرر كيف نتعامل مع غضبنا .


الرد : 
نعم ، كان يجب ان يقف هنا كثيراً .. لأن هذا هو مربط الفرس ما دمنا لا نستطيع ان نقررها ولم نصنعها ، فلماذا لا تكون هي الاساس والمنطلق ؟ لأنها هي الشيء الوحيد الثابت فينا .. والإنطلاق الثابت يعتمد على اساس ثابت ..


كأنه يقول : كيف نتحايل على هذا الثابت .. و نمرر ما لا يريده رغما عنه لاننا اخترناه .. هنا معاكسة للطبيعة ، فكل شيء ثابت طبيعي .. و مخالفة الطبيعة والفطرة التي فطرنا الله عليها هي سر الامراض الجسدية والنفسية .. طبعا لا نستطيع ان نستجيب تلقائيا لاية نوازع فينا ، والا لكنا بلا عقل .. والانسان لديه نوازع متناقضة ، ففيه الفجور و فيه التقوى ، فايهما الذي يجب ان نزكيه من تلك النوازع ؟

ان وضع النجاح كهدف اعلى للحياة (الثروة والشهرة) ، هذه من اسقاطات الفكر المادي النفعي الغربي الدنيوي .. يجب ان يكون هدفنا هو الحق و ليس النجاح .. حتى اللص قد يكون ناجحا ماديا واجتماعيا .. و المسلم عليه الا يفكر كرجل مادي نفعي غربي في كل امر يتعلق بفهم الانسان والمجتمع والحياة ..

نحن نتفق معهم على ما ثبت من العلم الطبيعي المادي ، معهم نتفق ومع غيرهم ايضا ، اما ما يتعلق بالحياة والمستقبل و جدوى الوجود والاخلاق ، فهنا "لكم دينكم ولي دين" هي الجواب المناسب .. لأن غايات المسلم ليست كغايات الدنيوي العلماني ، و من غير المناسب ان يكون فهم النجاح بنفس الدرجة ، والاهداف بنفس الدرجة .. فكيف نتعلم صياغة اهدافنا ممن يختلف عنا في اهدافنا ؟

المسلم يعيش لله و لتحقيق كلمته في حياته ، و ليس يعيش لكي ينجح دنيويا : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) (وابتغ فيما اتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) .. و طلب النفوذ والثروة والسلطة كهدف بحد ذاتها ، هذه هي الدنيوية بعينها .. و الدافع اليها ليست نوازع طيبة بالتأكيد ، مثل الغرور والانتقام وحب التسلط و الفخر والكبر .. و كل هذه الاشياء ذمها القرآن ..  

من يبحث عن الحقيقة ويلتزم بها فهذه افضل طريقة للنجاح في الحياة الدنيا و الآخرة ، وهي افضل طريقة لبناء العقل و الذكاء الحقيقي الغير مزيف والغير مخادع ..      

وأنا لا ألوم المؤلف ، بل ألوم الاساسات التي اعتمد عليها من كتاب دانييل جولمان عن الذكاء العاطفي ..  

 
اقتباس :
ومن قواعد الذكاء العاطفي :

-
إدراك العاطفة :ماذا يشعر ولماذا ؟
-
التعامل مع العاطفة بطريقة إيجابية خلاقة .


وسؤال آخر : كيف نستطيع التحكم في مشاعرنا ؟

هناك علاقة متبادلة بين التفكير والشعور والسلوك , ويمكن أن نتحكم بمشاعرنا بالتدخل بين التفكير والشعور أو السلوك والشعور .. مثلا حين نغير من طريقة تفكيرنا في أمر معين يتغير شعورنا نحوه وبالتالي سلوكنا .. فالإسلام فجَّر الطاقات الهائلة في نفوس المسلمين الأوائل عندما فهموه وتوكلوا على الله فتغير التفكير والسلوك .
وإذا تحدثنا عن حالة الانسياب وكيف يصبح الصعب سهلا .. في هذه الحالة يكون الدماغ في أقصى حالات التحفز بينما النفس في أقصى درجات الاسترخاء .. كأن يكون الإنسان مندمجا تماما في عمل يحبه كثيرا .وبالطبع فإن قدرة الإنسان على الإبداع تزداد في حالة الانسياب ..
ومن شروط الدخول في حالة الانسياب :
-
أن تحب العمل الذي تقوم به .
-
ان تقوم بالعمل وهو بالنسبة لك تحد ٍّ وليس تهديدا .
-
التركيز مطلب للدخول في الانسياب وهو إرادي بداية ثم يصبح مع الاندماج لا إرادي .
-
يحدث الانسياب في مرحلة متوسطة بين عمل سهل ممل وآخر صعب مرهق ..

ومن أسس الذكاء العاطفي : التعاطف, فهو أساس النجاح في العلاقات الاجتماعية ..
إن من أهم حاجات الإنسان في هذا الوجود حاجته إلى ان تقدر مشاعره من قبل الآخرين ,
ويعتمد هذا التقدير على ثلاثة أمور :
-
إدراك هذه المشاعر فأنت ترتاح للشخص الذي يقول (أراك منزعجا بشدة )
2-
تفهمها دون الحكم عليها "أي دون أن يبدوا رأيا فيها " كالذي يقول : أدرك تماما أن هذا الأمر مزعج بالنسبة لك )
3-
التعاطف وهو الأساس كالذي يقول (أفهم شعورك فقد مررت بمثل هذا من قبل )
وهذا يعتمد على القدرة على قراءة مشاعر الآخرين من خلال أفكارهم وتصرفاتهم .

 
الرد : 
ولكن ماذا لو كان الشخص على خطأ ؟ هل اقول له أنني احس بك ، واتعاطف مع خطؤه ؟ هذه فكرة غربية ، وهي من اخلاقيات السوق ، على مبدأ : الزبون دائما على حق ، ذلك المبدأ التجاري النفعي و المسؤول عن ثروة اليهود هناك .. 


 
اقتباس :و يتجلى أثر الذكاء العاطفي في عمل الفريق الواحد : فالإنسان الذكي عاطفيا أكثر قدرة على التعاون مع الآخرين والتفكير المشترك وتقبل النقد والرأي الآخر والحوار لحلول وسط .



الرد : 
كيف يجتمع وجود فريق واحد ، مع مبدأ الفردية الغربي ؟ و اذا قيل ان المصلحة المشتركة جمعتهم ، فالمصالح لا تخلق العواطف .. ألم يقل قبلها ان العواطف ثابتة ولا نتحكم فيها ؟ اذا المطلوب هو عواطف مزيفة .. و لهذا سموه ذكاء عاطفي (اخلاق تجارية) ، و معروف مدى رنـّة كلمة "ذكاء" في الغرب ، لأنها مفتاح الثروة .. حتى انهم يضيفونها (ذكي) الى كثير من المنتجات ، كالقنابل الذكية والهواتف الذكية ..


كأنه يريد ان يكسب الثروة (النجاح) من خلال العواطف ، وبما ان العواطف لا تأتي متى شئنا ، اذا اختلقها ، اذا نافق .. و هكذا تدور كتب دايل كارنيجي وغيرها .. اي العب على عواطف الاخرين ما دمت لا تستطيع ان تحضر عواطفك ، و اشعرهم انك تحس بهم و تفهم مشاعرهم ، حتى يعطوك مفاتيح ابواب المصلحة التي لديهم و انت تريدها و عينك عليها ..

وهذا يشبه فكرة قانون الجذب التي تعتمد على تحديد الهدف ثم إعمال البرجماتية باساليبها و التي اهونها النفاق ، لكي تصل الى ذلك الهدف .. و كما يتصورون أنه هو الذي يصل اليك ، و كأنك انت مغناطيس والاشياء برادة حديد لا قيمة لها حتى تلتصق بك و كأنك انت مركز الكون و ثقبه الاسود .. وهذا قمة الكبر و زراعة الكبر والاعجاب بالنفس الخ ، و إلا فعلى ماذا يجذب الاناني الذي لا يفكر الا بنفسه الآخرين والاشياء ايضا ويجعلها تدور حول هذه النفس الانانية الغير جذابة بل المنفرة ؟

انها خدعة الاحساس بالكبر ، ليتهم قالوا : تنجذب انت لاهدافك ، بل قالوا تنجذب الاهداف اليك . مع انهم يأمرونه بالجد والكدح والذكاء والعواطف المصطنعة .. و ما دامت الاشياء تنجذب فلماذا يبذل مجهوده ؟ انه خداع بفكرة العصا السحرية ،         
اقتباس :
فالقدرة على نجاح الفريق والمجموعة تعتمد على الذكاء العاطفي للمجموعة وليس الذكاء العقلي .

ومن شروط الذكاء العاطفي للعمل مع فريق :


-
القدرة على تقبل الرأي الآخر .
-
القدرة على الاعتراف بالخطأ وتغيير الرأي .
-
القدرة على الهدوء عند الاختلاف .
-
القدرة على الخلاف البناء .

ومن أسس الذكاء العاطفي إدارة الوقت ..

فمن استطاع أن يتحكم في نفسه استطاع أن يتحكم في وقته . وهذا يحتاج إلى جهد كبير وتصميم ,ومن مباديء تنظيم الوقت : -التخطيط اليومي لما يجب فعله .-ألا يكون البرنامج مزدحما . – ان يكون مرنا . – تقسيم الامور وتنظيمها وتقديم الأهم . –ومراعاة التوازن بين حاجات الروح والجسد والعقل بعدم إهمال جانب منها .
فالناجحون يحرصون على راحتهم وإجازتهم حرصهم على العمل والإنجاز ومن ذلك حرصهم على تنظيم وقت النوم والراحة ؛ لأن هذا يدفعهم إلى العمل والنشاط
والخلاصة :
فإننا يمكن أن نعرف الإنسان الذكي عاطفيا بأنه يحمل الصفات التالية :
-
إنسان يعرف نفسه بضعفها وقوتها ويقرأ مشاعره باستمرار.
-
إنسان يتحمل المسؤولية في علاقته مع الآ خرين
-
إنسان متعاطف ويتفهم مشاعر الآخرين
-
إنسان متفائل لا يشله الخوف من الفشل والعقبات
-
إنسان يعشق لعبة التغيير فيتقبل النقد ويسعى للأفضل
-
إنسان متسامح لا يحمل حقدا ولا غلا ولا ينشغل بكره أحد .

الرد : 
كيف يستطيع تنظيم وقته وهو يقرأ مشاعره ؟

حوار حول المادية (15)



ياسين :


مقتبس من الوراق: هل الماركسية فكر باطني ولا يعرفه إلا الخواص؟ أو تجلي رباني لا يستطيع أن يصل إليه أحد إلا المصطفين الأخيار ؟ ، كل الناس قرأت عن الماركسية ! أليست مادية إلحادية لا تؤمن إلا بالحواس؟ وتفسر كل شيء من خلال المادة ؟ وتتصارع مع الفكر الرأسمالي (شريكها في نفس الرحم المادي) من خلال سيطرة البروليتاريا العمالية على أساس أنهم منتجون؟ وأن تتولى الدولة الملكية خصوصاً أدوات الإنتاج، وأنها تفسر التاريخ من خلال صراع الطبقات؟ .. ماذا بقي أيضاً من تجليات ماركس العظيمة؟! كل هذا الكلام خاطئ فكرياً ومنطقياً ولا نتكلم عن الفشل الواقعي ، لأنها تعتمد على الجزئية والنظرة المادية الوحيدة الجامدة للحياة والإنسان.. من أين خرجت المادية ؟ خرجت من صندوق باندورا المادي اليهودي الغربي الذي خرجت منه بقية الشرور ذات النزعة المادية.. والمادية لم تخرج أي فكر راق واحد ..


لا الماركسية ليست باطنية بل هي علنية و كتبها متوافرة في المكتبات الألكترونية, لكن لا يتم قراءتها و يتم نقدها. و هذا أسوأ نقد في العالم أن تنتقد ما لا تعرف. ربما عليك قراءة الماركسية حتى تعرف بنفسك ما هي الطبقات المتصارعة و التي تولد حركة التاريخ. و عند مقارنة هذا الكلام مع ما تعرفه حول الحروب التاريخية ربما تعرف أن الماركسية ليست بهذا الشر. و ربما لن تغير نظرتك, المسألة أذواق.

الرد :

اذواق ؟ هل انت الان تجيب وتجادل بذوقك ؟ أنا لم اقرا شيئا كما تقول ، أنت قرأت كثيرا في الماركسية وطبقاتها العظيمة ، فلماذا لا توضح بحيث تبين خطا كلامي وتزيد ما لم اطلع عليه من اصولها ولو باختصار شديد ؟ انت سكت عما قلته انا عن الماركسية ، وسكوتك يعني الموافقة ، ومعنى هذا انني قدمت نبذة عن الماركسية ولست جاهلا بها كما تزعم ، بدليل انك لم تخطئ نبذتي .

اما مسألة اذهب واقرا كل ما قيل عن الماركسية ، فهذا مخرج ضعيف جدا وليس بحجة ، و كل من لا يقدم لك فكرا يعجبك ، تستطيع ان تقول له اذهب واقرا .. بعد هذه الكلمة ، هناك كلمات يجب ان توضع : اذهب واقرا "كما قرأت أنا وبعيوني انا وعقلي أنا، حتى اقول لك انك قرأت" . مثلما من اعتاد ان يشرب الماء بكاس معين و نكهة معينة ، فلو وجد احدا يشرب ماء من انبوب أو صنبور ، فلن يعتبره قد شرب الماء !

ومن الخطأ أن تطالب محاورك بمراجعك عن موضوع ، لو انني اتكلم عن الكتب الماركسية لجاز لك ان تقول : اذهب واقراها بتمعن . انا لا اقدم تحليلا عن الكتب الماركسية ولا بصدد اعداد دراسة عنها . انا اتكلم عن فكرة رئيسية تدور حولها الماركسية وأنت لم تخطئها واكتفيت بطلب القراءة (اتهام بالجهل) وانصرفت عن الموضوع . لأنني لم اتعامل معه بنفس عاطفتك .. و الباقي لا قيمة له في الحوار لانه يصنف في خانة الذوق كما قلت . انت تراها عظيمة وتستحق الوقوف عند كل سطر و تامله ، و ربما لا يخلو سطر منها من موضع سجود بالنسبة للمعجبين .

اذا طالِب المعجبين بالقراءة ، اما غير المعجب ، فكيف يقرأ و هو غير معجب ؟ ولماذا لم يعجب بها وهو لم يطلع على اي شيء منها ؟ التقييم لا ياتي الا بعد الفهم ، والحكم على الشيء فرع من تصوره . غير المعجب بإمكانك ان تطالبه بأن لا يخرج عن فكرتها الاساسية ، و هذا هو الحد الكافي في نقاش غير المعجب . اذا كنت انا تلميذا ماركسيا و معجبا بها ، سيكون جميلا ان توجهني لكتب لم أقرأها وتطالبني بالاستزادة .   

ياسين :

مقتبس من الوراق:
عليك أن تنحي هذا التفسير الباهر العبقري قليلا ولا تسرع إليه مباشرة ، وبإمكانك العودة إليه بعد أن تتم بحثك ، كـ : الدين من صنع الإنسان والأخلاق من صنع الإنسان وغيرها ، فلماذا هذه النتيجة المسبقة غير العلمية؟ ودليلهم على أنها من صنع الإنسان : ان الإنسان هو من قالها ، وما يقوله الإنسان هو من صنع الإنسان
!


إذا الأديان هي من منشأ خارق موجود, و أفترض أنك تميز بين نوعين من الأديان هما الأديان الوضعية و الأديان السماوية. و حسب تعريف الأديان الوضعية هي الأديان التي ابتكرها البشر لأنفسهم, بينما الأديان السماوية هي التي جاءت من عند الله و هي اليهودية و المسيحية و الاسلام, الأديان أكثر من هذه الأديان الثلاث, و انتشار الاسلام و المسيحية الكبير هو نتيجة توسع الدول التي تدين بهذه الأديان, بالمقابل أكبر دين هو دين وضعي يؤمن أفراده بأنه وضعي و هي البوذية . المهم أنت تقر أن معظم الأديان هي صنعة بشرية و إلا فأنت لا بد أنك تؤمن بزيوس و عشتار و ألهة الهند التي لا أذكر أسماءها. أنا و أنت نتفق حول معظم الأديان و نختلف حول "الأديان السماوية" رغم أن المسلمون ينظرون لليهودية و المسيحية على أنها أديان محرفة أي نصف بشرية. فإذا كانت معظم الأديان هي صنعة بشرية لماذا تشذ هذه الأديان الثلاث عن القاعدة. رغم أن هذه الأديان الثلاث لا تختلف عن باقي الأديان الوضعية في تقدير الأخلاق, و كل هذه الأديان لها قصة ما حول خلق الكون, و كلها لها قصص حول الحياة بعد الموت.

الرد :

هل اصحاب الاديان الوضعية يعترفون بانها وضعية ؟ و ايضا يقدمون قصصا عن نشأة الكون ويعترفون ان هذه القصص من وضعهم ايضا ؟ ام اننا نحن نصنفها هكذا ؟ هؤلاء اذا روائيون وليسوا اصحاب اديان ! كلهم يعتقدون بصحة اديانهم و انها ليست وضعية ، او ان البشر الذين وضعوها لهم صفات عليا غير بشرية كالبوذية مثلا .. اذا لا يعتبر هذا التصنيف إلا عند اصحاب الديانات السماوية أو الملحدين بالاديان كلها و يكون له معنى من حيث الفارق بين سماوية و وضعية . اما اصحاب الوضعية فهم لا يرون انها من تأليف اناس عاديين وملفقة ، والا لما تبنوها .

أنا لا اتفق معك على تسميتها بأنها ديانات وضعية 100% ولو اتفق معك غيري . كل الديانات تقر بوجود خالق للكون وعاقل و حكيم و مطلق القدرة ، وكلها تحث على الخير و تبتعد عن الشر ، رغم الاختلافات والاخطاء ، وحتى الديانات متعددة الالهة لها اله كبير و مرجع اخير . وجود الخالق هو اصل الديانات السماوية ، وهذا هو اهم جزء فيها ، فكيف نقول عنها انها وضعية 100% ؟؟ لكن تفاصيل الفكرة وتحريفها وتخريفها هو الوضعي . حتى الديانات السماوية كالمسيحية واليهودية : هل كل ما فيها سماوي ؟ أم أن البشري فيها اكثر ؟ حتى صار الاله يلد مثل البشر ؟

الدين في اساسه واحد : سماوي ، ولا يستطيع البشر ان يخترعوا دينا اصلا . والا لاستطاع الملاحدة . والشعوب الهمجية يستطيعون ان يخترعوا عرافين وسحرة ، ولكن لا يستطيعون أن يخترعوا فكرة تجريدية لاله في السماء .. لان حياتهم على الارض ، وهم مشغولون بحياتهم وبقبائلهم ، ولا فائدة مادية من اختراعهم لاله في السماء ، على الاقل يجعلوه في ارضهم وقريبا منهم وله تأثير مباشر عليهم ، كالشمس او البحر او النهر الخ .

البشر يستطيعون ان يخترعوا خرافات لاشياء لها صلة بحياتهم ، و لكنهم لا يستطيعون ان يصنعوا دينا تجريديا سماويا ؛ بدليل : أن الديانات السماوية الصافية تحوّل الى بشرية محلية جزئية ، اذا الواقع يشهد بصحة هذه الفكرة . وهذا يثبت الخطأ الكامل لتحليل الماديين لنشأة الدين ، هذا الخطأ هو صعوبة ان يتحمل اكثر البشر فكرة الاله المجرد ، و يعملون جاهدين على تجسيده او قريبا من تجسيده .

و كل الديانات السماوية كانت تعاني من تسرب الشرك و عبادة الاصنام والصالحين ، اي تعاني من التجسيد البشري ، وهو تحويل المجرد الى مجسد . اذا كيف يخترع البشر الها مجردا و هم بالكاد لا يتحملون فكرة اله مجرد ؟ ولا يعرف عنه اي معرفة مادية ؟ ولا مكان وجوده ؟ بينما التحليل الملحد المادي يقول بالعكس تماما ، بأن الاديان بدأت مجسدة ثم معددة ثم موحدة و مجردة ، اي على عكس الواقع البشري تماما و تركيبته العقلية . اذا هي فكرة لا يشهد عليها الواقع البشري كما هي عادة الافكار الملحدة الشاطحة عن الواقع .   

اذا كل الاديان التي تسميها وضعية ، اساسها كان سماويا ، ونسبة التحريف والتجسيد تتفاوت بالنسب المئوية . طبيعة التقديس البشري تميل الى التجسيد وليس الى التجريد ، فأنت تحب ماركس مثلا ، هل يسرك ان لا يبقى اي اثر لماركس ولا حتى منزله ولا ادواته واقلامه وكتبه ؟ طبعا لا ، بل تحب ما يكتشف منها و تتمنى ان تشاهدها وتلمسها وتنظر اليها باجلال وتعظيم ..

هكذا نفهم ان التقديس يميل الى التجسيد وليس الى التجريد . لهذا اتخذ بنو اسرائيل من الذهب الذي يحبونه عجلا جسدا له خوار بدلا من اله موسى المجرد في السماء .. و كل الاصنام لم تعبد لانها حجارة او تماثيل جميلة ، بل من باب التجسيد لاناس صالحين يعرفون الله المجرد . فصار احترامهم من احترام ذلك المجرد وطلبا للبركة فيهم والشفاعة ، كما قال عباد الاصنام لقريش (ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى) ، على طريقة التجسيد البشرية .

العقل لا يستطيع ان يتصور شيئا معنويا خالصا ، الاحساس فقط هو الذي يستطيع ، لانه يتعامل مع القيم والفضائل و هي مجردة ، والمشاعر اصلا كلها مجردة لكن العقل يلبسها ملابسا ، لان العقل مبني على اساس مادي ، فالحب مثلا : هل تستطيع ان تتخيل شكله او ماهيته ؟ لا ، لكنك تعرف كيف تعبر عنه او يعبر عنه غيرك . و هذا هو الفرق بين الشعور و بين العقل المعتمد على الصور الخارجية من عالم المادة .

حتى الديانات السماوية لم تسلم من تلك اليد المحرفة والمغيـّرة إلا القرآن . وإن كانت تحاول في تاويلاته و توجيهات نصوصه . اذا كل تغير في الديانات السماوية ، نجده ينحو نحو التجسيد و ليس التجريد .

الانسان عادة يعمل شعوره و يتدخل عقله بهذا العالم الشعوري ، فيلبسه مظاهرا معينة حتى تكتمل الصورة الشعورية والعقلية معا ، وهكذا يفعل البشر مع الاشياء التي يحبونها و تتحول الى تقديس ، و مع الاشياء التي يكرهونها ايضا ، ويضعون لها رموزا وصفات و هيئات مادية ، مع ان الكره والمحبة مشاعر ، والمشاعر مجردة بلا شك .

في حين نجد ان القرآن يبعدنا عن الناحية العقلية المادية في معرفة ذات الله ، و يبقي على الناحية الشعورية عندما قال : ليس كمثله شيء ، اي كل ما في العقل ليس كمثله ، و هنا اغلق باب التجسيد الذي يبدأ بالتصور العقلي الذي يلبس الشعور ، بينما في حياتنا العادية نستعمل هذا التجسيد ، فإذا قالوا لنا عن بطل شجاع ، تخيلناه والبسناه صورا مما نعرف ، و لهذا نستلذ للرواية التي نقرأها اكثر من كونها معروضة كفيلم . لانها لا تسمح لنا بالتصور . أو قد تكون الاشكال التي يعرضونها غير مناسبة لتصورنا ، فنقول : لماذا جعلوا هذا الممثل هو البطل ؟ لأنه بعيد عن ما تصورناه .

لهذا لا يستطيع البشر ان يخترعوا دينا مجردا . لأنهم يفتقدون نصف قدراتهم المعرفية و يخالفون عادتهم في التصور ، والتصور يلح على التجسيد الواقعي دائما ، فلو استطاع المُخرِج ان يجعل الشخصيات والاماكن مثل ما هو في بالك ، حينها سيكون الفيلم افضل من الرواية . فالاصل ان الشيء الذي تراه افضل من الذي تتصوره ، وما التصور الا محاولة رؤية ، فتتخيل انها واقعية . اذا ليس من المعقول ان يبتعد البشر عن التجسيد الذي يحبونه و يألفونه ، إلى اختراع الهة يؤمنون بها ولكنها مجردة و تبقى في حيز الشعور فقط .

اذا التحليل المادي والملحد يبدوان بعيدان جدا عن الواقع ، ولو صدقناهما لكان الناس يسحبون رغما عنهم الى التجسيد في مقدساتهم ، ولكنهم ينطلقون منها الى التجريد !! مما جعلهم يصلون في الاخير الى غايتهم بإيجاد الهة سماوية مجردة !! وهذا عكس الواقع تماما .. وهذا التحليل يجعلنا نفهم كل الديانات القديمة والحديثة بما فيها ما يسمى بالطوطمية وعبادة الاوثان والكواكب والاشجار والقبور الخ .. انها كلها بنيت حول دين سماوي في الاصل ، ثم اخذت في التجسيد شيئا فشيئا لتبتعد عن الاصل وتـُعبد الرموز بدلا من المرموز له ، و تبنى الخرافات حول هذه الرموز ايضا . وهذا يفسر لنا نشأة الخرافات الدينية التي تدور حول الاديان . و ما تزال تنشأ وتتطور حتى تستقل عن الاصل .

كل امر يهم البشر قابل لان تبنى حوله خرافات ، و ما الخيال العلمي الا من هذا الباب : بناء خرافات حول العلم . اذا الخرافة لا بد لها من اصل تبنى عليه ، و الديانات الخرافية كان لها اصل سليم ، انبنت حوله حتى غطته . مثلما ان العلم حقيقي وانبنى حوله الخيال العلمي الخرافي . هذه عادة البشر : لا يبنون الخرافات على فراغ .

فإذا كان لدى شعب من الشعوب الهة خرافية مجسدة ، فما هو الاصل الذي انبنت عليه ؟ لا بد انها انبنت على اصل مجرد ، ففي موضوع الاديان ينطلق العقل البشري من التجريد الى التجسيد ، و ما الخرافة الا محاولة تجسيد لفكرة مجردة . اذا من اين اتت الفكرة المجردة بينما العقول البشرية لا تصنع الا تجسيدا ؟

كل الخرافات مادية و لا توجد خرافة مجردة ، هذا ما يصنعه البشر . اذا هم في الخرافات والتحريف يصنعون المادي مقابل غير المادي ، والمجسد مقابل المجرد ، و هكذا تأخذ الفكرة واقعيتها .. وإذا راينا مجسدا ، يجب علينا ان نبحث عن مجرد يقابله كان هو اساسه و اصله .

أشكال التجسيدات الدينية كثيرة و لكن المضمون المجرد واحد ، تماما مثل مضمون الكرم ، تجده واحد ، ولكن تجسيداته تختلف من مكان لآخر . اذا فكرة وجود اله هي حاجة شعورية مثلها مثل حاجة الكرم ، لأن كلاهما تاخذ تجسيداتها تبعا لظروف اي شعب . اذا الله موجود في شعور الانسان مثلما الحب موجود و مثل بقية المشاعر ، وكلها تأخذ تجسيدات تختلف باختلاف العمر والبيئة والمجتمع والثقافة ، كل يحب على طريقته ويكرم على طريقته ويعبد على طريقته .
المعنويات ترفض التجسيد , بدليل أنها تتغير وتتبدل, ومهما تبدلت لا يرضى الشعور, لهذا الحركة في التجديد دائمة. 
معذرة على الاطالة ، ولكن هذا الكلام يحتاج الى شيئين فقط : اما اثبات خطؤه او الموافقة عليه . وعدم اثبات خطؤه يعني الموافقة عليه ضمنيا .

العقل لا يستطيع ان يصنع فكرة مجردة ، لأنه يعتمد على معلوماته المادية من خلال الحواس . و كل تعاطي عقلي مع الدين ينحى به نحو التجسيد والمادية والمنطق المادي . بينما الدين السليم اساساته تعتمد على الناحية المعنوية المعاكسة في قوانينها لقوانين المادة . العقل البشري يحاول ان يعرف ، والعقل وسيلة معرفة ، فكيف يذهب بنفسه ليبتعد عن الفهم العقلي من خلال التجريد ؟

لهذا البشر لم يخترعوا فكرة الدين ، بل اخترعوا الخرافات حولها ، لان الخرافات تشبه طريقة تفكيرهم . اما التجريد فليس بمشابه لطريقة تفكيرهم وتعاطيهم . (إن الدين عند الله الإسلام) . اي انه اساس كل الاديان .          

ياسين :

إذا هذه "الأديان السماوية" و الوضعية متشابهة في مضمونها و لا تختلف سوى بنوع الآلهة, من إله واحد "لم يلد و لم يولد" إلى "أب و ابن و روح قدس" إلى عائلة من الآلهة, هذا هو الجزء الوحيد المختلف بين الأديان. فمن المنطقي أن ننظر لكل الأديان على أنها جميعها وضعي و ليس أغلبها "كما تفعل أنت"

و للحديث بقية

تحياتي

الرد :

هل هذه المقدمة تفضي الى هذه النتيجة ؟ و كيف افضت اليها منطقيا ؟ هذا يعني اتفاقا على الفكرة الاساسية وهي حتمية وجود اله ، واختلافا في تصوره . اي انهم متفقون في ناحية الشعور ومختلفون في ناحية العقل ، مثله مثل الشجاعة و الكرم : كل البشر متفقون على سمو هذا الخلق و حقيقة وجوده ، لكنهم مختلفون على الكيفيات و الطريقة .. و بعضهم يرفض طريقة بعض في الكرم و يستهجنها ، لكنه لن يرفض احترامه لهذه الفكرة ولا يستطيع ان يجعل شخصية البخيل سامية في نظره .

هذا يثبت اصالة الفكرة في الشعور الانساني ، مثلها مثل فكرة وجود اله كريم وخير وصادق ومنصف وعليم سميع بصير ، و لو لم تكن حقيقية لما اتفق الجميع عليها مثلما اتفقوا على جمال فكرة الشجاعة والكرم واختلفوا في تفصيلاتها .

اذا و مثل ما بينت من قبل : كل الديانات لها اصل واحد يختلف الناس في ترجمته عقليا و واقعيا . اذا فكرة الدين ليست فكرة مخترعة . بل هي اساسية في شعور الانسان ، بدليل ان الملحد نفسه يعاني من فراغ روحي ، كما يقرون هم انفسهم ، اذاً هو عطـّل حاجة اساسية في نفسه ، لذلك لا يزال الملحد يدور حول الدين وهو لا يعلم انه يدور ، ويحاربه محاولا التخلص من هذا الفراغ . والا فلماذا ينشغل بأمر ثبت له انه خاطئ و تافه ؟

الملحد يلحد بالتدريج البارد ، ولكنه يرجع الى الايمان بالله والفضائل بثورة بركان اذا قدر له . الالحاد يحتاج الى قدر هائل من احتقار المشاعر والانسانية وقدرا اكبر من احتقار العقل وتحمل قبح الحياة وعبثيتها .  

بل ان فكرة الالحاد هي المخترعة في القرن الثامن عشر ولم تعرفها البشرية من قبل و ليس الدين . اذا فكرة الالحاد و المادية فكرة وضعية ، تحاول ان تفرض نفسها ولكن النفوس لا تقبلها وان قبلتها فعلى مضض ، بدليل التفكير الدائم في موضوع الدين ومحاولة اثبت خطؤه رغم الالحاد . و غلطته الكبرى انه يحارب حاجات اساسية في الانسان ، و حتى يضرب حاجة العبودية السامية ، لا بد له ان يضرب الحاجات السامية الاخرى ، لان بعضها يفضي الى بعض من خلال النظرة الى الانسان على انه كيان مادي مصلحي كالدودة تماما ، وأن ما يفعله من اخلاق و يسمو بها ، ليست الا مصالح مادية في الاخير تماما كالدودة .

و في نظري ان إغفال اي جانب أساسي في الانسان لا بد له ان يفشل ، فما بالك اذا كانوا يهمشون كل الحاجات السامية في الانسان (ما يسمى الإنسانية) ؟ هذا اقرب الطرق الى الفشل ، و سيبقى الانسان انسانا حتى لو قالوا له انك لست الا حيوانا متطورا ، و حاجاتك هي حاجات الحيوان ، فقط تطور اسلوبك في تناولها . فبحركة واحدة من شعور الانسان ، تنسف كل هذه الفذلكة الضعيفة ، لأن الشعور لا يقاوَم ولا يمكن كبته الى الابد . لانه باختصار غرائز عليا في الانسان وليست دخيلة عليه وهي التي ميزته عن عالم الديدان ..

كل مجسد مادي ، والفضائل ومن ضمنها الدين لا يدركها الا من يحترم الشعور المجرد و يتعامل بموجبه ويعتبره كافي .
و شكرا لحوارك الهادئ و صبرك الجميل .. 

(( انتهى الرد الثالث للزميل ياسين ))
*************************************************************************************************

(( الرد الاخير للزميل ياسين ))

الزميل الوراق:
أظن أن هذا النقاش لم يعد يعنيني. فما تنتقده أنت غير الذي أقوله أنا , أي بمعنى تركب ما تريد و تنتقده و من ثم تكتشف أن كلامي متناقض مع ذاته , و كنت أتمنى لو أنك تنتقد ما أقوله أنا و ليس ما تفترضه أنت. فمثلاً أن تستنتج عندما ضربت نفسي كمثال حول السلوك الذي ينتهجه المادي في حياته أني أبرر سلوكي و أتبرأ من نهجي الفكري لا يعد كلاماً موضوعياً.

إذا كنت تعتبر كلامي هو صخرة صماء ملساء فلم يكن لدي مشكلة أن تدخلها بل لم يكن لدي مشكلة أن تكسرها و تفتتها و تحولها إلى حصً و رمال لكن عندي مشكلة عندما تقول أن ما قدمته من كلام هو عبارة عن الحصى و الرمال و تطلب مني أن أنظف المكان بعد حملة التكسير التي قمت أنت بها.

سعدت بالنقاش معك كان تمريناً جيداً.

آه على فكرة ليس لدي مشكلة إذا كنت تعتبر هذا تهرباً من النقاش أو هزيمة. لكني لم أجد من التهذيب أن أترك النقاش دون وداع.

تحياتي.

الرد :

اشكرك على ادبك الجم والنادر حقيقة عند اصحاب هذا الاتجاه .. واذا انا بنيت تركيبا ، كان بامكانك ان تفتته ايضا ، لكن لا ادري لماذا لم تفعل ذلك . كما اني لا اعتبر خروجك هروبا ، بل اقدر لك استمرارك الى هذا الحد .

لقد استفدت من حوارك الكثير ، و شكرا على لطفك ..


انتهى .